Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label البرازيل. Show all posts
Showing posts with label البرازيل. Show all posts

Wednesday, November 24, 2021

الحركة الإستعمارية وأمريكا اللاتينية, بين الماضي والحاضر

الصورة التقليدية أو النمطية عن أمريكا اللاتينية التي تنقلها وسائل إعلام غربية هي أنها موطن زراعة وتجارة المخدرات والشواطئ الساحرة والنساء الجميلات وبالتأكيد, كرة القدم. إذا الصورة ليست قاتمة تماما كما يعتقد البعض ولكن الحقيقة على أرض الواقع أمر مختلف تماما. إن تلك الصورة النمطية تعززها وسائل الإعلام خصوصا عبر الأفلام والمسلسلات مثل ناركوس(Narcos) بابلو إسكوبار على شبكة نتفلكس.

القارة اللاتينية هي موطن أكثر الغابات الساحرة وثاني أطول نهر في العالم وهو الأمازون. كما أنها تحتوي على ثروات طبيعية منها الذهب, الفضة, النفط ومعادن ثمينة أخرى. الأرجنتين كانت ومازالت تصدِّرُ اللحوم الى جميع أنحاء العالم وكذلك نبتة المتة العشبية التي تعتبر مشروبا مفضلا في أمريكا اللاتينية وحتى عدة بلدان عربية. كولومبيا تعتبر من أكبر مصدري القهوة, وتعتبر غابات الأمازون المطيرة موطن زراعة نبتة الكاكاو منذ أكثر من خمسة آلاف عام حيث كانت تعتبر أحد الأطعمة المعتاد تناولها من السكان المحليين. وعلينا أن لا ننسى زراعة الموز التي تشتهر بها عدة بلدان في أمريكا اللاتينية خصوصا غواتيمالا. 

إنَّ مصير القارة اللاتينية حدَّدَه كما حدَّدَ مصير غيره من البلدان الإستعمار الأجنبي الذي بدأ مع وصول المستكشف كريستوفر كولومبوس الى الجزر الكاريبية سنة 1492م خلال رحلته الأولى والى القارة الأمريكية الشمالية سنة 1498م خلال رحلته الثانية. الهدف الأساسي من تلك الرحلات كان إكتشاف طريق تجاري بديل عن طرق التجارة التقليدية التي كانت تمر عبر بلاد المسلمين فيما يسمى حركة الكشوفات الجغرافية. وقد يعتقد البعض أنَّ ذلك مبالغة ولكن الكثير من المحللين ربط بين بداية نهاية دولة المماليك وإكتشاف الطريق البحري عبر رأس الرجاء الصالح الذي أنهى إحتكار المماليك طرق التجارة التقليدية وأدى لاحقا الى إكتشاف القارة الأمريكية وبالتالي السيطرة على مناجم الذهب والفضة ومراكمة ثروا هائلة موَّلت النهضة الصناعية في دول أوروبية بداية من بريطانيا.

وهناك أمر آخر لايمكن أن نغفل عنه أدى الى إحداث تغيرات كبيرة في البنية الإقتصادية, الإجتماعية والسياسية في أمريكا اللاتينية وهو إستقدام ملايين العبيد من القارة الإفريقية من أجل العمل في مزارع الموز, قصب السكر والمطاط ومناجم الذهب والفضة. وكأنَّ القارة اللاتينية ينقصها المزيد من المآسي حتى تضاف الى إبادة السكان الأصليين إستيراد الأفارقة من أجل قيامهم بأعمال السخرة الشاقة حيث أصبحوا جزأً لا يتجزأ من ثقافة وحضارة تلك القارة المنكوبة.

إنَّ تأثير الحركة الإستعمارية التي أتبعت حركة الكشوفات الجغرافية في أمريكا اللاتينية مازال مستمرا حتى يومنا هذا. وقد يعتقد البعض أن حصول بلدان أمريكا اللاتينية على الإستقلال أنهى عهد الإستعمار ولكنه كان ومازال استقلالا اسميا. الشركات الأمريكية والشركات المتعددة الجنسيات مازالت تقبض على نواصي الإقتصاد في بلدان أمريكا اللاتينية حيث تتحكم بأسعار السلع والمواد الأولية وتقوم على تدبير الانقلابات العسكرية وتتدخل في شؤون دول أمريكا اللاتينية الداخلية. ولعل أشهر الأمثلة على ذلك هو العداء الأمريكي المستمر مع كوبا رغم سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي ورغم وفاة جميع ثوار كوبا الأوائل وعلى رأسهم تشي جيفارا وفيدل كاسترو وشقيقه راؤول. ومثال آخر هو الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة على المخدرات خلال عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والتي تحوَّلت الى حرب على شعوب أمريكا اللاتينية وأحد أدوات التدخل في الشؤون الداخلية لدول القارَّة.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Wednesday, September 22, 2021

النهضة الإقتصادية في دولة الباراغواي وأسباب حرب التحالف الثلاثي

أحد صفحات التاريخ المفقود الذي لم يسمع عنه الكثيرون كان حرب الحلف الثلاثي أو الحرب الوطنية العظيمة كما يطلق عليها في دولة الباراغواي. ثلاثة دول هي البرازيل, الأرجنتين والأوروغواي تحالفت ضد دولة الباراغواي حيث استمرت الحرب (١٨٦٤-١٨٧٠) وكانت نتيجتها كارثية على جميع الدول المشاركة فيها خصوصا الباراغواي التي يقال حسب أكثر التقديرات تفائلا أنها فقدت ٦٠% من سكانها مساحات من الأراضي لصالح خصومها خصوصا الأرجنتين. الدول التي خاضت تلك الحرب المجنونة خسرت مئات الآلاف من القتلى والجرحى وجبال من الديون, بينما بريطانيا العظمى حصدت غنائمها.

بريطانيا العظمى أو الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس كانت منذ بداية الثورة الصناعية دولة لا يشق لها غبار في الميدان العسكري خصوصا البحرية الملكية البريطانية التي كانت تجوب بحار العالم وتفرض هيمنتها على المعابر التجارية البحرية. الثورة الصناعية التي بدأت في بريطانيا أدت الى فائض في الإنتاج مما أدى الى البحث عن أسواق خارجية حيث كانت المستعمرات البريطانية مكانا مثاليا. الحكومة البريطانية حاربت الصناعات المحلية في المستعمرات خصوصا المنسوجات وأغرقت الأسواق بمنتجات مصانعها كما في الهند التي حكمتها بريطانيا منذ سنة ١٨٥٨ تقريبا.

والحقيقة أن التجار البريطانيين تحكموا في حركة رؤوس الأموال العالمية وتدفقات الذهب والفضة من العالم الجديد منذ حركة الكشوف الجغرافية التي أعقبتها حركة استعمارية على نطاق واسع. دول مثل إسبانيا والبرتغال كانت تستورد البضائع البريطانية خصوصا المنتجات الفاخرة وتدفع ثمنها بواسطة الذهب والفضة وذلك بدلا من الإهتمام بتحقيق نهضة صناعية حقيقية. إن تلك الدول قد دفعت ثمن أخطائها حيث تمكنت بريطانيا من المنافسة والسيطرة على حركة التجارة العالمية وتأسيس أول منطقة تجارية أو جمركية موحَّدة, البداية الحقيقة أو النهضة الحقيقية للرأسمالية المعاصرة.

أمريكا اللاتينية كانت في الظاهر منطقة نفوذ لدول أوروبية مثل إسبانيا, البرتغال بينما أحكم رأس المال الانجليزي سيطرته عليها. دولة الباراغواي هي أحد دول أمريكا اللاتينية التي كانت خلال القرن التاسع عشرة أكثرها تقدما رغم طبيعة حكمها الفردي ولكنه حقَّقَ الكثير من الإنجازات بسبب إتباعه سياسة حمائية تعتمد تشيجع الصناعة المحلية وفرض ضرائب مرتفعة على الواردات الأجنبية وتأسيس قطاع مصرفي مستقل. التقدم الإقتصادي في دولة الباراغواي وصل الى درجة أنه اختفاء ظواهر مثل التسول والأمية حيث كان لا يوجد طفل في الباراغواي لا يجيد القرائة والكتابة. إن تلك السياسات واجهت معارضة من بريطانيا التي كانت تخشى من انتشار العدوى بين الدول الأخرى مما يعني كساد البضائع البريطانية.

أسباب حرب الحلف الثلاثي غير واضحة والدور البريطاني فيها غامض ولكن بريطانيا هي المستفيد الأول والأخير. الباراغواي خسرت ٦٠%-٩٠% من تعدادها السكاني وتم تدمير جيشها و اسطولها البحري وأما دول الحلف الثلاثي فقد خسرت عددا كبيرا من القتلى بالإضافة الى ديون الحرب التي كانت تلك الدول تدين بها الى بنوك بريطانية خصوصا بنك لندن, بنك روتشيلد وكذلك بنك إخوان بيرينغ(Bering Brothers) بفوائد مرتفعة. 

التفاصيل حول النهضة التي حققتها دولة الباراغواي خلال القرن التاسع عشرة وأسباب حرب التحالف الثلاثي والدور البريطاني كثيرة ومتعددة ولكنني أكتفي بما ذكرت حتى لا أطيل الموضوع. وقد أذكر بعض التفاصيل في التعليقات مما يؤدي الى صورة أكثر وضوحا وشمولية.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Saturday, August 27, 2016

البروباغندا الإعلامية في خدمة شركات النفط

الحملة التي بدأت في أوائل السبعينيات ضد مصادر الطاقة التقليدية(الأحفورية) لاقت نجاحا مذهلا في بدايتها حيث إتخذت شعارات تم الترويج لها إعلاميا بالحفاظ على البيئة والحد من التغير المناخي والإحتباس الحراري وأضيف إلى كل هاذا وذالك التقليل من إعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد وبالتحديد من منطقة الشرق الأوسط. ولكن في أثناء فترة رئاسة جيمي كارتر فقد إنعكست الصورة وإزدادت النسبة المئوية للنفط الذي تستورده الولايات المتحدة وخصوصا من منطقة الشرق الأوسط.
في فترة الستينيات فإن الولايات المتحدة قد إستورد 1.8 مليون برميل من النفط وهو مايشكل 18% من إستهلاكها اليومي من النفط. وفي بداية السبعينيات في الفترة التي سبقت الصدمة النفطية وإرتفاع أسعار النفط 400% فقد كانت الولايات المتحدة تستورد 2.5 مليون برميل من النفط بما نسبته 17% من إستهلاكها اليومي مما أثار نقاشات حادة حول مستوى إعتمادها على النفط المستورد والخطر الذي يمثله على الأمن القومي الأمريكي.
بنهاية سنة 1975 فقد إرتفعت نسبة إعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد إلى 38% وخصوصا من منطقة الشرق الأوسط التي إرتفعت من 43% سنة 1970 إلى 62% بنهاية سنة 1975. وفي نهاية فترة رئاسة جيمي كارتر فإن النفط المستورد شكل مانسبته 41% من مجمل إستهلاك الولايات المتحدة اليومي من النفط.
شركات الأخوات السبعة(Seven Sisters) كانت تتصدر المشهد النفطي في الولايات المتحدة وعلى المستوى العالمي حيث تم دفع الولايات المتحدة للإعتماد على واردات النفط من مناطق تشهد إضطرابات سياسية وعسكرية مما إستدعى تدخل الجيش الأمريكي في الكثير من الأحيان لحماية المصالح النفطية للولايات المتحدة التي تمثلها شركات النفط وعلى رأسها الأخوات السبعة.
الحملات الإعلامية المتواصلة التي بدأت في أوائل السبعينيات برعاية نادي روما(The Club Of Rome) وجمعيات حماية البيئة والحياة البرية والتي تمحورت حول الطاقة البديلة وإن لاقت في بداياتها نجاحات متعددة إلا أن الأصوات المنادية بها والداعمة لها قد تخلت عنها بهدوء لسببين رئيسيين أولهما هو أن مصادر الطاقة البديلة مازالت غير مجدية إقتصاديا مقارنة بالمصادر التقليدية كالنفط الأحفوري. السبب الثاني هو أن الولايات المتحدة مازالت وحتى يومنا هاذا تمتلك إحتياطيات هائلة من الفحم والغاز إذا وضعنا جانبا إستخراج النفط محليا والذي تمت إحالته للتقاعد لصالح النفط الرخيص المستورد بسبب تحقيقه هامشا أكبر من الأرباح على حساب دافع الضرائب الأمريكي. الحملات الإعلامية نجحت في إستخدام البيئة والحفاظ عليها خصوصا داخل الولايات المتحدة كذريعة لتحجيم قطاع الصناعة النفطية المحلية لصالح الإستيراد من الخارج.
الشركات النفطية التي مولت بطريقة مباشرة وغير مباشرة الحملات الإعلامية والمنظمات الغير حكومية التي قامت بالترويج للطاقة البديلة والحفاظ على البيئة أصبحت تواجه مشكلة تخمة نفطية في الأسواق العالمية مما تسبب في إنخفاض أسعار النفط وبالتالي التأثير على أرباح تلك الشركات.
بحلول سنة 1976 أصبح من الواضح بالنسبة لكبريات شركات النفط أن هناك نتيجتين رئيسيتين لإرتفاع أسعار النفط 400%. النتيجة الأولى هي زيادة القوة الشرائية للدولار نتيجة لإرتفاع قيمته ومعادلة النفط مقابل الدولار بينما النتيجة الثانية جائت عكسية حيث أنه ومع مرور الوقت وبسبب الحملات الإعلامية المتعلقة بالبيئة فقد إنخفض إستهلاك الوقود الأحفوري مما تسبب بتعريض أرباح تلك الشركات للإنخفاض.
بنهاية سنة 1976 فقد إنخفض إستهلاك النفط في الولايات المتحدة والتي تعد في ذالك الوقت أكبر مستهلك لتلك المادة في العالم بنسبة 13% مقارنة بسنة 1972. وفي مقابل ذالك فقد إرتفع إستهلاك الفحم وهو يعد المنافس التقليدي للنفط كمصدر للطاقة بنسبة 22% كما أن مساهمة الطاقة النووية قد إرتفع بنسبة 400 مقارنة بلاشيئ سنة 1972. المثير للشفقة أن مصادر الطاقة البديلة على الرغم من كم الترويج والدعاية والضخ الإعلامي بقيت مساهمتها على مستوى 0.1% وهي أقل من متواضعة.
الإقتصاد الأمريكي إنحدر إلى مستويات قياسية وأصيب بالكساد كما أن عددا كبيرا من الصناعات التي تعتمد على إستهلاك كميات كبيرة من النفط قد أصيبت بالشلل خصوصا مصانع الحديد التي أغلق عدد كبير منها أبوابه وتم تسريح مئات الألاف من الموظفين مما زاد من نسبة البطالة.
الدول الأوروبية قرأت الرسالة بطريقة واعية وقامت على الفور بالإستثمار بالطاقة النووية حيث أنه من المخطط بحلول سنة 1985 أن يتم بناء 200 مفاعل نووي تقريبا في دول القارة الأوروبية مما يعد نكسة للشركات النفطية الكبرى تتصدرها شركات الأخوات السبعة. المستشار الألماني هيلموت شميت دعا سنة 1975 إلى بناء قدرة نووية ألمانية تعادل 42 جيجاواتس(42 مليار واتس Watts) لإنتاج مامعدله 42%  من إجمالي الطاقة المستهلكة في ألمانيا بحلول سنة 1985 والتي كانت فرنسا تعد منافستها الرئيسية بخطط لإنتاج قدرة نووية تعادل 45 جيجاواتس بحلول نفس السنة. إيطاليا كانت تخطط لبناء 20 مفاعلا نوويا بحلول سنة 1980 وهو نفس العدد الذي كانت إسبانيا تخطط لبنائه بحلول سنة 1983.
وحتى نفهم سبب سرعة إنتشار فكرة الإستخدام السلمي للطاقة النووية يكفي أن نعرف أن مفاعلا نوويا بقدرة 1(جيجا واتس-Gigawatts) يكفي لتوليد طاقة كهربائية لمدينة صناعية تعدادها السكاني مليون نسمة.
إن صناعة الطاقة النووية الأوروبية قد بدأت في منافسة نظيرتها الأمريكية وإمتدت إلى أسواق إعتبرت حتى فترة قريبة حكرا على شركات الطاقة النووية الأمريكية كإيران على سبيل المثال. شركات ألمانية وفرنسية إتفقت مع شاه إيران محمد رضا بهلوي على بناء أربعة مفاعلات نووية كما أن شركات فرنسية إتفقت مع حكومة ذو الفقار علي بوتو في باكستان على القيام بتأسيس بنية تحتية نووية للإستخدام السلمي في باكستان. ألمانيا توصلت لإتفاق مع البرازيل سنة 1976 فيما يتعلق بالتعاون في مجال الطاقة النووية المخصصة للإستخدام السلمي وبناء 8 مفاعلات نووية ومنشئات لمعالجة وتخزين النفايات الناتجة عن تلك المفاعلات.
التحالف الأنجلو-أمريكي في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية كان يعتمد سياسة السيطرة على مصادر الطاقة(النفط) للتحكم بمستوى النمو الإقتصادي على المستوى العالمي وكذالك لإستخدامه كسلاح إجتماعي وسياسي للسيطرة على الشعوب. إن ظهور الإستخدام السلمي للطاقة النووية على مسرح الأحداث كلاعب بارز ومصدر رئيسي مستقبلي للطاقة خصوصا في أوروبا بحيث أصبحت تهدد مصالح الشركات النفطية.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Friday, January 29, 2016

بين الأرجنتين واليونان...عشرة سنين من الدروس - الجزء الأخير

علينا أن نأخذ في عين الإعتبار حين دراسة الحالة الأرجنتينية أو اليونانية على حد سواء أن هناك حالة من التشابه بين البلدين في العديد من المجالات خصوصا أنهما عانيا فترة طويلة من الصراعات والإنقلابات العسكرية تلتها إنتخابات من المفترض أنها ديمقراطية وإنفتاح إقتصادي. في الحالة اليونانية فإنها إنضمام اليونان لمنطقة اليورو قد أدى إلى عقد من الرفاه الإقتصادي ولكنه لم يكن قائما على مبادئ زيادة الإنتاجية والتنيمة الإقتصادية الحقيقية, بل كان قائما على الدين والفقاعات الإقتصادية.
الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم قام بإجراء إصلاحات إقتصادية ولكنها كانت سطحية وشابتها إتهامات بالفساد وتنفيع أقاربه وبيع شركات القطاع العام بأبخس الأسعار للمقربين منه وبدون أي تطوير حقيقي للقطاع الصناعي الذي يمكن على أساسه بناء قاعدة إقتصادية يمكن الإعتماد عليها في أوقات الأزمات الإقتصادية. المشكلة نفسها سوف تتكرر مع اليونان في فترة زمنية لاتزيد عن عشرة سنين. سعر صرف العملة الأرجنتينية(البيزو) والذي كانت مرتبطة بسعر صرف الدولار الأمريكي في ذالك الوقت على الرغم من أن الإقتصاد الأرجنتيني يقل في إنتاجيته عن نظيره الأمريكي بنسبة كبيرة مما جعل أي محاولة للإصلاح الإقتصادي الحقيقي تواجه عقبة إقتصاد إنتاجي ضعيف وعملة قوية. تلك كانت الوصفة التي أدت بالإقتصاد الأرجنتيني للهاوية بعد فترة زمنية لا تزيد عن عشرة سنين, نفس الوصفة التي أدت إلى أزمة الديون السيادية اليونانية ولكن مع إختلاف بسيط هو أن الدراخما تم إستبدالها باليورو. الإقتصاد اليوناني تحول إلى إستهلاكي وزادت نسبة الواردات على حساب الصادرات وإتجهت الكثير من الأموال نحو الإستثمار في الأسهم والبورصة بدون خلق إقتصاد حقيقي قادر على الصمود في اوقات الأزمات الإقتصادية. كما أن إقتصاد الواردات سوف يؤدي إلى إضمحلال القاعدة الصناعية إن وجدت ويقضي على المشاريع والصناعات المحلية. عملة قوية تعني زيادة الواردات على حساب الصادرات وإنخفاض نسبة التضخم والعكس صحيح. صناعة الغزل والنسيج هي أحد الأمثلة في الحالة الأرجنتينية حيث أنه تم نقل العديد من المصانع إلى دول مثل البيرو حيث العمالة الرخيصة وإنخفاض التكاليف وفي الحالة اليونانية فإن عددا من مصانع الغزل والنسيج قد إنتقل إلى تركيا وبلغاريا منذ إنضمام اليونان رسميا إلى منطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو).
مع إقتراب نهاية الفترة الرئاسية الأولى لكارلوس منعم في الأرجنتين فقد واجه مشكلة إرتفاع مستوى البطالة وتأثيرات أزمة العملة المكسيكية(البيزو) أو مايعرف بإسم أزمة(Tequila). كارلوس منعم فاز بفترة إنتخابية ثانية وفق برنامج يركز على إكمال الإصلاحات الإقتصادية التي بدأها وقيامه بشراء أصوات أعضاء النقابات العمالية عن طريق منح إمتيازات لأعضائها وخصوصا إصدار قانون عمل يعزز دور النقابات ويجعل من الصعب فصل العمال من وظائفهم.
إن التصرفات التي قام بها كارلوس منعم والتي تتعارض مع جوهر برنامجه للإصلاح الإقتصادي خصوصا منح وظائف وإمتيازات لأعضاء في النقابات العمالية لمجلاد إرضاء زعماء تلك النقابات وشراء أصوات إنتخابية سوف لن تشكل مشكلة في حالة تعويم البيزوس ولكن مجال حركته كان ضيقا فسعر صرف العملة الأرجنتينية كانت مرتبطا بالدولار كما أن كارلوس منعم كان معارضا لأية إقتطاعات في الميزانية والقانون العمالي الذي أقره يمنعه بنص القانون من تخفيض الأجور او تسريح العمال. ومع تخصيص أغلب الشركات والمؤسسات الحكومية فلم يكن لدى كارلوس منعم سوى اللجوء للإقتراض من الأسواق الدولية عن طريق إصدار سندات الدين الحكومية.
اليونان عانت من ظروف مماثلة حيث أنه وفي عقب إنضمام اليونان رسميا لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) فقد إستفاد اليونانيون من شروط الإقتراض الميسرة ونسب الفائدة المنخفضة بعد عدة عقود من معاناتهم من السياسات المالية المحافظة المرتبطة بنسب الفائدة المرتفعة. تتمتع اليونان بميزة إحتوائها على أحد أعلى نسبة من الأشخاص يمتلكون منازلهم الخاصة بل ويمتلكون أكثر من منزل, منزل للسكن ومنزل أخر للعطلات ومنزل يقومون بتأجيره. كما راجت موضة إمتلاك السيارات الفاخرة في اليونان وخصوصا سيارات البورش التي سجلت اعلى نسبة زيادة في المبيعات في اليونان وسيارات الدفع الرباعي التي تضاعفت مبيعاتها ضعفين بين في الفترة 2002-2006 على الرغم من الإرتفاع القياسي في سعر وقود السيارات حيث تجاوز الحاجز السعري للبرميل 100 دولار.
في سنة 2010 كانت هناك مبالغ وصلت إلى 8 مليارات يورو من قروض السيارات المتعثؤة في اليونان وحدها بما يساوي 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي. مبيعات السيارات سنة 2010 إنخفضت 63% تقريبا عن سنة 2008.
اليونان تعاني معدل ولادات 9.3 لكل ألف نسمة أي أقل من 1.3% التي يتبناها المتفائلون على الرغم من كون أي حضارة تنخفض نسبة مواليدها لتلك النسبة سوف يكون من المستحيل تصحيح تلك النسبة. مانسبته 54% من المواليد الجدد في اليونان يولد في عيادات خاصة حيث تبلغ التكلفة لعملية الولادة الواحدة 1600(يورو) - 11.600(يورو).
المشكلة أن زيادة الإقتراض والإنفاق الحكومي بدا ظاهرا للوضوح مع إقتراب موعد الألعاب الأولمبية التي سوف تقام في العاصمة اليونانية سنة 2004 حيث تم إنفاق مبالغ هائلة على تحسين الطرق والموافق العامة والخدمات خصوصا المنشئات الرياضية في العاصمة اليونانية على الرغم من كون تلك المرافق والتي كلفت عشرات المليارات من اليوروهات تتداعي حاليا بسبب عدم إستخدامها. الفائدة التي عادت على اليونان من إقامة الألعاب الأولمبية في العاصمة أثينا كانت تساوي صفر. الحكومة اليونانية وسلطات العاصمة أثينا كانت في موقف صعب بخصوص التفاوض مع المقاولين على أسعار التعهدات الموكلة إليهم لتحسين البنية التحتية في المدينة خصوصا نظام المواصلات العامة خصوصا مع إقتراب المواعيد النهائية للإنتهاء من إقامة وتحسين البنية التحتية الخاصة بأولمبياد 2004.
الحكومة اليونانية وبالشراكة مع القطاع الخاص قامت بإرساء تعهدات بقيمة 3 مليار دولار لبناء مدارس عامة, مستشفيات ومباني حكومية على الرغم من كون أغلب تلك التعهدات قد تم تمريرها بدون دراسات كافية وأحاطت بها شبهات بالفساد وتنفيع شركات خاصة مقربة من مسؤولين حكوميين ونقابيين.
على الرغم من كل تلك النشاطات والظهور المفاجئ للثروة في اليونان بفضل إنضمامها لمنطقة اليورو والتسهيلات الإئتمانية فقد بقي أغلب النشاط الإقتصادي محصورا في ثلاثة نشاطات رئيسية الزراعة, الشحن خصوصا البحري والسياحة. أما التوجه نحو الإقتصاد الإستهلاكي فهو لايخلق ثروة خصوصا إذا كان يعتمد على الواردات. اليونان كان يجب أن تتحول إلى بلد صناعي لتستفيد من إنضمامها لمنطقة اليورو حيث كان يجب أن يتم توجيه القروض والمنح الدولية في المجالات الإقتصادية الصناعية مماسوف يعود بالفائدة على اليونان ويساهم في نمو إقتصادها وصناعتها. المشكلة التي عانت منها اليونان قبل إنضمامها لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) أنها كانت تعتمد على الصادرات الرخيصة بسبب عملتها (الدراخما) والتي كان من الممكن التحكم بقيمتها وإبقائها منخفضة وكذالك على الشحن البحري الأكثر منافسة عالميا من حيث السعر ولكن مع إعتمادها لليورو بدلا من الدراخما فقد عانى كل من القطاعين حيث إرتفعت أسعار الصادرات الزراعية وتكلفة الشحن البحري ولم تعد اليونان مكانا رخيصا للتمتع بالعطلات خصوصا من قبل المواطنين الألمان والفرنسيين.
الأرجنتين إنفجرت فقاعتها الإقتصادية حين تم تخفيض قيمة الريال البرازيلي 30% مما ادى إلى إرتفاع أسعار الصادرات للبرازيل وهي شريكة تجارية رئيسية للأرجنتين. تضخم الدين الحكومي هي المشكلة التي عانت منها الأرجنتين نتيجة لذالك حيث أن ربط سعر صرف البيزو بالدولار أدى إلى جعل قيمة البيزو منفصلة عن الواقع حيث أدت ذالك بالإضافة إلى نسبة بطالة عالية, إرتفاع مستوى الدين والإصلاحات الإقتصادية التي تم إتخاذها في القطاع العام إلى وصول الوضع الإقتصادي في الأرجنتين إلى طريق مسدود.
التصريحات الصادرة عن النخبة المتحكمة بالقرار الأوروبي بأن اليونان ليست كالأرجنتين تلقى سخرية لاذعة من قبل بعضهم فهي بالفعل ليست كالأرجنتين بل أسوأ بكثير. مستوى الدين الحكومي السيادي في اليونان تجاوز 100% من الناتج القومي الإجمالي وذالك والكساد الإقتصادي لايتوقع زواله في القريب العاجل ومستوى الدين العام في إرتفاع حاد. إذا كانت الأرجنتين تعتبر مشكلة إقتصادية فالكثيرون يشبهون مشكلة اليونان بالكارثة التي عندما تقع فلن تترك بلدا لن تطوله عواقبها.
اليونان كالأرجنتين تمتعت بفترة طويلة من الرخاء الإقتصادي بمعدل تضخم منخفض وسياسات إئتمانية متساهلة وشروط إقراض ميسَّرة. وهي كذالك عانت من فترة إضطرابات سياسية وإنقلابات عسكرية وكساد إقتصادي تماما كالأرجنتين. المشكلة أن التقارير عن الأداء الإقتصادي للأرجنتين في الفترة السابقة للكارثة بخمس سنوات كانت تمدح السياسات الإقتصادية المتبعة حيث معدل النمو الإقتصادي مرتفع ومعدل الفائدة منخفض ولكن كل ذالك كان بسبب الإنخداع بالمظاهر السطحية وعدم الخوض في جذور المشكلة تماما كاليونان حيث يرفض الجميع خصوصا في الحكومة اليونانية أن سياساتهم الإقتصادية الفاشلة هي السبب في الأزمة التي تكاد تعصف بالإتحاد الأوروبي. الإنفصال بين السياسات المالية للحكومة الأرجنتينية وبين سياسات مجلس النقد الذي يتحكم بسعر صرف البيزو كانت السبب الرئيسي الذي قاد الأرجنتين لأحد أكبر الكوارث الإقتصادية في طريقها فهل سوف يكون إنضمام اليونان لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) السبب في أن تواجه العملة الأوروبية أحد أكبر التحديات في تاريخها؟ هل اليونان هي حصان طروادة الإتحاد الأوروبي؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Saturday, October 25, 2014

ماهو مصير إقتصاد الولايات المتحدة في ظل أزمة دين سيادية عالمية؟

يمكن تشبيه الإرتفاع التصاعدي لمستوى الدين في الدول المتقدمة بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص بسباق السيارات السريعة بل شديد السرعة وحيث يمكن تقسيم الدين إلى خاص وعام. الدين الخاص يشمل قروض شراء المنازل والأموال المسحوبة على بطاقات الإئتمان حيث يكون لدى الأسرة الأمريكية الواحدة مامعدله ١٣ بطاقة إئتمان وقرض عقاري بمبلغ ١٢٠ ألف دولار على الأقل. ذالك النوع من الدين تضاعف من ٦٨٠ مليار سنة ١٩٧٤ إلى ١٤ تريليون سنة ٢٠٠٨.
الدين العام أو الدين القومي وهو الدين الحكومي ويشمل سندات الخزانة التي تصدرها الحكومة الأمريكية حيث تضاعف من ٣ تريليون سنة ١٩٩٠ إلى أكثر من ١٠ تريليون سنة ٢٠٠٨ والتضاعف مستمر لدرجة أن المسؤولين عن ساعة الدين القومي الشهيرة في نيويورك يخططون لإضافة خانات رقمية أخرى لإستيعاب الزيادة.
أحد أسباب تلك الزيادة في الدين العام هو الأزمة المالية التي عصفت بوول ستريت وكانت بدايتها أو سببها الرئيسي إنهيار سوق الرهون العقارية حيث كانت هناك نتائج كارثية منها فقدان ماقيمته ٥٠ تريليون دولار من الأصول وأكبر إعلان إفلاس في العالم ليمان برثرز(Lehman Brothers) ووضع اليد من قبل الحكومة الأمريكية على أكبر شركات الإقراض العقاري, إختفاء البنوك الإستثمارية وحزمة الحوافر التي قدمتها الحكومة الأمريكية في محاولة لإنقاذ مايمكن إنقاذه حيث أدى ذالك إلى زيادة مستوى ذالك الدين.
إذا رغبنا بمعرفة أصل تلك المشكلة وسبب ذالك الإنهيار المالي سنة ٢٠٠٧-٢٠٠٨ فعلينا معرفة أن السبب الرئيسي في ذالك هو توفر السيولة وسبب ذالك إزدياد حركة التجارة ورأس المال نتيجة فترة طويلة من النمو الإقتصادي مما جعل الإقتراض متوفرا وبشروط جدا متهاودة حيث أصبح بين سنتي ٢٠٠٦-٢٠٠٧ بإستطاعة دول تعاني أوضاعا مضطربة مثل الإكوادور وشركات متعثرة مثل ديمي كرايزلر أن تقترض بسعر يماثل سعر الإقتراض للحكومة الأمريكية. الإكوادور أعلنت إفلاسها سنة ٢٠٠٩ وشركة ديمي كرايزلر في أمريكا تم إبقائها مستمرة بفضل حزمة قروض حكومية. إزدياد حركة التجارة ورأس المالكان لها أثار إيجابية بالنسبة للدول النامية حتى في ذروة الأزمة المالية ٢٠٠٧-٢٠٠٨ وذالك بسبب قدرتها التنافسية في مختلف المجالات كما انها ساهمت في تخفيض نسبة التضخم, الصين ببضائعها الرخيصة والهند بخدماتها منخفضة الثمن حيث من المعتاد إذا إتصلت بقسم خدمة العملاء في إحدى الشركات الأمريكية أن يجيب مكالمتك شخص بلكنة أسيوية من الهند.
إن الأزمات الإقتصادية لها القدرة على نزع الريادة والشرعية من الولايات المتحدة إقتصاديا بدرجة متفاوتة ولكن أزمة ٢٠٠٧-٢٠٠٨ كانت مختلفة لأنها برزت من مركز الرأسمالية وقلبها النابض في وول ستريت نيويورك. وقد يظن البعض أنها نهاية الرأسمالية وأنها مقدمة لإنهيار الولايات المتحدة ولكنهم مخطئون في ظنهم. إن تلك الأزمة تسببت في الإنتهاء من نوع معين من الهيمنة الإقتصادية للولايات المتحدة ولكنها سرعت في دخول الولايات المتحدة إلى عالم تتقاسم فيه الهيمنة عدة دول من بينها الولايات المتحدة.
في ذالك العالم الذي تتقاسم الهيمنة فيه مجموعة دول وليس دولة واحدة, فقد توقع جولدن ساشز أن يجاوز مجموع إجمالي الناتج المحلي لأربعة من دول البريكس(البرازيل, الصين, روسيا, الهند) إجمالي الناتج المحلي لدول (G7) سنة ٢٠٣٩مؤسس شركة إنتل أندي جروف حذر سنة ٢٠٠٥ من أن أمريكا تسير بخطى متسارعة نحو مصير مماثل لأوروبا, المشكلة أن لا أحد يريد أن يستمع.
أمريكا تواجه بلدان تزداد إزدهارا كما أنها خسرت صناعات رئيسية, شعبها توقف عن الإدخار, حكومتها مدينة بإزدياد للبنوك المركزية الأسيوية. الشركات الأمريكية الباحثة عن الأرباح إتجهت مع زيادة النفقات لبلدان أسيوية حيث العمالة الرخيصة والمدربة والنتيجة فقدان ألاف الوظائف في أمريكا, العولمة تضرب في عقر دارها وعقر دار الرأسمالية.
هناك من يجادل ويقول أنظروا إلى معدلات النمو. متوسط معدل النمو في أمريكا ٢.٥% وخلال العقدين الأخيرين كان ٢.٣% بينما في اليابان معدل النمو ١.٢%  ولكن السؤال هو هل ذالك النمو هو حقيقي؟
الإجابة على هاذا السؤال قد تكون في مواضع أخرى ولا مجال الأن لتفصيل ذالك ولكن هناك وقائع على الأرض تؤكد ولو مرحليا إستمرار الهيمنة الأمريكية فسيطرة الولايات المتحدة على الأمم المتحدة ومجلس الأمن واضحة كما أن القوات المسلحة الأمريكية هي العماد الرئيسي لقوات حلف الناتو وسيطرة الولايات المتحدة على المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد هي واضحة لا لبس فيها حيث تعد تلك المؤسسات أدوات لفرض السياسات المالية للولايات المتحدة على الدول الأخرى. الولايات المتحدة مقارنة بالدول الأخرى تعد ٥% من عدد السكان قد ساهمت بنسبة ٢٠%-٣٠% من إجمالي الناتج المحلي العالمي خلال ١٢٥ سنة الأخيرة.
كل تلك الحقائق لايمكن تجاهلها والسؤال بالنسبة للبعض ليس عن إنهيار الولايات المتحدة كنفوذ إقتصادي أو سياسي أو عسكري بل عن المدى الذي سوف تتكيف فيه وتندمج في عالم يحوي الكثير من القوى الصاعدة, عالم متعدد الأقطاب؟
يجادل طرف أن الولايات المتحدة سوف تضعف وتنهار قريبا بينما يجادل أخرون أنها سوف تبقى مهيمنة ومتسيدة في عالم متعدد الأقطاب. البعض يرى أن الولايات المتحدة أصبحت معتدة بنفسها أكثر من الالزم فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تصدر تقريرا سنويا عن حقوق الإنسان في الدول الأخرى بينما لا يشمل التقرير إنتهاكات الولايات المتحدة نفسها لحقوق الإنسان.
بالنسبة للكثيرين الولايات المتحدة أصبحت عبارة عن فقاعة من الهيمنة والتسلط والقوة. فقاعة غير قابلة اللمس من قبل الكثيرين.
النقطة الأولى التي يحتج بها المراهنون على إنهيار الولايات المتحدة هي أن ذالك الإنهيار سوف يبدأ بإنهيار قيمة الدولار وإنخفاض قيمته بشكل كبير حيث أنه رمز للقوة والهيمنة الأمريكية على العالم. النقطة الثانية هي أن الشركات الأمريكية العابرة للقارات تسيطر على العالم.
سوف أناقش النقطتين بإختصار فبالنسبة للأولى فليس من مصلحة الكثيرين نظريا إنهيار الدولار الأمريكي على الأقل في الوقت الحالي بدون توفر البديل وهو ليس متوفرا. إنهيار الدولار الأمريكي يتطلب فك إرتباط مبيعات النفط بالدولار وفك إرتباط العملات بالدولار وهو شيئ ليس بالحاصل في وقت قريب. كما أنه يتطلب التوقف عن إستخدام الدولار كعملة رئيسية لمخزون إحتياطي العملات الأجنبية وهو أيضا ليس بالأمر الحاصل قريبا. قد يكون من مصلحة الولايات المتحدة إنهيار الدولار ولكن في الوقت الذي تختاره ويكون مناسبا لها والعكس بالنسبة لمنافسيها.
أما بالنسبة للنقطة الثانية فهي أن تلك الشركات العابرة للقارات قد تكون مقراتها الرئيسية تقع في أمريكا ولكنها نظريا شركات متعددة الجنسيات برأسمال متعدد الجنسيات. شركة مثل كوكاكولا لديها فروع في ٢٠٦ بلدا و٨٠% من أرباحها ناتجة عن عملياتها خارج الأراضي الأمريكية.
أختلف مع ذالك الرأي لأن العقلية التي تقوم بتسيير الأعمال اليومية لتلك الشركات هي العقلية الإدارية والمالية الأمريكية ووفق النهج والنسق الأمريكي وكون مقراتها الرئيسية تقع في الولايات المتحدة فهاذا ليس له علاقة بكونها أمريكية أو متعددة الجنسيات. من يحدد ذالك التصنيف هو العقلية المالية والإدارية التي تحكمها وهي أمريكية قلبا وقالبا, فهل لو تم إفتتاح شركة برأسمال أمريكي في البرازيل فهل سوف تقوم الشركة بتسيرر أعمالها وفق العقلية البرازيلية؟
الولايات المتحدة تقدم النصائح للأخرين حول العديد من الأمور مثل قبول تحديات الإقتصاد العالمي, تعويم أسعار صرف العملة وتطوير صناعات جديدة. الولايات المتحدة قامت بنقل خبراتها للكثير من الدول مما شجع تلك الدول على الإنفتاح ولكن في الكثير من الحالات كانت النتيجة عكسية. الولايات المتحدة نفسها في وقتنا الحالي تشعر بالتردد إزاء تلك السياسات نفسها التي ساهمت بنقلها لبلدان أخرى. في القرن الواحد والعشرين الولايات المتحدة نجحت في عولمة العالم ولكنها نفسها بقيت بدون عولمة تزداد إنغلاقا بينما البلدان الأخرى تزداد إنفتاحا.
شكرا لوقتكم مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية.
النهاية



Saturday, October 11, 2014

ماهو مصير عهد الهيمنة الأمريكية في ظل صعود دول مثل الصين والهند والبرازيل إقتصاديا وسياسيا؟

يتكلم الكثيرون عن إنحدار أمريكا حتى من بين الأمريكيين أنفسهم كما تكلموا عن ذالك في فترة الخمسينيات أثناء بداية مايسمى الحرب الباردة وكانوا متخوفين من أن الإتحاد السوفياتي سوف يبتلع الولايات المتحدة. كما أنه أثناء فترة الثمانينيات تخوف الكثيرون من أن اليابان سوف تتفوق على الولايات المتحدة إقتصاديا وتصبح القوة الإقتصادية الأول في العالم. وفي عصرنا الحالي يتخوف الكثيرون داخل أمريكا ويتحدث الكثيرون خارجها عن صعود الصين كقوة إقتصادية وسياسية وعسكرة وأنها سوف تتفوق على الولايات المتحدة.
إنتهت الحرب الباردة بإنهيار الإتحاد السوفياتي وتفكك حلف وارسو كما أن حسابات الحقل لم توافق حسابات البيدر بالنسبة لليابان حيث أن موضوع اليابان تدخل فيه عوامل سياسية وعسكرية لم يدخلها المحللون الحالمون بتفوق اليابان وإنحدار امريكا في حساباتهم ولكن الأن ماذا عن الصين؟
إن الإجابة على هاذا السؤال تكون أن أمريكا لا تواجه الإنحدار بقدر ما تواجه صعود قوى أخرى تتنافس معها كالصين والهند مع بقاء الولايات المتحدة هي المهيمنة بشكل عام. إن العالم الذي نعيشه الآن هو عالم يستحيل فيه تحقيق التكامل عن المستوى العالمي من دون تعاون جميع القوى بما فيها الولايات المتحدة. إننا نعيش فترة تختلف عن تلك التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حيث كانت أوروبا مدمرة والإتحاد السوفياتي يعاني من بنية تحتية دمرتها ألة الحرب الألمانية والبلد الوحيد الذي لم يتأثر سلبيا بآثار الحرب كان الولايات المتحدة.
سنة ١٩٩٠ كانت الصين تمثل ٢% من إجمالي الناتج المحلي (GDP) عالميا حيث تضاعف الآن ثمانية مرات ومازال في تصاعد. وبحسب بعض التقديرات فإن إقتصاد الصين سوف يصبح الأول عالميا بين سنتي ٢٠١٦ و ٢٠١٨. الإنفاق العسكري في الصين سوف يتفوق على مثيله في الولايات المتحدة سنة ٢٠٢٥. وبالنسبة للسياسة الخارجية كمثال يتزايد نشاط الصين في أفريقيا حيث تم تمويل بناء مقر جديد لمنظمة الوحدة الأفريقية في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا من قبل الصين بتكلفة ٢٠٠ مليون دولار ووصل لإفتتاحه عضو كبير في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني وفي حوزته شيك بمبلغ ٩٤ مليون دولار.
في السنوات الخمس الماضية حصل تغيير كبير بالنسبة للهند التي حصلت على تسهيلات إستثنائية من قبل أمريكا وأوروبا والمجتمع الدولي بشكل عام بخصوص قبول وضعها كقوة نووية بعد أن كان ذالك متعذرا عليها خلال السنين الثلاثين الماضية
إن أمريكا سوف تبقى قوة مؤثرة ومهيمنة ولكن ليس كعهدها سابقا ومن الممكن أن نستعين بدراسة أزمة اليورو التي إندلعت في الإتحاد الأوروبي كمثال حيث أنها أول أزمة إقتصادية عالمية منذ سنة ١٩٢٠ لم تتدخل فيها الولايات المتحدة كدليل على تراجع الهيمنة الأمريكية ولكن ليس إنتهائها.
وحتى نفهم التحولات التي طرأت وأدت إلى صعود دور الصين والهند والبرازيل مقابل تراجع الدور والهيمنة الأمريكية فإنه خلال الخمسمائة سنة الأخيرة يتوجب علينا ملاحظة وفهم ثلاثة تحولات رئيسية في توزيع السلطة ساهمت في إعادة تشكيل الخارطة العالمية سياسيا, إقتصاديا وثقافيا. أول تلك التحولات هو صعود القوى في الغرب حيث كانت بدايتها في القرن الخامس عشر وتسارعت بشكل دراماتيكي خلال القرن الثامن عشر. إن الحداثة كما نعايشها في عصرنا الحالي يعود الفضل في ذالك إلى تلك الفترة من التحولات: العلوم, التكنولوجيا, التجارة, الرأسمالية, الزراعة والثورة الصناعية. كما أنه من نتائج أو مخرجات تلك الفترة هو بروز هيمنة الدول الغربية على مسرح الأحداث عالميا.
ثاني تلك التحولات أتخذ أوضح صوره في السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر وتمثل في صعود الولايات المتحدة الأمريكية خصوصا بعد فترة الثورة الصناعية التي لها الفضل في تحويل الولايات المتحدة إلى أقوى قوة على وجه الأرض في تلك الفترة حيث تعادل قوتها جميع الدول مجتمعة. الولايات المتحدة تحولت إلى أقوى دولة منذ إنهيار الإمبراطورية الرومانية ومنذ إنهيار الإتحاد السوفياتي وخلال العشرين عاما التي تلت ذالك الإنهيار حيث كانت سيطرة الولايات المتحدة على شؤون العالم إقتصاديا وسياسيا وثقافيا بدون منازع أو منافس حيث إن عصرنا الحالي الذي نعيشه يمثل الفترة الثالثة من تلك التحولات الرئيسية.
خلال العقود القليلة الماضية فإن الكثير من الدول حول العالم قد عاصرت معدلات نمو إقتصادي غير مسبوقة وكانت سابقا تعد ضربا من الخيال. كان هناك فترات صعود وهبوط خلال ٢٠٠٨ - ٢٠٠٩ ولكن النتيجة المجملة كانت تبعث على التفائل. الهند إختبرت إنخفاضا في معدل النمو إلى مستوى ٥.٧% سنة ٢٠٠٩ ولكن إرتفع مجددا لمستوى ٩.٧% سنة ٢٠١٠. أما بالنسبة للصين فلم ينخفض معدل نمو إجمالي الناتج المحلي إلى أقل من ٩% رغم كل الظروف التي أحاطت تلك الفترة من الكساد الإقتصادي.
أنتوني فان إجتميل(Antoine Van Agtmael) صاحب صياغة مصطلح الأسواق الصاعدة(Emerging Markets) قد قام بتقديم أسماء لخمسة وعشرين شركة رشحها لتصبح أكبر الشركات المتعددة الجنسيات في العالم. قائمته شملت شركة واحدة من كل من المكسيك, كوريا الجنوبية, البرازيل, تايوان, الأرجنتين, تشيلي, أفريقيا الجنوبية, ماليزيا, ثلاثة شركات من الهند وشركتين من الصين.
إذا نظرنا حولنا فسوف نجد أن أطول برج في العالم يقع في دبي. أغني رجل في العالم لفترة طويلة هو مكسيكي يتبادل الموقع الأول للثراء مع أمريكي هو بيل جيتس, أكبر شركة عامة متداولة من الصين, أكبر طائرة في تلك الفترة تم بنائها في روسيا وأوكرانيا, مصفاة النفط الرائدة في العالم تقع في الهند, أكبر المصانع في العالم تقع في الصين. إن هونك-كونج وبكل المعايير تقوفت على لندن ونيويورك كمركز إقتصادي عالمي. إن رموزا تعد جوهر الولايات المتحدة الأمريكية تم إستنباطها في أماكن أخرى حيث أن أكبر عجلة ركوب أو عجلة فيريس تقع في سينغافورا. الكازينو الأول على مستوى العالم يقع في ماكاو في الصين وليس في لاس فيجاس بل وتجاوزت عائدات مقاطعة مكاو الصينية سنويا من المقامرة عائدات مدينة لاس فيجاس.
أكبر صناعة أفلام من حيث عائدات التذاكر وعدد الأفلام المنتجة سنويا هي بوليود في الهند وليس هوليود في الولايات المتحدة. حتى رياضة التسوق والتي تعد المفضلة في أمريكا لم تعد تحتل أمريكا فيها مراكز متقدمة حيث أنه من بين أكبر عشرة مراكز تسوق في العالم هناك واحد فقط يقع في الولايات المتحدة. أكبر تلك المراكز يقع في مقاطعة دونجوان الصينية ويليه ثاني أكبر مركز تسوق ويقع في الصين وثالث ورابع مرتبة لأكبر مراكز تسوق تشغلها الفلبين. هذه القائمة قد تكون لا متناهية ولكن المثير للدهشة أنه حتى عشرين سنة خلت فإن الولايات المتحدة كانت تحتل المرتبة الأولى في الكثير من فقرات تلك القائمة إن لم نبالغ ونقل في أغلبها.
إن النمو الإقتصادي الذي حققته الصين قد أدي إلى خروج ٤٠٠ مليون شخص من دائرة الفقر بل وإن إنخفاض نسبة عدد السكان حول العالم الذين يعيشون على دولار واحد أو أقل في اليوم من ٤٠% سنة ١٩٨١ إلى ١٨% سنة ٢٠٠٤ يعود الفضل الأكبر في ذالك إلى الصين.
إن صعود عدد من الدول ونمو دورها يعد من أساسيات العصر الحالي الذي نعيشه ولكنه لا يعني بالضرور أننا ندخل عصر التعارض والتنافس مع أمريكا بل يعني أننا نعيش عصر أو عالم تتقاسم فيه العديد من الدول والهيئات والمؤسسات التأثير والنفوذ على المستوى العالمي.
وبينما تزداد الدول ثراء وقوة, فإننا سوف نشهد العديد من التحديات والمزيد من الإصرار من قبل تلك الدول. ففي سنة ٢٠٠٨ وفي شهر واحد فإن الهند والبرازيل تحديتا الولايات المتحدة الأمريكية أثناء المحادثات التجارية في العاصمة القطرية - الدوحة, روسيا قامت بمهاجمة وإحتلال أجزاء من الأراضي الجورجية, الصين قامت بإستضافة أحد أكثر الألعاب الأولمبية في العالم بذخا وإذهالا للحضور والمشاهدين عبر شاشات التلفاز. منذ عشرة سنين خلت لم تكن إحدى تلك الدول قادرة على ذالك.
إن إحدى مميزات العصر الحالي أو الفترة الحالية التي نعيشها هو ظهور لاعبين لا يتبعون دولا بعينها. مجموعات وأشخاص تم في السابق منحهم موجبات السلطة ولكن التراتيبية, والمركزية والسيطرة تم إسائة تقديرها. الكثير من السلطات لإتخاذا قرارات مصيرية ومهمة تم نقلها من الحكومات إلى منظمات مثل منظمة التجارة العالمية والإتحاد الأوروبي.
إن مجموعة أسئلة تطرح نفسها بعد كل ماسبق ذكره فمثلا ماذا تخبئ تلك التغيريات للولايات المتحدة ووضعها كدولة مهيمنة على مستوى العالم؟ ماذا يعني صعود البقية للولايات المتحدة الأمريكية من ناحية الحرب والسلام, الإقتصاد والأعمال, الأفكار والثقافة.
بإختصار هل إنتهى إلى غير رجعة عصر القطب الواحد والهيمنة الأمريكية؟
النهاية







Thursday, October 2, 2014

مقدمة في مفهوم المضاربة على العملات وأسباب قرار فك إرتباط الدولار بالذهب سنة ١٩٧١

بتاريخ ١٨/أغسطس/١٩٧١ قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بمخاطبة الشعب الأمريكي مقاطعا أحد أشهر البرامج التلفزيونية الأمريكية وذالك للإعلان عن برنامجه الإقتصادي الجديد والذي يتلخص في ثلاث نقاط: فرض سياسة قومية لمراقبة الأسعار, فرض ضرائب إضافية على الواردات, منع تحويل الدولارات إلى ذهب.
إن تلك الإجرائات قد قرر الرئيس إتخاذها لأن الولات المتحدة كانت تعاني أزمة سببها المضاربة على الدولار الأمريكي والتي لابد من التعامل معها بصرامة لأنها قامت بتدمير سمعة النظام المصرفي الأمريكي والدولار بذاته كأساس لذالك النظام.
إن نمو العولمة والإقتصاد على مستوى العالم خلال الأربعين سنة الأخيرة قد جعل من إحتواء الأزمة عند حصولها عملية مستحيلة. تلك الأزمة سوف تبدأ من سوق صرف العملات والمضاربة عليها وتنتشر بسرعة على مستوى العالم وتصيب بعدواها كل شيئ بداية من الأسهم والسندات وليس إنتهاء بالسلع والخدمات وعندها سوف يخرج باراك أوباما على الشعب الأمريكي بنفس الطريقة التي خرج بها عليهم نيكسون ليعلن عن حزمة إجرائات جديدة قد تشمل العودة إلى إستخدام المعيار الذهبي حيث سوف تكون تسعيرة الذهب مرتفعة لتغطية كمية الأوراق النقدية المطبوعة والتي أتخم بها النظام النقدي. كما سوف تشمل الإجرائات مصادرة الذهب المخزن في نيويورك والعائد لدول مثل اليابان والدول الأوروبية والتي منها ألمانيا حيث أدت إشاعات إلى نية البنك المركزي الألماني إسترجاع الذهب العائد له والمخزن في نيويورك وفرنسا إلى إنخفاض في أسعار بورصات الأسهم والذهب. كما أنه هناك إشاعات أخرى منتشرة على أن الذهب الألماني المخزن في أمريكا على شكل سبائك قد تم سرقته وإستبداله بسبائك مزيفة حيث أدى إنتشار تلك الإشاعة إلى تقديم جهات حكومية ألمانية بطلبات للتحقق من كل سبيكة ذهب ألمانية مخزنة في نيويورك وتسجيل وزنها وقيمتها.
بالطبع فإن أمريكا سوف تقوم بتسليم الدول التي تقوم بمصادرة ذهبها المخزن في نيويورك وصولات تمكنهم من إستبدال ذالك الذهب بدولارات أمريكية ولكن بالسعر المرتفع الذي تحدده أمريكا.
بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي يقوم بلعبة خطرة ويمكن أن تنعكس ليس فقط على أمريكا بل وعلى العالم وذالك عن طريق طبع العملة الأمريكية لخلق حالة تضخم على مستوى أسعار الأصول والسلع والخدمات لتعويض حالة الإنكماش التي صاحبت فترات الركود الإقتصادية المختلفة التي مرت بها أمريكا. إن تلك السياسة التي يعتمدها بنك الإحتياطي الفيدرالي قد تتسبب بحدوث التضخم.
التضخم وحتى إن كان قد لا يؤثر بشكل مباشر على أسعار السلع الإستهلاكية فإنه سوف يؤدي إلى إرتفاع أسعار الأصول حيث سوف تظهر بسبب ذالك فقاعات في سوق الأسهم, البضائع, الأراضي وغير ذالك من الأصول الصلبة. مثال بسيط على تلك الفقاعات ماحصل سنة ٢٠٠٠ بخصوص فقاعة شركات التكنولوجيا أو ماعرف بفقاعة (Dot.com)(@.com) وماحصل في سنة ٢٠٠٧-٢٠٠٨ مع فقاعة أزمة التمويل العقاري في الولايات المتحدة.
الولايات المتحدة بإتخاذها خطوة طباعة الأوراق المالية بدون وجود تغطية كافية لها قد أعلنت بداية مايسمى حرب إقتصادية على دول العالم عن طريق المضاربة على أسعارا عملاتها سواء بالبيع أو بالشراء أو عن طريق مايعرف بالتسهيل الكمي ولكن كيف يكون ذالك؟
أريد أن أقوم في البداية بشرح مصطلح (Quantitative Easing) أو التسهيل الكمي حتى تكون الصورة واضحة تماما.
هناك مجموعة إجرائات قد تتخذها الدول في حالة إصابتها بالركود الإقتصادي وذالك في سبيل تنشيط الإقتصاد منها تخفيض سعر الفائد لتشجيع الإقتراض وتحريك عجلة البيع والشراء. وقد لجأ بنك الإحتياط الفيدرالي الأمريكي إلى تلك السياسة عقب أزمة الكساد الإقتصادي التي تسبب بها إنهيار سوق الإقتراض العقاري في أمريكا حتى وصل معدل الفائدة إلى صفر%. فحين تصل معدلات الفائدة لذالك المستوى يكون بنك الإحتياطي الفيدرالي غير قادر على التلاعب بسعر الفائدة كوسيلة لتحفيز الإقتصاد فيلجأ لشراء الأصول المالية والسندات في محاولة لضخ أموال في الإقتصاد وتنشيطه. المشكلة أنه في الولايات المتحدة فقد تم شراء تلك الأصول المالية والسندات بأموال تم طباعتها بدون تغطية أو بأموال يتم تداولها إلكترونيا وهي وسيلة قد تكون متبعة في بعض الدول.
ولكن كيف سوف يؤثر طبع الدولارات في أمريكا على مستوى التضخم في الصين, زيادة نسبة البطالة في الهند وإلى فقاعات في سوق الأسهم والسندات في البرازيل والتي قد تكون معرضة للإنفجار الكارثي في أي لحظة؟
الصين مثلا تمتلك ٣ تريليون دولار من السندات المختلفة نصفها يعد سندات أصدرتها الحكومة الأمريكية وتم شرائها من قبل البنك المركزي الصيني وإستمرار الحكومة الأمريكية بسياسة طباعة العملة بدون وجود تغطية كافية لها سوف يؤدي في النهاية لإنخفاض قيمتها مما يؤدي إلى إنخفاض قيمة تلك السندات لأنها بالدولار الأمريكي وسوف يؤثر ذالك على خطط الصين التنموية التي وضعتها بناء على عائدات متوقعة من تلك السندات. الهند دولة مصدرة للخدمات والسلع للولايات المتحدة وإنخفاض قيمة الدولار بسبب سياسة طبع العملة قد تؤدي إلى زيادة نسبة البطالة أن تلك السلع والخدمات المصدرة لأمريكا سوف يرتفع سعرها بالنسبة للمواطن الأمريكي مما يؤدي للعزوف عن شرائها. أما بالنسبة للبرازيل فتأثير طباعة الدولار الأمريكي على سوق الأسهم قد يكون كارثيا لإرتباط أسواق الأسهم ببعضها البعض فشراء الأصول والأسهم والسندات في أمريكا من قبل جهات حكومية وذالك بعملة إلكترونية أو بدولارات تمت طباعتها بدون تغطية كافية سوف يؤثر على شركات ومؤسسات وأفراد وهيئات قامت بشراء كميات ضخمة من الأسهم والسندات في الأسواق الأمريكية وإنخفاض أسعار تلك الأسهم والسندات سوف يؤثر على وضع تلك الشركات في البرازيل بفقاعة قد تنتهي بكارثة كما حصل سنة ٢٠٠٧-٢٠٠٨.
الحروب الإقتصادية القائمة وفق مبدأ المضاربة على أسعار صرف العملة ليست شيئا جديدا فقد حصلت مرتين خلال القرن العشرين وطباعة العملة قد تكون إعلان حرب من نوع آخر, حرب إقتصادية تعني في محصلتها إلى سرقة النمو من الدول الأخرى. تلك الأنواع من الحروب الإقتصادية قد تنتهي بإشتباكات عسكرية على أرض الواقع وغزو ومواجهات مسلحة بسبب الصراع على الموارد التي سوف تكون إمكانية الوصول إليها شحيحة ومحدودة. تلك الأنواع من الحروب الإقتصادية قد تنتهي بإشتباكات عسكرية على أرض الواقع وغزو ومواجهات مسلحة بسبب الصراع على الموارد التي سوف تكون إمكانية الوصول إليها شحيحة ومحدودة.
الطرف الآخر من مشكلة الإنهيارات الإقتصادية والكساد والحروب الإقتصادية القائمة وفق مبدأ المضاربة على العملات وأسعار صرفها هو الخبراء الإقتصاديون الذين فشل أغلبهم في توقع الأزمات الإقتصادية وتجنب أثارها الكارثية. هم لم يفشلوا فقط بل يزيدون الأمور تعقيدا حيث أن أخر إقتراحاتهم (SDR - Special Withdrawal Rights) وهي العملة العالمية الموحدة تحمل أخطارا مخفية ولاتحل أي مشكلة من المشكلات الحالية.
هناك العديد من الأخطار التي يواجهها النظام المالي والمصرفي في الولايات المتحدة مثل عمليات شراء للذهب من قبل الصين تتسم بالسرية, أجندات خفية لصناديق الثروة السيادية, ولعل أهم تلك الأزمات هو إنهيار الدولار.
إن المحللين العسكريين والمتخصصين بدراسة الأخطار التي تحدق بالأمن القومي للولايات المتحدة قد توصلوا لنتيجة مفادها أنه لإستمرار الهمينة العسكرية للولايات المتحدة فلابد من إستمرار الدولار كعملة تتمتع بقوتها والتي هي رمز لقوة الولايات المتحدة.
النهاية