Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label توماس بيكيتي. Show all posts
Showing posts with label توماس بيكيتي. Show all posts

Sunday, December 10, 2023

صفحات من تاريخ رأسمالية الكوارث وأوليغارشية الأثرياء

في كتاب "الرأسمالية في القرن الواحد والعشرين," يصف الخبير الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي إتساع اللامساواة والفروقات الطبقية التي أصبحت سنة ٢٠١٠ تعادل المستويات التي وصلتها في الفترة الزمنية(١٩٠٠-١٩١٠). ١% من من الأشخاص البالغين الذين يعيشون على كوكب الأرض, ٤٥ مليون شخص من ٤.٥ مليار(إحصائيات ٢٠١٠) يمتلكون ٥٠% من مجموع الثروات بينما يمتلك ٠.١% من مجموع الأشخاص البالغين الذين يعيشون على كوكب الأرض مجموع ٢٠% من الثروات.  

إن أحد الأسباب الرئيسية التي يتحدث عنها توماس بيكيتي في كتابه هي التهرب الضريبي خصوصا الملاذات الضريبية أو مناطق الأوفشور. الحل كما يرى الكاتب من وجهة نظره هو إجراء دولي صارمة يؤدي الى إغلاق مناطق الأوفشور أو على الأقل ربما فرض ضريبة على الثروات بالإضافة الى الضريبة المفروضة على الدخل وأرباح الشركات. 

البروفيسور فالنتين كاتاسونوف وهو أحد أشهر الخبراء الاقتصاديين في روسيا والعالم تحدث باستفاضة عن مشكلة الملاذات الضريبية في كتاب "استعباد العالم, نهب على الطريقة اليهودية" حيث كتب عن بعض الحقائق المثير للإهتمام منها أنه ليس هناك إحصاء دقيق فيما يتعلق بعدد مناطق الأوفشور وأنَّ كل منظمة أو دولة لها معاييرها في تحديد مناطق الملاذات الضريبية(الأوفشور).

صندوق النقد الدولي لديه سجل يحتوي على ٢٦ منطقة أوفشور منها قبرص, بنما, ماكاو والكثير من المناطق في بريطانيا العظمى. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD) وضعت سنة ٢٠٠٠ قائمة تضم ٤١ دولة تقلَّصت الى ٣٩ دولة سنة ٢٠٠٩ منها دول في القائمة السوداء حيث ترفض التعاون وهي: ليخنشتاين, أندورا وماكاو. شبكة العدالة الضريبية التي أطلقت سنة ٢٠٠٣ وتهتم بكثير من الجوانب الدولية للتنظيم المالي أطلقت قائمة سنة ٢٠٠٧ تضم ٦٩ منطقة أوفشور وقد انخفضت لاحقا الى ٦٠. روسيا نشرت سنة ٢٠٠٧ قائمة تضم ٤٢ منطقة أوفشور بينما نشر بنك روسيا المركزي قائمة تضم أسماء ٤٨ دولة ومنطقة يمكن وصفها بأنها مناطق أوفشور. جزر كايمان هي أحد أكثر مناطق الأوفشور شهرة حيث تحدث عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما حيث أنه في بناء يدعى أوغلاند في شارع تشيرتش تسجيل أكثر من ١٨٠٠٠ شركة حيث وصفها باراك أوباما بأنها "أكبر عملية غش ضريبي في العالم. 

إن الأرقام عن حجم التهرب الضريبي والأموال التي يتم إيداعها في مناطق الأوفشور مخيفة ومفزعة حيث كانت تزداد بمعدل ٦% سنويا وبلغت في نهاية عقد التسعينيات ٥ تريليون دولار/سنة. حاليا تبلغ التقديرات في حجم أموال الأوفشور ١١.٥ تريليون دولار حيث بلغ التهرب الضريبي ٢٢٥ مليار دولار(إحصائيات ٢٠١٠). سويسرا هي أضخم مركز/دولة أوفشور حيث بلغ حجم الأموال التي تم إيداعها ٢.٢ تريليون دولار.

إنَّ إستخدام مناطق الأوفشور ليس محصورا بالإحتيال الضريبي ولكن خلال الأزمة المالية ٢٠٠٨, كان هناك قسم كبير من أموال التحفيز الاقتصادي التي تم دفعها وفق خطة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قد تم إرسالها بطريقة أو بأخرى الى حسابات في مناطق الأوفشور و ملاذات ضريبية. أما خلال الأزمة الإقتصادية ١٩٩٧ (أزمة النمور الآسيوية), فقد تم الكشف أن عددا كبيرا من البنوك والشركات المالية التي أعلنت إفلاسها مدينة بمبالغ كبيرة الى شركات أوفشور تابعة لها.

الولايات المتحدة والدول الأوروبية تعلن على العلن أنها تحارب الأوفشور والتهرب الضريبي ولكنها في الوقت نفسه ليس لديها مشكلة مع ملاذات الأوفشور التي تنتهي أموالها بطريقة أو بأخرى في بنوك أمريكية أو أوروبية. اقتصاديات البلدان النامية أرسلت ما يزيد عن ٨ تريليون دولار الى مناطق الأوفشور. الصين والمكسيك على رأس قائمة الدول التي تخرج منها الأموال الى مناطق الأوفشور ٧٤.٢ تريليون دولار و ٥٠٤ مليار دولار على التوالي, بينما تبلغ الأرصدة الخاصة التي يتم الإحتفاظ بها في أي وقت في مناطق الأوفشور ما لا يقل عن ١٠ تريليون دولار. إنَّ توزيع الأرصدة التي يتم إيداعها في مناطق الأوفشور تظهر التالي: الولايات المتحدة ٢.١٨ تريليون دولار, جزر كايمان ١.٥٥ تريليون دولار, بريطانيا ١.٥٣ تريليون دولار وحتى في ألمانيا, هولندا, وإيرلندا هناك ملاذات ضريبية يتم إيداع مليارات الدولارات سنويا.

إن مناطق و ملاذات الأوفشور هي عبارة عن واجهة للمرابين(المصرفيين) الدوليين و نشاطاتهم المشبوهة حيث يتم التلاعب بالاقتصاد العالمي وحيث يتم صنع الأزمات. الفشل سوف يكون مصير أي جهود من أجل محاربة الملاذات الضريبية ومناطق الأوفشور بدون إصلاح اقتصادي حقيقي يشمل القضاء على البنوك المركزية و إيقافها نهائيا وقوانين إصلاحات ضريبية حقيقية تتوقف عن إلقاء العبء الضريبي على ذوي الدخل المحدود ومتوسطي الدخل ويكون هناك قوانين تضمن توزيع ضريبي عادل على الجميع حيث أن الأنظمة الضريبية الحالية تجعل من الممكن تهرب الأغنياء عن دفع الضرائب بدون أي عواقب.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Friday, January 22, 2021

الديمقراطية, الرأسمالية واقتصاد الظل

لم يتردد إيلون ماسك المدير التنفيذي لشركة تسلا وأغنى رجل في العالم في أن يقوم بالرد على روبرت رايخ الذي شغل منصب وزير العمل خلال فترة حكم بيل كلينتون وذلك عبر صفحات مجلة فورتشن(Fortune)  بتاريخ 10/سبتمبر/2020. روبرت رايخ اتهم إيلون ماسك بأنه لص لأنه أجبر موظفيه على تخفيضات بقيمة 10% من رواتبهم خلال الفترة من إبريل-يوليو على الرغم من إرتفاع أسهم شركة تسلا مما أدى زيادة ثروة ماسك من 25 مليار دولار الى 100 مليار دولار. إيلون ماسك وصف رايخ بأنه أحمق لأن موظفي شركة تسلا يحصلون على أسهم في الشركة وبالتالي فإن قيمة أسهمهم تضاعفت أربعة مرات مع ارتفاع قيمة أسهم الشركة.

روبرت رايخ أحد المطالبين بإصلاح الرأسمالية من أجل إنقاذها من الإنهيار الكامل وتقليص الفوارق الطبقية, هذا من ناحية. أما من ناحية أخرى, تبلغ قيمة ثروته أكثر من 4 ملايين دولار ويتقاضى 40 ألف دولار مقابل محاضرة مدتها ساعة واحدة بينما يبلغ متوسط راتب الموظف 46 ألف دولار سنويا. كما أن راتبه بوصفه بروفيسور السياسة العامة في جامعة كاليفورنيا-بيركلي يبلغ 242 ألف دولار, أي أنه يزيد بنسبة 36% عن متوسط معدل راتب المدير التنفيذي في الولايات المتحدة.

ليس من العسير على مسؤول سابق مثل روبرت رايخ أن يعطي النصائح عن إصلاح النظام الرأسمالي حيث أحد أن أحد المقترحات هو  تخفيض رواتب المدراء التنفيذيين. وعلى الرغم من أن هناك الكثير من المدراء التنفيذيين يحصلون على رواتب سنوية بأرقام خيالية بالإضافة الى المزايا الأخرى وأن 242 ألف دولار يعتبر مبلغا ضئيلا, إلا أن تلك الدعوة ربما لا تشمل رايخ نفسه الذي لم يقم بالكثير من الخطوات خلال عمله في إدارة الرئيس كلينتون من أجل تنفيذ ما ينادي به خصوصا رفع الحد الأدنى من الأجور. القضية بالنسبة إليه سياسية, ليست أكثر من شعارات جوفاء بهدف التكسب المالي من إلقاء المحاضرات وتأليف الكتب. إن ذلك يذكرني بممثل هوليود ليوناردو دي كابريو الذي يقترح رفع سعر الوقود الى 7 دولار/غالون غير مبالي بعواقب ذلك على من يعيشون تحت خط الفقر ويطسبون دولارين في اليوم إن ابتسم لهم الحظ.

لايمكن إصلاح النظام الإقتصادي العالمي الذي يوصف تجاوزا بأنه رأسمالي لأن الفتق إتَّسَعَ على الراتق. وأنا إستخدمت كلمة (تجاوز) لأن وصف النظام الإقتصادي العالمي بأنه رأسمالي ينافي الواقع حيث تحول الى ما يشبه نظام شركات إحتكاري عابر للقارات وذلك يتعزز من خلال منظمة التجارة العالمية وإتفاقيات التجارة الحرَّة. إن من يقرأ في أدبيات الاقتصاد الكلاسيكي مثل كتاب "ثروة الأمم," الذي يعتبر الكتاب الذي قام من خلال الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث بتأسيس مبادئ الرأسمالية المعاصرة سوف يكتشف أنه ليس هناك أي علاقة بين الرأسمالية والنظام الإقتصادي الذي يحكم العالم حاليا. شخصية عامة أخرى هي الإقتصادي الفرنسي المشهور توماس بيكيتي إقترح ضريبة عالمية على الثروة بالإضافة الى ضريبة الدخل من أجل تقليص الفوارق الطبقية ومكافحة الفقر. كما أنه إقترح مشروع قانون على مستوى العالم من أجل مكافحة ظاهرة الملاذات الضريبية التي تعتبر أحد أهم وسائل إستخدام وإخفاء الثروات والتهرب من الضرائب.

إن حجم اقتصاد الظل يبلغ تريليونات الدولارات وهو إقتصاد تصب عائداته في النهاية في بنوك سويسرا و ملاذات ضريبية مثل جزر العذراء البريطانية, بنما وجزر الكايمان. إن اقتصاد الظل يشمل على سبيل المثال تجارة المخدرات التي تعتبرها تقديرات متفائلة تبلغ 700 مليار دولار سنويا. هناك أيضا عائدات الأنشطة الغير قانونية مثل التهريب, تقليد منتجات العلامات التجارية, وتجارة البشر خصوصا الفتيات من أجل العمل في مهنة الدعارة. ويشمل إقتصاد الظل أسواق الأسهم والبورصات التي تعتبر غير ملموسة أو غير حقيقية حيث أنها تؤدي الى تحقيق عدد قليل من الأشخاص ثروات تفوق الوصف بينما يخسر ملايين مدخرات تقاعدهم وأموالهم فيما يوصف بأنه سرقة مشروعة تحت مسمى مخاطر السوق. كما أنها تستخدم أدوات مالية وإئتمانية توصف بأنها مسمومة ولكنها على الرغم من ذلك تحصل على تقييمات مرتفعة من وكالات التصنيف الائتماني مقابل رسوم مالية تدفع لتلك الوكالات. إن دولا قوية ومؤثرة مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا غير راغبة في القضاء على ظاهرة الملاذات الضريبية لأن ذلك سوف يؤدي الى ثورة أوليغارشية وبالتالي أزمة إقتصادية تتفوق في حجمها على أزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة(2007-2009). 

وأكَرِّر مرة أخر أن الفتق إتَّسَعَ على الراتق لأن الأزمة وصلت الى حذور أو أساس البناء الإقتصادي الرأسمالي الذي أصبح أشبه ببرج بيزا المائل. الأزمة أصبحت أزمة أخلاقية وصلت حتى الى المؤسسات التعليمية خصوصا الجامعات التي تورطت في اقتصاد الظل وعمليات إستثمار خارجية مشبوهة وحسابات في الملاذات الضريبية. على سبيل المثال, جامعة كيبيك في كندا خسرت مبلغ 100 مليون دولار من أموال خطة التقاعد الخاصة بموظفيها عندما قبلت بتسليمها الى مدير إستثمار ألماني يقع مقره في جزر العذراء البريطانية. ولكن جامعات أخرى عريقة متورطة في التهرب الضريبي وفتح حسابات في الملاذات الضريبية مثل جامعة ستانفورد, كامبريدج وأكسفورد. إن حجم تعاملات الملاذات الضريبة أو جزر الأوفشور غير معلوم تحديدا ولكن هناك تقديرات تشير الى أن حجم التعاملات المالية والإيداعات في جزر العذراء البريطانية يبلغ أكثر من 700 مليار دولار ولكن ذلك ليس إلا قمة جبل الجليد.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Sunday, July 15, 2018

ماهي أسباب إنتشار اللامساواة وإزدياد الفروقات الطبقية على مستوى العالم؟

هناك الكثير من النقاش حول العالم بين النخب الإقتصادية, رجال الأعمال وخبراء الإقتصاد حول مسألة اقتصادية حساسة هي إنتشار اللامساواة بين طبقات المجتمع أو بين البلدان المختلفة حيث تختلف الآراء حول أسباب إنتشار اللامساواة واتساع الفجوة الاقتصادية وزيادة تركيز الثروة في أيدي فئة قليلة على حساب الأغلبية من الشعوب المكافحة. وكما تختلف الآراء حول الأسباب, فإنها تختلف أيضا حول الحلول المقترحة. أزمة الربيع العربي دفعت بالنقاش حول هذه المسألة الحساسة خصوصا في الوطن العربي الى أولوية حيث كانت هناك وجهة نظر تبناها عدد من المفكرين والخبراء الاقتصاديين أن الأسباب الإقتصادية تعد الدافع الأول خلف احتجاجات الربيع العربي بينما كان رأي الأجيال الشابة مختلفا ويمكن تلخيصه بغياب الحريات خصوصا السياسية و التعبير عن الرأي.
الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي ذكر في كتابه "رأس المال في القرن الواحد والعشرين" أن مستويات اللامساواة قد وصلت لمرحلة تستوجب حلولا عاجلة على المستوى الدولي حيث يمتلك النصف الأفقر من سكان العالم ٥% فقط من إجمالي الثروات بينما تمتلك الشريحة المئوية العليا (١%) ما نسبته ٥٠% من ثروات العالم. وقد ذكر أن السبب الرئيسي هو غياب نظام ضريبي عادل نتيجة التهرب الضريبي وما يعرف بـالملاذات الضريبية الآمنة. توماس بيكيتي قدم اقتراحه بفرض ضريبة على الثروات كحل مناسب لازدياد نسبة اللامساواة على الرغم من تحفظاته فيما يتعلق بنجاح ذالك المقترح الذي يتطلب تعاونا على المستوى العالمي خصوصا فيما يتعلق بالملآذات الضريبية الآمنة أو الجنات الضريبية كبنما وجزر العذراء البريطانية وغيرها.
هناك من يرى أن أسبابا أخرى هي المسؤولة عن مشكلة اللامساواة وازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتلخص في أن غياب مؤسسات المجتمع المدني والحريات السياسية كحرية الرأي والتعبير وحق الانتخاب والشفافية السياسية هو السبب الرئيسي لتلك المشكلة المزمنة. وأن الحل يكمن في توسيع نطاق الحريات السياسية وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني وانخراط الشباب في العملية السياسية. إن تبني ذالك يعتمد على تعريف الازدهار الاقتصادي وما هي المعايير المعتمدة لتصنيف البلدان بين غني وفقير. فعلى سبيل المثال تعتبر الولايات المتحدة بلدا ديمقراطيا ومزدهرة إقتصاديا حيث يتم تصنيفها على أنها بلد غني, بينما على الجهة الأخرى من حدودها هناك المكسيك والتي تصنف على أنها بلد فقير محكومة بحالة من الفوضى وانعدام القانون وغياب الحريات السياسية. كما يتم عقد مقارنات بين الولايات المتحدة وكوبا أو الأرجنتين التي كانت أحد أغنى بلدان العالم خلال فترة ١٨٧٠-١٩٢٠ أو حتى الإتحاد السوفياتي ١٩٣٠-١٩٧٠.
إن السبب الرئيسي لازدياد اللامساواة والفروقات الطبقية واتساع الفجوة الاقتصادية حول العالم ليس له أي علاقة بالحريات السياسية والديمقراطية. الإتحاد السوفياتي يقف على النقيض سياسيا من الولايات المتحدة ولكنه وكما ذكر المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي شهد نهضة إقتصادية متفوقا على الولايات المتحدة خصوصا مع إرسال أول قمر فضائي هو سبوتنك-1 ولم ينحدر الاقتصاد السوفياتي إلى الحضيض إلا مع مع إنهيار جدار برلين والقبول بشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي تتلخص بخصخصة مؤسسات الدولة وشركاتها العامة واعتماد المبادئ الاقتصادية النيوليبرالية كإتفاقية التجارة الحرة والتخلي عن دعم السلع الأساسية والوقود المقدم لمواطنيه. إن حركة الإستعمار التي بدأتها دول كالبرتغال وإسبانيا وهولندا وبريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة وإستمرار التدخلات الغربية في شؤون تلك الدول بعد إستقلالها هو المسؤول الأول والأخير عن وقوع تلك الدول في براثن الجهل والتخلف وتصنيفها كدول فقيرة خصوصا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا التي شهدت أحد أسوأ فصول التدخل الإستعماري الأمريكي والغربي وأكثرها دموية على مر التاريخ.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Friday, October 6, 2017

الأزمة الأخلاقية للنظام الإقتصادي العالمي

إن النظام الإقتصادي العالمي الذي تمثله الرأسمالية ومفاهيم كالخصخصة وتحرير التجارة وتركيز رؤوس الأموال في يد فئة قليلة من أصحاب البنوك والنخب الإقتصادية قد أدى بالعالم إلى حافة الإنهيار الإقتصادي والأخلاقي. كما أن الكثيرين قد ناقشوا الشق الأول بأدق التفاصيل إلا أن الشق الثاني يتم تجاهله بإستمرار لأنه في الحقيقة يفضح الجانب المظلم من ذالك النظام ويمكن تلخيصه بكلمة اللامساواة التي تمثل الجانب الأكثر ظلاما وبؤسا. إن الإقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي قد فضح ذالك الجانب المظلم بالأرقام والإحصائيات الأكثر دقة والتي لم تترك مجالا أو ثغرة لمنتقديه من المؤمنين بقدسية العدلة الإجتماعية التي يمثلها النظام المالي الحالي. وليكن معلوما أن ملخص مايمكن أن نفهمه من قرائة ذالك الكتاب, "رأس المال في القرن الواحد والعشرين," هو إنتقال الحديث عن سيطرة 1% على حجم يزيد عن 50% من حجم الإقتصاد العالمي ورأس المال القومي في عدد كبير من الدول خصوصا في الولايات المتحدة إلى سيطرة 0.1% على أكثر من نصف حجم رؤوس الأموال وحركة التجارة حول العالم. توماس بيكيتي قد ذكر في كتابه أنه مع مرور الوقت وإزدياد تركيز رؤوس الأموال والثروات في فئة 10% من السكان فإن 1% أصبحت تمتلك أكثر من نسبة 9% المتبقية ومع مرور المزيد من الوقت فإن نسبة 0.1% أصبحت تمتلك ثروات ورؤوس أموال تزيد عن 9.99% وعن باقي نسبة 90% من السكان وذالك ينطبق على مستوى العالم كما أنه ينطبق على المستوى المحلي في أي بلد حول العالم مع إختلافات طفيفة متعلقة بأسباب يطول ذكرها في هاذا الموضوع حيث يمكن الإطلاع عليها بمراجعة الكتاب المذكور لمن لديه جلد وصبر على قرائة مئات الصفحات المليئة بالإحصائيات والأرقام والجداول الإقتصادية.
ولن أكون عادلا إن لم أنوه إلى إنجازات الرأسمالية  فتاريخا مليئ بالإنجازات خصوصا وأنني هنا أتحدث عن رأسمالية مدرسة شيكاغو الإقتصادية(فتيان شيكاغو) والذي يعد الإقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان أحد أهم رموزها ولا أتحدث عن رأسمالية أدم سميث مؤسس علم الإقتصاد السياسي, حيث قدم أفكاره ورؤيته من خلال كتابه الشهير "ثروة الأمم," الذي تمثلت من خلاله بداية ملامح وقواعد النظام الرأسمالي. إن المؤيدين لمدرسة شيكاغو الإقتصادية والتي تمثل المذهب الإقتصادي الرأسمالي-النيوليبرالي يتسابقون في ظهوراتهم في وسائل الإعلام المتنوعة على تكرار الإسطوانة المعتادة أنه يعود الفضل للنظام لإقتصادي-الرأسمالي النيوليبرالي في أن يشبع الفقراء رغيف الخبز وأن ذالك هو قمة الإنجاز. وبإستخدام لغة أكثر حداثة فإن ذالك مايطلق عليه, "حد الكفاف-Subsistence Level," هو حلم الفقراء في الجنة النيوليبرالية, أن لا يموتوا جوعا, البقاء على قيد الحياة هو إنجاز بحد ذاته. ميلتون فريدمان ظهر في فيديو مشهور له وهو يختصر الإعجاز الرأسمالي في نظام التسعير لقلم الرصاص. إن النقاش حول مسألة نظام التسعير(Pricing System) الذي وصفه فريدمان بالسحري ليس هو مايجب التركيز عليه بل العواقب الأخلاقية لذالك النظام, فالإستماع إلى شخص يكيل المديح لأحد أسوأ أوجه الرأسمالية-النيوليبرالية ليس إلا مضيعة للوقت فتحقيق الإستفادة القصوى من الوقت المبذول بهدف التعمق في فهم مدرسة شيكاغو الإقتصادية ومبادئها يجب أن يتركز على الجانب الأخلاقي المتأكل بإستمرار بفضل نظام إقتصادي يعتمد تحقيق أقصى قدر ممكن من الأرباح. إن القائمين على الترويج لتلك النوعية من السياسات الإقتصادية الخالية من أي إعتبارات أخلاقية يشبهون من يقوم بالترويج لدواء أعراضه الجانبية أسوأ وأشد وطأة من المرض الذي يفترض بذالك الدواء علاجه. في عالم الرأسمالية-النيوليبرالية فذالك يدعى فن الدعاية والإعلان أو التسويق.
إن هناك عدد كبير من العواقب الأخلاقية التي يتم تجاهلها للنظام الإقتصادي النيوليبرالي الذي يركز على الربحية الفاحشة وذالك عند أي نقاش حول إنعدام اللامساوة في ظل ذالك النظام. فعلى سبيل المثال, دولة تشيلي خلال فترة حكم الجينرال أوغيستو بينوشيه أو الأرجنتين خلال فترة حكم اللجنة العسكرية التي ترأسها الجينرال جورجي فيديلا(Jorge Rafael Videla) تعدان من أوائل حقول التجارب لمدرسة فتيان شيكاغو الإقتصادية. إن دولة تشيلي حيث أطاح الإنقلاب العسكري برئيسها المنتخب ديمقراطيا سيلفادور الليندي على هامش الحرب الباردة كانت حقل التجارب الأول الذي تم فيه منح ميلتون فريدمان وتلاميذه صلاحيات مطلقة في رسم السياسات الإقتصادية. والحقيقة ان سلفادور الليندي لم يكن له علاقة بالشيوعية والسياسات الإقتصادية التي قام على تطبيقها وكثير من بلدان أمريكا اللاتينية هي أقرب للمدرسة الكينزية منها للنموذج الإقتصادي الشيوعي. ولكن نجاح سياسات سيلفادور الليندي الإقتصادية والشعبية التي إكتسبها بسبب تلك السياسات  قد هدد موقع الولايات المتحدة في القارة اللاتينية حيث  بدأت قطاعات واسعة من الجماهير تتطلع إلى دولة تشيلي كقدوة إقتصادية. كما أن الأرجنتين إتبعت سياسات إقتصادية مماثلة لدولة تشيلي وحققت نجاحا كبيرا في ردم الهوة الإقتصادية وتخفيض مستوى اللامساواة فتم التعامل معها بطريقة مماثلة, إنقلاب عسكري دموي. إن العناصر المشتركة المتوفرة التي تتبين لأي باحث قام على دراسة دولتي تشيلي والأرجنتين وماجرى إثر الإنقلابات العسكرية فيهما سوف لن تدع مجالا للشك التطابق المذهل في السياسات الإقتصادية مع مبادئ النيوليبرالية ومدرسة شيكاغو الإقتصادية خصوصا ما يتعلق بحل النقابات, تخفيض الأجور, خصخصة مؤسسات القطاع العام, زيادة نسبة البطالة بسبب تسريح عشرات الألاف من الموظفين وحالات الإختفاء القسرية التي بلغت حوالي 3 ألاف حالة في تشيلي وضعفها, أي 6 ألاف حالة في الأرجنتين حيث ترفع بعض التقديرات العدد إلى 30 ألف مواطن أرجنتيني.
إن ما سبق وذكرته عن دراسة الحالة في دولتي تشيلي والأرجنتين ينطبق على عدد كبير من البلدان مع بعض الفروق الثانوية كالكوارث الطبيعية التي من الممكن أن تستبدل الإنقلابات العسكرية وذالك وفق ما يسمى عقيدة الصدمة(The Shock Doctrine). ففي دولة سيريلانكا ودول أخرى تعرضت لكارثة التسونامي, حلت منتجعات وفنادق شاطئية فاخرة مكان قرى الصيادين بذريعة خلق منطقة أمنة بعيدة عن الشاطئ رغم أن تلك المنشئات السياحية تقع على الشاطئ مباشرة. بل وتم إستخدام أموال القروض والمساعدات في إنشاء البنية التحتية لتلك المنشئات السياحية الفاخرة بينما يدفع الفقراء فاتورة الديون وفوائدها عبر زيادة الضرائب التي يتم إعفاء الأثرياء منها بذريعة تشجيع الإستثمار والقطاع الخاص. تخيلوا أنه حتى في جزر المالديف, تم إخلاء سكان بعض الجزر بالقوة وإنتزاعهم من بيئتهم الطبيعية بذريعة الخطر الذي يشكله إرتفاع منسوب المياه على سلامتهم بفعل التغير المناخي وفي الوقت نفسه منح عقود تأجير طويلة المدى لتلك الجزر لشركات سياحية من أجل بناء فنادق ومنتجعات فاخرة. إن كل تلك الممارسات يتم تبريرها أخلاقيا بفعل نفس الدعاية المضللة التي تستطيع أن تقنع الكثيرين أن إستخدام الفاكهة والخضار في صناعة الشامبويات ومواد التنظيف عمل أخلاقي بدلا من إطعام الجائعين. ونفس تلك الدعاية المضللة يتم بواسطتها تبرير إتلاف كميات هائلة من المواد الغذائية خصوصا القمح عبر رميها في المحيطات بدلا من تقديمها لبلدان تعاني من المجاعة خصوصا في أفريقيا. سكان الشواطئ في سيريلانكا تم حرمانهم من مصدر رزقهم الوحيد فإنضم كثير منهم لمتمردي التاميل فالموت برصاص الجيش أو الموت جوعا سيان بالنسبة لهم. أما سكان جزر المالديف الذين تم إنتزاعهم من اماكن سكنوها وأجدادهم من قبلهم, فقد تم نقلهم لمناطق أخرى بدون بنية تحتية وتفتقر لأبسط مقومات الحياة.
إن الرأسمالية بشكل عام والنيوليبرالية بشكل خاص ليست من الطبيعة البشرية وتعريض مفهوم العلاقات الإنسانية لمبدأ الربح والخسارة تصرف غير مقبول ولايمكن تبريره من الناحية الأخلاقية. إن إنتشار الأمراض والمجاعة والفقر وإنعدام اللامساواة في العالم أمر لا يمكن القبول به بعد إنكشاف الدعاية المضللة بأنه مبدأ "دعه يعمل, دعه يمر" أو "laissez faire" لأدم سميث سوف يقوم على خلق حالة إقتصادية يتم فيها توزيع فوائض الأرباح على قطاعات واسعة من السكان بدلا من إحتكارها من قبل الأقلية منهم. فكيف نقوم على تبرير المجاعة في دول أفريقية عديدة وكميات مهولة من الحبوب تكفي لإصابة سكان أفريقيا بالتخمة يلقى بها في البحر أو كميات بألاف الأطنان من الخضار والفواكه يتم إتلافها بدلا التبرع بها للفقراء وذالك بذريعة المحافظة على مستويات سعرية معينة. أو كيف يمكن تبرير الإستمرار بالدعاية والترويج لخرافة الوقود الحيوي أو (الإيثانول-85) على الرغم من إستهلاك زراعة المحاصيل المستخدمة في إنتاج ذالك الوقود لمساحات شاسعة من الأراضي التي كانت يمكن إستخدام تلك المحاصيل لإطعام الجائعين حول العالم. إن المشكلة التي يعاني منها النظام الرأسمالي ليست متعلقة بالتوزيع أو الإنتاج بل هي مشكلة أخلاقية أولا وأخيرا. إن الأزمات الإقتصادية التي يعاني منها ذالك النظام المهترئ تبطل عمل مبدأ "laissez faire" فهي لا تعمل ومع ذالك يتم السماح لها بالمرور لتخلق أزمات إقتصادية اكبر من سابقاتها وذالك ليس بمسؤولية أدم سميث حيث تمت إسائة إستخدام كتاباته كحائط صد في وجة مزاعم بأن النيوليبرالية تتألف من مجموعة مبادئ قادرة على خلق حالة إقتصادية أقرب للمثالية. تخيلوا أن جواهر لا نهرو ذكر في كتابه, "لمحات من تاريخ العالم", أنه في الفترة بين يونيو\1931 و فبراير\1933 أحرق 14 مليون كيس من البن بما يعادل 132 رطلا للكيس الواحد, مليار وثمانمائة مليون رطل من القهوة بما يزيد عن حاجة كافة سكان العالم لو منحنا كل واحد منهم رطلا من القهوة. وذكر أيضا أن الأزمة الإقتصادية سنة 1929-1933 أدت إلى تضرر القطاع الزراعي وإفلاس المزارعين الذين أصبحوا جياعا وبلا مأوى بعد أن تمت مصادرة أراضيهم ومنازلهم بسبب عدم قدرتهم على سداد قروضهم نتيجة إنخفاض أسعار المحاصيل الزراعية بما لا يكفي حتى لسداد إيجار الأراضي التي يزرعونها. إن كل ما سبق وذكرته هو نتيجة حتمية لإقتصاد بدون أخلاق حيث يتم تقديم التبريرات لمبادئ إقتصادية لا إنسانية تعمل وفق مبدأ الربح الفاحش ونظرية الصدمة بينما في الوقت نفسه تستخدم مبادئ "laissez faire", "دعه يعمل, دعه يمر" وتقسيم العمل في محاولة لخلق صورة إنسانية لنظام إقتصادي جوهره لا إنساني.

النهاية