Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label آدم سميث. Show all posts
Showing posts with label آدم سميث. Show all posts

Sunday, July 14, 2024

أسباب صعود القوة الأمريكية وجذوره التاريخية

هناك الكثير من النقاش وهو مستمر ومتجدد عن دور الدولار الأمريكي في الاقتصاد العالمي واقتراب نهاية الولايات المتحدة التي سوف  تنهار مع انهيار عملتها. والحقيقة أنني قرأت عشرات المقالات وشاهدت فيديوهات عن ظهور الولايات المتحدة وتطورها من بضعة مئات من المستوطنين الى ثلاثة عشرة ولاية على طول ساحل المحيط الأطلسي حيث كانت فيرجينيا هي أول مستعمرة يتم تأسيسها وتضم الولايات المتحدة حاليا ٥٠ ولاية ومنطقة العاصمة واشنطن. الحديث عن تأسيس الولايات المتحدة يتجاهل العوامل الاقتصادية التي كانت هي السبب الرئيسي في انتقال رؤوس الأموال والأثرياء من بريطانيا بشكل رئيسي ودول أوروبية أخرى الى الأراضي الجديدة.

هناك من يتوقعون أن تنهار الولايات المتحدة كما تنهار المنازل والعمارات, تقع مرة واحدة وينتهي الأمر ومن يستطيع النجاة فقد نجا وإلا سوف يدفن تحت ركامها. تفكير ساذج وبدائي يستخدمه من يهمهم أن يملأوا عواميد الصحف بأي نوع من الهراء  والظهور على وسائل الإعلام من أجل الحديث عن موضوع متكرر ليس فيه أي جديد.

كانت أوروبا خلال الفترة التي سبقت الحملات الصليبية (١٠٩٦م-١٢٩١م) تعاني من كل مشاكل الدنيا التي يمكن أن تبتلى بها الدول من فقر, مجاعة, إنتشار الأمراض وبالطبع الحروب بين الأمراء الأوروبيين حيث تم تنصير القبائل المحاربة البربرية خصوصا الفايكنغ والسلاف وشعوب دول أوروبا الشرقية التي كانت على الديانة الوثنية والتي كانت في حاجة الى متنفس لمهارات القتال لديها ولم تجد الكنيسة حلاً أفضل من إرسالهم بعيدا الى المشرق أو في حملات عسكرية ضد الهراطقة في أوروبا. بابا الكنيسة الكاثوليكية أوربان الثاني أعلن سنة ١٠٩٥م عن  الدعوة الى تحرير القدس وكنيسة القيامة في مؤتمر عقده رجال الدين في مدينة كليرمونت فران الفرنسية ومنح صك غفران من الخطايا لكل من يشارك في تلك الحملات.  ولكن الحروب الصليبية لم تكن مقتصرة على المسلمين فقد نهبت الحملة الصليبية الرابعة(١٢٠٢-١٢٠٤) مدينة القسطنطينية وساهمت في إضعافها وصولا الى سقوطها سنة ١٤٥٣م نتيجة غزو الجيوش العثمانية بقيادة محمد الفاتح. أما الحملة الصليبية ضد طائفة الكاثار التي تتهمها الكنيسة بالهرطقة فقد استمرت ٢٠ عاما(١٢٠٩-١٢٢٩). وقد كانت هناك حملات صليبية في مناطق مختلفة من أوروبا ضد مخالفي الكنيسة من كانت تصفهم بأنهم مهرطقون.

إن أول نتيجة مباشرة للحملات الصليبية هو الإحتكاك بالشرق وثقافته التي كانت متفوقة على أوروبا في العلوم, الأدب, الإبتكار والإختراع وكافة المجالات العلمية. الشرق كانت لديه ثروات هائلة بسبب إحتكار طرق تجارة التوابل والحرير التي كان لابد من أن تمر على مناطق يسيطر عليها المسلمون ومن خلال الحملات الصليبية فقد حصلت دول أوروبا على ثروات تراكمت لدى الشرق على فترات زمنية ممتدة الى مئات السنين وذلك مايُعَرِّفُه الإقتصادية بأنه "عملية التراكم الأولي." إنَّ التجار والأثرياء والمصرفيين اليهود كانوا هم القوة الدافعة والممول الرئيسي لتلك الحملات التي تم تغليفها بغلاف ديني وهو تحرير القدس من المسلمين. وقد كانت هناك العديد من الأسر الثرية والمصرفية في البندقية, فلورنسا وجنوة تنصرت في العلن بينما حافظت على ديانتها اليهودية في السر وساهمت في تمويل الحملات الصليبية وحققت ثروات هائلة.

إن الحملات الصليبية كانت أقرب الى زلزال اجتماعي, اقتصادي وسياسي أصاب أوروبا وأدى الى تغييرات لا يمكن إنكارها خصوصا مع عملية التراكم الأولي التي تطلع الصليبيون الى استثمار تلك الأموال في الخطوة القادمة وهي حركة الكشوفات الجغرافية(القرن الخامس عشر-القرن السابع عشر) التي بدأتها البرتغال وإسبانيا وشاركت فيها فرنسا, هولندا, بريطانيا, روسيا ودول أوروبية أخرى بأدوار أقل أهمية. أحد تلك التغيرات التي تزامنت مع نهاية الحروب الصليبية في الشرق وسقوط أخر الإمارات الصليبية في ساحل فلسطين خلال عهد السلطان المنصور سيف الدين قلاوون وابنه السلطان الأشرف صلاح الدين بن خليل قلاوون كانت حركة النهضة الأوروبية(القرن١٤-القرن١٧)(Renaissance) التي بدأت في ايطاليا و انتشرت الى باقي أنحاء أوروبا.

ولعلنا نلاحظ التسلسل الزمني للأحداث بداية من الحملات الصليبية(١٠٩٦-١٢٩١) ثم حركة النهضة(القرن ١٤-القرن ١٧) ثم حركة الكشوفات الجغرافية(القرن ١٥-القرن١٧) والتي تزامنت بدورها مع الحركة الإستعمارية التي استمرت خلال القرن العشرين وعصر التنوير(القرن١٧-القرن١٩). إن تأسيس ونشوء وبروز الولايات المتحدة ودورها على الساحة الدولية وهيمنتها العسكرية لم يكن حادثا طارئا أو بسبب الصدفة المحضة بل نتيجة مجهودات مضنية على المدى الطويل.  كانت هناك تغيرات إجتماعية وإقتصادية ساهمت في بدايات ظهور الرأسمالية والثورة الصناعية في إنجلترا(١٧٦٠-١٨٤٠) وهذه التغيرات هي إنتقال السلطة تدريجيا من طبقة رجال الدين الى الإقطاعيين ثم البرجوازيين ومن ثم الرأسماليين. الثورات البرجوازية في أوروبا والتي بدأت عصر التنوير بالثورة الفرنسية(١٧٨٩-١٧٩٩) وجهت الضربة القاضية الى أنظمة الحكم الملكية في أوروبا وحلفائها من الإقطاعيين وانتشرت مبادئ الثورة الصناعية من إنجلترا الى دول مثل فرنسا ونصف الكرة الأرضية الغربي.

الطبقة البرجوازية التي رسَّخت هيمنتها على مقاليد الأمور في أوروبا بدأت في البحث عن التوسع الإستيطاني الإستعماري من أجل السيطرة على المزيد من الموارد والأسواق بهدف تصريف الفائض من الإنتاج. الولايات المتحدة كانت وجهتها الرئيسية حيث كانت هناك بالفعل ثلاثة عشرة مستعمرة نجح مهاجرون أوروبيون خصوصا من بريطانيا في تأسيسها ولكن الطريق نحو تحقيق ذلك لم يكن مفروشا بالورود. المستعمرون الأوروبيون أعلنوا العصيان ضد بريطانيا في المستعمرات(١٣ مستعمرة) وكانت حرب الإستقلال(١٧٦٥-١٧٨٣) ثم بدأت عملية التوسع نحو الداخل الأمريكي وضم المزيد من الأراضي بطرق مختلفة مثل ولاية آلاسكا التي قامت  الحكومة الأمريكية بشرائها من روسيا القيصرية, ولاية تكساس التي ضمتها بالقوة من المكسيك بعد عملية تمرد ضد القوات الحكومية المكسيكية قدمت لها الحكومة الأمريكية الدعم المالي والعسكري, ولاية هاواي التي ضمتها الحكومة الأمريكية بعد عملية إستفتاء حامت حولها شبهة التزوير. والحقيقة أنه كانت هناك عدة ولايات بالإضافة الى تكساس استولت عليها الولايات المتحدة من المكسيك مثل كاليفورنيا, أريزونا, نيومكسيكو, نيفادا, يوتا و وايومنغ. كما أن ولاية آلاسكا ليست الولاية الوحيد التي قامت الحكومة الأمريكية بشرائها من دولة أجنبية فقد قامت سنة ١٨٠٣ بشراء ولاية لويزيانا من فرنسا.

وهكذا نرى كيف أن رؤوس الأموال التي كانت تسيطر عليها بشكل رئيسي مصارف جنوة, البندقية  وفلورنسا, ثروات الشرق والعالم الجديد التي تراكمت في أوروبا, قد إنتقلت الى بريطانيا لتبدأ الثورة الصناعية ثم الى الولايات المتحدة. أما أسباب إختيار بريطانيا من أجل بداية الثورة الصناعية فإنه هناك عدة عوامل لعبت دورا مهما ولعل أهمها أن بريطانيا عبارة عن جزيرة يسهل الدفاع عنها بواسطة الأسطول البحري البريطاني الذي كان هو الأقوى أوروبيا يجوب بحار العالم بدون أي إعتراض أو منافسين أقوياء. كما أنه كانت هناك في بريطانيا مساحات شاسعة من الأراضي المشاع التي تم الإستيلاء عليها لمصلحة التاج البريطاني ثم تحويلها الى مراعي للماشية التي تنتج الأصواف الإنجليزية الممتازة  المعروفة بجودتها والتي كانت تعتمد عليها صناعة الغزل والنسيج التي تعتبر بداية الثورة الصناعية والأساس الذي  قامت عليه النهضة الصناعية البريطانية.

الولايات المتحدة عملت على تصفية الإمبراطوريات القوية المحيطة بها مثل الإمبراطورية الإسبانية ومستعمراتها في الفلبين, كوبا والجزر الكاريبية وذلك بإستخدام القوة المسلحة أو بشرائها كما قامت مع لويزيانا الفرنسية و آلاسكا من روسيا القيصرية. كما عملت على إضعاف الإمبراطورية البريطانية من خلال عدة خطوات بدأت منذ القرن التاسع عشر من خلال تقديم قروض ذهبية الى المستشار الألماني بسمارك  الذي نجح في توحيد ألمانيا وبناء قوة عسكرية أوروبية  سوف تكون رقما صعبا في أي مواجهة عسكرية قادمة. ولكن بروسيا التي تعتبر هي نواة الدولة الألمانية الموحدة كانت قوة عسكرية مؤثرة حتى خلال المرحلة التي سبقت توحيد ألمانيا حيث لعب الجيش البروسي دورا مهما في هزيمة نابليون بونابرت سنة ١٨١٥م. الحرب العالمية الأولى(١٩١٤-١٩١٨) كانت نتيجة حتمية لتصاعد قوة ألمانيا إقتصاديا وعسكريا حيث كانت ألمانيا وحلفائها على جهة وبريطانيا وحلفائها في الجهة الأخرى.  الولايات المتحدة لم تتدخل في الحرب حتى سنة ١٩١٧م حيث تأكدت من أن جميع الأطراف قد أنهكتها الحرب اقتصاديا واستنزفت مواردها خصوصا أن الولايات المتحدة كانت لا تقبل إلا الذهب مقابل تزويد بريطانيا وحلفائها بالأسلحة, الذخائر, الأدوية, الوقود وغيرها من المواد الغذائية والمحاصيل.

الحرب العالمية الثانية رسَّخت الهيمنة الأمريكية ومفاهيم مثل القرن الأمريكي وحكومة النظام العالمي الجديد وذلك من خلال إتفاقية بريتون وودز(١٩٤٤) التي فرضت على الدول الأوروبية الدولار عملة احتياط عالمية مقابل مبادلتها بالذهب بسعر ٣٥ دولار/أونصة وكان ذلك ممكنا لأن أكبر احتياطي ذهب في العالم كان في حوزة الولايات المتحدة خصوصا بعد انتقال ماتبقى من ذهب أوروبا الى الخزائن الأمريكية بسبب الحرب أو مقابل البضائع والأسلحة التي كانت الحكومة الأمريكية تبيعها الى دول الحلفاء.

إن سقوط الدولار أو سقوط الولايات المتحدة كما يتوهم الكثيرون لن يكون إلا من خلال حرب عالمية تنهي عصر القوة والهيمنة الأمريكية وذلك من خلال ضرب قوتها البحرية خصوصا حاملات الطائرات أو من خلال انتقال تدريجي  للاستثمارات ورؤوس الأموال الى دولة أخرى يمكن من خلالها تحقيق المزيد من الأرباح والتوسع الرأسمالي بعد أن تصبح السوق الأمريكية عاجزة عن تحقيق ذلك.

ولكن الى أين؟

ربما تكون روسيا أو على الأرجح دولة ذات كثافة سكانية مثل الصين أو الهند ولكن الإمبراطورية الأمريكية معرضة الى السقوط كما سقط غيرها مثل الإمبراطورية الرومانية والفارسية والبريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس وتحكم ربع سكان العالم ٢٥٠ مليون شخص تقريبا.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Wednesday, October 19, 2022

الماضي الأسود للإمبراطورية الإستعمارية البريطانية

ليست مبالغة القول أنَّ الفضل في التقدم والإزدهار الذي تعيشه أوروبا هو للمسلمين والمستعمرات في آسيا, إفريقيا, الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. تصريحات وزير خارجية الإتحاد الأوروبي جوزيف بوريل حول أوروبا الجنة وباقي العالم غاية حيث تعيش الوحوش, وأنَّ أوروبا يجب أن تغزو العالم من أجل حماية نفسها, أثارت الكثير من الغضب الصامت في أوساط عدة دول عربية وإسلامية اكتفت بالتنديد وإرسال رسائل إحتجاج. إنَّ تصريحات جوزيف بوريل ليست حالة فردية بل هي سياسة عامة و وجهة نظر الأوروبيين العنصرية للأعراق الأخرى التي يصفونها بانها ملونة ويعتبرونها منحطة وقذرة. هتلر, موسوليني, الفاشية, النازية, حركة كو كلوكس كلان هي القاعدة العامة وليست استثناء.

المستعمرون الأوروبيون البيض بعد أن شبعوا حضارة, يرمون الآخرين بالتهم. المثير للاستغراب الصمت العربي والإسلامي, لا مقاطعة بضائع أو سحب سفراء أو طابور إنتظار من أجل حصول الأوروبي على فيزا حيث يعامل في المطارات العربية أفضل من أهل السكان المحليين. الفضل في الحضارة والرخاء والنعيم الذي تعيشه أوروبا هو للنهب المنظم والمستمر الى يومنا هذا للمستعمرات الأوروبية في آسيا, إفريقيا, الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. وهناك عدة أمثلة ولكن تبقى الإمبراطورية البريطانية بتاريخها الإستعماري الأسود أكثر تلك الأمثلة وضوحا.

كانت الإمبراطورية البريطانية في ذروة مجدها وجبروتها خلال الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى تسيطر على ربع مساحة العالم وتحكم على ٢٥٠ مليون نسمة. الجنيه الإسترليني كان عملة التجارة الدولية و أقوى عملة في العالم, وضع مشابه للدولار الأمريكي حاليا. الثورة الصناعية بدأت في إنجلترا والرأسمالية تبلورت مفاهيمها الرئيسية في إنجلترا والعالم آدم سميث مؤلف كتاب "ثروة الأمم" حيث شرح الرأسمالية ومبادئها الأساسية كان من إسكتلندا التي كانت تعتبر أحد مقاطعات الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

ولكن تلك الحضارة والنهضة لم يتم بنائها إلا على جماجم سكان المستعمرات التي حكمتها بريطانيا بالحديد والنار, ونهبت خيراتها وثرواتها. في الهند التي لقبها "درَّة التاج البريطاني," من لم تقتله حراب البنادق البريطانية, مات بسبب المجاعات والفقر والمرض. في حلقة مميزة للغاية من برنامج (المخبر الاقتصادي) الذي يقدِّمه الإقتصادي المصري د.أشرف إبراهيم, معلومات مثير كشف عنها حول تلك الفترة المظلمة في تاريخ الهند التي كانت أهم وأكبر تتبع الإمبراطورية البريطانية. أحد أهم المعلومات التي كشف عنها هي أن مجموع ما نهبه الإحتلال البريطاني في الهند يبلغ ٦٤ تريليون دولار تقريبا وفق أسعار الصرف الحالية. الإحتلال البريطاني للهند كان عبارة عن عملية نهب منظمة خصوصا المحاصيل الزراعية مما أدى الى مجاعات كان ضحيتها ملايين الهنود.

أرقام إحصائية بسيطة تكشف حجم مساهمة المستعمرات ومنها الهند في الإقتصاد البريطاني. في كتاب "صعود وأفول الإمبراطورية البريطانية," يذكر الكاتب والمؤلف جيمس لورنس مايلي: ٧٠% من المنتجات البريطانية كان يتم تصريفها في المستعمرات و ٩٠% من المواد الخام مصدرها المستعمرات البريطانية. أسباب صمود بريطانيا و انتصارها في الحرب العالمية الأولى والثانية هو المستعمرات حيث قاتل مئات الآلاف من سكان تلك المستعمرات في صفوف القوات البريطانية على جبهات القتال المختلفة. المستعمرة البريطانية في الهند كان لها الفضل في ازدهار صناعة النسيج البريطانية التي كانت تعتبر أحد أهم العوامل المساهمة في الثورة الصناعية التي بدأت من بريطانيا وجعلت منها بلدا مزدهرا وثريا.

ولكن على الرغم من تلك المعلومات والحقائق الدامغة سوف نجد من يكيل المديح للإستعمار البريطاني حتى من بين الهنود أنفسهم. بريطانيا لم تكتفي بإستعمار الهند ونهب ثرواتها بل عملت على تقسيمها تقسيما طائفيا وسياسيا. الإدارة البريطانية في الهند عملت على المحافظة على نظام الطبقات العنصري وزرعت في قلب تلك القارة الشاسعة بذور التقسيم السياسي. القارة الهندية كانت تشمل في السابق الهند, باكستان, بنغلاديش و بورما. وعندما غادر الإستعمار البريطاني الهند, إندلعت مباشرة حرب أهلية بين الهندوس والمسلمين أدَّت الى إنفصال بنغلاديش و باكستان مما أدى الى تقلص مساحة الهند بنسبة كبيرة. كما أنَّ بورما إستقلَّت عن الهند في مرحلة سابقة. كما أنه ومن أجل إستمرار التوتر بين الهند وباكستان تم التلاعب بمصير مقاطعة جامو وكشمير والتي مازالت بؤرة توتر بين الدولتين الى يومنا هذا. وفي موضوع سابق عن حروب المياه بعنوان "حروب المياه والاقتصاد السياسي للأزمات" أوضحت كيف أن تقسيم بريطانيا للحدود بين الدولتين بما في ذلك الموارد المائية في مقاطعة جامو وكشمير كان أحد الأسباب الرئيسية للصراع بين الدولتين على تلك المنطقة الحيوية والمهمة.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والمعرفة

رابط الموضوع على مدونة علوم وثقافة ومعرفة

الرجاء التكرم الضغط على رابط الموضوع بعد الإنتهاء من قرائته لتسجيل زيارة للمدونة

النهاية

















Friday, October 14, 2022

نهاية النظام الرأسمالي بين الحقيقة و الوهم

في كتاب "الرأسمالية, الإشتراكية والديمقراطية" يصف الإقتصادي الأمريكي من أصول نمساوية جوزيف شومبيتر مصطلح التدمير الخلاق(Creative Destruction) بأنه أحد أهم صفات النظام الإقتصادي الرأسمالي التي تجعله قابلا للتكيف مع عالم متغيِّر بإستمرار. إنَّ طبيعة رأس المال الذي يبحث عن تحقيق الأرباح حيث هناك تختفي الأفكار وتظهر مكانها أفكار أخرى أكثر قدرة على المنافسة وتقديم بديل يضمن الإستمرارية والبقاء من خلال دوران رأس المال وتحقيق الأرباح. إنَّ تقديم الأمثلة يجعل من مصطلح التدمير الخلاق أكثر وضوحا. 

إنَّ ظهور شبكة الإنترنت وتطبيقاتها العملية كانت علامة فارقة في تاريخ الرأسمالية حيث أصبح تدفُّق وتبادل المعلومات أكثر سهولة ومرونة. التجارة الإلكترونية على سبيل المثال أصبحت منافسا للمتاجر التقليدية حيث يمكن طلب المنتجات والخدمات التي تصل الى العنوان الذي يختاره المشتري بسرعة قياسية. شركة كوداك أصبحت أحد ضحايا التدمير الخلاق حيث أدى ظهور تكنولوجيا التصوير الرقمية الى إختفاء تقنيات التصوير التقليدية من كاميرات وأفلام وثم تكنولوجيا الهواتف المحمولة التي أصبحت تتميز بكاميرات تصوير عالية الدقة وحلت محل كاميرات التصوير الرقمية. الأفلام أصبحت يتم تصويرها بواسطة كاميرا بمساحات تخزين رقمية متنوعة بدلا من الأفلام التقليدية ذات مساحة التخزين المحدودة.

النظام الرأسمالي يمكن تشبيهه بالأفعي التي تغيُّر جلدها سنويا أو الحيوانات التي تمارس تقنية التخفي عن مفرتسيها الطبيعيين من خلال تغيير لونها الى الوان البيئة المحيطة بها. ولكن المثير للإهتمام في نظرية جوزيف شومبيتر عن الرأسمالية والتدمير الخلاق هو أنَّ إنهيار الرأسمالية هو مسألة وقت وأن النظام الإشتراكي سوف يحل مكانها بديلا عنها. ولكن على الرغم من معارضة الكثيرين وجهة نظر شومبيتر, إلا أنه مع مرور الوقت فقد أصبح من الواضح دِقَّةُ توقعاته وصِحَّتها. الأزمات الإقتصادية هي الوسيلة التي من الممكن أن نختبر فيه صحة نظريات شومبيتر خصوصا التدمير الخلاق.

خلال أحداث الأزمة الإقتصادية التي عرفت بأزمة الكساد العظيم(١٩٢٩م-١٩٣٣م) والتي لم تنتهي إلا مع تدخل الحكومة الأمريكية من خلال خطَّة الرئيس فرانكلين روزفلت(The New Deal). أزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة(٢٠٠٧م-٢٠٠٩م) والتي بدأت في الولايات المتحدة وتحولت الى أزمة عالمية حيث أصبح إنهيار الإقتصاد العالمي على وشك الإنهيار لولا حزم التحفيز الحكومية وبرامج التسهيل الكمي وتخفيض سعر الفائدة إلى ما يقارب الصفر مئوية. إنَّ عمليات التدخل الحكومي التي قدَّمت القروض الى البنوك والمؤسسات المالية التي كان تصنيفها من أنها "أكبر من أن تفشل" تتناقض مع طبيعة النظام الرأسمالي ونظرياته التي تتعارض مع التدخل الحكومي في الأسواق والتي تعتبر من سياسات الحكومات الشيوعية الشمولية. حكومة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قامت بتأميم شركات وبنوك استثمارية متعثرة من خلال شراء أسهمها أو سنداتها المالية وذلك أيضا يتعارض مع أبسط مبادئ الرأسمالية.

آدم سميث مؤلف كتاب "ثروة الأمم" وصف النظام الرأسمالي بأنه ضد الاحتكارات وأنه يتميز بمجموعة مبادئ أهمها "دعه يعمل, دعه يمر" و "اليد الخفية" والتي تعني بأنَّ القرارات التي يتخذها الفرد سوف تؤدي لاشعوريا الى تحقيق مصلحة الجماعة. ولكن التناقضات بين نظريات آدم سميث و الرأسمالية المعاصرة يجعل من الصعوبة التوفيق بينهما. النظام الاقتصادي الحالي لا يمكن وصفه بأنه رأسمالي ولكن جوزيف شومبيتر قد يكون على صواب وقد يكون الزمن أنصف ذلك الاقتصادي النمساوي وأثبت صحة نظرياته.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Tuesday, October 11, 2022

العبودية والرأسمالية, وجهان لعملة واحدة

إنَّ المبادئ الرئيسية للرأسمالية كما وردت في كتاب "ثروة الأمم" للإقتصادي والمفكر الإسكتلندي آدم سميث هي ثلاثة: الأول هو أولوية تحقيق الربح على المنفعة العامة, الثاني هو مبدأ "دعه يعمل دعه يمر," بينما الثالث هو مصطلح "اليد الخفية" والذي يمكن تلخيصها هي أن مصلحة الفرد من الممكن أن تتحقَّق من خلال مصلحة الجماعة والعكس صحيح وذلك يعود الى عوامل غير ظاهرة(ملموسة) تعمل مع بعضها البعض من خلال مجموعة من المبادئ والقيم الاقتصادية والاجتماعية.

العبودية هي ظاهرة قديمة للغاية منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها. العالَم الروماني الذي ظهر للوجود بعد بروز الإمبراطورية الرومانية قوة عسكرية اعتمد بشكل رئيسي على العبيد الذي كان يتم شرائهم أو أسرهم خلال الحروب. حتى أنَّ العبد كان من الممكن أن يكسب حريته ويصبح مواطنا رومانيا لو خدم في الجيش فترة زمنية محدَّدَة. إن تلك الظاهرة ليست قاصرة على الرومان بل البابليون ومن بعدهم الاشوريين إحتلوا فلسطين وقاموا بسبي اليهود واستعبادهم. الإمبراطورية الفارسية كانت تقوم بتجنيد العبيد بكثافة في جيوشها وتدفع بهم في المعارك في الصفوف الأمامية.

العبودية والرأسمالية مرتبطتان إرتباطا وثيقا لأن عملية التراكم الرأسمالي الأولي التي أدَّت الى تمويل إختراع المحرك البخاري ثم محرك الإحتراق الداخلي كانت جذورها في القطاع الزراعي والتجاري المرتبط بالعبودية حيث كان يتم بيع وشراء العبيد للعمل في المزارع في المستعمرات وفي البلد الأم.

هناك ثلاثة أبعاد للعبودية. الأول هو أن يقوم شخص ما بشراء آخر وبذلك يمتلكه ملكية قانونية مثله مثل أي سلعة أخرى يقوم بشرائها مثل المنزل أو السيارة. الثاني هو العبودية الإجتماعية الإقتصادية والتي تعني أن يقوم شخص بإستخدام شخص آخر ويستولي على حصيلة نشاطه الجسدي أو الذهني. الثالث هو العبودية الروحية والفكرية وهي عبارة عن مجموعة من القيم والمبادئ والعادات التي يتم فرضها على الشعوب من خلال الهيمنة الدعائية.

هناك أمر مهم للغاية وهو أن الرابط بين العبودية والرأسمالية يمكن تلخيصه بما يلي: هناك عبودية بدون رأسمالية ولكن لا يمكن أن تكون الرأسمالية بدون العبودية. ولكن مفهوم العبودية المرتبطة مع الرأسمالية ليس وفق مفهومها أيام الإمبراطورية الرومانية أو حتى البريطانية ولكن العبودية المعاصرة أو حتى أكون أكثر دقة, العبودية المأجورة وهي أشدُّ قسوة من العبودية الكلاسيكية التقليدية.

إنَّ العبودية المأجورة هي عبودية الشركات حيث يعمل شخص ما من الصباح الى المساء مقابل راتب شهري لا يتوازي مع تكاليف المعيشة ونسبة التضخم مما يضطره الى الإستدانة سواء من البنوك أو شركات الإقراض العقاري من أجل شراء سيارة أو منزل حيث من النادر أن تجد أي شخص يعيش في دولة غربية يمتلك سيارة أو منزل دفع ثمنها نقدا. الطالب الجامعي ضحية أخرى من ضحايا العبودية المعاصرة حيث يمضى عشرة سنين أو أكثر بعد تخرجه وهو يدفع أقساط قرض الطالب الجامعي وعشرين سنة أخرى وهو يدفع ثمن المنزل والسيارة بالأقساط مع ما يترتب على ذلك من فوائد.

إن طباعة العملة وإصدار النقد غير ممكن في اقتصادنا المعاصر بدون الديون وبسبب ذلك هناك مصطلح النقد الائتماني. البنوك المركزية في أغلب دول العالم هي عبارة عن مؤسسات خاصة يملك أسهمها مستثمرون أجانب وتصدر النقد مقابل سندات الدين التي تدفع عنها الدولة فوائد مصدرها الرئيسي هي العائدات الضريبية على الدخل و الاستيراد والرسوم التي تفرض على مختلف أنواع الخدمات العامة. البنوك المركزية وفق طريقة عملها الحالية هي أحد أهم عناصر العبودية المعاصرة وهي تعمل بمثابة الصِلَة بين العبودية والرأسمالية.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية




Sunday, June 12, 2022

المنافسة هي أساس النظام الرأسمالي

في كتاب "ثروة الأمم" تأليف الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث, يتحدث الأب الروحي للرأسمالية عن آلاف الأشخاص الذين يقومون بعمليات البيع والشراء في مكان يُطلِقُ عليه السوق. إنَّ نسبة لا بأس بها من الإقتصادين والمختصين في مجال الإقتصاد لم يقرئوا كتاب "ثروة الأمم" على الرغم من أهميته وأهمية أفكاره التي مازالت صالحة حتى في زماننا هذا. إذا المنافسة هي أمر مهم للغاية في عالم الرأسمالية حيث كان آدم سميث ضد الإحتكار وتحدَّثَ في كتابه عن مفاهيم ومصطلحات مثل "دعه يعمل, دعه يمر" واليد الخفية."

في العالم الذي نعيشه اليوم تختفي الأفكار التي نادى بها آدم سميث وحيث يطلق على النظام الإقتصادي المعاصر أنه نظام رأسمالي أو نيوليبرالي كما يفضِّلُ البعض إطلاق تلك التسمية عليه. المشكلة في أن المصطلحات والمفاهيم لن تغيِّرَ من أننا نعبش في عالم حيث تحتكر بضعة شركات المنتجات التي نستهلكها في طعامنا وشرابنا وحياتنا اليومية. مشكلة أخرى هي أنه بينما ينادي من يطلقون على أنفسهم الرأسماليون بعدم تدخل الحكومة في عملهم, إلا أنهم سرعان مايطلقون نداء الإستغاثة وصفارة الإنذار عندما ينهار المنزل الورقي على رؤوس من فيه نتيجة تلاعبهم وعبثهم في أسواق البورصات والأسهم وحيث يطلبون من الحكومة أن تدفع ثمن حماقاتهم هم ومن أموال دافعي الضرائب.

في فيديوهات منشورة من الممكن مشاهدتها على موقع يوتيوب حيث يتم استعراض تاريخ المنافسة بين شركتي بيبسي و كوكاكولا وأن تلك هي من السمات المميزة للنظام الاقتصادي الرأسمالي ولكن ذلك غير صحيح. إن شركات مثل بيبسي و كوكاكولا تسرع الى إبتلاع المنافسين أو الخيار الآخر وهو القضاء عليهم وإبعادهم من السوق. إن تلك الشركات العملاقة العابرة للقارات والتي يمكن إعتبارها أقوى من حكومات الدول تحولت الى خطر حقيقي على النظام الرأسمالي الذي تمَّ تهميشه والسبب أنها تلغي مبدأ المنافسة.

خلال الأزمة المالية العالمية التي بدأت بوادرها في الظهور سنة ٢٠٠٧, قامت الحكومة الأمريكية بتنفيذ حزم إنقاذ زادت عن ٨٠٠ مليار دولار وذلك من أموال دافعي الضرائب مكافأة البنوك والمؤسسات الاستثمارية في وول ستريت على فشلها. هناك قسم كبير من تلك الأموال تم صرفه مكافأت ضخمة للمدراء الفاشلين في تلك البنوك والشركات بدلا من وضعهم في السجن نتيجة غشِّهم وتلاعبهم. إن تلك هي الإشتراكية أو الشيوعية التي من المفترض أنها تمثِّل الضفة الأخرى للنهر من النظام الرأسمالي حيث هناك عداوة تاريخية. بنوك وشركات وول ستريت تقوم على تمويل الحملات الرئاسية والإنتخابية ولديها لوبيات ضغط تمثِّلُ مصالحها في إطار نظام لا يمكن وصفه بأنه ديمقراطي أو رأسمالي بل ليس هناك كلمة من الممكن أن تصف ذلك النظام سوى أنه منغولي, نظام مشوَّه لا ملامح له. والحقيقة أن المواطنين يصوتون في الإنتخابات ولكن الشركات هي من تختار الفائزين وكما قال الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين بأنَّ من يحصون الأصوات هم من يقرِّرون كل شيئ.

إنَّ المواطن الغربي قد أصابه الملل من الممارسة المفرطة للديمقراطية حيث قد يقضي نسبة لا بأس بها من وقته في التصويت أو دراسة أفكار وأجندات المرشحين في الإنتخابات الرئاسية والنيابية والبلدية وقضاة المحاكم ومدراء أقسام الشرطة حيث هناك ما لايقل عن ١٠-١٥ عملية إنتخابية في دول مثل الولايات المتحدة. وعلى الرغم من الديمقراطية الفائضة عن الحاجة, إلا أنه على أرض الواقع هناك تراجع في الحريات وفجوة بين رغبات وتطلعات الناخبين والقرارات التي يتخذها السياسيون على أرض الواقع. حتى في إطار العملية الديمقراطية في الولايات المتحدة يتم إلغاء مبدأ المنافسة حيث هناك حزبان, الجمهوري والديمقراطي.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية



Friday, January 22, 2021

الديمقراطية, الرأسمالية واقتصاد الظل

لم يتردد إيلون ماسك المدير التنفيذي لشركة تسلا وأغنى رجل في العالم في أن يقوم بالرد على روبرت رايخ الذي شغل منصب وزير العمل خلال فترة حكم بيل كلينتون وذلك عبر صفحات مجلة فورتشن(Fortune)  بتاريخ 10/سبتمبر/2020. روبرت رايخ اتهم إيلون ماسك بأنه لص لأنه أجبر موظفيه على تخفيضات بقيمة 10% من رواتبهم خلال الفترة من إبريل-يوليو على الرغم من إرتفاع أسهم شركة تسلا مما أدى زيادة ثروة ماسك من 25 مليار دولار الى 100 مليار دولار. إيلون ماسك وصف رايخ بأنه أحمق لأن موظفي شركة تسلا يحصلون على أسهم في الشركة وبالتالي فإن قيمة أسهمهم تضاعفت أربعة مرات مع ارتفاع قيمة أسهم الشركة.

روبرت رايخ أحد المطالبين بإصلاح الرأسمالية من أجل إنقاذها من الإنهيار الكامل وتقليص الفوارق الطبقية, هذا من ناحية. أما من ناحية أخرى, تبلغ قيمة ثروته أكثر من 4 ملايين دولار ويتقاضى 40 ألف دولار مقابل محاضرة مدتها ساعة واحدة بينما يبلغ متوسط راتب الموظف 46 ألف دولار سنويا. كما أن راتبه بوصفه بروفيسور السياسة العامة في جامعة كاليفورنيا-بيركلي يبلغ 242 ألف دولار, أي أنه يزيد بنسبة 36% عن متوسط معدل راتب المدير التنفيذي في الولايات المتحدة.

ليس من العسير على مسؤول سابق مثل روبرت رايخ أن يعطي النصائح عن إصلاح النظام الرأسمالي حيث أحد أن أحد المقترحات هو  تخفيض رواتب المدراء التنفيذيين. وعلى الرغم من أن هناك الكثير من المدراء التنفيذيين يحصلون على رواتب سنوية بأرقام خيالية بالإضافة الى المزايا الأخرى وأن 242 ألف دولار يعتبر مبلغا ضئيلا, إلا أن تلك الدعوة ربما لا تشمل رايخ نفسه الذي لم يقم بالكثير من الخطوات خلال عمله في إدارة الرئيس كلينتون من أجل تنفيذ ما ينادي به خصوصا رفع الحد الأدنى من الأجور. القضية بالنسبة إليه سياسية, ليست أكثر من شعارات جوفاء بهدف التكسب المالي من إلقاء المحاضرات وتأليف الكتب. إن ذلك يذكرني بممثل هوليود ليوناردو دي كابريو الذي يقترح رفع سعر الوقود الى 7 دولار/غالون غير مبالي بعواقب ذلك على من يعيشون تحت خط الفقر ويطسبون دولارين في اليوم إن ابتسم لهم الحظ.

لايمكن إصلاح النظام الإقتصادي العالمي الذي يوصف تجاوزا بأنه رأسمالي لأن الفتق إتَّسَعَ على الراتق. وأنا إستخدمت كلمة (تجاوز) لأن وصف النظام الإقتصادي العالمي بأنه رأسمالي ينافي الواقع حيث تحول الى ما يشبه نظام شركات إحتكاري عابر للقارات وذلك يتعزز من خلال منظمة التجارة العالمية وإتفاقيات التجارة الحرَّة. إن من يقرأ في أدبيات الاقتصاد الكلاسيكي مثل كتاب "ثروة الأمم," الذي يعتبر الكتاب الذي قام من خلال الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث بتأسيس مبادئ الرأسمالية المعاصرة سوف يكتشف أنه ليس هناك أي علاقة بين الرأسمالية والنظام الإقتصادي الذي يحكم العالم حاليا. شخصية عامة أخرى هي الإقتصادي الفرنسي المشهور توماس بيكيتي إقترح ضريبة عالمية على الثروة بالإضافة الى ضريبة الدخل من أجل تقليص الفوارق الطبقية ومكافحة الفقر. كما أنه إقترح مشروع قانون على مستوى العالم من أجل مكافحة ظاهرة الملاذات الضريبية التي تعتبر أحد أهم وسائل إستخدام وإخفاء الثروات والتهرب من الضرائب.

إن حجم اقتصاد الظل يبلغ تريليونات الدولارات وهو إقتصاد تصب عائداته في النهاية في بنوك سويسرا و ملاذات ضريبية مثل جزر العذراء البريطانية, بنما وجزر الكايمان. إن اقتصاد الظل يشمل على سبيل المثال تجارة المخدرات التي تعتبرها تقديرات متفائلة تبلغ 700 مليار دولار سنويا. هناك أيضا عائدات الأنشطة الغير قانونية مثل التهريب, تقليد منتجات العلامات التجارية, وتجارة البشر خصوصا الفتيات من أجل العمل في مهنة الدعارة. ويشمل إقتصاد الظل أسواق الأسهم والبورصات التي تعتبر غير ملموسة أو غير حقيقية حيث أنها تؤدي الى تحقيق عدد قليل من الأشخاص ثروات تفوق الوصف بينما يخسر ملايين مدخرات تقاعدهم وأموالهم فيما يوصف بأنه سرقة مشروعة تحت مسمى مخاطر السوق. كما أنها تستخدم أدوات مالية وإئتمانية توصف بأنها مسمومة ولكنها على الرغم من ذلك تحصل على تقييمات مرتفعة من وكالات التصنيف الائتماني مقابل رسوم مالية تدفع لتلك الوكالات. إن دولا قوية ومؤثرة مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا غير راغبة في القضاء على ظاهرة الملاذات الضريبية لأن ذلك سوف يؤدي الى ثورة أوليغارشية وبالتالي أزمة إقتصادية تتفوق في حجمها على أزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة(2007-2009). 

وأكَرِّر مرة أخر أن الفتق إتَّسَعَ على الراتق لأن الأزمة وصلت الى حذور أو أساس البناء الإقتصادي الرأسمالي الذي أصبح أشبه ببرج بيزا المائل. الأزمة أصبحت أزمة أخلاقية وصلت حتى الى المؤسسات التعليمية خصوصا الجامعات التي تورطت في اقتصاد الظل وعمليات إستثمار خارجية مشبوهة وحسابات في الملاذات الضريبية. على سبيل المثال, جامعة كيبيك في كندا خسرت مبلغ 100 مليون دولار من أموال خطة التقاعد الخاصة بموظفيها عندما قبلت بتسليمها الى مدير إستثمار ألماني يقع مقره في جزر العذراء البريطانية. ولكن جامعات أخرى عريقة متورطة في التهرب الضريبي وفتح حسابات في الملاذات الضريبية مثل جامعة ستانفورد, كامبريدج وأكسفورد. إن حجم تعاملات الملاذات الضريبة أو جزر الأوفشور غير معلوم تحديدا ولكن هناك تقديرات تشير الى أن حجم التعاملات المالية والإيداعات في جزر العذراء البريطانية يبلغ أكثر من 700 مليار دولار ولكن ذلك ليس إلا قمة جبل الجليد.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Saturday, July 6, 2019

الرأسمالية والديمقراطية

خلال مرحلة الحرب الباردة، كانت وسائل الإعلام الغربية تقوم بعقد المقارنات بين الأنظمة السياسية والاقتصادية في الدول الغربية التي توصف بأنها ديمقراطية وأنظمة الحكم في الدول الاشتراكية التي توصف بأنها ديكتاتورية. وسائل الإعلام كانت تركز هجومها على النظام الاقتصادي للدول الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي وأن النموذج الاقتصادي الذي يعتمد على التخطيط المركزي هو نموذج فاشل أدى الى هدر الموارد وأن النموذج الاقتصادي الرأسمالي الذي يعتمد على اللامركزية وعدم تدخل الحكومة في السوق هو المستقبل والضامن لتحقيق النمو الاقتصادي والرفاهية للشعوب. ولكن النظام الاقتصادي الرأسمالي انحرف عن مبادئه التي وضعها عالم الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث في كتابه "ثروة الأمم" حيث سيطر تحالف من بضعة بنوك مركزية وشركات عابرة للقارات على اقتصاد العالم فيما يشبه نظام الاحتكار للسلع والخدمات.
وهناك من يتبنى وجهة النظر القائلة في أن الرأسمالية والديمقراطية هما مصطلحان مترادفان لا يمكن الفصل بينهما. ولكن التجربة اثبتت عكس ذلك وأن النظام الاقتصادي الرأسمالي قد أصبح في حكم الماضي حيث حل مكانه نظام اقتصادي نيوليبرالي أصبح مرادفا للانقلابات العسكرية والقمع والديكتاتورية وازدياد الفقر والهوَّة الطبقية بين فئات المجتمع. الولايات المتحدة تعتبر أفضل انعكاس لتطبيق المبادئ النيوليبرالية التي خرجت من رحم مدرسة شيكاغو الاقتصادية التي يعتبر عالم الاقتصاد ميلتون فريدمان هو الأب الروحي والمؤسس الأبرز لها. معاهد الأبحاث والتفكير التي تتبع تفكير مدرسة شيكاغو الاقتصادية تهاجم باستمرار دول أوروبية بسبب ما تسميه "دولة الرفاه الاجتماعي" وتدخل الحكومة في السوق حيث تعتبر المدرسة الاقتصادية الكينزية التي تتبع مبادئ عالم الاقتصاد الإنجليزي جون مينارد كينز ذات رأي مؤثر.
في دول مثل تشيلي والأرجنتين، ساندت الولايات المتحدة أنظمة الحكم العسكرية حيث وفَّر ذلك فرصة ثمينة كان ينتظرها ميلتون فريدمان منذ الخمسينيات حيث قام ومجموعة من تلاميذه بتقديم النصائح حول ما يعرف بمبدأ (العلاج بالصدمة) لحكومات تلك الدول، خصخصة مؤسسات وشركات الدولة، تعويم العملة، تقليص عدد موظفي الجهاز الحكومي ورفع الدعم عن السلع والخدمات خلال فترة زمنية قصيرة هي أبرز ملامح مبدأ "العلاج بالصدمة." النتائج كانت كارثية بكل المعايير والمقاييس حيث ازدادت نسبة البطالة وتضاؤل حجم الطبقة الوسطى. كما أن الحكومات العسكرية في أمريكا اللاتينية، خصوصا حكومة دولة تشيلي، التي قبلت نصائح فريدمان وتلاميذه قمعت الاحتجاجات المناوئة لها بقوة السلاح مما أدى الى سقوط عدد كبير من الضحايا وتم تسجيل حالات اختفاء بلغت في الأرجنتين 30 ألف حالة لم يعرف مصيرها حتى اليوم وكذلك في دولة تشيلي التي كانت تحت حكم الديكتاتور أغسطو بينوشيه.
المشكلة أن حكومات الدول الغربية لا تمانع في التدخل لإنقاذ البنوك والشركات التي تعتبرها أكبر من أن تفشل في حال تعثرها كما حصل أثناء أزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة 2007/2008 التي بدأت في الولايات المتحدة وتحولت الى أكبر أزمة عالمية حتى تاريخه حيث بلغت خسائر أسواق البورصات والأسهم العالمية تريليونات الدولارات. ورغم أن مبدأ التدخل الحكومي في الأسواق مرفوض وفق مبادئ المدرسة الاقتصادية النيوليبرالية، ولكن حكومة الولايات المتحدة على سبيل المثال ضخت مئات المليارات من أموال دافعي الضرائب لمحاولة إنقاذ بنوك مثل غولدمان ساكس وشركة التأمين الأكبر في العالم (AIG) على الرغم من أنهم تورطوا في المتاجرة بأصول مالية مسمومة وعالية المخاطرة.
إن مجالس إدارة المؤسسات المالية التي تتحكم باقتصاد العالم وعلى رأسها البنوك المركزية ليست منتخبة ولا تخضع الى أي مسائلة من الهيئات التي من المفترض أن المواطنين انتخبوها لتحميهم ومصالحهم، وزير الخزانة الأمريكي لا يحق له دخول مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في مدينة نيويورك بدون موعد يتم تحديده له مسبقا من قبل رئيس مجلس إدارة البنك. بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك التسويات الدولي في سويسرا مملوكة لمجموعة من المستثمرين وأغلب البنوك المركزية في العالم لا تمتلكها الحكومات.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية