Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label الأرجنتين. Show all posts
Showing posts with label الأرجنتين. Show all posts

Wednesday, January 29, 2025

نهاية هتلر بين الحقيقة والخيال

نهاية زعيم ألمانيا النازية أدولف هتلر النقاش بين المؤرخين حتى يومنا هذا بين روايتين, الأولى إنتحاره في مخبأه المحصن أسفل مبنى المستشارية في العاصمة برلين وبين هروبه الى مقاطعة باتاغويا في الأرجنتين على الحدود مع دولة تشيلي في مقاطعة باتاغويا التي تتميز بموقعها الجغرافي وطبيعتها الخلابة. كما أن مصير هتلر كان غامضا فإن مصير كبار القيادات النازية الألمانية مازال لغزا حيث لم يعثر عليهم أحياء او أموات. ولعل ما يزيد اللغز غموضا هو تواجد قيادات نازية في دول أمريكا اللاتينية حيث قبض على ضابط القوات الخاصة(العاصفة) في دولة الأرجنتين من الموساد الإسرائيلي ونقل الى دولة الكيان الصهيوني حيث تمت محاكمته وأعدم سنة ١٩٦٢ ونثر رماد جثته في البحر الأبيض المتوسط.

الرواية الشائعة عن انتحار أدولف هتلر وعشيقته إيفا براون التي رواها المؤرخ الأمريكي وليام شاير تتعارض مع رواية أخرى للكاتب والمؤرخ البريطاني ايان كيرشو في أنه وبعد دخول هتلر وإيفا براون الى غرفة هتلر الخاصة في المخبأ المحصن فقد مرت فترة من الصمت حيث لم يسمع الحارس الذي كان يقف على باب الغرفة صوتا من داخلها وعندما دخل وجد هتلر وإيفا براون متوفين نتيجة ابتلاع سم السيانيد الذي يؤدي الى الوفاة مباشرة. بينما الرواية الرسمية الشائعة أنه وبعد تناول هتلر وإيفا براون سم السيانيد, فقد قام هتلر بإطلاق الرصاص على رأسه من مسدس حربي ودخل حراس هتلر الى الغرفة وبناء على أوامره, قاموا بإحراق جثته وجثة إيفا براون.

 كتاب "الذئب الرمادي: هروب أدولف هتلر(Grey Wolf: The Escape of Adolf Hitler)" الذي نشر سنة ٢٠١٣ حيث بنى المؤلفان, سايمون دونستان (Simon Dunstan), جيرارد ويليامز (Gerrard Williams), وجهة نظرهم في الكتاب حول هروب هتلر الى الأرجنتين اعتمادا على مجموعة من الوثائق والأدلة وشهادة الشهود.

الفرضية التي حاول المؤلفان شرحها في كتابهما والتي تعرضها بسببها للكثير من الهجوم وأن ضمن نظرية المؤامرة, أن هتلر قد نجح في الهروب من ألمانيا بعد اتفاقه مع الأمريكيين على تسليمهم أسرار الحرب النازية خصوصا مشاريع عسكرية غاية في التعقيد منها مشروع الطائرة الشبحية والمدفع العملاق والقنبلة الذرية الألمانية, وأماكن إخفاء الكنوز والتحف الفنية والثروات خصوصا السبائك الذهبية التي نهبتها القوات الألمانية أثناء تقدمها في أنحاء أوروبا. المثير للدهشة أن هناك إشاعات تدور حول أبحاث نازية على مشاريع لها علاقة بتكنولوجيا مرتبطة بكائنات فضائية ومركبات فضائية كانت تزور ألمانيا من فترة الى أخرى. القوات الأمريكية كانت مهتمة أثناء تقدمها في الأراضي الألمانية بمسألة أخرى مهمة وهي القبض على أكبر عدد ممكن من العلماء الألمان ونقلهم للعمل على مشاريع في الولايات المتحدة.

الأدلة التي يسوقها الكثيرون حول إنتحار هتلر تعرضت خصوصا الجمجمة التي كانت محفوظة في أرشيف الإتحاد السوفياتي وفيها أثر رصاصة قد أصبح من الواضح بعد فحصها من خبراء مختصين أنها تعود الى إمرأة وليس رجل. كما أن المزاعم أن جثث أدولف هتلر وإيفا براون قد تم إحراقهم في ساحة حديقة مبنى المستشارية حيث كان هتلر يتحصن بالقبو وذلك بعد انتحارهما ليلة ٣٠ نيسان/أبريل/١٩٤٥ تفتقد الى المصداقية. وعلى الرغم من الغموض إلا أن هناك الكثير من الأخبار التي قد تدعم الرواية حول هروب هتلر منها أن هناك مسؤولين رفيعي المستوى في الجيش الألماني والحزب النازي قد تمكنوا من الهروب وقبض على بعضهم منهم أدولف إيخمان الذي كان يعيش بشخصية مزورة في الأرجنتين ويعمل في أحد مصانع السيارات الألمانية.كما أن هناك أخباراً تظهر بين الفينة والأخرى عن العثور على مخابئ محصنة في غابات الأرجنتين قد تم إستخدامها من القادة النازيين الفارين من ألمانيا أو حتى قاعدة عسكرية ألمانية في القطب الشمالي. إن Zwy Aldouby أحد مؤلفي كتاب وزير الموت(Minister of Death) والذي يتناول سيرة حياة أحد كبار ضباط قوات العاصفة الألمانية(إس إس) أدولف إيخمان ذكر أن مارتين بورمان شوهد في أحد مناطق بوليفيا النائية وأنه عاد الى الأرجنتين سنة ١٩٧٢ بعد إعادة  فوز خوان بيرون بانتخابات الرئاسة في الأرجنتين.

هناك الكثير من الأدلة التي ذُكرت في الكتاب وتدعم وجهة النظر حول نجاح أدولف هتلر في الهروب من ألمانيا الى الأرجنتين حتى وفاته فيها بشكل طبيعي من المرض والشيخوخة سنة ١٩٦٢ عن عمر يناهز ٧٢عاما. الدليل الأول أن مارتين بورمان, سكرتير هتلر الشخصي ومهندس عملية الهروب لم يعثر على جثته وأن الجثة التي عثر عليها قرب مبنى المستشارية تعود الى شخص آخر. أسرة مارتين بورمان رفضت رواية وفاته ولم تعترف بذلك ولم يبدو عليهم أي مشاعر حزن على وفاته. الدليل الثاني هناك مسؤولين نازيين آخرين إختفى أي أثر لهم منهم منهم هاينرش مولر, أحد كبار ضباط جهاز الجستابو المرعب, وأن الجثة التي عثر عليها مدفونة في برلين لم يثبت أنها جثة هاينرش مولر. الدليل الثالث بيتر بومجارت, طيار ألماني قدَّم شهادته خلال إعتقاله في أحد السجون البولندية حول قيامه بنقل هتلر وعشيقته خارج الأراضي الألمانية وقيامه بنقل عدد من أقارب إيفا براون خارج الأراضي البولندية. الدليل الرابع أن ستالين بنفسه لم يكن مقتنعا أن هتلر قد إنتحر كما أن الجنرال السوفياتي الشهير جورجي زوكوف صرَّح بأنه ليس مقتنعا برواية إنتحار هتلر.

دمتم بخير

عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة

الوطن او الموت

النهاية



Wednesday, September 22, 2021

النهضة الإقتصادية في دولة الباراغواي وأسباب حرب التحالف الثلاثي

أحد صفحات التاريخ المفقود الذي لم يسمع عنه الكثيرون كان حرب الحلف الثلاثي أو الحرب الوطنية العظيمة كما يطلق عليها في دولة الباراغواي. ثلاثة دول هي البرازيل, الأرجنتين والأوروغواي تحالفت ضد دولة الباراغواي حيث استمرت الحرب (١٨٦٤-١٨٧٠) وكانت نتيجتها كارثية على جميع الدول المشاركة فيها خصوصا الباراغواي التي يقال حسب أكثر التقديرات تفائلا أنها فقدت ٦٠% من سكانها مساحات من الأراضي لصالح خصومها خصوصا الأرجنتين. الدول التي خاضت تلك الحرب المجنونة خسرت مئات الآلاف من القتلى والجرحى وجبال من الديون, بينما بريطانيا العظمى حصدت غنائمها.

بريطانيا العظمى أو الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس كانت منذ بداية الثورة الصناعية دولة لا يشق لها غبار في الميدان العسكري خصوصا البحرية الملكية البريطانية التي كانت تجوب بحار العالم وتفرض هيمنتها على المعابر التجارية البحرية. الثورة الصناعية التي بدأت في بريطانيا أدت الى فائض في الإنتاج مما أدى الى البحث عن أسواق خارجية حيث كانت المستعمرات البريطانية مكانا مثاليا. الحكومة البريطانية حاربت الصناعات المحلية في المستعمرات خصوصا المنسوجات وأغرقت الأسواق بمنتجات مصانعها كما في الهند التي حكمتها بريطانيا منذ سنة ١٨٥٨ تقريبا.

والحقيقة أن التجار البريطانيين تحكموا في حركة رؤوس الأموال العالمية وتدفقات الذهب والفضة من العالم الجديد منذ حركة الكشوف الجغرافية التي أعقبتها حركة استعمارية على نطاق واسع. دول مثل إسبانيا والبرتغال كانت تستورد البضائع البريطانية خصوصا المنتجات الفاخرة وتدفع ثمنها بواسطة الذهب والفضة وذلك بدلا من الإهتمام بتحقيق نهضة صناعية حقيقية. إن تلك الدول قد دفعت ثمن أخطائها حيث تمكنت بريطانيا من المنافسة والسيطرة على حركة التجارة العالمية وتأسيس أول منطقة تجارية أو جمركية موحَّدة, البداية الحقيقة أو النهضة الحقيقية للرأسمالية المعاصرة.

أمريكا اللاتينية كانت في الظاهر منطقة نفوذ لدول أوروبية مثل إسبانيا, البرتغال بينما أحكم رأس المال الانجليزي سيطرته عليها. دولة الباراغواي هي أحد دول أمريكا اللاتينية التي كانت خلال القرن التاسع عشرة أكثرها تقدما رغم طبيعة حكمها الفردي ولكنه حقَّقَ الكثير من الإنجازات بسبب إتباعه سياسة حمائية تعتمد تشيجع الصناعة المحلية وفرض ضرائب مرتفعة على الواردات الأجنبية وتأسيس قطاع مصرفي مستقل. التقدم الإقتصادي في دولة الباراغواي وصل الى درجة أنه اختفاء ظواهر مثل التسول والأمية حيث كان لا يوجد طفل في الباراغواي لا يجيد القرائة والكتابة. إن تلك السياسات واجهت معارضة من بريطانيا التي كانت تخشى من انتشار العدوى بين الدول الأخرى مما يعني كساد البضائع البريطانية.

أسباب حرب الحلف الثلاثي غير واضحة والدور البريطاني فيها غامض ولكن بريطانيا هي المستفيد الأول والأخير. الباراغواي خسرت ٦٠%-٩٠% من تعدادها السكاني وتم تدمير جيشها و اسطولها البحري وأما دول الحلف الثلاثي فقد خسرت عددا كبيرا من القتلى بالإضافة الى ديون الحرب التي كانت تلك الدول تدين بها الى بنوك بريطانية خصوصا بنك لندن, بنك روتشيلد وكذلك بنك إخوان بيرينغ(Bering Brothers) بفوائد مرتفعة. 

التفاصيل حول النهضة التي حققتها دولة الباراغواي خلال القرن التاسع عشرة وأسباب حرب التحالف الثلاثي والدور البريطاني كثيرة ومتعددة ولكنني أكتفي بما ذكرت حتى لا أطيل الموضوع. وقد أذكر بعض التفاصيل في التعليقات مما يؤدي الى صورة أكثر وضوحا وشمولية.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Thursday, March 25, 2021

عن كرة القدم, السياسة وحقوق الإنسان

إن الجدال حول المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع في سوريا هو جدل سفسطائي لايمكن من خلاله الوصول الى إجابة حاسمة. الأسلحة الكيميائية وحقوق الإنسان ليست إلا مجرد شماعات أو أدوات في أيدي الدول الغربية حتى تبتز بها الدول المارقة والتي يمكن تعريفها أنها الدول التي تعارض سياسات ومصالح الدول الغربية. الدول المارقة أو محور الشر هي دول مغضوب عليها أمريكيا لأنها إما تمتلك أسلحة دمار شامل أو إقتصادها مغلق على الشركات الغربية أو البنوك والصناعة النفطية فيها مؤممة. السياسة عبارة عن لعبة مصالح وترامب أعلنها صراحة أنه يريد حصته من النفط السوري. إن الرئيس السابق لم يكن يبحث عن النفط بالمعنى الحرفي للكلمة ولكنه كان يبحث عن موطئ قدم. هل تذكرون فيلم "300"؟ الملك الفارسي طلب من ليونايدس ملك إسبرطة بعضا من التراب والماء رمزا للخضوع.

خلال بطولة كأس العالم المقامة سنة 1978 في الأرجنتين والتي فازت فيها الأخيرة, إستخدمت البطولة أداة سياسة بمعرفة الفيفا وموافقتها. الأرجنتين التي كانت تحت الحكم العسكري تلقت معاملة تفضيلية حيث كانت تلعب مبارياتها ليلا بعد معرفة نتائج الفرق الأخرى وفازت في النهاية بالكأس بعد إتهامات بالفساد ودفع الرشاوي للفرق الأخرى. ديكتاتور تشيلي أوغستو بينوشيه وصل الى الحكم عبر إنقلاب عسكري دموي حيث إختفى عشرات الآلاف من المواطنين ولم يعرف مصيرهم حتى يومنا هذا ورغم ذلك قامت الولايات المتحدة بحمايته حتى وفاته. اللجنة العسكرية في الأرجنتين لم تكن بأفضل حالا حيث كانت مسؤولة عن إختفاء عدد يقدر بثلاثين ألف شخص وهي مأساة جسدها النجم المبدع أنطونيو بانديراس في فيلم "Imagining Argentina". بطولة 2022 التي من المقرر إقامتها في قطر تم شرائها وتفجرت عدة فضائح دفع رشاوي حيث تحولت الفيفا الى أكثر المنظمات الرياضية فسادا. وعلينا أن لا ننسى تملق حكام قطر الى اللوبي الصهيوني خلال منافسات التصويت والدعاية التي قدمتها قطر دفاعا عن موقفها في استضافة البطولة.

ولكن هناك حلفاء تخلت عنهم الولايات المتحدة وتركتهم الى مصيرهم رغم إخلاصهم إلا أنهم ارتكبوا هفوات لم تغفرها الإدارة الأمريكية. ولعل أشهرهم الشاه محمد رضا بهلوي الذي وقَّعَ إتفاقية شط العرب مع العراق سنة 1975 بدلا من أن يعلن الحرب حيث كان البلدان يعانيان من المشكلة الكردية. كما أن شاه إيران كان على وشك إتخاذ خطوة بتأميم الصناعة النفطية في إيران بعد أن رفضت الشركات الأمريكية والبريطانية زيادة نصيب الحكومة الإيرانية من عائدات النفط. الرئيس السوداني السابق جعفر النميري تم رفض طلبه اللجوء السياسي في الولايات المتحدة رغم دوره الكبير في ترحيل يهود الفلاشا الى دولة الكيان الصهيوني ودفن النفايات النووية الأمريكية في أراضي السودان. ولا ننسى الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف الذي تخلت عنه الولايات المتحدة رغم أنه قام بتحويل باكستان الى حديقة خلفية للولايات المتحدة بإسم الحرب على الإرهاب.

إما قضية الأسلحة الكيميائية وأسلحة الدمار الشامل فهي أكثر من مضحكة. خلال الحرب العراقية-الإيرانية, باعت دول غربية منها الولايات المتحدة وفرنسا أسلحة كيميائية الى الجيش العراقي الذي لم يتوانى عن إستخدامها ضد الجيش الإيراني ويشاع على نطاق واسع أنه إستخدمها ضد الأكراد. ولاحقا, فرضت الأمم المتحدة مدفوعة بالإرادة الأمريكية على العراق الحصار وقام بتجويع شعبه وقصف البنية التحتية من جسور ومنشآت بذريعة أن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل. وقد حاولت الولايات المتحدة أن تستخدم ذريعة أسلحة الدمار الشامل ضد سوريا ولكن محاولاتها بائت بالفشل. دولة الكيان الصهيوني ودول أخرى مثل الهند وباكستان تمتلك السلاح النووي ودول غربية مثل الولايات المتحدة أيضا تمتلك كافة أنواع أسلحة الدمار الشامل. ولعل السبب الذي جعل القوى الغربية تمتنع عن شن هجوم عسكري على كوريا الشمالية هو امتلاكها أسلحة الدمار الشامل.

بريطانيا تقدمت مؤخرا بمشروع ضد سوريا في الأمم المتحدة فيما يتعلق بحقوق الإنسان وهو مشروع قرار فاشل مسبقا بسبب الفيتو الروسي والصيني وذلك أمر جيد. إن روسيا والصين تدركان المثل القائل:"أكلت يوم أكل الثور الأبيض" ولا تثق الدولتان في الوعود الغربية حيث هناك مخططات غربية من أجل تفتيت الدولتين وتقسيمها بإستخدام جماعات الإسلام السياسي التي تقاتل في سوريا والتي ينتمي الكثير من أفرادها الى الصين وروسيا. إستخدام الأقليات المسلمة في الدول المارقة هو أمر ليس بجديد وهو فكرة قديمة منذ أيام الاحتلال الإنجليزي في مصر. الدول الغربية إنتهكت ومازالت تنتهك حقوق الإنسان خصوصا في مستعمراتها السابقة. إن ذكريات الحرب الأمريكية على فيتنام في السبعينيات والتدخل في أمريكا اللاتينية خلال الثمانينيات مازالت حاضرة في الذاكرة. ومن ثم التدخل في العراق وفضيحة السجون والمعتقلات الأمريكية خصوصا أبو غريب. صبي أمريكا المدلل وخادمها الأوروبي المطيع قمع بقوة الإيرلنديين وضرب بعرض الحائط قوانين حقوق الإنسان واستخدم القوة القاتلة والجيش ولعب على وتر الخلافات الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت من أجل تعزيز مواقفه والسيطرة على إيرلندا.

لماذا يقبل العرب أن يحاضرهم الغربيون عن حقوق الإنسان ولا يجرؤون على الانتقاد وتوجيه أصابع الإتهام الى الجهات المسؤولة عن انتهاك حقوق الإنسان على مستوى عالمي؟ الولايات المتحدة تستهدف حتى حلفائها مثل السعودية وتبتزهم بإسم حقوق الإنسان. الصحف الأمريكي التي انتقدت مقتل جمال خاشقجي ذاكرتها مثل ذاكرة الأسماك نسيت أو تناست أن الحكومة الأمريكية إغتالت مواطنين أمريكيين بدون محاكمة وصحفيين تجرأ بعضهم على تخطي الخطوط الحمراء ونشر قصص يندى لها الجبين عن متاجرة الحكومة الأمريكية بالمخدرات من أجل تمويل صندوق أسود يتم الإنفاق من خلاله عن عمليات التدخل في أمريكا اللاتينية. لماذا يتجرأ إعلاميون وصحفيون سعوديون وقطريون على سوريا بينما لم يرد على سبيل المثال إعلامي قطري على الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما حيث سخر من قطر وأميرها. أين كانت محطة الجزيرة ولم لم ترد على أوباما؟

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Saturday, July 6, 2019

الرأسمالية والديمقراطية

خلال مرحلة الحرب الباردة، كانت وسائل الإعلام الغربية تقوم بعقد المقارنات بين الأنظمة السياسية والاقتصادية في الدول الغربية التي توصف بأنها ديمقراطية وأنظمة الحكم في الدول الاشتراكية التي توصف بأنها ديكتاتورية. وسائل الإعلام كانت تركز هجومها على النظام الاقتصادي للدول الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي وأن النموذج الاقتصادي الذي يعتمد على التخطيط المركزي هو نموذج فاشل أدى الى هدر الموارد وأن النموذج الاقتصادي الرأسمالي الذي يعتمد على اللامركزية وعدم تدخل الحكومة في السوق هو المستقبل والضامن لتحقيق النمو الاقتصادي والرفاهية للشعوب. ولكن النظام الاقتصادي الرأسمالي انحرف عن مبادئه التي وضعها عالم الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث في كتابه "ثروة الأمم" حيث سيطر تحالف من بضعة بنوك مركزية وشركات عابرة للقارات على اقتصاد العالم فيما يشبه نظام الاحتكار للسلع والخدمات.
وهناك من يتبنى وجهة النظر القائلة في أن الرأسمالية والديمقراطية هما مصطلحان مترادفان لا يمكن الفصل بينهما. ولكن التجربة اثبتت عكس ذلك وأن النظام الاقتصادي الرأسمالي قد أصبح في حكم الماضي حيث حل مكانه نظام اقتصادي نيوليبرالي أصبح مرادفا للانقلابات العسكرية والقمع والديكتاتورية وازدياد الفقر والهوَّة الطبقية بين فئات المجتمع. الولايات المتحدة تعتبر أفضل انعكاس لتطبيق المبادئ النيوليبرالية التي خرجت من رحم مدرسة شيكاغو الاقتصادية التي يعتبر عالم الاقتصاد ميلتون فريدمان هو الأب الروحي والمؤسس الأبرز لها. معاهد الأبحاث والتفكير التي تتبع تفكير مدرسة شيكاغو الاقتصادية تهاجم باستمرار دول أوروبية بسبب ما تسميه "دولة الرفاه الاجتماعي" وتدخل الحكومة في السوق حيث تعتبر المدرسة الاقتصادية الكينزية التي تتبع مبادئ عالم الاقتصاد الإنجليزي جون مينارد كينز ذات رأي مؤثر.
في دول مثل تشيلي والأرجنتين، ساندت الولايات المتحدة أنظمة الحكم العسكرية حيث وفَّر ذلك فرصة ثمينة كان ينتظرها ميلتون فريدمان منذ الخمسينيات حيث قام ومجموعة من تلاميذه بتقديم النصائح حول ما يعرف بمبدأ (العلاج بالصدمة) لحكومات تلك الدول، خصخصة مؤسسات وشركات الدولة، تعويم العملة، تقليص عدد موظفي الجهاز الحكومي ورفع الدعم عن السلع والخدمات خلال فترة زمنية قصيرة هي أبرز ملامح مبدأ "العلاج بالصدمة." النتائج كانت كارثية بكل المعايير والمقاييس حيث ازدادت نسبة البطالة وتضاؤل حجم الطبقة الوسطى. كما أن الحكومات العسكرية في أمريكا اللاتينية، خصوصا حكومة دولة تشيلي، التي قبلت نصائح فريدمان وتلاميذه قمعت الاحتجاجات المناوئة لها بقوة السلاح مما أدى الى سقوط عدد كبير من الضحايا وتم تسجيل حالات اختفاء بلغت في الأرجنتين 30 ألف حالة لم يعرف مصيرها حتى اليوم وكذلك في دولة تشيلي التي كانت تحت حكم الديكتاتور أغسطو بينوشيه.
المشكلة أن حكومات الدول الغربية لا تمانع في التدخل لإنقاذ البنوك والشركات التي تعتبرها أكبر من أن تفشل في حال تعثرها كما حصل أثناء أزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة 2007/2008 التي بدأت في الولايات المتحدة وتحولت الى أكبر أزمة عالمية حتى تاريخه حيث بلغت خسائر أسواق البورصات والأسهم العالمية تريليونات الدولارات. ورغم أن مبدأ التدخل الحكومي في الأسواق مرفوض وفق مبادئ المدرسة الاقتصادية النيوليبرالية، ولكن حكومة الولايات المتحدة على سبيل المثال ضخت مئات المليارات من أموال دافعي الضرائب لمحاولة إنقاذ بنوك مثل غولدمان ساكس وشركة التأمين الأكبر في العالم (AIG) على الرغم من أنهم تورطوا في المتاجرة بأصول مالية مسمومة وعالية المخاطرة.
إن مجالس إدارة المؤسسات المالية التي تتحكم باقتصاد العالم وعلى رأسها البنوك المركزية ليست منتخبة ولا تخضع الى أي مسائلة من الهيئات التي من المفترض أن المواطنين انتخبوها لتحميهم ومصالحهم، وزير الخزانة الأمريكي لا يحق له دخول مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في مدينة نيويورك بدون موعد يتم تحديده له مسبقا من قبل رئيس مجلس إدارة البنك. بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك التسويات الدولي في سويسرا مملوكة لمجموعة من المستثمرين وأغلب البنوك المركزية في العالم لا تمتلكها الحكومات.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Friday, June 21, 2019

كيف يؤثر إرتفاع سعر النفط على الإقتصاد والناتج المحلي الإجمالي؟

اليابان هي إحدى الدول الأسيوية التي نهضت من تحت رماد الحرب العالمية الثانية وأنقاض مدنها المدمرة لتقوم ببناء قاعدة صناعية وتجارية غاية في العظمة والثروة. ولكن وكما يقولون, فإن وراء الأكمة ما تخفيه وتجري الرياح أحيانا بما لا تشتهي السفن. الاقتصاد الياباني عانى لفترة عشرة سنوات متواصلة من أطول فترة كساد إقتصادي على الرغم من نمو وازدهار الاقتصاد العالمي بمعدلات تصل الى 5%. الكثير من الشركات اليابانية مثل سوني وفي ظل إزدهار مفهوم العولمة واتفاقيات التجارة الحرة نقلت مصانعها الى دول تتوفر على عمالة منخفضة الثمن وذلك حتى تستطيع المنافسة على المستوى العالمي. اليابان عانت من الكساد بسبب تراكم القروض المالية التي منحت بشروط ميسرة وبقيت دون سداد لفترة زمنية طويلة بسبب تردي الوضع الاقتصادي. أزمة 2007/2008 بدأت وإقتصاد اليابان يعاني من الكساد مما يعني أعباء إضافية ترتبت على المسؤولين الحكوميين للخروج من أزمتين في وقت واحد, واحدة داخلية والأخرى خارجية كان من الممكن أن تهوي بالاقتصاد العالمي الى الحضيض.
التجربة الأرجنتينية لمحاربة الكساد وإنعاش الاقتصاد 1989-1990 إنتهت الى تضخم مفرط بنسبة 2000% ومحاولة الولايات المتحدة الخروج من أزمة الكساد التي تسببت بها كارثة الرهون العقارية المنخفضة الجودة 2007/2008 قد تنتهي بكارثة مماثلة مع إجمالي عجز في الموازنة بلغ 14 تريليون دولار وعجز سنوي بلغ 1.7 تريليون دولار في ذلك الوقت. إن قيام بنك الإحتياطي الفيدرالي بشراء سندات دين حكومية تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية بدولارات مطبوعة حديثا وبدون أن يتوسع الاقتصاد ويزداد معدل الناتج المحلي الإجمالي يعني التضخم, ارتفاع أسعار السلع والخدمات والمواد الأولية على مستوى الولايات المتحدة والعالم. الصين بصفتها أكبر حائز لسندات وزارة الخارجية الأمريكية تراقب بشكل مستمر أسعار صرف الدولار الأمريكي مقارنة بغيره من العملات لأن ارتفاع مستوى التضخم  في الولايات المتحدة والعالم يعني خسارة جزء من قيمة السندات التي تحوز عليها وهي تقدر 1.5 تريليون دولار مقيمة بالدولار الأمريكي.
الطلب على النفط سوف يزداد مع نمو الناتج الإجمالي المحلي على مستوى العالم حيث يزداد الطلب على السلع والخدمات. ولكن الاقتصاد العالمي ليس في حالة نمو دائم حيث ينخفض مستوى الطلب على النفط في حالة الكساد وانخفاض الناتج الإجمالي المحلي. ولكن تراجع سعر النفط من مستوى 140 دولار للبرميل الى 40 دولار للبرميل خلال فترة الكساد الاقتصادي التي أعقبت أزمة 2007/2008 لا يحمل الكثير من الأخبار السارة حيث ان سعر 40 دولار للبرميل كان يبدو مرتفعا في أوقات سابقة, أسعار النفط تميل للارتفاع خلال فترات الازدهار الاقتصادي ولكنها لا تعود لمستواها السابق خلال مرحلة الكساد التي تليها. إن ذلك يعني الخسائر لشركات التنقيب عن النفط والتي تعبر عن منظومة اقتصادية متكاملة حيث تتعاظم الخسائر مثل الإنهيار الثلجي الذي قد يبدأ بندف ثلجية صغيرة تتجمع مع بعضها وتتحول لكرة ثلجية ثم إنهيار يجرف في طريقه كل شيء. إن مشاريع تطوير النفط في ولاية ألبرتا الكندية والتي تعني التكلفة المرتفعة بسبب صعوبة استخراج مايعرف بالنفط الرملي(Oil Sands). خلال فترة الكساد التي أعقبت أزمة الرهون العقارية 2007/2008 في الولايات المتحدة, تم إلغاء ماقيمته 50 مليار دولار كندي من مشاريع تطوير حقول النفط الرملي في ولاية ألبرتا. وقد أثر ذلك على مدن وبلدات بكاملها مثل بلدة فورتماكماري(FortMacmary) التي تعتمد بشكل رئيسي على سكانها القاطنين فيها ممن يعملون في شركات التنقيب عن النفط. إلغاء 50 مليار دولار من المشاريع يعني خسارة عائدات وضرائب تجنيها الحكومات الفيدرالية والمحلية وخسارة وظائف في القطاع الخاص وربما الحكومي وخسائر للمواطنين والمقيمين بسبب زيادة في الضرائب قد تفرضها الحكومة لتعويض النقص في الدخل من النفط.
ارتفاع تكلفة إنتاج النفط وازدياد صعوبة الحصول على المزيد من الإمدادات يجب أن تؤخذ في الحسبان حيث أنها إحدى الأسباب التي تمنع انخفاض أسعار النفط الى مستوياتها السابقة في حالة الكساد الاقتصادي. الصين خلال فترة الثمانينيات, كانت تستهلك 2 مليون برميل من النفط يوميا, ولكنها اليوم تستهلك أكثر من 7 ملايين برميل. وفي حالة الكساد الاقتصادي وإنخفاض ناتجها المحلي الإجمالي, فإن إستهلاك الصين للنفط سوف ينخفض ولكنه لن يعود لمستوى 2مليون برميل كما في السابق. هناك عدد من العوامل التي تلعب دورا في ذلك لعل أهمها هو ازدياد قدرة الدول على إمتصاص الصدمات الاقتصادية بدون خسارة عدد كبير من المواطنين لوظائفهم. وهناك عامل الزيادة السكانية التي تلعب دورا مهما في منع انخفاض أسعار النفط في حالة الكساد الاقتصادي الى مستوياتها السابقة.
هناك عوامل أخرى لها علاقة بانخفاض أو ارتفاع سعر النفط ولكنها قد تبدو للبعض ثانوية على الرغم من أهميتها في الحوارات والنقاشات بين المختصين. العامل الأول هو كميات النفط الجديدة المكتشفة التي تنخفض سنة بعد أخرى. العامل الثاني هو إرتباط سعر النفط بسعر صرف الدولار الأمريكي حيث أن الدولار هو عملة الإحتياطي العالمي والعملة التي يتم من خلال بيع وشراء النفط. بالنسبة للعامل الأول, الحديث فيه قد يطول حيث تتعدد الآراء حوله بين مؤيد ومعارض لنظريات ذروة الإنتاج النفطي ونهاية عصر النفط. العامل الثاني له علاقة بالسياسات النقدية للحكومة الأمريكية التي تتجه نحو تخفيض سعر صرف الدولار بما يمنح تنافسية للصادرات الأمريكية. ولكن إنخفاض سعر صرف الدولار أمام العملات الأخرى يعني موجة تضخم سوف تشمل النفط كسلعة أساسية بما يعني ارتفاع سعره حتى في حالة زيادة الإنتاج وانخفاض الطلب.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, July 15, 2018

ماهي أسباب إنتشار اللامساواة وإزدياد الفروقات الطبقية على مستوى العالم؟

هناك الكثير من النقاش حول العالم بين النخب الإقتصادية, رجال الأعمال وخبراء الإقتصاد حول مسألة اقتصادية حساسة هي إنتشار اللامساواة بين طبقات المجتمع أو بين البلدان المختلفة حيث تختلف الآراء حول أسباب إنتشار اللامساواة واتساع الفجوة الاقتصادية وزيادة تركيز الثروة في أيدي فئة قليلة على حساب الأغلبية من الشعوب المكافحة. وكما تختلف الآراء حول الأسباب, فإنها تختلف أيضا حول الحلول المقترحة. أزمة الربيع العربي دفعت بالنقاش حول هذه المسألة الحساسة خصوصا في الوطن العربي الى أولوية حيث كانت هناك وجهة نظر تبناها عدد من المفكرين والخبراء الاقتصاديين أن الأسباب الإقتصادية تعد الدافع الأول خلف احتجاجات الربيع العربي بينما كان رأي الأجيال الشابة مختلفا ويمكن تلخيصه بغياب الحريات خصوصا السياسية و التعبير عن الرأي.
الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي ذكر في كتابه "رأس المال في القرن الواحد والعشرين" أن مستويات اللامساواة قد وصلت لمرحلة تستوجب حلولا عاجلة على المستوى الدولي حيث يمتلك النصف الأفقر من سكان العالم ٥% فقط من إجمالي الثروات بينما تمتلك الشريحة المئوية العليا (١%) ما نسبته ٥٠% من ثروات العالم. وقد ذكر أن السبب الرئيسي هو غياب نظام ضريبي عادل نتيجة التهرب الضريبي وما يعرف بـالملاذات الضريبية الآمنة. توماس بيكيتي قدم اقتراحه بفرض ضريبة على الثروات كحل مناسب لازدياد نسبة اللامساواة على الرغم من تحفظاته فيما يتعلق بنجاح ذالك المقترح الذي يتطلب تعاونا على المستوى العالمي خصوصا فيما يتعلق بالملآذات الضريبية الآمنة أو الجنات الضريبية كبنما وجزر العذراء البريطانية وغيرها.
هناك من يرى أن أسبابا أخرى هي المسؤولة عن مشكلة اللامساواة وازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتلخص في أن غياب مؤسسات المجتمع المدني والحريات السياسية كحرية الرأي والتعبير وحق الانتخاب والشفافية السياسية هو السبب الرئيسي لتلك المشكلة المزمنة. وأن الحل يكمن في توسيع نطاق الحريات السياسية وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني وانخراط الشباب في العملية السياسية. إن تبني ذالك يعتمد على تعريف الازدهار الاقتصادي وما هي المعايير المعتمدة لتصنيف البلدان بين غني وفقير. فعلى سبيل المثال تعتبر الولايات المتحدة بلدا ديمقراطيا ومزدهرة إقتصاديا حيث يتم تصنيفها على أنها بلد غني, بينما على الجهة الأخرى من حدودها هناك المكسيك والتي تصنف على أنها بلد فقير محكومة بحالة من الفوضى وانعدام القانون وغياب الحريات السياسية. كما يتم عقد مقارنات بين الولايات المتحدة وكوبا أو الأرجنتين التي كانت أحد أغنى بلدان العالم خلال فترة ١٨٧٠-١٩٢٠ أو حتى الإتحاد السوفياتي ١٩٣٠-١٩٧٠.
إن السبب الرئيسي لازدياد اللامساواة والفروقات الطبقية واتساع الفجوة الاقتصادية حول العالم ليس له أي علاقة بالحريات السياسية والديمقراطية. الإتحاد السوفياتي يقف على النقيض سياسيا من الولايات المتحدة ولكنه وكما ذكر المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي شهد نهضة إقتصادية متفوقا على الولايات المتحدة خصوصا مع إرسال أول قمر فضائي هو سبوتنك-1 ولم ينحدر الاقتصاد السوفياتي إلى الحضيض إلا مع مع إنهيار جدار برلين والقبول بشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي تتلخص بخصخصة مؤسسات الدولة وشركاتها العامة واعتماد المبادئ الاقتصادية النيوليبرالية كإتفاقية التجارة الحرة والتخلي عن دعم السلع الأساسية والوقود المقدم لمواطنيه. إن حركة الإستعمار التي بدأتها دول كالبرتغال وإسبانيا وهولندا وبريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة وإستمرار التدخلات الغربية في شؤون تلك الدول بعد إستقلالها هو المسؤول الأول والأخير عن وقوع تلك الدول في براثن الجهل والتخلف وتصنيفها كدول فقيرة خصوصا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا التي شهدت أحد أسوأ فصول التدخل الإستعماري الأمريكي والغربي وأكثرها دموية على مر التاريخ.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Friday, October 6, 2017

الأزمة الأخلاقية للنظام الإقتصادي العالمي

إن النظام الإقتصادي العالمي الذي تمثله الرأسمالية ومفاهيم كالخصخصة وتحرير التجارة وتركيز رؤوس الأموال في يد فئة قليلة من أصحاب البنوك والنخب الإقتصادية قد أدى بالعالم إلى حافة الإنهيار الإقتصادي والأخلاقي. كما أن الكثيرين قد ناقشوا الشق الأول بأدق التفاصيل إلا أن الشق الثاني يتم تجاهله بإستمرار لأنه في الحقيقة يفضح الجانب المظلم من ذالك النظام ويمكن تلخيصه بكلمة اللامساواة التي تمثل الجانب الأكثر ظلاما وبؤسا. إن الإقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي قد فضح ذالك الجانب المظلم بالأرقام والإحصائيات الأكثر دقة والتي لم تترك مجالا أو ثغرة لمنتقديه من المؤمنين بقدسية العدلة الإجتماعية التي يمثلها النظام المالي الحالي. وليكن معلوما أن ملخص مايمكن أن نفهمه من قرائة ذالك الكتاب, "رأس المال في القرن الواحد والعشرين," هو إنتقال الحديث عن سيطرة 1% على حجم يزيد عن 50% من حجم الإقتصاد العالمي ورأس المال القومي في عدد كبير من الدول خصوصا في الولايات المتحدة إلى سيطرة 0.1% على أكثر من نصف حجم رؤوس الأموال وحركة التجارة حول العالم. توماس بيكيتي قد ذكر في كتابه أنه مع مرور الوقت وإزدياد تركيز رؤوس الأموال والثروات في فئة 10% من السكان فإن 1% أصبحت تمتلك أكثر من نسبة 9% المتبقية ومع مرور المزيد من الوقت فإن نسبة 0.1% أصبحت تمتلك ثروات ورؤوس أموال تزيد عن 9.99% وعن باقي نسبة 90% من السكان وذالك ينطبق على مستوى العالم كما أنه ينطبق على المستوى المحلي في أي بلد حول العالم مع إختلافات طفيفة متعلقة بأسباب يطول ذكرها في هاذا الموضوع حيث يمكن الإطلاع عليها بمراجعة الكتاب المذكور لمن لديه جلد وصبر على قرائة مئات الصفحات المليئة بالإحصائيات والأرقام والجداول الإقتصادية.
ولن أكون عادلا إن لم أنوه إلى إنجازات الرأسمالية  فتاريخا مليئ بالإنجازات خصوصا وأنني هنا أتحدث عن رأسمالية مدرسة شيكاغو الإقتصادية(فتيان شيكاغو) والذي يعد الإقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان أحد أهم رموزها ولا أتحدث عن رأسمالية أدم سميث مؤسس علم الإقتصاد السياسي, حيث قدم أفكاره ورؤيته من خلال كتابه الشهير "ثروة الأمم," الذي تمثلت من خلاله بداية ملامح وقواعد النظام الرأسمالي. إن المؤيدين لمدرسة شيكاغو الإقتصادية والتي تمثل المذهب الإقتصادي الرأسمالي-النيوليبرالي يتسابقون في ظهوراتهم في وسائل الإعلام المتنوعة على تكرار الإسطوانة المعتادة أنه يعود الفضل للنظام لإقتصادي-الرأسمالي النيوليبرالي في أن يشبع الفقراء رغيف الخبز وأن ذالك هو قمة الإنجاز. وبإستخدام لغة أكثر حداثة فإن ذالك مايطلق عليه, "حد الكفاف-Subsistence Level," هو حلم الفقراء في الجنة النيوليبرالية, أن لا يموتوا جوعا, البقاء على قيد الحياة هو إنجاز بحد ذاته. ميلتون فريدمان ظهر في فيديو مشهور له وهو يختصر الإعجاز الرأسمالي في نظام التسعير لقلم الرصاص. إن النقاش حول مسألة نظام التسعير(Pricing System) الذي وصفه فريدمان بالسحري ليس هو مايجب التركيز عليه بل العواقب الأخلاقية لذالك النظام, فالإستماع إلى شخص يكيل المديح لأحد أسوأ أوجه الرأسمالية-النيوليبرالية ليس إلا مضيعة للوقت فتحقيق الإستفادة القصوى من الوقت المبذول بهدف التعمق في فهم مدرسة شيكاغو الإقتصادية ومبادئها يجب أن يتركز على الجانب الأخلاقي المتأكل بإستمرار بفضل نظام إقتصادي يعتمد تحقيق أقصى قدر ممكن من الأرباح. إن القائمين على الترويج لتلك النوعية من السياسات الإقتصادية الخالية من أي إعتبارات أخلاقية يشبهون من يقوم بالترويج لدواء أعراضه الجانبية أسوأ وأشد وطأة من المرض الذي يفترض بذالك الدواء علاجه. في عالم الرأسمالية-النيوليبرالية فذالك يدعى فن الدعاية والإعلان أو التسويق.
إن هناك عدد كبير من العواقب الأخلاقية التي يتم تجاهلها للنظام الإقتصادي النيوليبرالي الذي يركز على الربحية الفاحشة وذالك عند أي نقاش حول إنعدام اللامساوة في ظل ذالك النظام. فعلى سبيل المثال, دولة تشيلي خلال فترة حكم الجينرال أوغيستو بينوشيه أو الأرجنتين خلال فترة حكم اللجنة العسكرية التي ترأسها الجينرال جورجي فيديلا(Jorge Rafael Videla) تعدان من أوائل حقول التجارب لمدرسة فتيان شيكاغو الإقتصادية. إن دولة تشيلي حيث أطاح الإنقلاب العسكري برئيسها المنتخب ديمقراطيا سيلفادور الليندي على هامش الحرب الباردة كانت حقل التجارب الأول الذي تم فيه منح ميلتون فريدمان وتلاميذه صلاحيات مطلقة في رسم السياسات الإقتصادية. والحقيقة ان سلفادور الليندي لم يكن له علاقة بالشيوعية والسياسات الإقتصادية التي قام على تطبيقها وكثير من بلدان أمريكا اللاتينية هي أقرب للمدرسة الكينزية منها للنموذج الإقتصادي الشيوعي. ولكن نجاح سياسات سيلفادور الليندي الإقتصادية والشعبية التي إكتسبها بسبب تلك السياسات  قد هدد موقع الولايات المتحدة في القارة اللاتينية حيث  بدأت قطاعات واسعة من الجماهير تتطلع إلى دولة تشيلي كقدوة إقتصادية. كما أن الأرجنتين إتبعت سياسات إقتصادية مماثلة لدولة تشيلي وحققت نجاحا كبيرا في ردم الهوة الإقتصادية وتخفيض مستوى اللامساواة فتم التعامل معها بطريقة مماثلة, إنقلاب عسكري دموي. إن العناصر المشتركة المتوفرة التي تتبين لأي باحث قام على دراسة دولتي تشيلي والأرجنتين وماجرى إثر الإنقلابات العسكرية فيهما سوف لن تدع مجالا للشك التطابق المذهل في السياسات الإقتصادية مع مبادئ النيوليبرالية ومدرسة شيكاغو الإقتصادية خصوصا ما يتعلق بحل النقابات, تخفيض الأجور, خصخصة مؤسسات القطاع العام, زيادة نسبة البطالة بسبب تسريح عشرات الألاف من الموظفين وحالات الإختفاء القسرية التي بلغت حوالي 3 ألاف حالة في تشيلي وضعفها, أي 6 ألاف حالة في الأرجنتين حيث ترفع بعض التقديرات العدد إلى 30 ألف مواطن أرجنتيني.
إن ما سبق وذكرته عن دراسة الحالة في دولتي تشيلي والأرجنتين ينطبق على عدد كبير من البلدان مع بعض الفروق الثانوية كالكوارث الطبيعية التي من الممكن أن تستبدل الإنقلابات العسكرية وذالك وفق ما يسمى عقيدة الصدمة(The Shock Doctrine). ففي دولة سيريلانكا ودول أخرى تعرضت لكارثة التسونامي, حلت منتجعات وفنادق شاطئية فاخرة مكان قرى الصيادين بذريعة خلق منطقة أمنة بعيدة عن الشاطئ رغم أن تلك المنشئات السياحية تقع على الشاطئ مباشرة. بل وتم إستخدام أموال القروض والمساعدات في إنشاء البنية التحتية لتلك المنشئات السياحية الفاخرة بينما يدفع الفقراء فاتورة الديون وفوائدها عبر زيادة الضرائب التي يتم إعفاء الأثرياء منها بذريعة تشجيع الإستثمار والقطاع الخاص. تخيلوا أنه حتى في جزر المالديف, تم إخلاء سكان بعض الجزر بالقوة وإنتزاعهم من بيئتهم الطبيعية بذريعة الخطر الذي يشكله إرتفاع منسوب المياه على سلامتهم بفعل التغير المناخي وفي الوقت نفسه منح عقود تأجير طويلة المدى لتلك الجزر لشركات سياحية من أجل بناء فنادق ومنتجعات فاخرة. إن كل تلك الممارسات يتم تبريرها أخلاقيا بفعل نفس الدعاية المضللة التي تستطيع أن تقنع الكثيرين أن إستخدام الفاكهة والخضار في صناعة الشامبويات ومواد التنظيف عمل أخلاقي بدلا من إطعام الجائعين. ونفس تلك الدعاية المضللة يتم بواسطتها تبرير إتلاف كميات هائلة من المواد الغذائية خصوصا القمح عبر رميها في المحيطات بدلا من تقديمها لبلدان تعاني من المجاعة خصوصا في أفريقيا. سكان الشواطئ في سيريلانكا تم حرمانهم من مصدر رزقهم الوحيد فإنضم كثير منهم لمتمردي التاميل فالموت برصاص الجيش أو الموت جوعا سيان بالنسبة لهم. أما سكان جزر المالديف الذين تم إنتزاعهم من اماكن سكنوها وأجدادهم من قبلهم, فقد تم نقلهم لمناطق أخرى بدون بنية تحتية وتفتقر لأبسط مقومات الحياة.
إن الرأسمالية بشكل عام والنيوليبرالية بشكل خاص ليست من الطبيعة البشرية وتعريض مفهوم العلاقات الإنسانية لمبدأ الربح والخسارة تصرف غير مقبول ولايمكن تبريره من الناحية الأخلاقية. إن إنتشار الأمراض والمجاعة والفقر وإنعدام اللامساواة في العالم أمر لا يمكن القبول به بعد إنكشاف الدعاية المضللة بأنه مبدأ "دعه يعمل, دعه يمر" أو "laissez faire" لأدم سميث سوف يقوم على خلق حالة إقتصادية يتم فيها توزيع فوائض الأرباح على قطاعات واسعة من السكان بدلا من إحتكارها من قبل الأقلية منهم. فكيف نقوم على تبرير المجاعة في دول أفريقية عديدة وكميات مهولة من الحبوب تكفي لإصابة سكان أفريقيا بالتخمة يلقى بها في البحر أو كميات بألاف الأطنان من الخضار والفواكه يتم إتلافها بدلا التبرع بها للفقراء وذالك بذريعة المحافظة على مستويات سعرية معينة. أو كيف يمكن تبرير الإستمرار بالدعاية والترويج لخرافة الوقود الحيوي أو (الإيثانول-85) على الرغم من إستهلاك زراعة المحاصيل المستخدمة في إنتاج ذالك الوقود لمساحات شاسعة من الأراضي التي كانت يمكن إستخدام تلك المحاصيل لإطعام الجائعين حول العالم. إن المشكلة التي يعاني منها النظام الرأسمالي ليست متعلقة بالتوزيع أو الإنتاج بل هي مشكلة أخلاقية أولا وأخيرا. إن الأزمات الإقتصادية التي يعاني منها ذالك النظام المهترئ تبطل عمل مبدأ "laissez faire" فهي لا تعمل ومع ذالك يتم السماح لها بالمرور لتخلق أزمات إقتصادية اكبر من سابقاتها وذالك ليس بمسؤولية أدم سميث حيث تمت إسائة إستخدام كتاباته كحائط صد في وجة مزاعم بأن النيوليبرالية تتألف من مجموعة مبادئ قادرة على خلق حالة إقتصادية أقرب للمثالية. تخيلوا أن جواهر لا نهرو ذكر في كتابه, "لمحات من تاريخ العالم", أنه في الفترة بين يونيو\1931 و فبراير\1933 أحرق 14 مليون كيس من البن بما يعادل 132 رطلا للكيس الواحد, مليار وثمانمائة مليون رطل من القهوة بما يزيد عن حاجة كافة سكان العالم لو منحنا كل واحد منهم رطلا من القهوة. وذكر أيضا أن الأزمة الإقتصادية سنة 1929-1933 أدت إلى تضرر القطاع الزراعي وإفلاس المزارعين الذين أصبحوا جياعا وبلا مأوى بعد أن تمت مصادرة أراضيهم ومنازلهم بسبب عدم قدرتهم على سداد قروضهم نتيجة إنخفاض أسعار المحاصيل الزراعية بما لا يكفي حتى لسداد إيجار الأراضي التي يزرعونها. إن كل ما سبق وذكرته هو نتيجة حتمية لإقتصاد بدون أخلاق حيث يتم تقديم التبريرات لمبادئ إقتصادية لا إنسانية تعمل وفق مبدأ الربح الفاحش ونظرية الصدمة بينما في الوقت نفسه تستخدم مبادئ "laissez faire", "دعه يعمل, دعه يمر" وتقسيم العمل في محاولة لخلق صورة إنسانية لنظام إقتصادي جوهره لا إنساني.

النهاية

Thursday, April 28, 2016

ملوك الإنسانية والإعلام الإستعماري, تزييف التاريخ(2)

في الأرجنتين تم إختطاف مجرم الحرب النازي أدولف أيخمان ومحاكمته وإعدامه في إسرائيل. أيخمان كان يعمل كمراقب عمال في أحد مصانع شركات السيارات الألمانية (مرسيدس) حيث كانت الخطط لبناء إمبراطورية مالية وإقتصادية ألمانية في الخارج تجري وبطرق ملتوية على قدم وساق في السنين التي سبقت خسارة ألمانيا الحرب العالمية الثانية. أدولف أيخمان لم يكن مجرم الحرب النازي الوحيد في ذالك المصنع أو في الأرجنتين بشكل خاص وفي أمريكا اللاتينية بشكل عام حيث كانت القارة تمتلئ بهم وبمصالحهم وشركاتهم وأعمالهم التجارية.
السؤال هو لماذا لم نسمع عن القبض على مجرمي حرب نازيين أخرين أو خطفهم من البلدان التي كانوا يتخذونها مكانا للتخفي عن أعين الملاحقة؟ يذكرني ذالك بقصة الهبوط على سطح القمر التي تمت ولمرة واحدة حيث لم يتم تكرار ذالك العمل على الرغم من التخطيط لإرسال مركبة فضاء مأهولة لكوكب المريخ فأي الكوكبين أقرب؟ ولماذا لم نسمع عن تكرار محاولات الهبوط على سطح القمر؟
هل تعلمون حقيقة الثورة الفرنسية وإقتحام سجن الباستيل؟
في سجن الباستيل كان يحتجر عدد كبير من النبلاء الفرنسيين المعارضين للملك الفرنسي لويس السادس عشر وهم أول ضحايا إقتحام السجن حيث تم قتلهم من قبل الرعاع والعامة الذين تم تسليحهم بعد الإستيلاء على حامية السجن ومخازن السلاح فيه. إن تلك النوعية من المعلومات لن تسمعوها ولن تقرأوها في كتب التاريخ المزيفة والمناهج الدراسية التي تمجد الثورة الفرنسية على الرغم من كل الحقائق التاريخية التي تقدم رواية مختلفة ورغم كل اللغط الذي أثير حولها. أحدهم كان له مصلحة في مقتل عدد كبير من النبلاء من نخبة الشعب الفرنسي المعارضين لحكم لويس السادس عشر والذي كان من المتوقع توليهم حكم فرنسا في حال سقوط نظامه.
"إذا لم يكن هناك خيز للفقراء فليأكلوا الكعك" وفي رواية أخرى "فليأكلوا البسكويت" فهل تثير تلك العبارة عند جيلنا المعاصر أي ذكريات؟ الإجابة هي انه يتم تقبلها كحقيقة وأمر واقع ولن أستغرب إن خرجت علينا يوما أحد القنوات بمزاعم إمتلاك تسجيل صوتي لماري أنطوانيت كدليل مادي يقدم في محاكمة تاريخية لتلك الشخصية العظيمة التي تعرضت للظلم وتم تزوير تاريخ كامل لها خدمة لأجندات معينة. حتى أن بعض المصادر تذكر كيف سارت ماري أنطوانيت بكبرياء للمقصلة وكيف يتعارض ذالك مع ماتم ترويجه عنها من إتصافها بالإستهتار والمجون وكثرة عشاقها.
لن نذهب بعيدا في تاريخ الإعلام الإستعماري الذي يتم الترويج له حتى أن فرنسا التي إحتلت الجزائر فترة زمنية بلغت 132 سنة تم فيها إرتكاب الفظائع بحق الشعب الجزائري المقاوم إستشهد فيها أكثر من مليون شهيد. تخيلوا أنه تم إصدار طوابع تذكارية فرنسية عليها صورة جنود فرنسيين بصحبة رؤوس مقطوعة لمواطنين جزائريين بل وإجراء تجارب لقنابل ذرية على أهداف حية عبارة عن أسرى من مواطني الجزائر تم تعريضهم لإشعاعاتها مثبتين على أعمدة في الصحراء. أين من يمجدون فرنسا ويلتحفون بعلمها ويمجدون ثورتها المزعومة؟ إن تلك الثورة تناولها بالتفصيل الفيلسوف الفرنسي الأشهر غوستاف لوبون وكيف تم التأثير على الجماهير وتحريكهم من قبل أصحاب المصالح حيث لمن قرأ كتابه "الثورة الفرنسية وروح الثورات" يستطيع أن يخرج منه بإستنتاج من كلميتن "ثورة رعاع". فلماذا يتم تدريسنا ثورات قام بها رعاع في مناهجنا الدراسية؟ وهل تلك المناهج والأنظمة التعليمية تنتج إلا رعاع ممن يحرقون ويقتلون ويرتكبون أفظع الجرائم ومع ذالك يوصفون بأنهم نشطاء وطلاب حرية ويتم تمجيدهم في وسائل الإعلام المختلفة؟
قضية المجازر التركية ضد الأرمن هي قضية جدلية أخرى تلاعب بها الإعلام الإستعماري وشابها الكثير من الجدل وبالطبع التزوير. هناك مزاعم عن تمرد الأرمن ضد الدولة العثمانية وأنهم هم من قاموا بالبدء بالمجازر وقتلوا مئات الألوف من المسلمين وأن ماقامت به القوات العثمانية كان يدخل في نطاق الدفاع عن النفس. كما انه هناك مزاعم معاكسة  أن القوات العثمانية هي من قام بالمجازر ضد الأرمن أبادوا خلالها أكثر من مليوني أرمني.
فيما يتعلق بتلك المسألة فإنه حتى لو إقتنعنا بوجهة النظر القائلة بأن الأرمن هم من بدء التمرد فلست أظن أن ذالك يبرر كمية الإجرام والوحشية وهتك أعراض نساء الأرمن وصلبهم عرايا وتجويع الشعب الأرمني. أحد الصور المشهورة التي أرخت لتلك الفترة الزمنية تظهر لنا تركيا يتلاعب بأطفال الأرمن الجياع من خلال الإمساك بقطعة خبز يرفعها عاليا بينما هم على الأرض من شدة الجوع والتعب بينما صورة أخرى تظهر صلب نساء الأرمن. يذكرني ذالك السلوك بأحدهم حين يحاول أن يلعب مع حيوانه الأليف. كما أنه هناك العديد من الصور التي تظهر بعضا من الإجرام والوحشية التي كانت في الحقيقة جزأ لا يتجزأ من عقلية الأتراك وطريقة تعاملهم مع خصومهم منذ زمن طويل وهي ليست حالة طارئة مرت على الشعب الأرمني. بدون دراسة التاريخ العثماني وهو تاريخ يتفاخر الأتراك به, وبدون التعرف على العقلية التركية وملامحها النفسية, لايمكن الحكم على مسألة المجازر التركية بحق الأرمن. وفي الحقيقة فإن الأرمن ليسوا هم وحدهم من تعرض لتلك المجازر فالأكراد ديانتهم الإسلام تعرضوا للمجازر حتى يومنا هاذا, والأشوريون وطوائف مسيحية أخرى وقوميات مختلفة تعرضوا للقتل في تلك الفترة حيث فر عدد كبير منهم إلى مدن في سوريا والأردن فتم إكرامهم وكانت لهم مساهمات جدا إيجابية في إثراء الحياة التجارية والثقافية والسياسية في البلدان التي لجئوا لها وأصبحوا جزأ لا يتجزأ من نسيجها الإجتماعي.
هناك صورة مشهورة لجنود أتراك مع رؤوس يونانية مقطوعة حيث أن قطع الرؤوس سلوك متجذر في العقلية التركية وطريقة تعاملها مع خصومها. إن ذالك سلوك مرفوض ولكن الأتراك ليس أول من عمل به ولن يكونوا أخرهم. الحرب التركية-اليونانية أو مايعرف بحرب الإستقلال التركية التي قاد القوات التركية فيها مصطفى كمال أتاتورك وكان رأس الحرب قوات يونانية بدعم بريطاني وفرنسي كانت حربا وحشية إستخدمت فيها الأساليب الوحشية بحدها الأقصى وتبادل الطرفين الممارسات الوحشية ضد بعضهم البعض. الدول الأوروبية المعادية لتركيا وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا قامت بتقديم الدعم لليونان لشن حرب على تركيا هدفها السيطرة على مضيق البوسفور وموقعه الحيوي مقابل ضم أجزاء من تركيا لليونان حيث حاولت قوات الغزو اليوناني والبريطاني الزحف على العاصمة التركية وإحتلالها.
وسائل إعلامية بريطانية شنت حربا إعلامية مؤخرا ضد المملكة العربية السعودية وكبار الكتاب في الصحف الأمريكية شاركوا في تلك الحملة. حتى أن عراب الخراب العربي برنارد هنري ليفي شارك بموضوعا ضد السعودية هو الأول من نوعه ولكنه لن يكون الأخير. موضوع الحملة هو حقوق الإنسان والحريات مثل حرية الرأي والتعبير وقيادة المرأة للسيارة.
المشاكل التي يعاني منها الإعلام السعودي هي نفس المشكلة التي يعاني منها الإعلام في الوطن العربي وهي إنخفاض المستوى الفكري والوعي الثقافي, الجمود المعرفي وأخرها أن تعيين الصحفيين في الوطن العربي لايتم بناء على الكفائة بل الواسطة ومقياس ترموميتر الولاء. كليات الإعلام والصحافة في الوطن العربي تقبل أدنى معدلات النجاح في إمتحانات الثانوية العامة وتلك صفة مشتركة مع كليات الحقوق التي لا يدخلها إلا من تضطره الظروف إلى الحصول على مقعد جامعي في أي تخصص.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
نهاية الجزء الثاني

Friday, January 29, 2016

بين الأرجنتين واليونان...عشرة سنين من الدروس - الجزء الأخير

علينا أن نأخذ في عين الإعتبار حين دراسة الحالة الأرجنتينية أو اليونانية على حد سواء أن هناك حالة من التشابه بين البلدين في العديد من المجالات خصوصا أنهما عانيا فترة طويلة من الصراعات والإنقلابات العسكرية تلتها إنتخابات من المفترض أنها ديمقراطية وإنفتاح إقتصادي. في الحالة اليونانية فإنها إنضمام اليونان لمنطقة اليورو قد أدى إلى عقد من الرفاه الإقتصادي ولكنه لم يكن قائما على مبادئ زيادة الإنتاجية والتنيمة الإقتصادية الحقيقية, بل كان قائما على الدين والفقاعات الإقتصادية.
الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم قام بإجراء إصلاحات إقتصادية ولكنها كانت سطحية وشابتها إتهامات بالفساد وتنفيع أقاربه وبيع شركات القطاع العام بأبخس الأسعار للمقربين منه وبدون أي تطوير حقيقي للقطاع الصناعي الذي يمكن على أساسه بناء قاعدة إقتصادية يمكن الإعتماد عليها في أوقات الأزمات الإقتصادية. المشكلة نفسها سوف تتكرر مع اليونان في فترة زمنية لاتزيد عن عشرة سنين. سعر صرف العملة الأرجنتينية(البيزو) والذي كانت مرتبطة بسعر صرف الدولار الأمريكي في ذالك الوقت على الرغم من أن الإقتصاد الأرجنتيني يقل في إنتاجيته عن نظيره الأمريكي بنسبة كبيرة مما جعل أي محاولة للإصلاح الإقتصادي الحقيقي تواجه عقبة إقتصاد إنتاجي ضعيف وعملة قوية. تلك كانت الوصفة التي أدت بالإقتصاد الأرجنتيني للهاوية بعد فترة زمنية لا تزيد عن عشرة سنين, نفس الوصفة التي أدت إلى أزمة الديون السيادية اليونانية ولكن مع إختلاف بسيط هو أن الدراخما تم إستبدالها باليورو. الإقتصاد اليوناني تحول إلى إستهلاكي وزادت نسبة الواردات على حساب الصادرات وإتجهت الكثير من الأموال نحو الإستثمار في الأسهم والبورصة بدون خلق إقتصاد حقيقي قادر على الصمود في اوقات الأزمات الإقتصادية. كما أن إقتصاد الواردات سوف يؤدي إلى إضمحلال القاعدة الصناعية إن وجدت ويقضي على المشاريع والصناعات المحلية. عملة قوية تعني زيادة الواردات على حساب الصادرات وإنخفاض نسبة التضخم والعكس صحيح. صناعة الغزل والنسيج هي أحد الأمثلة في الحالة الأرجنتينية حيث أنه تم نقل العديد من المصانع إلى دول مثل البيرو حيث العمالة الرخيصة وإنخفاض التكاليف وفي الحالة اليونانية فإن عددا من مصانع الغزل والنسيج قد إنتقل إلى تركيا وبلغاريا منذ إنضمام اليونان رسميا إلى منطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو).
مع إقتراب نهاية الفترة الرئاسية الأولى لكارلوس منعم في الأرجنتين فقد واجه مشكلة إرتفاع مستوى البطالة وتأثيرات أزمة العملة المكسيكية(البيزو) أو مايعرف بإسم أزمة(Tequila). كارلوس منعم فاز بفترة إنتخابية ثانية وفق برنامج يركز على إكمال الإصلاحات الإقتصادية التي بدأها وقيامه بشراء أصوات أعضاء النقابات العمالية عن طريق منح إمتيازات لأعضائها وخصوصا إصدار قانون عمل يعزز دور النقابات ويجعل من الصعب فصل العمال من وظائفهم.
إن التصرفات التي قام بها كارلوس منعم والتي تتعارض مع جوهر برنامجه للإصلاح الإقتصادي خصوصا منح وظائف وإمتيازات لأعضاء في النقابات العمالية لمجلاد إرضاء زعماء تلك النقابات وشراء أصوات إنتخابية سوف لن تشكل مشكلة في حالة تعويم البيزوس ولكن مجال حركته كان ضيقا فسعر صرف العملة الأرجنتينية كانت مرتبطا بالدولار كما أن كارلوس منعم كان معارضا لأية إقتطاعات في الميزانية والقانون العمالي الذي أقره يمنعه بنص القانون من تخفيض الأجور او تسريح العمال. ومع تخصيص أغلب الشركات والمؤسسات الحكومية فلم يكن لدى كارلوس منعم سوى اللجوء للإقتراض من الأسواق الدولية عن طريق إصدار سندات الدين الحكومية.
اليونان عانت من ظروف مماثلة حيث أنه وفي عقب إنضمام اليونان رسميا لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) فقد إستفاد اليونانيون من شروط الإقتراض الميسرة ونسب الفائدة المنخفضة بعد عدة عقود من معاناتهم من السياسات المالية المحافظة المرتبطة بنسب الفائدة المرتفعة. تتمتع اليونان بميزة إحتوائها على أحد أعلى نسبة من الأشخاص يمتلكون منازلهم الخاصة بل ويمتلكون أكثر من منزل, منزل للسكن ومنزل أخر للعطلات ومنزل يقومون بتأجيره. كما راجت موضة إمتلاك السيارات الفاخرة في اليونان وخصوصا سيارات البورش التي سجلت اعلى نسبة زيادة في المبيعات في اليونان وسيارات الدفع الرباعي التي تضاعفت مبيعاتها ضعفين بين في الفترة 2002-2006 على الرغم من الإرتفاع القياسي في سعر وقود السيارات حيث تجاوز الحاجز السعري للبرميل 100 دولار.
في سنة 2010 كانت هناك مبالغ وصلت إلى 8 مليارات يورو من قروض السيارات المتعثؤة في اليونان وحدها بما يساوي 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي. مبيعات السيارات سنة 2010 إنخفضت 63% تقريبا عن سنة 2008.
اليونان تعاني معدل ولادات 9.3 لكل ألف نسمة أي أقل من 1.3% التي يتبناها المتفائلون على الرغم من كون أي حضارة تنخفض نسبة مواليدها لتلك النسبة سوف يكون من المستحيل تصحيح تلك النسبة. مانسبته 54% من المواليد الجدد في اليونان يولد في عيادات خاصة حيث تبلغ التكلفة لعملية الولادة الواحدة 1600(يورو) - 11.600(يورو).
المشكلة أن زيادة الإقتراض والإنفاق الحكومي بدا ظاهرا للوضوح مع إقتراب موعد الألعاب الأولمبية التي سوف تقام في العاصمة اليونانية سنة 2004 حيث تم إنفاق مبالغ هائلة على تحسين الطرق والموافق العامة والخدمات خصوصا المنشئات الرياضية في العاصمة اليونانية على الرغم من كون تلك المرافق والتي كلفت عشرات المليارات من اليوروهات تتداعي حاليا بسبب عدم إستخدامها. الفائدة التي عادت على اليونان من إقامة الألعاب الأولمبية في العاصمة أثينا كانت تساوي صفر. الحكومة اليونانية وسلطات العاصمة أثينا كانت في موقف صعب بخصوص التفاوض مع المقاولين على أسعار التعهدات الموكلة إليهم لتحسين البنية التحتية في المدينة خصوصا نظام المواصلات العامة خصوصا مع إقتراب المواعيد النهائية للإنتهاء من إقامة وتحسين البنية التحتية الخاصة بأولمبياد 2004.
الحكومة اليونانية وبالشراكة مع القطاع الخاص قامت بإرساء تعهدات بقيمة 3 مليار دولار لبناء مدارس عامة, مستشفيات ومباني حكومية على الرغم من كون أغلب تلك التعهدات قد تم تمريرها بدون دراسات كافية وأحاطت بها شبهات بالفساد وتنفيع شركات خاصة مقربة من مسؤولين حكوميين ونقابيين.
على الرغم من كل تلك النشاطات والظهور المفاجئ للثروة في اليونان بفضل إنضمامها لمنطقة اليورو والتسهيلات الإئتمانية فقد بقي أغلب النشاط الإقتصادي محصورا في ثلاثة نشاطات رئيسية الزراعة, الشحن خصوصا البحري والسياحة. أما التوجه نحو الإقتصاد الإستهلاكي فهو لايخلق ثروة خصوصا إذا كان يعتمد على الواردات. اليونان كان يجب أن تتحول إلى بلد صناعي لتستفيد من إنضمامها لمنطقة اليورو حيث كان يجب أن يتم توجيه القروض والمنح الدولية في المجالات الإقتصادية الصناعية مماسوف يعود بالفائدة على اليونان ويساهم في نمو إقتصادها وصناعتها. المشكلة التي عانت منها اليونان قبل إنضمامها لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) أنها كانت تعتمد على الصادرات الرخيصة بسبب عملتها (الدراخما) والتي كان من الممكن التحكم بقيمتها وإبقائها منخفضة وكذالك على الشحن البحري الأكثر منافسة عالميا من حيث السعر ولكن مع إعتمادها لليورو بدلا من الدراخما فقد عانى كل من القطاعين حيث إرتفعت أسعار الصادرات الزراعية وتكلفة الشحن البحري ولم تعد اليونان مكانا رخيصا للتمتع بالعطلات خصوصا من قبل المواطنين الألمان والفرنسيين.
الأرجنتين إنفجرت فقاعتها الإقتصادية حين تم تخفيض قيمة الريال البرازيلي 30% مما ادى إلى إرتفاع أسعار الصادرات للبرازيل وهي شريكة تجارية رئيسية للأرجنتين. تضخم الدين الحكومي هي المشكلة التي عانت منها الأرجنتين نتيجة لذالك حيث أن ربط سعر صرف البيزو بالدولار أدى إلى جعل قيمة البيزو منفصلة عن الواقع حيث أدت ذالك بالإضافة إلى نسبة بطالة عالية, إرتفاع مستوى الدين والإصلاحات الإقتصادية التي تم إتخاذها في القطاع العام إلى وصول الوضع الإقتصادي في الأرجنتين إلى طريق مسدود.
التصريحات الصادرة عن النخبة المتحكمة بالقرار الأوروبي بأن اليونان ليست كالأرجنتين تلقى سخرية لاذعة من قبل بعضهم فهي بالفعل ليست كالأرجنتين بل أسوأ بكثير. مستوى الدين الحكومي السيادي في اليونان تجاوز 100% من الناتج القومي الإجمالي وذالك والكساد الإقتصادي لايتوقع زواله في القريب العاجل ومستوى الدين العام في إرتفاع حاد. إذا كانت الأرجنتين تعتبر مشكلة إقتصادية فالكثيرون يشبهون مشكلة اليونان بالكارثة التي عندما تقع فلن تترك بلدا لن تطوله عواقبها.
اليونان كالأرجنتين تمتعت بفترة طويلة من الرخاء الإقتصادي بمعدل تضخم منخفض وسياسات إئتمانية متساهلة وشروط إقراض ميسَّرة. وهي كذالك عانت من فترة إضطرابات سياسية وإنقلابات عسكرية وكساد إقتصادي تماما كالأرجنتين. المشكلة أن التقارير عن الأداء الإقتصادي للأرجنتين في الفترة السابقة للكارثة بخمس سنوات كانت تمدح السياسات الإقتصادية المتبعة حيث معدل النمو الإقتصادي مرتفع ومعدل الفائدة منخفض ولكن كل ذالك كان بسبب الإنخداع بالمظاهر السطحية وعدم الخوض في جذور المشكلة تماما كاليونان حيث يرفض الجميع خصوصا في الحكومة اليونانية أن سياساتهم الإقتصادية الفاشلة هي السبب في الأزمة التي تكاد تعصف بالإتحاد الأوروبي. الإنفصال بين السياسات المالية للحكومة الأرجنتينية وبين سياسات مجلس النقد الذي يتحكم بسعر صرف البيزو كانت السبب الرئيسي الذي قاد الأرجنتين لأحد أكبر الكوارث الإقتصادية في طريقها فهل سوف يكون إنضمام اليونان لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) السبب في أن تواجه العملة الأوروبية أحد أكبر التحديات في تاريخها؟ هل اليونان هي حصان طروادة الإتحاد الأوروبي؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Wednesday, January 27, 2016

بين الأرجنتين واليونان...عشرة سنين من الدروس - الجزء الثاني

في السنوات الأولى لربط العملة الأرجنتينية (البيزو) بالدولار فقد ساد هناك جو من التفائل بين المستثمرين والبنوك بخصوص المستقبل الإقتصادي المزدهر الذي كان السياسيون يعدون به تماما كما هو الحاصل في بداية سنة 2001 إنضمام اليونان للإتحاد الأوروبي وإعتماد اليورو رسميا سنة 2002 قبل حصول الكارثة سنة 2010 وأزمة الديون السيادية اليونانية وهي أزمة مستمرة حتى وقتنا الحالي.
دوليا فقد ساد جو من التفائل وتم تجاهل التحذيرات من الكارثة الإقتصادية القادمة. بول كورجمان(Paul Krugman) الحائز على جائزة نوبل للإقتصاد سنة 2008 حذر من سياسة رئيس مجلس الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي ألان جريسبان من الطريقة التي كان ينظر بها للعجز في الميزانية الفيدرالية. تسهيلات إئتمانية, معدل فائدة منخفض, زيادة الإنفاق الحكومي وتسهيلات ضريبية, تلك كانت وصفة لكارثة إقتصادية قادمة إن طال الزمن او قصر.
البداية الحقيقة للكارثة كانت بإلغاء قانون جلاس-ستيجال في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وهو القانون الذي تم إقراره سنة 1933 من قبل الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت وملخصه فصل البنوك الإستثمارية عن البنوك التجارية.
منذ بداية إعتماد اليونان للعملة الأوروبية الموحدة(اليورو) رسميا سنة 2002 فقد تمتعت الحكومة اليونانية وحتى المواطنين اليونانيين برخاء إقتصادي 2002-2009 حيث إرتفع التصنيف الإئتماني لليونان وإنخفضت نسبة الفائدة على القروض مما أدى إلى توجه الكثير من رؤوس الأموال للأمور الإستهلاكية كشراء المنازل الفخمة والسيارات الفارهة بينما إزدادت نسبة تضخم القطاع الحكومي وتم منح وظائف لأعضاء النقابات رغم عدم الحاجة لها فعليا وكذالك زيادة الرواتب وإمتيازات التقاعد.
بعض الدول لم تتورط في أزمة الديون السيادية اليونانية ولكن الأكثر إنغماسا كان ألمانيا وفرنسا حيث أن المسؤولين الأوروبيين بشكل عام لم يكونوا في وضع نفسي يؤهلهم للإعتراض على سياسة التسهيل الإئتماني والتي كان لها الفضل في إرتفاع مستوى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو. في تلك الفترة فإن السندات التي تصدرها الحكومة اليونانية كانت تتمتع بنفس الدرجة من الثقة بأي سندات تصدرها دولة من دول الإتحاد الأوروبي بما فيها ألمانيا صاحبة أقوى إقتصاد في مجموعة اليورو.
وكما يقول المثل فإن مصائب قوم عند قوم فوائد حيث على الرغم من إنهيار أسعار السندات التي تصدرها الحكومة اليونانية وتهديد ذالك بكارثة إقتصادية تحل بالإتحاد الأوروبي وإنسحاب اليونان أو حتى طردها من منطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو), فإن هناك من خطط للإستفادة من أزمة الديون السيادية اليونانية التي رأها قادمة لا محالة فهناك من كانت له مصلحة في تلك الأزمة ولذالك عمد عن إخفاء أخبارها عن العامة حتى يستفيد منها في حالة حصولها. البنوك الإستثمارية إستفادت من إصدار الحكومة اليونانية للسندات عن طريق تلك البنوك التي تفرض رسوما مقابل قيامها بذالك بالإضافة إلى قيامها بالبيع على المكشوف(Short Positions) والإستفادة من إنخفاض سعر تلك السندات. الحكومة اليونانية تتمكن من سداد ديونها في موعد إستحقاق تلك السندات في حال تمكنها من إصدار سندات جديدة, أي أنها تدفع الديون بالمزيد من الإستدانة.
وكما حصل في الولايات المتحدة حيث أن التسهيل الإئتماني والإقراض بشروط متساهلة قد أدى إلى أزمة إقتصادية بدأت كندفة الثلج وكبرت حتى كادت على أن تصيب بعدوى الإفلاس العالم بأكمله فإن اليونان تواجه أزمة مماثلة. الموظفون الحكوميون الذين كانوا يتمتعون بإنتاجية منخفضة ولكن في الوقت نفسه بزيادات وحوافز ضخمة سنويا أصبحوا يحتاجون إلى منازل فارهة قد تفوق إمكانيات الكثير منهم على الرغم من رواتبهم المرتفعة. مشكلة من ينظرون بإيجابية لإرتفاع أسعار العقارات على أنه علامة من علامات التعافي الإقتصادي أنهم لا يحسون بحجم الكارثة وأنها تحولت إلى مايشبه الفقاعة الإقتصادية خصوصا حين يكون ذالك الإرتفاع أكبر من قدرة متوسطي الدخل على تحمله. التسهيل الإئتماني وشروط الإقتراض الميسرة قد مكنتهم من تحقيق غايتهم بسهولة. البيروقراطية الحكومية في اليونان قد تضخمت لتقترب من حاجز الميلون موظف وتلك نسبة ضخمة مقارنة بعدد السكان. إن من شروط حزمة الإنقاذ المالية التي تم تقديمها لليونان مؤخرا إحداث إصلاحات إقتصادية تتضمن تقليص عدد الموظفين الحكوميين وبيع قطاعات حكومية خاسرة. تخيلوا حجم الكارثة في حال مثلا عجز نصف مليون يوناني بينهم عدد كبير من الموظفين الحكوميين عن سداد دفعات قروضهم العقارية الشهرية وإنهيار السوق العقاري. إن ذالك لن يكون ندفة ثلج بل إنهيار ثلجي كارثي قد يؤثر على إقتصاديات منطقة اليورو بالمجمل.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, January 17, 2016

بين الأرجنتين واليونان...عشرة سنين من الدروس - الجزء الأول

سنة 2001 تم قبول اليونان في الإتحاد الأوروبي على الرغم من إمتلاكها أحد أكثر الإقتصادات الأقل تنظيما في أوروبا. القبول تم لأهداف سياسية حيث كانت اليونان خلال فترة الحرب الباردة ساحة صراع شرسة بين الرأسمالية الغربية والشيوعية السوفياتية. خلال ثلاثة سنين حقق الإقتصاد اليوناني نموا غير مسبوقا كما أن اليونان إستضافت دورة الألعاب الأولمبية سنة 2004 وفاز فريقها الوطني لكرة القدم لأول مرة في بالبطولة الأوروبية حيث هزم فريق البرتغال في نهائي البطولة.
كانت سنة 1994 مميزة بالنسبة للأرجنتين حيث حق إقتصادها نموا في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 5.8% ونسبة تضخم بلغت 4.2% والتي كانت تعد منخفضة مقارنة بفترات سابقة. الإصلاحات المالية وبرامج الخصخصة التي تمت في تلك الفترة جعلت صندوق النقد الدولي يصنف الأرجنتين كنموذج مثالي للإصلاح الإقتصادي. تلك الصورة المثالية للإقتصاد الأرجنتيني تعد سطحية حيث تخفي أسفلها ميزان تجاري مختل حيث أدى التوسع في الإستيراد إلى خلق فجوة في ميزان المدفوعات وإن تأجل ظهورها بسبب نمو الإقتصاد الأرجنتيني.
الأرجنتين في أوائل سنة 1990 واليونان في اوائل سنة 2000 قد إنضما إلى برنامج تثبيت سعر صرف العملة حيث أدى ذالك إلى إستفادة كل من اليونان والأرجنتين من مناخ إقتصادي عالمي معتدل.
أثناء رئاسة كارلوس منعم للأرجنتين في فترة التسعينيات, فقد حقق الإقتصاد الأرجنتيني نموا غير مسبوق بفضل سياسة تحرير الإقتصاد والخصخصة التي إتبعها منعم. أدى ذالك إلى نمو في الصادرات والواردات وخصوصا في مجال الزراعة حيث تعتمد الأرجنتين على الإنتاج الزراعي بنسبة 58% من ناتجها المحلي الإجمالي. المناخ الإقتصادي العالمي المعتدل الذي تمتعت به الأرجنتين في تلك الفترة كان يعني 40% إرتفاع في أسعار المنتوجات الزراعية ويمكن تلخيصها على النحو التالي:
- تعد الأرجنتين في تلك الفترة المنتج الأول لفول الصويا في العالم حيث إرتفع إنتاج فول الصويا والمنتجات المرتبطة به ثلاثة أضعاف لتصل إلى 3 ملايين طن أو ماقيمته 3 مليار دولار أمريكي تقريبا.
- تعد الأرجنتين مسؤولة عن 75% من إنتاج القمح في أمريكا الجنوبية وخامس أكبر مصدر لتلك المادة في العالم بمعدل إنتاج 14.5 مليون طن. كما تعد رابع دولة على مستوى العالم في إنتاج الذرة بمعدل إنتاج بلغ 13.2 مليون طن
- سعر صرف البيزوس الأرجنتيني كان مرتبطا بالدولار الأمريكي والذي كانت قيمته منخفضة خلال فترة التسعينيات مما ساعد الصادرات الأرجنتينية فيما يتعلق بالتنافسية في الأسواق العالمية.
الإقتصاد اليوناني خلال الفترة الممتدة من بداية سنة 2000 كان معتمدا على ثلاثة أنشطة رئيسية وهي السياحة, الشحن والزراعة وفي وقت الحق بعد إنضمامه للإتحاد الأوروبية نما سوق العقارات اليوناني بشكل سريع. من الممكن وصف الإنتعاش الذي تمتعت به القطاعات المذكورة سابقا على النحو التالي:


- السياحة
إنتعشت إثر أحداث سيبتمبر في الولايات المتحدة وإنخفاض السياحة في الكثير من الدول العربية والإسلامية حيث قفز عدد السياح القادمين إلى اليونان من 10 مليون سائح إلى 17 مليون سائح سنويا.


- قطاع الشحن والخدمات المرتبطة به
كان مسؤولا عن ألاف الوظائف ذات الدخل المرتفع وإستفاد كثيرا من نمو الإقتصاد الصيني


- القطاع الزراعي
كان ذالك القطاع مسؤولا عن 12.5% من الوظائف في اليونان مقارنة بدول الإتحاد الأوروبي الأخرى حيث كان لا يتعدى 3.5%


- قطاع العقارات
شهد ذالك القطاع إزدهارا خصوصا مع سياسة سعر الفائدة المخفض لليورو حيث تضاعفت أسعار البيوت بين سنتي 200-2008


لم يتعلم اليونانيون سنة من الأخطاء التي تم إرتكابها سابقا في الأرجنتين سنة 1990 حيث تم توجيه أموال القروض والمنح نحو إستثمارات غير نافعة ولا تخلق فرصا مستقبلية من ناحية الوظائف والعائدات. الأموال التي هبطت على اليونان بعشرات المليارات تم إستخدامها لإرضاء النقابات العمالية ومنح منتسبيها إمتيازات وزيادة في الأجور. كما أنه تم إستخدام تلك الأموال في خلق وظائف غير ضرورية(بطالة مقنعة) وذالك في سبيل كسب أصوات إنتخابية. الإنطباع الواضح لدى المجتمع الإستثماري الدولي كان الثقة بالدولة الأرجنتينية ووعودها وأن الإقتصاد الأرجنتيني قد مر بمرحلة إصلاح جعلته عمليا وفعالا بينما اليونان كان لها قصة أخرى.
هناك الكثير من النقاط المشتركة بين الأرجنتين واليونان والتي أدت الى الكوارث الإقتصادية التي مر بها البلدان ولايزالان يعانيان من نتائجها حتى يومنا هاذا. في السنوات الأولى لربط عملات البلدين بالدولار فقد إستقرت أسعار الصرف في كل من البلدين وإرتفع مستوى الأداء الإقتصادي مما أدى إلى ثقة المستثمرين الباحثين عن الإرباح في الإستثمار بالسندات الحكومية. المشكلة التي كان البلدان يعانيان منها هي أن إرتفاع الأداء الإقتصادي كان أمرا مؤقتا بسبب الحاجة لتحديث ترسانة قوانين تعيق النمو الإقتصادي كما ان الأموال الناتجة من الإستثمارات الأجنبية تم إنفاقها في محاباة الأحزاب والنقابات عن طريق منح المزيد من الوظائف لمنتسبيها والإنفاق على مشاريع بهدف شراء الولائات والأصوات الإنتخابية.
في الفترة الزمنية بين 1996 ونهاية عام 1997 فقد كان بإمكان الحكومة الأرجنتينية أن تحقق فائضا إيجابيا في الميزانية حيث أن نسبة العجز في بداية عام 1998 بلغت 1.6% حيث تعد نسبة منخفضة. وبحلول نهاية تلك السنة فقد إستحقت الأرجنتين لقب أكثر الدول في أمريكا اللاتينية إصدارا للسندات حيث أن الإصلاحات الإقتصادية الشكلية وثقة المستثمرين قد أدت إلى المزيد من تدفق الأموال التي لم يتم توجيهها في مسارها الصحيح.
الحكومة الأرجنتينية كانت تعلم بحجم المشكلة وتخفي ذالك عن أعين العامة والمستثمرين الدوليين حيث كانت الحكومة تتجاهل في بياناتها الإقتصادية العوامل التي تؤدي إلى زيادة مستوى العجز كسندات الديون السيادية وإستحقاقات التقاعد. برنامج الخصخصة الذي قام الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم بتطبيقه كانت على حساب العائدات حيث تم بيع شركات ومصالح حكومية رابحة بأبخس الأسعار مما أدى إلى تراجع المداخيل الحكومية. التحذيرات من إحتمالية إفلاس الحكومة الأرجنتينية وعجزها عن الوفاء بإلتزاماتها بقيت متداولة في الدوائر المغلقة ولم تخرج إلى العلن. في سنة 2001 بدأ سعر سندات الدين السيادي التي تصدرها الحكومة الأرجنتينية بالإنخفاض حيث قام العديد من المستثمرين بجني الأرباح من البيع على المكشوف(Short Positions) لسندات الأسهم التي بحوزتهم لجني الأرباح مما أدى إلى تعقيد المشكلة.
الأرجنتين تم تصنيفها في الفترة بين 1995-2000 على أنها من ضمن إقتصاديات الدول الناشئة والتي تتمتع ببيئة إستثمارية منخفضة المخاطر بينما اليونان في الفترة التي تلت سنة 2002 فهي لم تكن مؤهلة حتى لتصنيفها ضمن إقتصاديات الدول النامية. إنضمام اليونان للعملة الأوروبية الموحدة أثار تسائلات حول كون اليورو يصنف كعملة صعبة ولكن إقتصاديات الدول المنضمة إليه تتفاوت في المستوى. أزمة الرهون العقارية سنة 2007\2008 نتجت عن دمج مستويات مختلفة من القروض العقارية ضمن أداة مالية واحدة وبضمان مايعرف بإسم (CDO-Collateral Damage Obligation) وتقييم مرتفع مضلل من قبل وكالات التصنيف المختصة(Rating Agencies), يتسائل المختصون إن كانت أزمة الرهون العقارية والأزمة المقبلة لليورو ذات جذور مشتركة؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية