Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label الدراخما. Show all posts
Showing posts with label الدراخما. Show all posts

Friday, November 25, 2016

الجذور التاريخية للأزمة اليونانية وتأثيرها على الإتحاد الأوروبي(5)

هناك حدثان يعبران عن لحظات تاريخية هامة في حياة اليونانيين. الحدث الأول سنة 1974 بإنتهاء فترة الحكم العسكري والحدث الثاني كان سنة 1981 وهو تاريخ إنضمام اليونان للإتحاد الأوروبي. عصر جديد بدأ في تاريخ اليونان بإنضمامها للإتحاد الأوروبي ممايعني وصول الديمقراطية اليونانية لقمة النضج وعلامة على ذهاب زمن الأزمات السابقة إلى غير رجعة. وفي نفس السنة أصبح جورج باباندريو(George Papandreou) رئيس ومؤسس حزب باسوك(Pasok – Panhellenic Socialist Movement) المتشكل حديثا ذو التوجه الإشتراكي رئيسا لوزراء اليونان.
هناك ظاهرة مميزة للحياة السياسية في اليونان وهي توارث المناصب السياسية أو مايعرف بالأسر الحاكمة السياسية(Political Dynasties) وهي ظاهرة معروفة في الكثير من الدول حتى في الولايات المتحدة حيث هناك أسر مثل كينيدي, بوش وكلينتون تتوارث العمل السياسي لأجيال عديدة متتابعة. ولكن في الولايات المتحدة هناك إحتمال كبير أن يفوز شخص من خارج تلك العائلات بأرفع منصب في الولايات المتحدة وهو منصب الرئاسة. في اليونان فإن ظاهرة الأسر السياسية الحاكمة هي أكثر ظهورا وتجذرا في المجتمع. جورج باباندريو هو حفيد جورج باباندريو الجد(Senior) الذي كان رئيسا للوزراء 1944-1945 ولفترتين قصيرتين في الستينيات. كوستاس كارامانيليس(Kostas Karamanlis) رئيس وزراء اليونان في الفترة 2004-2009 والذي مازال رئيس حزب الديمقراطية الجديد(The New Democracy Party) هو حفيد كونستانتينوس كارامانليس(Konstantinos Karamanlis) مؤسس الحزب ورئيس وزراء اليونان لأربع مرات.
الحياة السياسية في اليونان وبسبب تلك الظاهرة فقد تميزت وإعتمدت بشكل رئيسي على قائد الحزب ذو الكاريزما أكثر من إعتمادها على التمايز الطبقي والنظريات السياسية. التوجه نحو الأحزاب الشعبية ذات العدد المتضخم من الأعضاء قد بقي محدودا.
شهدت اليونان في الفترة 1974-1990 إنخفاض سعر صرف العملة اليونانية(الدراخما) مرتين بشكل رئيسي وذالك تحت تأثير إنهيار إتفاقية بريتون وودز والصدمة النفطية سنة 1974. كما أن الدراخما لم تكن جزأ من ألية تبادل أسعار الصرف التي تم العمل بها كتمهيد للعملة الأوروبية الموحدة(اليورو) في الفترة 1979-1993 مما فاقم أزمة الدراخما التي شهدت تخفيضين رئيسيين في قيمتها سنة 1983 و1985 بقيمة 15.5% و 15% على التوالي. وفي بداية سنة 1990 فإن سياسة تقوية مركز الدراخما في أسواق الصرف برفع قيمتها تم تبنيها بدعم من كافة الأحزاب الرئيسية في اليونان كجزء من الجهود من أجل الإنضمام لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو).
ومع وجود رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو في منصبه في نفس التوقيت الذي إنضمت فيه اليونان للإتحاد الأوروبي فإن ذالك أتاح له الإستفادة من العديد من المميزات والمنح التي تخصص للدول الأضعف إقتصاديا أو الأفقر من غيرها في الإتحاد الأوروبي خصوصا الإعانات والمنح في المجال الزراعي وذالك لمكافأة الفئات الإجتماعية التي ساهمت بشكل فعال في مقاومة النازيين والفاشيين وكانت الأكثر تضررا من الإحتلال النازي, الحرب الأهلية وحكم الإنقلاب العسكري. في سنة 1981 فإن جورج باباندريو فاز في الإنتخابات إعتمادا على برنامج إنتخابي شعبي نجح في إزالة حالة من إحساس اليونانيين أنهم كانوا محكومين لفترات طويلة من قبل طبقة محافظة تتبع دولا أجنبية في خطها السياسي حيث نمت وترعرعت حول فئات معينة إحتكرت الإمتيازات والمنافع بسبب تفردها بالعمل السياسي. جورج باباندريو وحزبه باسوك(Pasok) كانا من أكبر المعارضين للإتحاد الأوروبي والناتو ولكنه تغير وإستدار في توجهه السياسي 180 درجة في الفترة التي تلت سنة 1981 مع إنضمام اليونان للإتحاد الأوروبي وبداية التوجه نحو إنضمامها لمنطقة اليورو سنة 1990.
منذ بداية سنة 1980 كان هناك توجه في اليونان نحو مايعرف بالسلام الإجتماعي(Buying Social Peace) وهو مبدأ قائم على الإمتيازات والمنح والإعفائات الضريبية لفئات معينة كالنقابات العمالية وصناديق التقاعد خصوصا عن طريق زيادة عدد الموظفين الحكوميين ورفع رواتبهم وكذالك المعاشات التقاعدية. ذالك التوجه قد تعزز في الفترة التي تلت سنة 2001 وهي السنة التي إنضمت فيها اليونان لمنطقة اليورو حيث سمح لها ذالك بالحصول على قروض من الأسواق المالية الدولية بأسعار فائدة منخفضة وبضمانات عضويتها في الإتحاد الأوروبي واليورو لأن ذالك يعني كلمة واحدة, الثقة.
الأمر برمته كان من الممكن أن يكون له تأثير إيجابي لو أن القسم الأكبر من تلك الأموال قد تم توظيفه في بناء قاعدة صناعية وزراعية وتعليمية للمستقبل بما يؤدي لخلق المزيد من الوظائف بشكل طبيعي بدون أن يتم منحها لفئات معينة بواسطة المعارف والصلات العائلية. كما أن ذالك سوف يؤدي إلى توظيف أمثل لرؤوس الأموال تلك بما يمكن اليونان من النهوض إقتصاديا ودفع تلك الديون. ولكن بدلا من كل ذالك فإن قسما كبيرا من تلك الأموال قد تم صرفه في شراء معدات عسكرية من شركات أوروبية تنتمي لدول أعضاء في الناتو من أجل التحضير لمواجهة عسكرية محتملة مع دولة أخرى عضو في الناتو هي تركيا تقوم بشراء السلاح من شركات تنتمي لنفس الدول التي تبيع السلاح لليونان.
القطاع العام في اليونان تضخم بشكل مرضي بزيادة عدد موظفيه وإنخفاض كفائتهم وأصبح تابعا للأحزاب والمنظمات والنقابات فيما يشبه المحاصصة بدلا من أن يكون تابعا للدولة ومع مرور الوقت تحول إلى عبئ كبير تتأكل بفضله ميزانية الدولة بإزدياد سنة بعد سنة وماكان يعطى كهبة أو منحة في البداية تحول مع مرور الوقت إلى حق وإمتياز يصعب التخلي عنه, أشبه مايكون بحالة من الإدمان إن صح التعبير.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
نهاية الجزء الخامس والأخير


Friday, January 29, 2016

بين الأرجنتين واليونان...عشرة سنين من الدروس - الجزء الأخير

علينا أن نأخذ في عين الإعتبار حين دراسة الحالة الأرجنتينية أو اليونانية على حد سواء أن هناك حالة من التشابه بين البلدين في العديد من المجالات خصوصا أنهما عانيا فترة طويلة من الصراعات والإنقلابات العسكرية تلتها إنتخابات من المفترض أنها ديمقراطية وإنفتاح إقتصادي. في الحالة اليونانية فإنها إنضمام اليونان لمنطقة اليورو قد أدى إلى عقد من الرفاه الإقتصادي ولكنه لم يكن قائما على مبادئ زيادة الإنتاجية والتنيمة الإقتصادية الحقيقية, بل كان قائما على الدين والفقاعات الإقتصادية.
الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم قام بإجراء إصلاحات إقتصادية ولكنها كانت سطحية وشابتها إتهامات بالفساد وتنفيع أقاربه وبيع شركات القطاع العام بأبخس الأسعار للمقربين منه وبدون أي تطوير حقيقي للقطاع الصناعي الذي يمكن على أساسه بناء قاعدة إقتصادية يمكن الإعتماد عليها في أوقات الأزمات الإقتصادية. المشكلة نفسها سوف تتكرر مع اليونان في فترة زمنية لاتزيد عن عشرة سنين. سعر صرف العملة الأرجنتينية(البيزو) والذي كانت مرتبطة بسعر صرف الدولار الأمريكي في ذالك الوقت على الرغم من أن الإقتصاد الأرجنتيني يقل في إنتاجيته عن نظيره الأمريكي بنسبة كبيرة مما جعل أي محاولة للإصلاح الإقتصادي الحقيقي تواجه عقبة إقتصاد إنتاجي ضعيف وعملة قوية. تلك كانت الوصفة التي أدت بالإقتصاد الأرجنتيني للهاوية بعد فترة زمنية لا تزيد عن عشرة سنين, نفس الوصفة التي أدت إلى أزمة الديون السيادية اليونانية ولكن مع إختلاف بسيط هو أن الدراخما تم إستبدالها باليورو. الإقتصاد اليوناني تحول إلى إستهلاكي وزادت نسبة الواردات على حساب الصادرات وإتجهت الكثير من الأموال نحو الإستثمار في الأسهم والبورصة بدون خلق إقتصاد حقيقي قادر على الصمود في اوقات الأزمات الإقتصادية. كما أن إقتصاد الواردات سوف يؤدي إلى إضمحلال القاعدة الصناعية إن وجدت ويقضي على المشاريع والصناعات المحلية. عملة قوية تعني زيادة الواردات على حساب الصادرات وإنخفاض نسبة التضخم والعكس صحيح. صناعة الغزل والنسيج هي أحد الأمثلة في الحالة الأرجنتينية حيث أنه تم نقل العديد من المصانع إلى دول مثل البيرو حيث العمالة الرخيصة وإنخفاض التكاليف وفي الحالة اليونانية فإن عددا من مصانع الغزل والنسيج قد إنتقل إلى تركيا وبلغاريا منذ إنضمام اليونان رسميا إلى منطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو).
مع إقتراب نهاية الفترة الرئاسية الأولى لكارلوس منعم في الأرجنتين فقد واجه مشكلة إرتفاع مستوى البطالة وتأثيرات أزمة العملة المكسيكية(البيزو) أو مايعرف بإسم أزمة(Tequila). كارلوس منعم فاز بفترة إنتخابية ثانية وفق برنامج يركز على إكمال الإصلاحات الإقتصادية التي بدأها وقيامه بشراء أصوات أعضاء النقابات العمالية عن طريق منح إمتيازات لأعضائها وخصوصا إصدار قانون عمل يعزز دور النقابات ويجعل من الصعب فصل العمال من وظائفهم.
إن التصرفات التي قام بها كارلوس منعم والتي تتعارض مع جوهر برنامجه للإصلاح الإقتصادي خصوصا منح وظائف وإمتيازات لأعضاء في النقابات العمالية لمجلاد إرضاء زعماء تلك النقابات وشراء أصوات إنتخابية سوف لن تشكل مشكلة في حالة تعويم البيزوس ولكن مجال حركته كان ضيقا فسعر صرف العملة الأرجنتينية كانت مرتبطا بالدولار كما أن كارلوس منعم كان معارضا لأية إقتطاعات في الميزانية والقانون العمالي الذي أقره يمنعه بنص القانون من تخفيض الأجور او تسريح العمال. ومع تخصيص أغلب الشركات والمؤسسات الحكومية فلم يكن لدى كارلوس منعم سوى اللجوء للإقتراض من الأسواق الدولية عن طريق إصدار سندات الدين الحكومية.
اليونان عانت من ظروف مماثلة حيث أنه وفي عقب إنضمام اليونان رسميا لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) فقد إستفاد اليونانيون من شروط الإقتراض الميسرة ونسب الفائدة المنخفضة بعد عدة عقود من معاناتهم من السياسات المالية المحافظة المرتبطة بنسب الفائدة المرتفعة. تتمتع اليونان بميزة إحتوائها على أحد أعلى نسبة من الأشخاص يمتلكون منازلهم الخاصة بل ويمتلكون أكثر من منزل, منزل للسكن ومنزل أخر للعطلات ومنزل يقومون بتأجيره. كما راجت موضة إمتلاك السيارات الفاخرة في اليونان وخصوصا سيارات البورش التي سجلت اعلى نسبة زيادة في المبيعات في اليونان وسيارات الدفع الرباعي التي تضاعفت مبيعاتها ضعفين بين في الفترة 2002-2006 على الرغم من الإرتفاع القياسي في سعر وقود السيارات حيث تجاوز الحاجز السعري للبرميل 100 دولار.
في سنة 2010 كانت هناك مبالغ وصلت إلى 8 مليارات يورو من قروض السيارات المتعثؤة في اليونان وحدها بما يساوي 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي. مبيعات السيارات سنة 2010 إنخفضت 63% تقريبا عن سنة 2008.
اليونان تعاني معدل ولادات 9.3 لكل ألف نسمة أي أقل من 1.3% التي يتبناها المتفائلون على الرغم من كون أي حضارة تنخفض نسبة مواليدها لتلك النسبة سوف يكون من المستحيل تصحيح تلك النسبة. مانسبته 54% من المواليد الجدد في اليونان يولد في عيادات خاصة حيث تبلغ التكلفة لعملية الولادة الواحدة 1600(يورو) - 11.600(يورو).
المشكلة أن زيادة الإقتراض والإنفاق الحكومي بدا ظاهرا للوضوح مع إقتراب موعد الألعاب الأولمبية التي سوف تقام في العاصمة اليونانية سنة 2004 حيث تم إنفاق مبالغ هائلة على تحسين الطرق والموافق العامة والخدمات خصوصا المنشئات الرياضية في العاصمة اليونانية على الرغم من كون تلك المرافق والتي كلفت عشرات المليارات من اليوروهات تتداعي حاليا بسبب عدم إستخدامها. الفائدة التي عادت على اليونان من إقامة الألعاب الأولمبية في العاصمة أثينا كانت تساوي صفر. الحكومة اليونانية وسلطات العاصمة أثينا كانت في موقف صعب بخصوص التفاوض مع المقاولين على أسعار التعهدات الموكلة إليهم لتحسين البنية التحتية في المدينة خصوصا نظام المواصلات العامة خصوصا مع إقتراب المواعيد النهائية للإنتهاء من إقامة وتحسين البنية التحتية الخاصة بأولمبياد 2004.
الحكومة اليونانية وبالشراكة مع القطاع الخاص قامت بإرساء تعهدات بقيمة 3 مليار دولار لبناء مدارس عامة, مستشفيات ومباني حكومية على الرغم من كون أغلب تلك التعهدات قد تم تمريرها بدون دراسات كافية وأحاطت بها شبهات بالفساد وتنفيع شركات خاصة مقربة من مسؤولين حكوميين ونقابيين.
على الرغم من كل تلك النشاطات والظهور المفاجئ للثروة في اليونان بفضل إنضمامها لمنطقة اليورو والتسهيلات الإئتمانية فقد بقي أغلب النشاط الإقتصادي محصورا في ثلاثة نشاطات رئيسية الزراعة, الشحن خصوصا البحري والسياحة. أما التوجه نحو الإقتصاد الإستهلاكي فهو لايخلق ثروة خصوصا إذا كان يعتمد على الواردات. اليونان كان يجب أن تتحول إلى بلد صناعي لتستفيد من إنضمامها لمنطقة اليورو حيث كان يجب أن يتم توجيه القروض والمنح الدولية في المجالات الإقتصادية الصناعية مماسوف يعود بالفائدة على اليونان ويساهم في نمو إقتصادها وصناعتها. المشكلة التي عانت منها اليونان قبل إنضمامها لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) أنها كانت تعتمد على الصادرات الرخيصة بسبب عملتها (الدراخما) والتي كان من الممكن التحكم بقيمتها وإبقائها منخفضة وكذالك على الشحن البحري الأكثر منافسة عالميا من حيث السعر ولكن مع إعتمادها لليورو بدلا من الدراخما فقد عانى كل من القطاعين حيث إرتفعت أسعار الصادرات الزراعية وتكلفة الشحن البحري ولم تعد اليونان مكانا رخيصا للتمتع بالعطلات خصوصا من قبل المواطنين الألمان والفرنسيين.
الأرجنتين إنفجرت فقاعتها الإقتصادية حين تم تخفيض قيمة الريال البرازيلي 30% مما ادى إلى إرتفاع أسعار الصادرات للبرازيل وهي شريكة تجارية رئيسية للأرجنتين. تضخم الدين الحكومي هي المشكلة التي عانت منها الأرجنتين نتيجة لذالك حيث أن ربط سعر صرف البيزو بالدولار أدى إلى جعل قيمة البيزو منفصلة عن الواقع حيث أدت ذالك بالإضافة إلى نسبة بطالة عالية, إرتفاع مستوى الدين والإصلاحات الإقتصادية التي تم إتخاذها في القطاع العام إلى وصول الوضع الإقتصادي في الأرجنتين إلى طريق مسدود.
التصريحات الصادرة عن النخبة المتحكمة بالقرار الأوروبي بأن اليونان ليست كالأرجنتين تلقى سخرية لاذعة من قبل بعضهم فهي بالفعل ليست كالأرجنتين بل أسوأ بكثير. مستوى الدين الحكومي السيادي في اليونان تجاوز 100% من الناتج القومي الإجمالي وذالك والكساد الإقتصادي لايتوقع زواله في القريب العاجل ومستوى الدين العام في إرتفاع حاد. إذا كانت الأرجنتين تعتبر مشكلة إقتصادية فالكثيرون يشبهون مشكلة اليونان بالكارثة التي عندما تقع فلن تترك بلدا لن تطوله عواقبها.
اليونان كالأرجنتين تمتعت بفترة طويلة من الرخاء الإقتصادي بمعدل تضخم منخفض وسياسات إئتمانية متساهلة وشروط إقراض ميسَّرة. وهي كذالك عانت من فترة إضطرابات سياسية وإنقلابات عسكرية وكساد إقتصادي تماما كالأرجنتين. المشكلة أن التقارير عن الأداء الإقتصادي للأرجنتين في الفترة السابقة للكارثة بخمس سنوات كانت تمدح السياسات الإقتصادية المتبعة حيث معدل النمو الإقتصادي مرتفع ومعدل الفائدة منخفض ولكن كل ذالك كان بسبب الإنخداع بالمظاهر السطحية وعدم الخوض في جذور المشكلة تماما كاليونان حيث يرفض الجميع خصوصا في الحكومة اليونانية أن سياساتهم الإقتصادية الفاشلة هي السبب في الأزمة التي تكاد تعصف بالإتحاد الأوروبي. الإنفصال بين السياسات المالية للحكومة الأرجنتينية وبين سياسات مجلس النقد الذي يتحكم بسعر صرف البيزو كانت السبب الرئيسي الذي قاد الأرجنتين لأحد أكبر الكوارث الإقتصادية في طريقها فهل سوف يكون إنضمام اليونان لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) السبب في أن تواجه العملة الأوروبية أحد أكبر التحديات في تاريخها؟ هل اليونان هي حصان طروادة الإتحاد الأوروبي؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Wednesday, January 27, 2016

بين الأرجنتين واليونان...عشرة سنين من الدروس - الجزء الثاني

في السنوات الأولى لربط العملة الأرجنتينية (البيزو) بالدولار فقد ساد هناك جو من التفائل بين المستثمرين والبنوك بخصوص المستقبل الإقتصادي المزدهر الذي كان السياسيون يعدون به تماما كما هو الحاصل في بداية سنة 2001 إنضمام اليونان للإتحاد الأوروبي وإعتماد اليورو رسميا سنة 2002 قبل حصول الكارثة سنة 2010 وأزمة الديون السيادية اليونانية وهي أزمة مستمرة حتى وقتنا الحالي.
دوليا فقد ساد جو من التفائل وتم تجاهل التحذيرات من الكارثة الإقتصادية القادمة. بول كورجمان(Paul Krugman) الحائز على جائزة نوبل للإقتصاد سنة 2008 حذر من سياسة رئيس مجلس الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي ألان جريسبان من الطريقة التي كان ينظر بها للعجز في الميزانية الفيدرالية. تسهيلات إئتمانية, معدل فائدة منخفض, زيادة الإنفاق الحكومي وتسهيلات ضريبية, تلك كانت وصفة لكارثة إقتصادية قادمة إن طال الزمن او قصر.
البداية الحقيقة للكارثة كانت بإلغاء قانون جلاس-ستيجال في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وهو القانون الذي تم إقراره سنة 1933 من قبل الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت وملخصه فصل البنوك الإستثمارية عن البنوك التجارية.
منذ بداية إعتماد اليونان للعملة الأوروبية الموحدة(اليورو) رسميا سنة 2002 فقد تمتعت الحكومة اليونانية وحتى المواطنين اليونانيين برخاء إقتصادي 2002-2009 حيث إرتفع التصنيف الإئتماني لليونان وإنخفضت نسبة الفائدة على القروض مما أدى إلى توجه الكثير من رؤوس الأموال للأمور الإستهلاكية كشراء المنازل الفخمة والسيارات الفارهة بينما إزدادت نسبة تضخم القطاع الحكومي وتم منح وظائف لأعضاء النقابات رغم عدم الحاجة لها فعليا وكذالك زيادة الرواتب وإمتيازات التقاعد.
بعض الدول لم تتورط في أزمة الديون السيادية اليونانية ولكن الأكثر إنغماسا كان ألمانيا وفرنسا حيث أن المسؤولين الأوروبيين بشكل عام لم يكونوا في وضع نفسي يؤهلهم للإعتراض على سياسة التسهيل الإئتماني والتي كان لها الفضل في إرتفاع مستوى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو. في تلك الفترة فإن السندات التي تصدرها الحكومة اليونانية كانت تتمتع بنفس الدرجة من الثقة بأي سندات تصدرها دولة من دول الإتحاد الأوروبي بما فيها ألمانيا صاحبة أقوى إقتصاد في مجموعة اليورو.
وكما يقول المثل فإن مصائب قوم عند قوم فوائد حيث على الرغم من إنهيار أسعار السندات التي تصدرها الحكومة اليونانية وتهديد ذالك بكارثة إقتصادية تحل بالإتحاد الأوروبي وإنسحاب اليونان أو حتى طردها من منطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو), فإن هناك من خطط للإستفادة من أزمة الديون السيادية اليونانية التي رأها قادمة لا محالة فهناك من كانت له مصلحة في تلك الأزمة ولذالك عمد عن إخفاء أخبارها عن العامة حتى يستفيد منها في حالة حصولها. البنوك الإستثمارية إستفادت من إصدار الحكومة اليونانية للسندات عن طريق تلك البنوك التي تفرض رسوما مقابل قيامها بذالك بالإضافة إلى قيامها بالبيع على المكشوف(Short Positions) والإستفادة من إنخفاض سعر تلك السندات. الحكومة اليونانية تتمكن من سداد ديونها في موعد إستحقاق تلك السندات في حال تمكنها من إصدار سندات جديدة, أي أنها تدفع الديون بالمزيد من الإستدانة.
وكما حصل في الولايات المتحدة حيث أن التسهيل الإئتماني والإقراض بشروط متساهلة قد أدى إلى أزمة إقتصادية بدأت كندفة الثلج وكبرت حتى كادت على أن تصيب بعدوى الإفلاس العالم بأكمله فإن اليونان تواجه أزمة مماثلة. الموظفون الحكوميون الذين كانوا يتمتعون بإنتاجية منخفضة ولكن في الوقت نفسه بزيادات وحوافز ضخمة سنويا أصبحوا يحتاجون إلى منازل فارهة قد تفوق إمكانيات الكثير منهم على الرغم من رواتبهم المرتفعة. مشكلة من ينظرون بإيجابية لإرتفاع أسعار العقارات على أنه علامة من علامات التعافي الإقتصادي أنهم لا يحسون بحجم الكارثة وأنها تحولت إلى مايشبه الفقاعة الإقتصادية خصوصا حين يكون ذالك الإرتفاع أكبر من قدرة متوسطي الدخل على تحمله. التسهيل الإئتماني وشروط الإقتراض الميسرة قد مكنتهم من تحقيق غايتهم بسهولة. البيروقراطية الحكومية في اليونان قد تضخمت لتقترب من حاجز الميلون موظف وتلك نسبة ضخمة مقارنة بعدد السكان. إن من شروط حزمة الإنقاذ المالية التي تم تقديمها لليونان مؤخرا إحداث إصلاحات إقتصادية تتضمن تقليص عدد الموظفين الحكوميين وبيع قطاعات حكومية خاسرة. تخيلوا حجم الكارثة في حال مثلا عجز نصف مليون يوناني بينهم عدد كبير من الموظفين الحكوميين عن سداد دفعات قروضهم العقارية الشهرية وإنهيار السوق العقاري. إن ذالك لن يكون ندفة ثلج بل إنهيار ثلجي كارثي قد يؤثر على إقتصاديات منطقة اليورو بالمجمل.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, January 17, 2016

بين الأرجنتين واليونان...عشرة سنين من الدروس - الجزء الأول

سنة 2001 تم قبول اليونان في الإتحاد الأوروبي على الرغم من إمتلاكها أحد أكثر الإقتصادات الأقل تنظيما في أوروبا. القبول تم لأهداف سياسية حيث كانت اليونان خلال فترة الحرب الباردة ساحة صراع شرسة بين الرأسمالية الغربية والشيوعية السوفياتية. خلال ثلاثة سنين حقق الإقتصاد اليوناني نموا غير مسبوقا كما أن اليونان إستضافت دورة الألعاب الأولمبية سنة 2004 وفاز فريقها الوطني لكرة القدم لأول مرة في بالبطولة الأوروبية حيث هزم فريق البرتغال في نهائي البطولة.
كانت سنة 1994 مميزة بالنسبة للأرجنتين حيث حق إقتصادها نموا في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 5.8% ونسبة تضخم بلغت 4.2% والتي كانت تعد منخفضة مقارنة بفترات سابقة. الإصلاحات المالية وبرامج الخصخصة التي تمت في تلك الفترة جعلت صندوق النقد الدولي يصنف الأرجنتين كنموذج مثالي للإصلاح الإقتصادي. تلك الصورة المثالية للإقتصاد الأرجنتيني تعد سطحية حيث تخفي أسفلها ميزان تجاري مختل حيث أدى التوسع في الإستيراد إلى خلق فجوة في ميزان المدفوعات وإن تأجل ظهورها بسبب نمو الإقتصاد الأرجنتيني.
الأرجنتين في أوائل سنة 1990 واليونان في اوائل سنة 2000 قد إنضما إلى برنامج تثبيت سعر صرف العملة حيث أدى ذالك إلى إستفادة كل من اليونان والأرجنتين من مناخ إقتصادي عالمي معتدل.
أثناء رئاسة كارلوس منعم للأرجنتين في فترة التسعينيات, فقد حقق الإقتصاد الأرجنتيني نموا غير مسبوق بفضل سياسة تحرير الإقتصاد والخصخصة التي إتبعها منعم. أدى ذالك إلى نمو في الصادرات والواردات وخصوصا في مجال الزراعة حيث تعتمد الأرجنتين على الإنتاج الزراعي بنسبة 58% من ناتجها المحلي الإجمالي. المناخ الإقتصادي العالمي المعتدل الذي تمتعت به الأرجنتين في تلك الفترة كان يعني 40% إرتفاع في أسعار المنتوجات الزراعية ويمكن تلخيصها على النحو التالي:
- تعد الأرجنتين في تلك الفترة المنتج الأول لفول الصويا في العالم حيث إرتفع إنتاج فول الصويا والمنتجات المرتبطة به ثلاثة أضعاف لتصل إلى 3 ملايين طن أو ماقيمته 3 مليار دولار أمريكي تقريبا.
- تعد الأرجنتين مسؤولة عن 75% من إنتاج القمح في أمريكا الجنوبية وخامس أكبر مصدر لتلك المادة في العالم بمعدل إنتاج 14.5 مليون طن. كما تعد رابع دولة على مستوى العالم في إنتاج الذرة بمعدل إنتاج بلغ 13.2 مليون طن
- سعر صرف البيزوس الأرجنتيني كان مرتبطا بالدولار الأمريكي والذي كانت قيمته منخفضة خلال فترة التسعينيات مما ساعد الصادرات الأرجنتينية فيما يتعلق بالتنافسية في الأسواق العالمية.
الإقتصاد اليوناني خلال الفترة الممتدة من بداية سنة 2000 كان معتمدا على ثلاثة أنشطة رئيسية وهي السياحة, الشحن والزراعة وفي وقت الحق بعد إنضمامه للإتحاد الأوروبية نما سوق العقارات اليوناني بشكل سريع. من الممكن وصف الإنتعاش الذي تمتعت به القطاعات المذكورة سابقا على النحو التالي:


- السياحة
إنتعشت إثر أحداث سيبتمبر في الولايات المتحدة وإنخفاض السياحة في الكثير من الدول العربية والإسلامية حيث قفز عدد السياح القادمين إلى اليونان من 10 مليون سائح إلى 17 مليون سائح سنويا.


- قطاع الشحن والخدمات المرتبطة به
كان مسؤولا عن ألاف الوظائف ذات الدخل المرتفع وإستفاد كثيرا من نمو الإقتصاد الصيني


- القطاع الزراعي
كان ذالك القطاع مسؤولا عن 12.5% من الوظائف في اليونان مقارنة بدول الإتحاد الأوروبي الأخرى حيث كان لا يتعدى 3.5%


- قطاع العقارات
شهد ذالك القطاع إزدهارا خصوصا مع سياسة سعر الفائدة المخفض لليورو حيث تضاعفت أسعار البيوت بين سنتي 200-2008


لم يتعلم اليونانيون سنة من الأخطاء التي تم إرتكابها سابقا في الأرجنتين سنة 1990 حيث تم توجيه أموال القروض والمنح نحو إستثمارات غير نافعة ولا تخلق فرصا مستقبلية من ناحية الوظائف والعائدات. الأموال التي هبطت على اليونان بعشرات المليارات تم إستخدامها لإرضاء النقابات العمالية ومنح منتسبيها إمتيازات وزيادة في الأجور. كما أنه تم إستخدام تلك الأموال في خلق وظائف غير ضرورية(بطالة مقنعة) وذالك في سبيل كسب أصوات إنتخابية. الإنطباع الواضح لدى المجتمع الإستثماري الدولي كان الثقة بالدولة الأرجنتينية ووعودها وأن الإقتصاد الأرجنتيني قد مر بمرحلة إصلاح جعلته عمليا وفعالا بينما اليونان كان لها قصة أخرى.
هناك الكثير من النقاط المشتركة بين الأرجنتين واليونان والتي أدت الى الكوارث الإقتصادية التي مر بها البلدان ولايزالان يعانيان من نتائجها حتى يومنا هاذا. في السنوات الأولى لربط عملات البلدين بالدولار فقد إستقرت أسعار الصرف في كل من البلدين وإرتفع مستوى الأداء الإقتصادي مما أدى إلى ثقة المستثمرين الباحثين عن الإرباح في الإستثمار بالسندات الحكومية. المشكلة التي كان البلدان يعانيان منها هي أن إرتفاع الأداء الإقتصادي كان أمرا مؤقتا بسبب الحاجة لتحديث ترسانة قوانين تعيق النمو الإقتصادي كما ان الأموال الناتجة من الإستثمارات الأجنبية تم إنفاقها في محاباة الأحزاب والنقابات عن طريق منح المزيد من الوظائف لمنتسبيها والإنفاق على مشاريع بهدف شراء الولائات والأصوات الإنتخابية.
في الفترة الزمنية بين 1996 ونهاية عام 1997 فقد كان بإمكان الحكومة الأرجنتينية أن تحقق فائضا إيجابيا في الميزانية حيث أن نسبة العجز في بداية عام 1998 بلغت 1.6% حيث تعد نسبة منخفضة. وبحلول نهاية تلك السنة فقد إستحقت الأرجنتين لقب أكثر الدول في أمريكا اللاتينية إصدارا للسندات حيث أن الإصلاحات الإقتصادية الشكلية وثقة المستثمرين قد أدت إلى المزيد من تدفق الأموال التي لم يتم توجيهها في مسارها الصحيح.
الحكومة الأرجنتينية كانت تعلم بحجم المشكلة وتخفي ذالك عن أعين العامة والمستثمرين الدوليين حيث كانت الحكومة تتجاهل في بياناتها الإقتصادية العوامل التي تؤدي إلى زيادة مستوى العجز كسندات الديون السيادية وإستحقاقات التقاعد. برنامج الخصخصة الذي قام الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم بتطبيقه كانت على حساب العائدات حيث تم بيع شركات ومصالح حكومية رابحة بأبخس الأسعار مما أدى إلى تراجع المداخيل الحكومية. التحذيرات من إحتمالية إفلاس الحكومة الأرجنتينية وعجزها عن الوفاء بإلتزاماتها بقيت متداولة في الدوائر المغلقة ولم تخرج إلى العلن. في سنة 2001 بدأ سعر سندات الدين السيادي التي تصدرها الحكومة الأرجنتينية بالإنخفاض حيث قام العديد من المستثمرين بجني الأرباح من البيع على المكشوف(Short Positions) لسندات الأسهم التي بحوزتهم لجني الأرباح مما أدى إلى تعقيد المشكلة.
الأرجنتين تم تصنيفها في الفترة بين 1995-2000 على أنها من ضمن إقتصاديات الدول الناشئة والتي تتمتع ببيئة إستثمارية منخفضة المخاطر بينما اليونان في الفترة التي تلت سنة 2002 فهي لم تكن مؤهلة حتى لتصنيفها ضمن إقتصاديات الدول النامية. إنضمام اليونان للعملة الأوروبية الموحدة أثار تسائلات حول كون اليورو يصنف كعملة صعبة ولكن إقتصاديات الدول المنضمة إليه تتفاوت في المستوى. أزمة الرهون العقارية سنة 2007\2008 نتجت عن دمج مستويات مختلفة من القروض العقارية ضمن أداة مالية واحدة وبضمان مايعرف بإسم (CDO-Collateral Damage Obligation) وتقييم مرتفع مضلل من قبل وكالات التصنيف المختصة(Rating Agencies), يتسائل المختصون إن كانت أزمة الرهون العقارية والأزمة المقبلة لليورو ذات جذور مشتركة؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية