Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label اليونان. Show all posts
Showing posts with label اليونان. Show all posts

Monday, August 22, 2022

الثورة العربية الكبرى ٣

هناك أمر مهم عند الحديث أو نقاش أي موضوع تاريخي وهو التجرد من التعاطف مع أي طرف من الأطراف التي يشملها الحديث وذلك أمر أتفق مع من يذكر أنه صعب بل مستحيل. الصدفة أحيانا تخدم الغرض إن إتَّفق الهوى مع الحدث والوقائع التاريخية. الثورة العربية الكبرى(١٩١٦م-١٩١٨م) هي أحد أهم الأحداث التي رسمت تاريخ المنطقة العربية بل هو أهم حدث كما قد يرى بعض المؤرخين. المشكلة الفلسطينية هي أحد فصول تلك الثورة والحرب العالمية الأولى هي فصل آخر تورط فيها العرب رغما عنهم حيث تحالفت الدولة العثمانية ممثلة في جمعية الإتحاد والترقي مع ألمانيا القيصرية والإمبراطورية النمساوية-المجرية في تحالف دول المركز ضد دول المحور بريطانيا, فرنسا, روسيا القيصرية, صربيا, اليونان ودول أخرى.

إنَّ حالة العداء بين إمبراطورية المانيا القيصرية و الإمبراطورية البريطانية هي السبب المباشر لقيام الحرب العالمية الأولى وإغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند وريث عرش النمسا وزوجته ليس إلا مجرَّد ذريعة كانت تبحث عنها بريطانيا ودول المحور منذ سنة ١٩٠١م حيث كان المسرح مهيئا للحرب وتم التمهيد لذلك من خلال حرب البلقان الأولى والثانية. المنافسة على السيادة البحرية كانت أسباب حالة العداء بين ألمانيا وبريطانيا حيث قامت ألمانيا القيصرية ببناء قوة عسكرية وصناعية بدأت من خلالها منافسة بريطانيا خصوصا سلاح البحرية الألماني حيث كانت السفن الحربية الألمانية هي أول من إستخدم النفط بدلا من الفحم مما منحها ميزة على سلاح البحرية البريطاني وذلك أمر كانت بريطانيا تنظر له بعدم الرضا والقبول.

الدولة العثمانية والتي كان يحكمها خلال تلك الفترة السلطان عبد الحميد الثاني بدأت في تلقي تقارير عن بعثات بريطانية وفرنسية ظاهرها التنقيب عن الآثار والحقيقة هي أنّ مهمة تلك البعثات كان التجسس وجمع المعلومات عن مناطق تواجد النفط مع التركيز على العراق  خصوصا منطقة الموصل. السلطان عبد الحميد الثاني والذي للأمانة التاريخية لم يكن ساذجا أو تنقصه الحنكة والنظرة الثاقبة أعلن عن تحويل تلك الأراضي إلى ملكية مباشرة للعرش السلطاني, أراضي أميرية, وبدأ في التعاون مع ألمانيا القيصرية في محاولة منه من أجل تخفيف الضغوط البريطانية أو هكذا كان يعتقد مما أدى في النهاية الى الإطاحة به. 

إن مشروع خط سكة حديد برلين-بغداد كان أحد ثمار التعاون العثماني-الألماني والذي بدأت بريطانيا تشعر بأنه تهديد مباشر لمصالحها عندما تقرَّرَ أن يمتد الخط الى الكويت والتي كانت خلال تلك الفترة تتبع محافظة البصرة العراقية وتعرف بإسم الكوت. سنة ١٨٩٩م تم توقيع الاتفاقية بين كل من ألمانيا القيصرية والإمبراطورية العثمانية وذلك بتمويل من بنك دويتشه الألماني والذي تمكَّن في الوقت نفسه من الحصل على موافقة السلطان العثماني بإستثمار الثروات الطبيعية مسافة عرضها ٢٠كم على جانبي الخط. علماء الجيولوجيا الألماني منذ سنة ١٩١٣, تحققوا رسميا من وجود النفط بكميات كبيرة في المنطقة التي يمر بها خط السكة الحديدية خصوصا جنوب مدينة الموصل على طول المسافة الممتدة لنهر دجلة. إن الإطلاع على خط السير المقترح للسكة الحديدية يلاحظ أنه يتبع تلك المكامن البترولية بحيث تكون من ضمن حدود 20 كم المتفق عليها على كل جانب من جانبي خط سير السكة الحديدية.

الرد البريطاني جاء سريعا حيث وأنه في نفس السنة ١٨٩٩م, تم توقيع اتفاقية الصداقة الأنجلو-كويتية بين الحكومة البريطانية والشيخ مبارك الصباح الذي كان يلقَّبُ بإسم مبارك الكبير. الحكومة البريطانية قطعت الطريق أمام الدولة العثمانية وحليفتها ألمانيا القيصرية من الوصول الى الخليج العربي ومنه إلى قناة السويس وتهديد المستعمرة البريطانية في الهند, درة التاج البريطاني. إنه أحد أسباب دخول بريطانيا الحرب العالمية الأولى والتي لم تأخذ حقها من النقاش التاريخي هي مشروع خط حديد برلين-بغداد والذي كان تهديدا جيو\سياسيا لمصالح بريطانيا لم يكن من الممكن أن تتغاضى عنه. 

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


 


 


Monday, May 30, 2022

الإرهابي أردوغان يتهم السويد وفنلندا بدعم الإرهاب

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قام مؤخرا بإلقاء خطبة عصماء ألهب بها حماس الجماهير حيث وجه الاتهامات الى السويد وفنلندا بدعم الإرهاب وطالبهم بتسليم 33 من كبار المعارضين الأكراد والأتراك المقيمين في أراضيهم. مجلة التايم البريطانية هاجمت أردوغان ووصفته بأنه يحاول إبتزاز الناتو وأنه لابد من الإلتفاف على موافقة تركيا من عدمه على انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف.

رجب طيب أردوغان ليس إلا أزعر سياسي كما وصفه الرئيس السوري بشار الأسد في إحدى الخطب التي ألقاها بأنه إستعراضي يتوهَّمُ بأنه صانع الأحداث ولكنه ليس إلا أجير صغير عند الأمريكي. وفي لقاء مع قناة آر تي الروسية الناطقة بالعربية وصفه بأنه أزعر سياسي.

أردوغان يحاول الاستعراض أمام الجماهير التركية لأهداف وغايات إنتخابية خصوصا بعد تراجع الاقتصاد وتدهور سعر صرف الليرة التركية. تركيا تحت حكم رجب طيب أردوغان سواء في منصب رئيس الوزراء أو الرئيس تحوَّلت الى أكبر رعاة الإرهاب في العالم بمباركة أمريكية حيث قدَّمت تركيا الى تنظيم داعش الإرهابي والتنظيمات الإرهابية الأخرى دعما مفتوحا حيث سمحت بحرية مرور الإرهابيين عبر حدودها مع سوريا وسمحت بعلاج جرحاهم في مستشفياتها وزودَّتهم بالأسلحة والذخيرة حيث تحوَّلت تركيا الى نقطة توزيع رئيسية للأسلحة التي ترسلها دول غربية الى التنظيمات الإرهابية في سوريا.

أردوغان ليس إلا نموذج ديكتاتور يريد أن يحكم تركيا حكما مطلقا حيث قام بتعديل الدستور من أجل البقاء في السلطة في منصب الرئاسة بعد أن كان رئيسا للوزراء. المثير للضحك هو أنَّ وسائل الإعلام الموالية لأوردوغان وتركيا وحتى وسائل إعلام غربية توجه الإنتقادات حول الديمقراطية وتبادل الأدوار السياسية الى دول مثل روسيا وتتجاهل تركيا نفسها. 

الإرهابي أردوغان بدأ مؤخرا في شن هجوم على الأراضي السورية بهدف القضاء على تنظيم قسد وهو تنظيم كردي سوري من صناعة الولايات المتحدة. ولكن القضاء على التنظيمات الكردية المعارضة في سوريا لا يكون من خلال إضعاف الدولة السورية ودعم معارضيها واحتلال أجزاء من الأراضي السورية ولكن من خلال التعاون مع الدولة السورية والجيش السوري وتعزيز دورهما والتوقف عن دعم الإرهابيين. أردوغان يرى مفهوم الإرهاب من خلال خياراته المزدوجة التي لا أحد يمكنه فهمها إلا أردوغان نفسه. إنَّ أي تنظيم لايخدم أو لايقبل خدمة مصالح تركيا في المنطقة هو تنظيم إرهابي. وعلينا أن لا ننسى كيف أن مقاتلي داعش كان يسمح لهم بالمرور بكل حرية عبر الحدود التركية من أجل قتال التنظيمات الكردية في مدينة عين العرب على الحدود التركية-السورية.

فنلندا والسويد لن تقبل بشروط أردوغان تسليم المعارضين السياسيين لأنهم إما حاصلين على صفة لاجئ أو جوازات سفر فنلندية و سويدية. أردوغان ليس إلا بلطجي مصاب بأمراض الشيزوفرينيا و انفصام الشخصية وأنه ديكتاتور قام بإفتعال حادثة انقلاب مزعومة من أجل تصفية خصومه السياسيين ومعارضيه وأنه هدَّدَ بإغلاق وسائل التواصل الإجتماعي مثل تويتر بعد نشر فضائح فساده وفساد أولاده ورجال أعمال مقربين منه.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية

Thursday, October 7, 2021

أسباب نجاح وفشل الدول في إفريقيا, آسيا وأمريكا اللاتينية

هناك سؤال يراود أذهان الكثيرين عن سبب فشل نجاح بعض الدول التي وصفت بأنها صناعية ومتقدمة بينما دول أخرى توصف بأنها من دول العالم الثالث. والحقيقة أستغرب من وصف دول العالم الثالث بسبب عدم دقَّتِهِ لأنني أتمنى لو أن أحدهم يخبرني عن دول العالم الثاني. يقول البروفيسور والكاتب الأمريكي نعوم تشومسكي:" لا يوجد شيء إسمه بلد فقير, يوجد فقط نظام فاشل في إدارة موارد هذا البلد." كاتب عربي أعتقد أنه محمد الماغوط أو جلال عامر يسخر من تسمية الدول العربية بأنها من دول العالم الثالث لأنه ليس هناك دول عالم عاشر. 

الشعوب مغلوب على أمرها وتلك حقيقة في في الوطن العربي, آسيا, إفريقيا وحتى دول غربية وأوروبية. هناك عامل مشترك بين جميع الدول التي تعاني من مشاكل إقتصادية وإجتماعية وإضطرابات سياسية وهو أنها كانت محتلَّة ومستعمرة تابعة الى دول أوروبية أو غربية وحتى الدول العثمانية التي إستعمرت أغلب الدول العربية. إن تواجد قوات أجنبية في بلد ما فترة زمنية طويلة قد تمتد الى مئات السنين يعني تغيُّرات على مستوى الحياة الإقتصادية, السياسية والإجتماعية قد تكون وللأسف أقولها أنها تغيُّرات دائمة. الرأسمالية هي استمرار للحركة الاستعمارية والتي كانت تهدف الى البحث عن أسواق جديدة من أجل تصريف الفائض من منتجات الدول الصناعية.

الأمثلة كثيرة ومنها اليونان التي كانت تحت الإحتلال العثماني(١٤٥٣-١٨٣٢) حيث يعتبر التهرب الضريبي مشكلة مستفحلة ولها جذور ترجع الى اعتبار التهرب الضريبي من الإحتلال العثماني واجبا وطنيا. الإحتلال العثماني الأراضي البلغارية إستمر ٥٠٠ عام تقريبا وحالها ليس بأفضل من حال جارتها اليونان. الدول العربية خضعت للاحتلال العثماني ٤٠٠ سنة تقريبا ومن ثم أعقبه وبدون أي فترة إستراحة الإحتلال البريطاني والفرنسي وفق اتفاقية سايكس-بيكو وتم منح إسبانيا الفتات بعض المناطق في المغرب ومايعرف اليوم موريتانيا. مقارنة بين مدن سبتة ومليلية التي سيطرت عليهما إسبانيا من المغرب منذ ما يزيد عن ٦٠٠ سنة سوف تجعل فهم التباينات بين دولة عربية وهي المغرب ودولة أوروبية وهي إسبانيا أمرا بسيطا. أهالي المدينتين سوف يرفضون أي إستفتاء حول الانضمام الى المغرب وسوف يفضلون البقاء مع إسبانيا. 

القارة اللاتينية هي أحد الأمثلة على تأثير الحركات الاستعمارية على مستقبل الشعوب والبلدان لمئات السنين القادمة. المكسيك هي إحدى دول أمريكا اللاتينية ضحية جارتها في الولايات المتحدة التي استولت على مناطق من المكسيك لعل أهمها مايعرف اليوم ولاية تكساس و ولاية كاليفورنيا التي تعتبر سادس أقوى إقتصاد في العالم. أمريكا اللاتينية ضحية أكثر من ٤٠٠ سنة من المجازر والإستغلال الذي مازال مستمرا عبر اتفاقيات التجارة الحرة وأدوات استعمارية حديثة مثل منظمة التجارة العالمية, صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. الصورة النمطية عن أمريكا اللاتينية التي تحظى برعاية وسائل الإعلام الرئيسية هي أنها تعتبر مصدرا زراعة وتجارة المخدرات وتصديرها بشكل رئيسي الى الولايات المتحدة نفسها.

أفريقيا هي قارة مظلومة غنية بثروات طبيعية قادرة على أن تجعل بلدانها أغنى من دول أوروبية بل من الولايات المتحدة نفسها. الحركة الإستعمارية أسست تواجدها في دول القارة بسبب تجارة العبيد ثم تطورت الى مجال الزراعة خصوصا محاصيل قصب السكر. وكما كانت أمريكا اللاتينية مصدرا للفضة والذهب في دول مثل إسبانيا والبرتغال, فقد أصبحت دول أفريقية مصدر محاصيل زراعية مهمة مثل قصب السكر ولاحقا الكاكاو والبن ومن ثم تم اكتشاف ثروات طبيعية مثل النفط خصوصا في نيجيريا والألماس في بوتسوانا. صراع الشركات الأجنبية على موارد القارة السمراء أدى الى حروب أهلية, مذابح دموية ومجاعات بسبب عمليات التدخل الأجنبية حيث الإستعمار الأجنبي ثم الحرب الباردة ثم الإستعمار الحديث عبر الشركات العابرة للقارات وإتفاقيات التجارة الحرَّة. نيجيريا هي من أكبر مصدري النفط في العالم وفي القارة الأفريقية ولكنَّ أكبر مدينة عشوائية عائمة موجودة قرب عاصمتها لاغوس حيث الفقر والمرض وإنعدام الخدمات. هناك مناطق شاسعة تضم ملايين السكان في نيجيريا بدون كهرباء أو خدمات, غانا من أكبر مصدري الكاكاو في العالم لكن أغلب مواطنيها لا يقدرون على دفع ثمنه وسيراليون التي تعتبر من أفقر دول العالم في الوقت نفسه من أكبر مصدري الألماس.

إن جميع المشاكل التي تعاني من دول كانت مستعمرات سابقة تعود جذورها الى الحركة الإستعمارية حيث تعتبر تلك الدول مصدر للمواد الأولية وسوق لمنتجات تلك الدول الأوروبية التي تحارب الصناعة الوطنية بكافة الوسائل. كما تعمل الدول المستعمرة على نشر الجهل والتخلف ومحاربة التعليم في مستعمراتها. الإستعمار الحديث هو الوسيلة المتَّبعة حاليا بعد أن تم منح دول إستقلالا إسميا حيث تم إستبدال الأدوات التقليدية وهي الغزو العسكري المباشر بأدوات أخرى أكثر حداثة, رجال يرتدون أحدث البدلات الرجالية وربطات العنق بدلا من الجنود ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بدلا من مصرفيين وبنوك مركزية في دول الإستعمار.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Saturday, April 10, 2021

أزمة الدين السيادي الأمريكي, هل سوف تكون بداية النهاية؟

يقوم البعض بالمقارنة بين أزمة الدين السيادي في الولايات المتحدة واليونان ويحذرون من تكرار سيناريو اليونان وانفجار فقاعة الديون الأمريكية جارفة معها الإقتصاد العالمي إلى هوة سحيقة لا قرار لها.

المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت وعدد من نجوم هوليود وشخصيات عامة قد قامت بالدعوة إلى زيادة الضرائب على الأغنياء في محاولة لتقليص عجز الميزانية وهو ماتم إقراره سنة 2011 حيث قام الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالتوقيع على مرسوم مراقبة الميزانية(Budget Control Act) حيث تم رفع سقف الدين السيادي وبشكل فوري بمقدار 400 مليار دولار.

المقارنة بين الولايات المتحدة واليونان لا تأخذ في الإعتبار إلا الديون السيادية ولكن إذا نظرنا إلى المشكلة بعمق فإن الوضع أسوأ مما يتصور البعض. بالتأكيد فإن وضع الولايات المتحدة فيما يتعلق بدينها السيادي أفضل من اليونان ولكنه أسوأ من دول مثل بريطانيا, كندا, أستراليا أو السويد وكل بلد أوروبي بإستثناء البرتغال, أيرلندا وإيطاليا. عندما قامت مؤسسة الخدمات المالية والاستثمارية مورجان ستانلي سنة 2009 بإجراء تقييم لوضع الدين في الولايات المتحدة أخذة في الإعتبار ديون البلديات والعجز في مستحقات صناديق التقاعد, فإن نسبة الدين\الدخل في الولايات المتحدة 358% مقارنة 312% في اليونان. ولكن إذا أدخلنا في الحسبان العجز في مستحقات الضمان الإجتماعي وخطة الضمان الصحي الحكومية(Medicare) فإن النسبة سوف تكون 911% الولايات المتحدة, 875% اليونان مقارنة بدولة مثل فرنسا تبلغ نسبة الدخل\الدين 549%.

في الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الأمريكي باراك أوباما والتي شهدت أسوأ أزمة إقتصادية ليس فقط في الولايات المتحدة بل وفي العالم فقد تم إضافة مبلغ 5 تريليون دولار لعجز الميزانية وهو رقم يعد كارثيا بكل المعايير والمقاييس.

  • متوسط عجز الميزانية في فترة حكم الرئيس باراك أوباما 1.3 تريليون دولار سنويا او مايعادل الناتج الإجمالي المحلي لأستراليا.

  • إجمالي الدين القومي للولايات المتحدة يبلغ 16 تريليون دولار تقريبا أو مايعادل الناتج المحلي الإجمالي لدول الإتحاد الأوروبي مجتمعة.

  • إجمالي دين الحكومات المحلية في الولايات المتحدة يبلغ 1.1 تريليون دولار بمايعادل الناتج الإجمالي المحلي للمكسيك.

  • دين البلديات على مستوى الولايات الولايات المتحدة يبلغ 1.75 تريليون دولار مايعادل الناتج الإجمالي المحلي لكندا.

  • دين القروض الجامعية يبلغ في الولايات المتحدة تريليون دولار وهو رقم يماثل تقريبا الناتج المحلي الإجمالي لدولة بحجم كوريا الجنوبية.

  • إجمالي الدين في الولايات المتحدة سواء كان فدرالي أو محلي أو على مستوى البلديات أو ديون أخرى يبلغ 57 تريليون دولار تقريبا وهو مايعادل الناتج المحلي الإجمالي لجميع الدول في الكرة الأرضية. إن ذالك يعني أن كل أمريكي منذ ولادته يترتب عليه 200 ألف دولار نصيبه من إجمالي الدين والذي يبلغ 57 تريليون ويتزايد سنويا.

  • وإذا أضفنا الديون التي هي عبارة عن مستحقات ودفعات المترتبة على صناديق التقاعد والضمان الصحي(Medicare) و(Medicaid) والتأمين الإجتماعي(Social Insurance) والتزامات عسكرية طويلة الأمد, فإن الرقم سوف يصل إلى 211 تريليون دولار.

  • متوسط مدخرات الأسرة الأمريكية يبلغ 4 آلاف دولار وهو يعد من بين الأقل مقارنة بنظرائهم في دول أخرى خصوصا دول آسيا مثل الصين.

تلك بعض الإحصائيات البسيطة وهي ليست كما يقولون (Up To Date) ولكنها سوف تساعدنا على فهم المشكلة ولماذا أوشكت الولايات المتحدة أن تنهار بتاريخ 2\أغسطس\2011 وتأخذ العالم كله معها إلى الهاوية. إن منتصف تلك الليلة كان المهلة النهائية للوصول إلى اتفاق بخصوص رفع المستوى المسموح للدين القومي الأمريكي حيث تم الإتفاق على زيادته بمقدار 400 مليار دولار ولولا ذالك لكانت انهارت الدورة الاقتصادية في الولايات المتحدة والعالم فلا رواتب موظفين والنظام البنكي سوف ينهار وتنهار معه قيمة الدولار الأمريكي بسبب موجة بيع الأصول المقومة بالدولار وأهمها سندات الدين الحكومية التي تصدرها وزارة الخزانة.

كما أن المناقشات حول التخفيضات في الميزانية أثير حولها في الكونجرس جدل شديد حيث أن المتحدث بإسم مجلس النواب الأمريكي جون بوهينر(John Boehner) ذكر أنه تم التوصل لإتفاق بإجراء تخفيضات بقيمة 7 مليار دولار في ميزانية 2012 بينما مكتب الميزانية في الكونجرس الأمريكي أقر تخفيضات في ميزانية سنة 2012 تبلغ مليار دولار. في الحقيقة فإن تخفيض عجز الميزانية بمبلغ مليار دولار أو 7 مليار دولار لايهم لأن المبلغ الأخير يمثل عجز الميزانية خلال 37 ساعة, قيمة ما تستدين الحكومة الأمريكية خلال تلك الفترة. حتى المليار دولار تمثل قيمة ما تستدين الحكومة الأمريكية خلال خمسة ساعات وعشرين دقيقة.

هناك مقولة شائعة يتم تداولها هي أنه إذا كنت تدين لبنك بألف دولار فلديك مشكلة أما إذا كنت تدين للبنك بمليون دولار, البنك هو من لديه المشكلة. الولايات المتحدة تدين للعالم بأكثر من 16 تريليون دولار ومن يزعم أن الإستدانة للأبد سوف تبني اقتصادا قويا فهو مخطئ, لا يوجد أي دولة في العالم سوف تكون قادرة على الإستدانة بدون أن تصل لمرحلة إنهيار إقتصادي شامل. ماحدث في مدينة ديترويت الأمريكية ليس إلا سيناريو مصغر لما قد يحصل في الولايات المتحدة مستقبلا فمن كان يتخيل أن أحد مراكز صناعة السيارات في الولايات المتحدة سوف تنتهي إلى مصير مدينة مهجورة بأكثر من 75 ألف مبنى ومنزل خالي من السكان.

هناك مشكلة حكومة متضخمة في الولايات المتحدة, روتين وبيروقراطية كما أنه هناك إختلاف على الأولويات. بتاريخ يونيو\حزيران 2011 فقد أصدرت وزارة التعليم الأمريكية(هيئة فيدرالية) أمرا بإعتقال مواطن أمريكي(kenneth wright) على خلفية قضية تتعلق بقروض الطالب الجامعي(Student Loans) وتم إرسال 15 فردا من فريق من قوات الشرطة الخاصة(Swat team) اقتحموا منزله مع كل الجلبة المصاحبة وقاموا باحتجازه في سيارة الشرطة لمدة ستة ساعات وحجز أطفاله في إحدى غرف المنزل أثناء تفتيشهم له بموجب مذكرة بحث واعتقال. التهمة هي عدم قيام زوجته بدفع أقساط قرض طالب جامعي فتم توجيه تهمة الإحتيال إليها وتهمة لزوجها لقيامه بمساعدتها.

تلك حادثة بسيطة من عشرات الألاف من الحوادث والتي تدل على الفوضى العارمة في القوانين والأنظمة في الولايات المتحدة. تخيلوا كم الموارد التي تم إهدارها من أجل مشكلة كان من الممكن حلها بإرسال رسالة للمدعى عليها تطلب منها الحضور أو من الممكن الحجز على حسابها البنكي أو على راتبها أو مصادرها المالية بدون إثارة فزع أسرة كاملة بتكل الطريقة حيث كان أفراد قوات الشرطة الخاصة كأنهم ذاهبون لإعتقال أحد أكبر تجار المخدرات.

والسؤال الذي يطرح نفسه, هل من الممكن أن يستمر الوضع في الولايات المتحدة على ماهو عليه؟ وماهي الفترة الزمنية اللازمة لتصل الأزمة لنقطة اللاعودة؟

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, November 20, 2016

الجذور التاريخية للأزمة اليونانية وتأثيرها على الإتحاد الأوروبي(4)

الصراع بين تركيا واليونان يعود تاريخه إلى زمن حصار اليونانيين لمدينة طروادة التي إكتشفت إنقاضها في تركيا. في عصرنا الحالي فإن هناك حساسية بسبب دعم الغرب لليونان حتى في حرب الإستقلال التركية والتي شاركت فيها اليونان إلى جانب قوات الحلفاء خصوصا بريطانيا وبسبب رفض طلب تركيا الإنضمام للإتحاد الأوروبي بينما تم قبول طلب اليونان بدون أن تواجه عقبات كبيرة.
الدولتين عضو في حلف الناتو وعلى الرغم من ذالك فهما تخوضان سباق تسلح ويشكل بحر إيجه خط الصراع الفاصل بينهما كما أن اليونان تقع بين منطقتين مضطربتين هما يوغسلافيا السابقة والشرق الأوسط.
تعد اليونان أكثر دولة في الإتحاد الأوروبي إنفاقا على التسلح مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.6% مقتربة من دول كالصين والولايات المتحدة حيث تحتل اليونان المرتبة 24 على لائحة أكثر الدول في الإنفاق العسكري. بينما دولة كتركيا تنفق 5.6% بينما دول كأرمينيا, مقدونيا والبوسنة يشكل الإنفاق العسكري نسبة لا بأس بها من الناتج المحلي الإجمالي. ليس كل الدول التي لديها إنفاق عسكري مرتفع معادية لليونان ولكن هناك واقع ملخصه الكثير من السلاح في مساحة جغرافية صغيرة ومضطربة.
المحادثات بين اليونان وفرنسا إستمرت سنة 2010 في عهد الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي محادثات بخصوص شراء 6 فرقاطات فرنسية بمبلغ 2.5 مليار يورو. تلك المحادثات بدأت سنة 2008 بزيارة ساركوزي لليونان حيث شملت المحادثات بالإضافة للغواصات على تحديث 20 طائرة ميراج فرنسية تمتلكها القوات الجوية اليونانية. الفرع الدولي لشركة رافال لصناعة الطائرات قام بإفتتاح مكتب له في العاصمة اليونانية سنة 2007 لتلبية الحاجات المتزايدة من قبل سلاح الجو اليوناني.
القوات البحرية والجوية لكل من اليونان وتركيا تستمران في التوسع خصوصا سلاح البحرية بينما في دول أخرى فإنه يتم تقليصها. اليونان تمتلك سلاح بحرية يعادل في حجم قواته وعدد السفن الحربية دول هولندا, الدانيمرك والنرويج مجتمعين. ألمانيا وهي ثالث دولة مصدرة للأسلحة بعد الولايات المتحدة وروسيا تعتمد على زبونين رئيسيين وهما تركيا 14% و اليونان 13% من مبيعات السلاح الألمانية. في سنة 2003 فقد أعلنت اليونان نيتها شراء 170 دبابة ليوبارد من ألمانيا.
ولعله كان من الأفضل لحلف الناتو أن يقوم بمحاولة التخفيف من حدة سباق التسلح بين أعضائه بدلا من تدخل الإتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي في اليونان سنة 2010 لإنقاذ الإقتصاد المتداعي عن طريق منح المزيد من القروض من قبل بنوك فرنسية وألمانية على وجه الخصوص. مليارات ومليارات الدولارات ذهب لشراء الأسلحة والسلع من شركات فرنسية وألمانية على وجه الخصوص وكان لذالك أكبر الأثر في تضخم حجم الدين العام في اليونان.
الموقع الجغرافي لليونان يعد ملائما للتجارة وحركة النقل أكثر منه للصناعة والزراعة حيث رقعة الأراضي الصالحة للأنشطة الزراعية محدودة. ولكن ذالك لايمنع من إشتهار اليونان بمحاصيل معينة كالزيتون مما أدى في المجمل إلى سيطرة مجموعة عائلات على مجمل الثروة في اليونان.
هناك خلل في توزيع الثروة في اليونان وينطبق ذالك على الحياة السياسية حيث أن من يدخلونها هم يمتلكون رأس المال والنفوذ حيث ادى ذالك إلى تقسيم حاد للمجتمع اليوناني إلى يسار أو يمين, وبلغة أخرى عمال أو رأسماليين.
اليونان لم تعد تحتل نفس المكانة الإستراتيجية التي تمتعت بها في المرحلة التي سبقت سقوط حائط برلين وإنهيار الإتحاد السوفياتي حيث تغيرت نظرة الغرب لها بعد سقوط حائط برلين والإنتهاء من الصراع في يوغسلافيا. الحكومات اليونانية المتعاقبة حاولت العودة للإنمضمام لنادي النخبة فقامت بإستدانة عشرات المليارات من الدولارات لشراء الأسلحة من شركات غربية, إقامة الألعاب الأولمبية ومحاولة الإنضمام لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) حتى لو كان ذالك بتقديم بيانات مضللة عن حالة اليونان الإقتصادية ومستوى دينها العام.
السؤال هو متى سوف تنسحب اليونان من الإتحاد الأوروبي أو بالأحرى طردها منه وليس عن حتمية حصول ذالك فهي بحسب رأي الكثيرين مسألة وقت لا أكثر ولا أقل.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
نهاية الجزء الرابع

Sunday, November 6, 2016

الجذور التاريخية للأزمة اليونانية وتأثيرها على الإتحاد الأوروبي(2)

اليونان لم تكن الدولة الوحيدة في الإتحاد الأوروبي التي عانت من الإحتلال حيث أن إسبانيا قد قامت بإحتلال هولندا حتى سنة 1581 وفي الحرب العالمية الثانية فإن فرنسا قد تم إحتلالها من قبل القوات الألمانية, الفرق بين اليونان وغيرها أن الإحتلال العثماني قد دام 300 سنة تقريبا.
هناك الكثير من العادات والتقاليد قد تأسست في تلك الفترة بسبب القوانين العثمانية التي كانت تفرض مايعرف بضريبة(الجزية) والتجنيد الإجباري لإبن واحد من بين كل خمسة أبناء للأسرة في قوات الإنكشارية حيث كان يتم إجباره على إعتناق الإسلام والخدمة في الجيوش العثمانية. وبسبب تلك القوانين فإن التهرب من دفع الضريبة وتقديم الرشى للمسؤولين العثمانيين لتجنب التجنيد في الإنكشارية كان يعد مفخرة وواجبا وطنيا حيث إستمرت تلك العادة حتى عصرنا الحالي.
التهرب الضريبي مشكلة موجودة في جميع الدول بلا إستثناء ومنذ قديم العصور ولكنه في عدد من جيران اليونان الأوروبيين فقد إرتبطت تلك المسألة بالإستقلال والدفاع عن سيادة الدولة. في بريطانيا فإن سنة 1798 قد شهدت أول قانون مؤقت بخصوص تنظيم مسألة فرض الضرائب والذي تحول إلى قانون دائم مع مرور الوقت خصوصا أثناء فترة الحرب العالمية الثانية.
في اليونان فإن من تولى إدارة البلاد هم أنفسهم من كانوا مسؤولين عن جمع الضريبة في السابق وهؤلاء كانوا ينظرون للدولة على أنها مصدر دخل وليس كحامية للحريات وحقوق الملكية خصوصا العقارية. حتى أن مسألة المحسوبية كانت مسألة متأصلة ومتجذرة في الثقافة اليونانية بحلول القرن التاسع عشر. في نهاية سنة 1880 وفي اليونان كان هناك 214 موظفا حكوميا لكل 10000 من السكان مقارنة بألمانيا 126 وبريطانيا 73 لنفس العدد من السكان. النظرة التقليدية في اليونان للدولة على أنها كانت تمتلك المال وبالتالي فيجب إغتنام الفرصة والحصول على عمل كموظف حكومي. ومنذ ذالك الحين وطوال 125 سنة لم يتغير الكثير بخصوص ذالك إلا أنها المسألة إزدادت مع إنضمام اليونان للإتحاد الأوروبي حيث زاد تدفق رؤوس الأموال والقروض المنخفضة الفائدة التي صاحبها تضخم البيروقراطية الحكومية عبر خلق وظائف غير ضرورية فيما يعرف بالبطالة المقنعة.
إن إستقلال اليونان عن الدولة العثمانية كان إسميا حيث إستمرت مجموعة دول خصوصا بريطانيا والولايات المتحدة بالتأثير على السياسة اليونانية خدمة لمصالحها في المنطقة. في مؤتمر لندن سنة 1832 فقد تقرر أن يكون نظام الحكم في اليونان ملكيا إثر إنتهاء الإحتلال العثماني وتم تعيين أمير بافاري يدعي (Otto أو Othon) كملك لليونان.
كلمة الديمقراطية هي بالتأكيد ذات أصل يوناني حيث اليونان أقدم دميقراطية ومارست الديمقراطية منذ العصور القديمة بإستثناء فترة الإحتلال الألماني خلال الحرب العالمية الثانية والحكم العسكري(1967-1974). ولكن الديمقراطية اليونانية مختلفة عن غيرها فاليونان منحت حق التصويت لأغلب الذكور من المواطنين اليونانيين سنة 1830 حيث كانت رائدة في ذالك مقارنة بجيرانها الأوروبيين خصوصا الدول التي تعتنق المذهب المسيحي البروتستانتي.
ولكن ماهي نقطة الإختلاف بين الديمقراطية اليونانية وغير من الديمقراطيات؟
اليونان إنتقلت لتلك المرحلة بطريقة مباشرة وبدون مرحلة الصراع الطبقي الذي تمر به الأمم خصوصا في الغرب في إنتقالها من نظام الحكم الإقطاعي إلى نظام الحكم الديمقراطي. اليونان إنتقلت لتلك المرحلة بدون نهضة صناعية حقيقة كالثورة الصناعية في أوروبا وبدون أن يتم تعزيز وجود طبقة الحكم البيروقراطية خصوصا الموظفين الحكوميين الذين كانوا ينظرون للدولة كمصدر للدخل مقابل الخدمات التي يقوم بها أولئك البيروقراطيون لصالحها. ولنقرب المسألة نستطيع تبني مبدأ الضريبة مقابل الخدمات حيث تقوم الحكومة المركزية والحكومات المحلية ومن يمثلها كالبلديات بفرض الضرائب على المواطنين مقابل الخدمات التي تؤديها الدولة لصالحهم كإنشاء البنية التحتية.
النموذج الغربي للدولة يقوم على تكتلات من المصالح التجارية التي تتلقى الدعم من طبقة المستثمرين والتجار والصناعيين والذي بدورهم يتلقون الدعم من خلال طبقة البيروقراطية الحكومية التي من المفترض أنها نزيهة لحد معين وتستمثر في الموارد البشرية والبنية التحتية والتي تعد ضرورية لإستمرار وبقاء الطبقتين السابقتين. إنتقال اليونان وبشكل فوري للنموذج الديمقراطي ومنح الحقوق الإنتخابية للذكور كمرحلة أولى لذالك النظام يضاف إليها سيادة النظام العائلي داخل المجتمع اليوناني قد أدى إلى أن تكون العلاقة مباشرة بين المواطنين وطبقة الموظفين الحكوميين الذين يمثلون الدولة. كلمة (Pelataikai) باللغة اليونانية أو الزبون(Customer) باللغة الإنجليزية هي أنسب كلمة لوصف تلك الحالة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
نهاية الجزء الثاني

Sunday, October 30, 2016

الجذور التاريخية للأزمة اليونانية وتأثيرها على الإتحاد الأوروبي(1)

عندما سألوا زعيم الحزب الشيوعي الصيني زهاو إنلاي (Zhou Enlai) سنة 1970 عن رأيه بالتأثير الذي أحدثته الثورة الفرنسية سنة 1789, كانت إجابته الشهيرة "من المبكر توقع ذالك". إن التغيرات التي فرضتها الثورة الفرنسية على فرنسا قد جعلتها بلدا مختلفا عن ألمانيا أو إيطاليا في العديد من النواحي منها هيكلية الجهاز الحكومي, الأداء السياسي المتفق مع مفهوم الجمهورية كهيكلية سياسية للدولة والشكل العام الذي بالتأكيد ساهمت تلك الثورة في ترسيخه.
تاريخ الجمهورية الفرنسية يبدأ منذ قيام الثورة الفرنسية لأن هيكلية الحكم قبل ذالك كانت ملكية ولكن تاريخ اليونان يعود إلى ماقبل سنة 1789, في الحقيقة هو يعود لألاف السنين التي سبقت ذالك ولكن الماضي مازال يتفاعل مع الحاضر ويؤثر فيه حتى يومنا هاذا. وقد يكون من المبكر الحكم على تأثير الفترة الزمنية التي كانت فيها اليونان تحت حكم الإمبراطورية البيزنطية أو الإحتلال العثماني وذالك على نظامها الضريبي, إدارة قطاعها العام, الإنفاق العسكري, التوتر في منطقة بحر إيجه(Aegean) وعملتها الوطنية.
تقدم اليونان بطلب للإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي قد تم بناء على مفهوم خاطئ لإمكانية التقارب الإقتصادي حيث تم تعزيز ذالك المفهوم ببيانات مضللة تم تقديمها في طلب الإنضمام. وعلى الرغم من أن الفلسفة والأساطير واللغة  اليونانية قد إحتلت مساحة هامة في البنية الأساسية التي قامت عليها العقلية الغربية إلا أنها بقيت محصورة نوعا ما ولم تتمتع بالإنتشار والعالمية التي من المفترض أن يؤهلها تاريخها العميق لذالك. الحضارة الغربية إنتشرت بفضل عالمية اللغة الإنجليزية عندما كانت الإمبراطورية البريطانية تحكم ربع سكان الكرة الأرضية واللغة الفرنسية أيضا تعد لغة عالمية بفضل إنتشار الحكم الإستعماري الفرنسي في عدة بلدان كما أن الثقافة والأدب الفرنسيين تمتعوا بمكانة هامة وحتى اللغة اللاتينية إنتشرت بفضل الثقافة اللاتينية خصوصا الموسيقى والأدب كما أن أمريكا اللاتينية تتمتع بسمعة دولية بفضل تاريخها وأثارها خصوصا حضارات مثل المايا والأزتيك. اللغة اليونانية هي التي رسمت الحدود بخصوص إنتشار الحضارة والثقافة اليونانية وتقبل المجتمعات لها على نطاق واسع لأنها بقيت محصورة في النخب العلمية المتخصصة حيث يعرف مجال دراستها بالكلاسيكي (Classical). هناك مثال بسيط هو أنه من المشهور أن العهد الجديد من الكتاب المقدس قد كتب باللغة اليونانية أو أن ذالك هو القول المعروف بين أغلب المختصين بدراسة التاريخ والحضارة المسيحية وبسبب ذالك فإن النخبة المتخصصة والتي على معرفة باللغة اليونانية القديمة, تختلف عن اللهجة المعاصرة, هم من يستطيعون قرائة وترجمة العهد الجديد من المخطوطات باللغة الأصلية التي كتب بها.
اليونان تحولت إلى مايشبه كعب أخيل في الإتحاد الأوروبي ولكنها برأي الشخصي ليست كعب أخيل الوحيد حيث يبدو أن هناك كعوبا أخرى لأخيل منها إسبانيا والبرتغال وأيرلندا. مشكلة اليونان هي أن قبلت في الإتحاد الأوروبي وفي العملة الأوروبية الموحدة(Eurozone) بدون أن تكون مستوفية لشروط الإنضمام ولا حتى بالمستوى الأدني. كان قبولها داخل الإتحاد الأوروبي قرارا سياسيا بإمتياز يحلل البعض أسبابه بكونها منطقة صراع سابقة على النفوذ بين الإتحاد السوفياتي من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة أخرى.
اليونان ليست مؤهلة للإنضمام لنادي الدول الغربية فهي كانت تحت حكم الإحتلال العثماني 300 سنة تقريبا وقبلها كانت تصنف على أنها من ضمن الإمبراطورية البيزنطية. اليونان لم تشهد إصلاحاحت على الطراز الغربي ونمو الطبقة الوسطى فيها قد تأخر لفترة طويلة مقارنة بدول غربية أخرى مما أدى إلى ظهور مجموعة أمراض مزمنة منها المركزية والإنفرادية في إتخاذ القرار. كما أن هناك الكثير من تأثيرات فترة الحكم البيزنطي بقيت حتى في الفترة التي تلت نهاية الإحتلال العثماني خصوصا السياسات الحمائية وهي تعد سياسة تحيزية لصالح الصناعات اليونانية والمستثمرين المحليين. اليونان تتميز بالملكيات عائلية للمشاريع الصغيرة مع إقتران ذالك بالملكيات المتباعدة للمنازل والأراضي بالنسبة لأفراد الأسرة الواحدة.
إن من الصواب أن يتم تصنيف الإقتصاد اليوناني على أنه إقتصاد ناشئ وليس متقدما أو عصريا ليواكب مفاهيم العولمة وحرية التجارة وإنسيابية رأس المال وزيادة الإنتاجية.
إن هناك أربعة أسباب هي التي جعلت الشعب اليوناني يعتقد بإستحقاق إنضمامه للإتحاد الأوروبي كرد للدين والوفاء بالجميل على الرغم من الحقائق التاريخية والوقائع التي سوف تحول ذالك إلى كارثة, الأربعة أسباب بإختصار هي:
1- اليونان يعود الفضل لها في ظهور وتطور الحضارة
المواطن اليوناني العادي لديه وعي عميق بقيمة ماضيه الحضاري ويعتبرون أن المساهمات التي قدمتها اليونان للعالم أكثر من ان تنسى خصوصا الفلسفة, مفهوم الديمقراطية, النظام التعليمي, علم الهندسة. حتى أن مفهوم الصالات الرياضية ومنافسات الألعاب الأولمبية بل والماراثون هي كلها يعود الفضل إلى اليونان لتقديمها للبشرية.
2- خيانة الغرب لليونان في حرب أسيا الصغرى سنة 1921
إتفاقية (sevres) والتي كانت جزأً من معاهدة الهدنة وإنهاء الحرب العالمية الأولى (فرساي) وعدت بمنح اليونان مساحات كبيرة من الأراضي وخصوصا مقابل مساهمتها في الحرب التي دارت ضد تركيا, حرب أسيا الصغرى 1920-1923. ولكن تم عقد معاهدة لوزان سنة 1923 مع تركيا إثر مايعرف حرب الإستقلال التركية التي تلت الحرب العالمية الأولى. رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج(...) أخلف وعده لليونان حيث إنتهت الحرب اليونانية-التركية بخسارة اليونان لنصف مساحتها التاريخية ومالايقل عن 300 ألف قتيل وجريح ومفقود.
3- المساهمة التي قدمتها المقاومة اليونانية في الحرب العالمية الثانية
المقاومة اليونانية يعود لها الفضل في تأخير القوات الألمانية في منطقة البلقان شهرا كاملا بفضل الهزيمة التي ألحقتها بالجيش الإيطالي حيث إضطر هتلر لتأجيل عملية بارباروسا خوفا من تحول تلك المنطقة لخاصرة رخوة للجانب الألماني حيث كان ستالين يقوم بحشد عدد كبير من القوات فيما يبدو أنه نية مبيته لإحتلال المنطقة ثم غزو ألمانيا.
هتلر نفسه إعترف بشراسة المقاتل اليوناني. رئيس الوزراء البريطاني تشيرشل ذكر بأن اليونانيين يقاتلون كالأبطال وأنه لولاهم لم يكن بمقدور أحد توقع النتيجة الكارثية لهزيمة الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. حتى ستالين إعترف بالفضل لليونانيين بأنه لهم الفضل في تأخير القوات الألمانية شهرا كاملاحيث حل الشتاء الروسي القارس والجيش الألماني في عمق الأراضي الروسية مما أدى لهزيمتهم في ستالينغراد وموسكو وأوكرانيا.
4- إحتلال تركيا لنصف جزيرة قبرص سنة 1974
تركيا قامت بغزو النصف الشمالي لقبرص مما أجبر ألاف اليونانيين القبرصيين على مغادرتها إلى القسم الجنوبي الذي بقي تحت الحماية اليونانية. العداء اليوناني التركي منذ أيام حرب أسيا الصغرى مازال قائما حتى يومنا هاذا.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

نهاية الجزء الأول

Sunday, September 4, 2016

الإسلاموفوبيا أو الإسلام, كيف سوف يتم تفكيك الولايات المتحدة الأوروبية؟

حتى نعلم أحقية الأوروبيين في تشددهم حيال سياسة الهجرة وصحة المزاعم بتعرضهم لعملية غزو إسلامي وثقافي فما علينا إلا ان ننظر  للتفاصيل ونتخلى عن السطحية وإزدواجية المعايير والتعاطف الغير مبرر.
هناك معلومات عن تزايد حالات الإغتصاب في مجموعة دول منها السويد, ألمانيا وبريطانيا خصوصا الإغتصاب الجماعي للفتيات من قبل من يحاولون التستر بذرائع دينية لتبرير فعلتهم كأن هذه منطقة إسلامية وأن الفتاة كانت " لحم مكشوف " وهو المصطلح الذي إستخدمه مفتي الجالية الإسلامية السابق في أستراليا تاج الدين الهلالي, وأنها تسير في الشارع مرتدية لباسا مثيرا أو انها لا ترتدي الحجاب وغير ذالك من الذرائع التي لا تنتهي. الحادث الذي دفع تلك المسألة للصدارة هو حادثة التحرش الجماعية في مدينة كولونيا الألمانية ليلة رأس السنة وحوادث تحرش أخرى لم تأخذ حقها من التغطية الإعلامية.
في الوطن العربي فإن ثقافة التحرش أمر إعتيادي خصوصا في دول مثل مصر أو المغرب كما في دول أسيوية كالهند. حادثة التحرش في مدينة كولونيا كان ورائها لاجئون من جنسيات أفريقية وليس كما يشاع على نطاق واسع أنهم لاجئون من سوريا. في الدول الإسكندنافية فإن كثيرا من اللاجئين يتفاخرون بإتخاذ خليلات تحت السن القانوني وينشرون صورا على حساباتهم الفيسبوكية وفي وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة. في ألمانيا قامت الحكومة بتوزيع منشورات توعية على اللاجئين بخصوص الطريقة المناسبة للتعامل مع النساء خصوصا بسبب إختلاف الثقافات.
في دول مثل السويد وفرنسا مناطق يطلق عليها " No Go Zone " أو مناطق خطرة أو غيتوهات حيث لا تخاطر الشرطة بالدخول إليها بدون قوة نارية كافية لإنتشار السلاح والإجرام والعصابات في تلك المناطق. في تلك المناطق الخطر فإن أغلبية السكان هم من المهاجرين أو اللاجئين والكثير من المقيمين الغير قانونيين. في مدينة مالمو السويدية فإن سيارات الإسعاف لا تذهب إلى كثير من مناطقها بدون مرافقة مسلحة لأن تلك المناطق من بين المصنفة أنها " No Go Zone ".
إنتشار التطرف في دول أوروبا أيضا ظاهرة بدأت تلفت نظر وسائل الإعلام الغربية خصوصا بين المواطنين الأوروبيين والذين لا ينتمون لأصول مهاجرة كما أن هناك عدد كبير من المتطرفين قد تمكنوا من التسلل لأوروبا عبر موجات اللجوء عائدين من دول مثل العراق أو سوريا وقاموا بإرتكاب أعمال إرهابية في دول مثل بلجيكا وفرنسا وألمانيا. كما أنه مؤخرا صدرت عدة تحذيرات متعلقة بعاصمة الضباب البريطانية حيث بدأت الشرطة بتكثيف إنتشارها كما في فرنسا أيضا تقوم الشرطة والجيش بحماية بعض المواقع الهامة والسياحية.
هناك مجموعة أسباب قد أدت إلى تفاقم تلك الظواهر السلبية في المجتمعات الأوروبية لعل أولها وأهمها قبول الهجرة خصوصا عن طريق اللجوء بشكل عشوائي من دون إجراء أي دراسة على شخصية المتقدم تحت ذريعة تعرضه للخطر في بلده الأم حيث انه من المعروف أن هناك عددا كبير من المتطرفين المنتمين لحزب الإخوان المسلمين قد هاجروا أو قدموا طلبات لجوء لأوروبا والولايات المتحدة في فترة الستينيات والثمانينيات عقب دحر التنظيم وخلاياه النائمة في كل من مصر وسوريا على التوالي. كما أن سلطات الهجرة الأوروبية قد قبلت طلبات هجرة من أشخاص ينتمون لبلدان لديهم ثقافة مختلفة متعلقة بالتعامل مع المرأة ونظرتهم للحضارة والثقافة الغربية التي يكون محتقرا لها حيث يؤدي ذالك إلى التقوقع في غيتوهات مهاجرين يشتركون معه في تلك القيم بدلا من إندماجه في مجتمعه الجديد وإستفادته من الفرصة لبدء حياة جديدة بعيدا عن الوطن العربي وتعقيدات الحياة فيه.
المشكلة الرئيسية بالنسبة للقادمين الجدد هي تناقضهم مع أنفسهم فبعضهم يأتي من مجتمعات تطبق قوانين إسلامية كباكستان والتي في الوقت نفسه تطبق تقاليد وعادات إجتماعية ليس لها علاقة بالإسلام ومن هنا ينشأ التناقض حيث يعد مقبولا من الناحية الإجتماعية في تلك البلد. كما أن بعضهم يهاجر للغرب لأسباب إقتصادية ليس لها علاقة ببحثه عن تحسين وضعه عن طريق البحث عن عمل أو إقامة مشروع تجاري بل عن طريق الإتكال على أموال الإعانة الإجتماعية والسكن الحكومي كما يروي له أصدقائه ممن سبقوه أن الحكومة تمنح كل قادم جديد راتبا شهريا مدى الحياة وسكنا حكوميا مجانيا وربما حسناء أجنبية شقراء.
على الجانب الأخر فهناك الحكومات الأوروبية التي تتكون من سياسيين ليس لهم هم إلا مصالحهم ومناصبهم برواتبها الشهرية المرتفعة حيث يحاولون وكثير منهم ينتمي لأحزاب يسارية وإشتراكية إحداث خلل في ميزان الإنتخابات عبر القبول باعداد كبيرة من المهاجرين الذي من المتوقع أن يقوموا بالتصويت لهم حيث يميل الميزان لجانبهم في أي عملية إقتراع. في بلدان مثل فنلندا لا يتلقى السياسي راتبا يزيد عن متوسط معدل الرواتب حتى لايفسده المال ويكون إهتمامه بمنصبه أولوية على حساب خدمة الناخبين ولكن ليس كل بلدان أوروبا كفنلندا.
ألمانيا تعد أكبر إقتصاد أوروبي " Export Powerhouse " وإستقبلت أعدادا تزيد عن مليون لاجئ يقال أن أغلبهم سوريون ولكن المعلومات على أرض الواقع تظهر غير ذالك حيث إستغل مهربون يتخذون من تركيا مركزا لعملياتهم تراخي الحكومة التركية المتعمد في ضبط مشكلة تهريب البشر أو مايعرف بقوارب الموت وفي بعض البلدان كتونس والمغرب تعرف بإسم " الحراقة ". الحكومة التركية ممثلة برئيسها رجب طيب أورودوغان تحاول إحداث خلل في التركيبة السكانية الأوروبية لتسهيل مسألة إنضمامها للإتحاد الأوروبي وإبتزاز أوروبا ماليا وسياسيا حيث يشاع على نطاق واسع أن اجهزة الأمن التركية تورطت في عمليات إرهابية في أوروبا عبر تقديم دعم لوجيستي للعناصر المنفذة. هيئة الجمارك اليونانية ضبطت شحنة كاملة من الأسلحة معبأة في صناديق أثاث ومرسلة كمساعدات لمخيمات اللاجئين في اليونان ودول أوروبية أخرى.
ولكن ماهي الأسباب التي دفعت ألمانيا لقبول ذالك العدد الهائل من اللاجئين مع كل ما يترتب عليه من أعباء وصعوبة العمل على إدماج كل ذالك العدد منهم في المجتمع الألماني بفعالية تضمن لهم فرصا عادلة؟
هناك عدد من التحليلات لعل أكثرها إثارة للضحك متعلق بسوق العمل الألماني الذي يعاني أصلا من نسبة بطالة وأن الهدف هو توفير العمالة للشركات الألمانية وتخفيض اجور العمال المرتفعة وإضعاف نفوذ النقابات العمالية. المشكلة ان الشركات الألمانية قامت بتوظيف عدد قليل جدا من اللاجئين بسبب معوقات منها اللغة والبيروقراطية الحكومية المعقدة في ألمانيا.
الهدف ومن دون مبالغة هو تحطيم فكرة الولايات المتحدة الأوروبية, نوع من الإبادة الجماعية للشخصية والهوية الأوروبية وبطريقة ذكية عن طريق الترويج لأجندات الحد من النمو السكاني بسبب نقص الموارد ثم إغراق تلك المجتمعات باللاجئين والمهاجرين أصحاب الثقافات المختلفة ونشوء جيل ناتج عن تلك العلاقات المختلطة ليس له أي ولاء أو شعور قومي للبلد الذي ولد فيه مما يسهل عملية تفكيك أوروبا وبطريقة ديمقراطية وهي عن طريق الإنتخابات والإستفتائات بالإنفصال. إن ذالك يعرف بإسم خطة (Coudenhove-Kalergi plan) فهل سمعتم عنها من قبل؟
إن مستقبل الحضارة والثقافة الأوروبية في خطر من قبل من يتصورون أن مهمتهم المقدسة هي إخصاب النساء الأوروبيات بعد أن الأوروبيون إخصابهم كما قال خطيب يتبع حزب التحرير في المسجد الأقصى حتى ينجبوا جيل الخلافة الإسلامية في أوروبا. الخلافة على منهاج أوردوغان حيث محلات المساج المختلطة وحفلات الزواج المثلية ومهرجانات المثليين وعلينا أن لا ننسى مصانع حلب التي قامت عصابات كتائب التوحيد بقيادة اللص حجي مارع بسرقتها وبيعها لرجال أعمال أتراك مرتبطين بنظام أوردوغان ويقال أن أحد أولاده مسؤول عنها.
النهاية

Thursday, April 28, 2016

ملوك الإنسانية والإعلام الإستعماري, تزييف التاريخ(2)

في الأرجنتين تم إختطاف مجرم الحرب النازي أدولف أيخمان ومحاكمته وإعدامه في إسرائيل. أيخمان كان يعمل كمراقب عمال في أحد مصانع شركات السيارات الألمانية (مرسيدس) حيث كانت الخطط لبناء إمبراطورية مالية وإقتصادية ألمانية في الخارج تجري وبطرق ملتوية على قدم وساق في السنين التي سبقت خسارة ألمانيا الحرب العالمية الثانية. أدولف أيخمان لم يكن مجرم الحرب النازي الوحيد في ذالك المصنع أو في الأرجنتين بشكل خاص وفي أمريكا اللاتينية بشكل عام حيث كانت القارة تمتلئ بهم وبمصالحهم وشركاتهم وأعمالهم التجارية.
السؤال هو لماذا لم نسمع عن القبض على مجرمي حرب نازيين أخرين أو خطفهم من البلدان التي كانوا يتخذونها مكانا للتخفي عن أعين الملاحقة؟ يذكرني ذالك بقصة الهبوط على سطح القمر التي تمت ولمرة واحدة حيث لم يتم تكرار ذالك العمل على الرغم من التخطيط لإرسال مركبة فضاء مأهولة لكوكب المريخ فأي الكوكبين أقرب؟ ولماذا لم نسمع عن تكرار محاولات الهبوط على سطح القمر؟
هل تعلمون حقيقة الثورة الفرنسية وإقتحام سجن الباستيل؟
في سجن الباستيل كان يحتجر عدد كبير من النبلاء الفرنسيين المعارضين للملك الفرنسي لويس السادس عشر وهم أول ضحايا إقتحام السجن حيث تم قتلهم من قبل الرعاع والعامة الذين تم تسليحهم بعد الإستيلاء على حامية السجن ومخازن السلاح فيه. إن تلك النوعية من المعلومات لن تسمعوها ولن تقرأوها في كتب التاريخ المزيفة والمناهج الدراسية التي تمجد الثورة الفرنسية على الرغم من كل الحقائق التاريخية التي تقدم رواية مختلفة ورغم كل اللغط الذي أثير حولها. أحدهم كان له مصلحة في مقتل عدد كبير من النبلاء من نخبة الشعب الفرنسي المعارضين لحكم لويس السادس عشر والذي كان من المتوقع توليهم حكم فرنسا في حال سقوط نظامه.
"إذا لم يكن هناك خيز للفقراء فليأكلوا الكعك" وفي رواية أخرى "فليأكلوا البسكويت" فهل تثير تلك العبارة عند جيلنا المعاصر أي ذكريات؟ الإجابة هي انه يتم تقبلها كحقيقة وأمر واقع ولن أستغرب إن خرجت علينا يوما أحد القنوات بمزاعم إمتلاك تسجيل صوتي لماري أنطوانيت كدليل مادي يقدم في محاكمة تاريخية لتلك الشخصية العظيمة التي تعرضت للظلم وتم تزوير تاريخ كامل لها خدمة لأجندات معينة. حتى أن بعض المصادر تذكر كيف سارت ماري أنطوانيت بكبرياء للمقصلة وكيف يتعارض ذالك مع ماتم ترويجه عنها من إتصافها بالإستهتار والمجون وكثرة عشاقها.
لن نذهب بعيدا في تاريخ الإعلام الإستعماري الذي يتم الترويج له حتى أن فرنسا التي إحتلت الجزائر فترة زمنية بلغت 132 سنة تم فيها إرتكاب الفظائع بحق الشعب الجزائري المقاوم إستشهد فيها أكثر من مليون شهيد. تخيلوا أنه تم إصدار طوابع تذكارية فرنسية عليها صورة جنود فرنسيين بصحبة رؤوس مقطوعة لمواطنين جزائريين بل وإجراء تجارب لقنابل ذرية على أهداف حية عبارة عن أسرى من مواطني الجزائر تم تعريضهم لإشعاعاتها مثبتين على أعمدة في الصحراء. أين من يمجدون فرنسا ويلتحفون بعلمها ويمجدون ثورتها المزعومة؟ إن تلك الثورة تناولها بالتفصيل الفيلسوف الفرنسي الأشهر غوستاف لوبون وكيف تم التأثير على الجماهير وتحريكهم من قبل أصحاب المصالح حيث لمن قرأ كتابه "الثورة الفرنسية وروح الثورات" يستطيع أن يخرج منه بإستنتاج من كلميتن "ثورة رعاع". فلماذا يتم تدريسنا ثورات قام بها رعاع في مناهجنا الدراسية؟ وهل تلك المناهج والأنظمة التعليمية تنتج إلا رعاع ممن يحرقون ويقتلون ويرتكبون أفظع الجرائم ومع ذالك يوصفون بأنهم نشطاء وطلاب حرية ويتم تمجيدهم في وسائل الإعلام المختلفة؟
قضية المجازر التركية ضد الأرمن هي قضية جدلية أخرى تلاعب بها الإعلام الإستعماري وشابها الكثير من الجدل وبالطبع التزوير. هناك مزاعم عن تمرد الأرمن ضد الدولة العثمانية وأنهم هم من قاموا بالبدء بالمجازر وقتلوا مئات الألوف من المسلمين وأن ماقامت به القوات العثمانية كان يدخل في نطاق الدفاع عن النفس. كما انه هناك مزاعم معاكسة  أن القوات العثمانية هي من قام بالمجازر ضد الأرمن أبادوا خلالها أكثر من مليوني أرمني.
فيما يتعلق بتلك المسألة فإنه حتى لو إقتنعنا بوجهة النظر القائلة بأن الأرمن هم من بدء التمرد فلست أظن أن ذالك يبرر كمية الإجرام والوحشية وهتك أعراض نساء الأرمن وصلبهم عرايا وتجويع الشعب الأرمني. أحد الصور المشهورة التي أرخت لتلك الفترة الزمنية تظهر لنا تركيا يتلاعب بأطفال الأرمن الجياع من خلال الإمساك بقطعة خبز يرفعها عاليا بينما هم على الأرض من شدة الجوع والتعب بينما صورة أخرى تظهر صلب نساء الأرمن. يذكرني ذالك السلوك بأحدهم حين يحاول أن يلعب مع حيوانه الأليف. كما أنه هناك العديد من الصور التي تظهر بعضا من الإجرام والوحشية التي كانت في الحقيقة جزأ لا يتجزأ من عقلية الأتراك وطريقة تعاملهم مع خصومهم منذ زمن طويل وهي ليست حالة طارئة مرت على الشعب الأرمني. بدون دراسة التاريخ العثماني وهو تاريخ يتفاخر الأتراك به, وبدون التعرف على العقلية التركية وملامحها النفسية, لايمكن الحكم على مسألة المجازر التركية بحق الأرمن. وفي الحقيقة فإن الأرمن ليسوا هم وحدهم من تعرض لتلك المجازر فالأكراد ديانتهم الإسلام تعرضوا للمجازر حتى يومنا هاذا, والأشوريون وطوائف مسيحية أخرى وقوميات مختلفة تعرضوا للقتل في تلك الفترة حيث فر عدد كبير منهم إلى مدن في سوريا والأردن فتم إكرامهم وكانت لهم مساهمات جدا إيجابية في إثراء الحياة التجارية والثقافية والسياسية في البلدان التي لجئوا لها وأصبحوا جزأ لا يتجزأ من نسيجها الإجتماعي.
هناك صورة مشهورة لجنود أتراك مع رؤوس يونانية مقطوعة حيث أن قطع الرؤوس سلوك متجذر في العقلية التركية وطريقة تعاملها مع خصومها. إن ذالك سلوك مرفوض ولكن الأتراك ليس أول من عمل به ولن يكونوا أخرهم. الحرب التركية-اليونانية أو مايعرف بحرب الإستقلال التركية التي قاد القوات التركية فيها مصطفى كمال أتاتورك وكان رأس الحرب قوات يونانية بدعم بريطاني وفرنسي كانت حربا وحشية إستخدمت فيها الأساليب الوحشية بحدها الأقصى وتبادل الطرفين الممارسات الوحشية ضد بعضهم البعض. الدول الأوروبية المعادية لتركيا وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا قامت بتقديم الدعم لليونان لشن حرب على تركيا هدفها السيطرة على مضيق البوسفور وموقعه الحيوي مقابل ضم أجزاء من تركيا لليونان حيث حاولت قوات الغزو اليوناني والبريطاني الزحف على العاصمة التركية وإحتلالها.
وسائل إعلامية بريطانية شنت حربا إعلامية مؤخرا ضد المملكة العربية السعودية وكبار الكتاب في الصحف الأمريكية شاركوا في تلك الحملة. حتى أن عراب الخراب العربي برنارد هنري ليفي شارك بموضوعا ضد السعودية هو الأول من نوعه ولكنه لن يكون الأخير. موضوع الحملة هو حقوق الإنسان والحريات مثل حرية الرأي والتعبير وقيادة المرأة للسيارة.
المشاكل التي يعاني منها الإعلام السعودي هي نفس المشكلة التي يعاني منها الإعلام في الوطن العربي وهي إنخفاض المستوى الفكري والوعي الثقافي, الجمود المعرفي وأخرها أن تعيين الصحفيين في الوطن العربي لايتم بناء على الكفائة بل الواسطة ومقياس ترموميتر الولاء. كليات الإعلام والصحافة في الوطن العربي تقبل أدنى معدلات النجاح في إمتحانات الثانوية العامة وتلك صفة مشتركة مع كليات الحقوق التي لا يدخلها إلا من تضطره الظروف إلى الحصول على مقعد جامعي في أي تخصص.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
نهاية الجزء الثاني

Friday, January 29, 2016

بين الأرجنتين واليونان...عشرة سنين من الدروس - الجزء الأخير

علينا أن نأخذ في عين الإعتبار حين دراسة الحالة الأرجنتينية أو اليونانية على حد سواء أن هناك حالة من التشابه بين البلدين في العديد من المجالات خصوصا أنهما عانيا فترة طويلة من الصراعات والإنقلابات العسكرية تلتها إنتخابات من المفترض أنها ديمقراطية وإنفتاح إقتصادي. في الحالة اليونانية فإنها إنضمام اليونان لمنطقة اليورو قد أدى إلى عقد من الرفاه الإقتصادي ولكنه لم يكن قائما على مبادئ زيادة الإنتاجية والتنيمة الإقتصادية الحقيقية, بل كان قائما على الدين والفقاعات الإقتصادية.
الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم قام بإجراء إصلاحات إقتصادية ولكنها كانت سطحية وشابتها إتهامات بالفساد وتنفيع أقاربه وبيع شركات القطاع العام بأبخس الأسعار للمقربين منه وبدون أي تطوير حقيقي للقطاع الصناعي الذي يمكن على أساسه بناء قاعدة إقتصادية يمكن الإعتماد عليها في أوقات الأزمات الإقتصادية. المشكلة نفسها سوف تتكرر مع اليونان في فترة زمنية لاتزيد عن عشرة سنين. سعر صرف العملة الأرجنتينية(البيزو) والذي كانت مرتبطة بسعر صرف الدولار الأمريكي في ذالك الوقت على الرغم من أن الإقتصاد الأرجنتيني يقل في إنتاجيته عن نظيره الأمريكي بنسبة كبيرة مما جعل أي محاولة للإصلاح الإقتصادي الحقيقي تواجه عقبة إقتصاد إنتاجي ضعيف وعملة قوية. تلك كانت الوصفة التي أدت بالإقتصاد الأرجنتيني للهاوية بعد فترة زمنية لا تزيد عن عشرة سنين, نفس الوصفة التي أدت إلى أزمة الديون السيادية اليونانية ولكن مع إختلاف بسيط هو أن الدراخما تم إستبدالها باليورو. الإقتصاد اليوناني تحول إلى إستهلاكي وزادت نسبة الواردات على حساب الصادرات وإتجهت الكثير من الأموال نحو الإستثمار في الأسهم والبورصة بدون خلق إقتصاد حقيقي قادر على الصمود في اوقات الأزمات الإقتصادية. كما أن إقتصاد الواردات سوف يؤدي إلى إضمحلال القاعدة الصناعية إن وجدت ويقضي على المشاريع والصناعات المحلية. عملة قوية تعني زيادة الواردات على حساب الصادرات وإنخفاض نسبة التضخم والعكس صحيح. صناعة الغزل والنسيج هي أحد الأمثلة في الحالة الأرجنتينية حيث أنه تم نقل العديد من المصانع إلى دول مثل البيرو حيث العمالة الرخيصة وإنخفاض التكاليف وفي الحالة اليونانية فإن عددا من مصانع الغزل والنسيج قد إنتقل إلى تركيا وبلغاريا منذ إنضمام اليونان رسميا إلى منطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو).
مع إقتراب نهاية الفترة الرئاسية الأولى لكارلوس منعم في الأرجنتين فقد واجه مشكلة إرتفاع مستوى البطالة وتأثيرات أزمة العملة المكسيكية(البيزو) أو مايعرف بإسم أزمة(Tequila). كارلوس منعم فاز بفترة إنتخابية ثانية وفق برنامج يركز على إكمال الإصلاحات الإقتصادية التي بدأها وقيامه بشراء أصوات أعضاء النقابات العمالية عن طريق منح إمتيازات لأعضائها وخصوصا إصدار قانون عمل يعزز دور النقابات ويجعل من الصعب فصل العمال من وظائفهم.
إن التصرفات التي قام بها كارلوس منعم والتي تتعارض مع جوهر برنامجه للإصلاح الإقتصادي خصوصا منح وظائف وإمتيازات لأعضاء في النقابات العمالية لمجلاد إرضاء زعماء تلك النقابات وشراء أصوات إنتخابية سوف لن تشكل مشكلة في حالة تعويم البيزوس ولكن مجال حركته كان ضيقا فسعر صرف العملة الأرجنتينية كانت مرتبطا بالدولار كما أن كارلوس منعم كان معارضا لأية إقتطاعات في الميزانية والقانون العمالي الذي أقره يمنعه بنص القانون من تخفيض الأجور او تسريح العمال. ومع تخصيص أغلب الشركات والمؤسسات الحكومية فلم يكن لدى كارلوس منعم سوى اللجوء للإقتراض من الأسواق الدولية عن طريق إصدار سندات الدين الحكومية.
اليونان عانت من ظروف مماثلة حيث أنه وفي عقب إنضمام اليونان رسميا لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) فقد إستفاد اليونانيون من شروط الإقتراض الميسرة ونسب الفائدة المنخفضة بعد عدة عقود من معاناتهم من السياسات المالية المحافظة المرتبطة بنسب الفائدة المرتفعة. تتمتع اليونان بميزة إحتوائها على أحد أعلى نسبة من الأشخاص يمتلكون منازلهم الخاصة بل ويمتلكون أكثر من منزل, منزل للسكن ومنزل أخر للعطلات ومنزل يقومون بتأجيره. كما راجت موضة إمتلاك السيارات الفاخرة في اليونان وخصوصا سيارات البورش التي سجلت اعلى نسبة زيادة في المبيعات في اليونان وسيارات الدفع الرباعي التي تضاعفت مبيعاتها ضعفين بين في الفترة 2002-2006 على الرغم من الإرتفاع القياسي في سعر وقود السيارات حيث تجاوز الحاجز السعري للبرميل 100 دولار.
في سنة 2010 كانت هناك مبالغ وصلت إلى 8 مليارات يورو من قروض السيارات المتعثؤة في اليونان وحدها بما يساوي 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي. مبيعات السيارات سنة 2010 إنخفضت 63% تقريبا عن سنة 2008.
اليونان تعاني معدل ولادات 9.3 لكل ألف نسمة أي أقل من 1.3% التي يتبناها المتفائلون على الرغم من كون أي حضارة تنخفض نسبة مواليدها لتلك النسبة سوف يكون من المستحيل تصحيح تلك النسبة. مانسبته 54% من المواليد الجدد في اليونان يولد في عيادات خاصة حيث تبلغ التكلفة لعملية الولادة الواحدة 1600(يورو) - 11.600(يورو).
المشكلة أن زيادة الإقتراض والإنفاق الحكومي بدا ظاهرا للوضوح مع إقتراب موعد الألعاب الأولمبية التي سوف تقام في العاصمة اليونانية سنة 2004 حيث تم إنفاق مبالغ هائلة على تحسين الطرق والموافق العامة والخدمات خصوصا المنشئات الرياضية في العاصمة اليونانية على الرغم من كون تلك المرافق والتي كلفت عشرات المليارات من اليوروهات تتداعي حاليا بسبب عدم إستخدامها. الفائدة التي عادت على اليونان من إقامة الألعاب الأولمبية في العاصمة أثينا كانت تساوي صفر. الحكومة اليونانية وسلطات العاصمة أثينا كانت في موقف صعب بخصوص التفاوض مع المقاولين على أسعار التعهدات الموكلة إليهم لتحسين البنية التحتية في المدينة خصوصا نظام المواصلات العامة خصوصا مع إقتراب المواعيد النهائية للإنتهاء من إقامة وتحسين البنية التحتية الخاصة بأولمبياد 2004.
الحكومة اليونانية وبالشراكة مع القطاع الخاص قامت بإرساء تعهدات بقيمة 3 مليار دولار لبناء مدارس عامة, مستشفيات ومباني حكومية على الرغم من كون أغلب تلك التعهدات قد تم تمريرها بدون دراسات كافية وأحاطت بها شبهات بالفساد وتنفيع شركات خاصة مقربة من مسؤولين حكوميين ونقابيين.
على الرغم من كل تلك النشاطات والظهور المفاجئ للثروة في اليونان بفضل إنضمامها لمنطقة اليورو والتسهيلات الإئتمانية فقد بقي أغلب النشاط الإقتصادي محصورا في ثلاثة نشاطات رئيسية الزراعة, الشحن خصوصا البحري والسياحة. أما التوجه نحو الإقتصاد الإستهلاكي فهو لايخلق ثروة خصوصا إذا كان يعتمد على الواردات. اليونان كان يجب أن تتحول إلى بلد صناعي لتستفيد من إنضمامها لمنطقة اليورو حيث كان يجب أن يتم توجيه القروض والمنح الدولية في المجالات الإقتصادية الصناعية مماسوف يعود بالفائدة على اليونان ويساهم في نمو إقتصادها وصناعتها. المشكلة التي عانت منها اليونان قبل إنضمامها لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) أنها كانت تعتمد على الصادرات الرخيصة بسبب عملتها (الدراخما) والتي كان من الممكن التحكم بقيمتها وإبقائها منخفضة وكذالك على الشحن البحري الأكثر منافسة عالميا من حيث السعر ولكن مع إعتمادها لليورو بدلا من الدراخما فقد عانى كل من القطاعين حيث إرتفعت أسعار الصادرات الزراعية وتكلفة الشحن البحري ولم تعد اليونان مكانا رخيصا للتمتع بالعطلات خصوصا من قبل المواطنين الألمان والفرنسيين.
الأرجنتين إنفجرت فقاعتها الإقتصادية حين تم تخفيض قيمة الريال البرازيلي 30% مما ادى إلى إرتفاع أسعار الصادرات للبرازيل وهي شريكة تجارية رئيسية للأرجنتين. تضخم الدين الحكومي هي المشكلة التي عانت منها الأرجنتين نتيجة لذالك حيث أن ربط سعر صرف البيزو بالدولار أدى إلى جعل قيمة البيزو منفصلة عن الواقع حيث أدت ذالك بالإضافة إلى نسبة بطالة عالية, إرتفاع مستوى الدين والإصلاحات الإقتصادية التي تم إتخاذها في القطاع العام إلى وصول الوضع الإقتصادي في الأرجنتين إلى طريق مسدود.
التصريحات الصادرة عن النخبة المتحكمة بالقرار الأوروبي بأن اليونان ليست كالأرجنتين تلقى سخرية لاذعة من قبل بعضهم فهي بالفعل ليست كالأرجنتين بل أسوأ بكثير. مستوى الدين الحكومي السيادي في اليونان تجاوز 100% من الناتج القومي الإجمالي وذالك والكساد الإقتصادي لايتوقع زواله في القريب العاجل ومستوى الدين العام في إرتفاع حاد. إذا كانت الأرجنتين تعتبر مشكلة إقتصادية فالكثيرون يشبهون مشكلة اليونان بالكارثة التي عندما تقع فلن تترك بلدا لن تطوله عواقبها.
اليونان كالأرجنتين تمتعت بفترة طويلة من الرخاء الإقتصادي بمعدل تضخم منخفض وسياسات إئتمانية متساهلة وشروط إقراض ميسَّرة. وهي كذالك عانت من فترة إضطرابات سياسية وإنقلابات عسكرية وكساد إقتصادي تماما كالأرجنتين. المشكلة أن التقارير عن الأداء الإقتصادي للأرجنتين في الفترة السابقة للكارثة بخمس سنوات كانت تمدح السياسات الإقتصادية المتبعة حيث معدل النمو الإقتصادي مرتفع ومعدل الفائدة منخفض ولكن كل ذالك كان بسبب الإنخداع بالمظاهر السطحية وعدم الخوض في جذور المشكلة تماما كاليونان حيث يرفض الجميع خصوصا في الحكومة اليونانية أن سياساتهم الإقتصادية الفاشلة هي السبب في الأزمة التي تكاد تعصف بالإتحاد الأوروبي. الإنفصال بين السياسات المالية للحكومة الأرجنتينية وبين سياسات مجلس النقد الذي يتحكم بسعر صرف البيزو كانت السبب الرئيسي الذي قاد الأرجنتين لأحد أكبر الكوارث الإقتصادية في طريقها فهل سوف يكون إنضمام اليونان لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) السبب في أن تواجه العملة الأوروبية أحد أكبر التحديات في تاريخها؟ هل اليونان هي حصان طروادة الإتحاد الأوروبي؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Wednesday, January 27, 2016

بين الأرجنتين واليونان...عشرة سنين من الدروس - الجزء الثاني

في السنوات الأولى لربط العملة الأرجنتينية (البيزو) بالدولار فقد ساد هناك جو من التفائل بين المستثمرين والبنوك بخصوص المستقبل الإقتصادي المزدهر الذي كان السياسيون يعدون به تماما كما هو الحاصل في بداية سنة 2001 إنضمام اليونان للإتحاد الأوروبي وإعتماد اليورو رسميا سنة 2002 قبل حصول الكارثة سنة 2010 وأزمة الديون السيادية اليونانية وهي أزمة مستمرة حتى وقتنا الحالي.
دوليا فقد ساد جو من التفائل وتم تجاهل التحذيرات من الكارثة الإقتصادية القادمة. بول كورجمان(Paul Krugman) الحائز على جائزة نوبل للإقتصاد سنة 2008 حذر من سياسة رئيس مجلس الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي ألان جريسبان من الطريقة التي كان ينظر بها للعجز في الميزانية الفيدرالية. تسهيلات إئتمانية, معدل فائدة منخفض, زيادة الإنفاق الحكومي وتسهيلات ضريبية, تلك كانت وصفة لكارثة إقتصادية قادمة إن طال الزمن او قصر.
البداية الحقيقة للكارثة كانت بإلغاء قانون جلاس-ستيجال في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وهو القانون الذي تم إقراره سنة 1933 من قبل الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت وملخصه فصل البنوك الإستثمارية عن البنوك التجارية.
منذ بداية إعتماد اليونان للعملة الأوروبية الموحدة(اليورو) رسميا سنة 2002 فقد تمتعت الحكومة اليونانية وحتى المواطنين اليونانيين برخاء إقتصادي 2002-2009 حيث إرتفع التصنيف الإئتماني لليونان وإنخفضت نسبة الفائدة على القروض مما أدى إلى توجه الكثير من رؤوس الأموال للأمور الإستهلاكية كشراء المنازل الفخمة والسيارات الفارهة بينما إزدادت نسبة تضخم القطاع الحكومي وتم منح وظائف لأعضاء النقابات رغم عدم الحاجة لها فعليا وكذالك زيادة الرواتب وإمتيازات التقاعد.
بعض الدول لم تتورط في أزمة الديون السيادية اليونانية ولكن الأكثر إنغماسا كان ألمانيا وفرنسا حيث أن المسؤولين الأوروبيين بشكل عام لم يكونوا في وضع نفسي يؤهلهم للإعتراض على سياسة التسهيل الإئتماني والتي كان لها الفضل في إرتفاع مستوى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو. في تلك الفترة فإن السندات التي تصدرها الحكومة اليونانية كانت تتمتع بنفس الدرجة من الثقة بأي سندات تصدرها دولة من دول الإتحاد الأوروبي بما فيها ألمانيا صاحبة أقوى إقتصاد في مجموعة اليورو.
وكما يقول المثل فإن مصائب قوم عند قوم فوائد حيث على الرغم من إنهيار أسعار السندات التي تصدرها الحكومة اليونانية وتهديد ذالك بكارثة إقتصادية تحل بالإتحاد الأوروبي وإنسحاب اليونان أو حتى طردها من منطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو), فإن هناك من خطط للإستفادة من أزمة الديون السيادية اليونانية التي رأها قادمة لا محالة فهناك من كانت له مصلحة في تلك الأزمة ولذالك عمد عن إخفاء أخبارها عن العامة حتى يستفيد منها في حالة حصولها. البنوك الإستثمارية إستفادت من إصدار الحكومة اليونانية للسندات عن طريق تلك البنوك التي تفرض رسوما مقابل قيامها بذالك بالإضافة إلى قيامها بالبيع على المكشوف(Short Positions) والإستفادة من إنخفاض سعر تلك السندات. الحكومة اليونانية تتمكن من سداد ديونها في موعد إستحقاق تلك السندات في حال تمكنها من إصدار سندات جديدة, أي أنها تدفع الديون بالمزيد من الإستدانة.
وكما حصل في الولايات المتحدة حيث أن التسهيل الإئتماني والإقراض بشروط متساهلة قد أدى إلى أزمة إقتصادية بدأت كندفة الثلج وكبرت حتى كادت على أن تصيب بعدوى الإفلاس العالم بأكمله فإن اليونان تواجه أزمة مماثلة. الموظفون الحكوميون الذين كانوا يتمتعون بإنتاجية منخفضة ولكن في الوقت نفسه بزيادات وحوافز ضخمة سنويا أصبحوا يحتاجون إلى منازل فارهة قد تفوق إمكانيات الكثير منهم على الرغم من رواتبهم المرتفعة. مشكلة من ينظرون بإيجابية لإرتفاع أسعار العقارات على أنه علامة من علامات التعافي الإقتصادي أنهم لا يحسون بحجم الكارثة وأنها تحولت إلى مايشبه الفقاعة الإقتصادية خصوصا حين يكون ذالك الإرتفاع أكبر من قدرة متوسطي الدخل على تحمله. التسهيل الإئتماني وشروط الإقتراض الميسرة قد مكنتهم من تحقيق غايتهم بسهولة. البيروقراطية الحكومية في اليونان قد تضخمت لتقترب من حاجز الميلون موظف وتلك نسبة ضخمة مقارنة بعدد السكان. إن من شروط حزمة الإنقاذ المالية التي تم تقديمها لليونان مؤخرا إحداث إصلاحات إقتصادية تتضمن تقليص عدد الموظفين الحكوميين وبيع قطاعات حكومية خاسرة. تخيلوا حجم الكارثة في حال مثلا عجز نصف مليون يوناني بينهم عدد كبير من الموظفين الحكوميين عن سداد دفعات قروضهم العقارية الشهرية وإنهيار السوق العقاري. إن ذالك لن يكون ندفة ثلج بل إنهيار ثلجي كارثي قد يؤثر على إقتصاديات منطقة اليورو بالمجمل.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية