Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label ميلتون فريدمان. Show all posts
Showing posts with label ميلتون فريدمان. Show all posts

Thursday, January 2, 2025

صفحات سوداء من تاريخ أسرة روكفلر

هناك معلومة خاطئة شائعة عن أسرة روكفلر وأنهم من اليهود ولكنهم في الحقيقة عائلة مسيحية مهجرة من أصول ألمانية تنتمي الى الكنيسة المعمدانية. ولكن هناك إحتمال أنهم غيروا إسم العائلة والديانة كما فعل كثير من اليهود بسبب الإضطهاد الديني ولكن ذلك لم يثبت بدليل قاطع لا يقبل الشك. جون روكفلر عميد الاسرة و أول ملياردير في تاريخ الولايات المتحدة ومؤسس أكبر شركة نفط في العالم ستاندرد أويل دخل الى أحد المتاجر مرافقا والدته عندما كان طفلا صغيرا فإستلطفه البائع وطلب منه أن يمد يده ويأخذ بعض المكسرات مجانا. وقد كان جواب روكفلر الرفض مما جعل البائع يمد يده الى المكسرات ويعطيه منها. وعندما سألته والدته عن سبب رفضه في البداية كان جوابه أن يد البائع أكبر من يده وبالتالي سوف يحصل على كمية أكبر من المكسرات من البائع على أن يمد يده بنفسه.


كان جون روكفلر شخصا عبقريا بدأ حياته في تجارة المحاصيل الزراعية ثم نجح في تأسيس مصفاة للنفط وبدأ في تأسيس شركة احتكارية هي ستاندرد أويل التي بدأت في شراء المنافسين ودخول مجال التنقيب عن النفط بالإضافة الى بناء المصافي والسيطرة على خطوط السكة الحديد. الحكومة الأمريكية وخلال فترة مضطربة تخللتها صراعات بين النخب الاقتصادية وأزمة مالية مفتعلة سنة ١٩٠٧ قامت بتفكيك شركة روكفلر سنة ١٩١١ من خلال قانون منع الاحتكار(قانون شيرمان) الى سبعة شركات يطلق عليها الأخوات السبعة وهي: شركة نفط نيوجيرسي القياسية, شركة نفط نيويورك القياسية, شركة نفط كاليفورنيا القياسية, شركة نفط تكساكو, شركة نفط الخليج, شركة نفط رويال داتش شيل, شركة النفط البريطانية-الفارسية(BP) و شركات فرعية حيث بلغ مجموعها بالإضافة الى الأخوات السبعة ٣٣ شركة.


إن شركات نفط روكفلر اندمجت مع بعضها وافترقت وغيرت أسمائها عدة مرات واستمرت سيطرة جون روكفلر عليها حيث كان يمتلك حصصا في أسهم جميع تلك الشركات من خلال صناديق ائتمانية(Trust Fund) حيث ازدادت ثروة روكفلر حتى وصلت قبل وفاته سنة ١٩٣٧ الى مايزيد عن ٣٣ مليار دولار.


استفادت شركات نفط روكفلر من الحرب العالمية الأولى حيث احتكرت صادرات النفط الى دول الحلفاء وحققت أرباحا هائلة. كما أن شركة نفط نيويورك القياسية و شركة نفط نيوجيرسي القياسية ساهمت في دعم مجهودات حرب ألمانيا النازية خصوصا صناعة الغازات السامة والنفط الصناعي ولم يكن من الممكن استمرار هتلر في الحرب كل تلك السنين بدون مساعدة أسرة روكفلر. شركات النفط الأمريكية التي تسيطر عليها أسرة روكفلر قامت بشراء جميع براءات إختراع السيارات الكهربائية و الترام الكهربائي والهدف تشجيع إنتاج السيارات التي تعمل على الوقود السائل(البنزين) وحاولت من خلال السيطرة على وسائل الإعلام إلغاء السيارات الكهربائية من ذاكرة الأمريكيين رغم أنها كانت موجودة وتعمل في عشرينيات القرن العشرين.


كان جون روكفلر متبرعا كريما للغاية ولكن تلك التبرعات كانت تخدم مصالحه والنخبة الأمريكية في تأسيس النظام العالمي الجديد. تبرعات جون روكفلر ساهمت في بناء جامعة شيكاغو التي عمل فيها الاقتصادي ميلتون فريدمان المدافع الشرس عن الرأسمالية ومجلس العلاقات الخارجية وغيرها من المؤسسات التي تخدم مصالح النخبة من الأثرياء والنظام العالمي الجديد. مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر كان أحد أهم الأعضاء في مجلس العلاقات الخارجية ويعتبر رجل أسرة روكفلر وأحد المقربين إليهم. ولكن هناك معلومة خاطئة شائعة لابد من التنويه إليها وهي أن جون دافيسون روكفلر تبرع بقطعة أرض يمتلكها في مدينة نيويورك حيث بناء الأمم المتحدة ولكنه توفي سنة ١٩٣٧ ولعل المتبرع أحد أبنائه جون روكفلر(الإبن).


مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية


النهاية

Wednesday, October 26, 2022

بنوك وول ستريت هي العامل المشترك في جميع الأزمات والحروب العالمية

الحقيقة أنه لو رفعت حجرا في الصحراء, سوف تجد أحد بنوك وول ستريت موجودا هناك. بنوك وول ستريت موَّلت ثورة أكتوبر/١٩١٧ البلشفية في روسيا القيصرية, الحركة الفاشية و الزعيم الإيطالي بينيتو موسوليني,, المستشار الألماني أدولف هتلر والحركة النازية, الحرب العالمية الأولى, الحرب العالمية الثانية, إنقلاب سنة ١٩٥٣م ضد رئيس وزراء إيران محمد مصدق, حرب رمضان ١٩٧٣م, سقوط شاه إيران محمد رضا بهلوي سنة ١٩٧٩م, الحرب العراقية-الإيرانية(١٩٨٠-١٩٨٩), الحرب الأهلية اليوغسلافية(١٩٩٠-١٩٩٥), أزمة الكساد العظيم(١٩٢٩-١٩٣٣), أزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة(٢٠٠٧-٢٠٠٩) وغير ذلك الكثير مما كشفت وما سوف تكشف عنه الأيام.

بنوك وول ستريت التي تسيطر عليها الأسر اليهودية المصرفية الثرية هي التي ساهمت في تأسيس البنك المركزي الأمريكي, بنك الاحتياطي الفيدرالي سنة ١٩١٣م. الحرب العالمية الأولى بدأت أحداثها سنة ١٩١٤م بقيام غافريلو برينسيب وهو من صرب البوسنة باغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند مع زوجته في سراييفو. القاتل كان ينتمي الى منظمة قومية صربية هي اليد السوداء من الممكن أنَّ لها إرتباطات مشبوهة مع المخابرات البريطانية. جون بيربونت مورجان(جي بي مورغان) مصرفي يهودي أمريكي من أصول بريطانية وجدت لجنة تحقيق من الكونغرس الأمريكي(Pujo Committee) سنة ١٩١٣م أنه يملك أسهما من الباطن في ١١٢ شركة أمريكية قيمتها ٢٢.٥ مليار دولار تقريبا. بنك جي بي مورغان تشيس يصنَّفُ حاليا أكبر بنك في الولايات المتحدة الأمريكية.

جي بي مورغان الإبن أكمل مسيرة الأب ونجح في أن يصبح وكيل الحكومة البريطانية في شراء الأسلحة والمعدات والذخائر من الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الأولى حيث حقَّقَ أرباحا هائلة. كما لعب دورا مهما في إقناع الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى حيث كان الكفَّة ترجح الى الجانب الألماني الأمر الذي أقلق مورغان الإبن حيث كانت خسارة دول الحلفاء الحرب تعني خسارته الأموال التي أقرضها الى تلك الدول خصوصا بريطانيا. بنك جي بي مورغان تشايس الذي يعتبر أكبر بنك في الولايات المتحدة بإجمالي أصول يزيد عن ٢ تريليون دولار هو نتيجة عملية إندماج بين بنك جي بي مورغان و بنك تشايس مانهاتن.

أسرة روكفلر وهي من أكثر الأسرة اليهودية الثرية شهرة في التاريخ حيث استمدوا شهرتهم من عمل مؤسس الأسرة جون دافيسون روكفلر الأب في مجال النفط حيث أصبحت ستاندرد أويل أكبر شركة في الولايات المتحدة. كانت شركة ستاندرد أويل كانت تمتلك سنة ١٨٧٩م عشرين ألف بئر, اربعة آلاف ميل من خطوط الأنابيب, خمسة آلاف صهريج نقل, مائة وخمسون ألف موظف, ٤٨ حقلا, ٩ أحواض ويسيطر على ٩٠% من صناعة النفط الأمريكية. روكفلر الأب هو أول ملياردير في تاريخ الولايات المتحدة وحين توفي سنة ١٩٣٧م, وصلت تقديرات ثروته الى ٤٠٠ مليار دولار.

الدور الذي لعبه جون روكفلر الأب في الحروب والأزمات لا يقل أهمية عن آل مورغان. بنك تشيس مانهاتن كان يمثل مصالح عائلة روكفلر في الولايات المتحدة حيث كانت الأسرة من كبار المساهمين في البنك. ديفيد روكفلر وهو حفيد جون روكفلر سام مع صديقه هنري كيسنجر في إقناع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر السماح للشاه محمد رضا بهلوي العلاج في الولايات المتحدة على الرغم من أن تقارير الأمنية تشير بوضوح الى أنَّ ذلك سوف يؤدي الى إقتحام السفارة الأمريكية في طهران وأزمة الرهائن. بنك تشيس مانهاتن كان هو البنك الذي كان شاه إيران محمد رضا بهلوي يقوم بإيداع حصيلة مبيعات النفط الإيراني وهو يعتبر بنك الحكومة الإيرانية في الولايات المتحدة. حادثة إقتحام السفارة الأمريكية في طهران بإعلان إيران دولة عدوة للولايات المتحدة وبالتالي سمحت للبنك بمصادرة أموال الحكومة الإيرانية بذريعة سداد الديون المترتبة عليها.

ديفيد روكفلر ساهم في تأسيس اللجنة الثلاثية التي تدور حولها الكثير من الإشاعات ونظرية المؤامرة أنها تحاول تأسيس حكومة عالمية. جون روكفلر الأب هو مؤسس جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة التي ارتبطت بما يسمى مدرسة شيكاغو الاقتصادية التي تقوم على المبادئ الاقتصادية النيوليبرالية التي وضع أبجدياتها الاقتصادي ميلتون فريدمان. الاتهامات تلاحق ديفيد روكفلر بسبب تعاونه مع ديكتاتوريات دموية مثل أوغستو بينوشيه في تشيلي حيث عمل تلاميذ مدرسة شيكاغو مستشارين اقتصاديين. شركة ستاندرد أويل كانت تعتبر أكبر شركة إحتكارية في الولايات المتحدة والعالم حيث كان جون روكفلر الأب لا يتردَّدُ في تحطيم المنافسين سواء من خلال حرب الأسعار أو الإستحواذ عليهم بأسعار بخسة.

إنَّ سبب ٩٠% من أزمات وحروب العالم وبلا مبالغة يمكن التصريح بأنه النفط وآل روكفر هم ملوك الذهب الأسود. سنة ١٩١١م تم تفكيك شركة ستاندرد أويل إلى ٧ شركات بعد شكوى تم تقديمها الى الجهات المختصة في الولايات المتحدة بأن الشركة تمارس الاحتكار وأنها بذلك تخالف قانون (قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار). الشركات السبعة هي على التوالي: Texaco, Mobil, Exxon, Chevron, Gulf Oil, British Petroleum, Shell, حيث لم يبقى منها حاليا سوى أربعة شركات هي: ExxonMobil, Shell, British Petroleum, Shell.

خلال الأزمة المالية العالمية ٢٠٠٨, قامت الحكومة الأمريكية بإنقاذ مجموعة من البنوك في وول ستريت التي تعتبرها "أكبر من أن تفشل" في محاولة من أجل منع إنهيار الإقتصاد الأمريكي والذي يعني إنهيار الإقتصاد العالمي. أكثر من ٧٠٠ مليار دولار من أموال دافعي الضرائب ذهبت الى جيوب البنوك التي خسرت أموال دافعي الضرائب في مضاربات في البورصة من خلال أدوات مالية مشبوهة, سرقة مزدوجة. بنك غولدمان ساكس هو على رأس قائمة البنوك التي تعتبرها الحكومة الأمريكية "أكبر من أن يفشل" وهو الهدف الرئيسي من عملية إنقاذ البنوك المتعثرة. ربما نصف أعضاء فريق باراك أوباما الرئاسي عملوا في السابق في ذلك البنك.

والآن في ختام الموضوع أرغب في أن أطرح سؤالاً, هل بقي هناك أي شك في دور بنوك وول ستريت والطغمة المالية اليهودية في افتعال الحروب والأزمات وذلك بهدف تحقيق الأرباح الطائلة, أم أن البعض سوف يعتقد أنها من نظريات المؤامرة؟

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Friday, July 22, 2022

قلم الرصاص, اليد الخفية والبنوك المركزية

في أحد التسجيلات المصورة, يتحدث عالم الإقتصاد الأمريكي ميلتون فريدمان عن نظام التسعير(تحديد الأسعار) ويعتبره أحد أهم مميزات النظام الرأسمالي. إنَّ الإستماع الى ذلك التسجيل يؤدي الى إستنتاج أن اليد الخفية هي البوصلة التي تقف وراء تحديد أسعار المواد الأولية الخام التي دخلت في صناعة منتج ما وبالتالي تحديد سعره النهائي. إن معرفة الأسعار أو التنبؤ بها هو أحد أهم الأركان التي يقوم عليها مبدأ اقتصاد السوق لأنَّ ذلك يجعل عملية التبادل ممكنة. ولكن المعرفة بالأسعار بحد ذاتها قائمة على التخمين وليس كما يظن البعض أنها تقوم على حسابات ومعادلات رياضية ثابتة. إنَّ أي نظام إقتصادي يسير وفق ألية معينة حتى لو كانت ثابتة ومتزنة, فإنه سوف يختل بمجرد تعرضه للضغوطات بفعل عوامل خارجية مهما كانت بسيطة.

إن البنوك المركزية تلعب دورا رئيسيا ومحوريا في التحكم بالأسعار صعودا أو هبوطا اعتمادا على المعطيات والبيانات الاقتصادية المتوفرة لديها بخصوص الحالة المستقبلية للاقتصاد المحلي والعالمي. إنَّ مدراء البنوك المركزية الذين يتولون مناصبهم عبر التعيين وليس الإنتخاب لا يعرفون حدودا في محاولتهم إخضاع الأسواق الى إرادتهم حتى لو كانوا يعلمون علم اليقين أن تأثير القرارات التي يتخذونها سلبيا وكارثية.

هناك مجموعة من المؤشرات الإقتصادية التي تراقبها البنوك المركزية بعناية في محاولة من أجل تطويع القرارات التي يتم اتخاذها بناء على تلك المؤشرات. إنخفاض نسبة البطالة وزيادة التضخم قد يدفعان البنوك المركزية إلى اتخاذ قرار برفع سعر الفائدة وبالتالي تجفيف الأسواق من السيولة, هذا من ناحية. أما من ناحية أخرى, فإن ارتفاع نسبة البطالة وانخفاض نسبة التضخم قد يدفعان البنوك المركزية إلى اتخاذ قرار بتخفيض سعر الفائدة وتقديم التسهيلات الإئتمانية وطباعة العملة فيما يعرف بالتيسير الكمي(Quantitative Easing). إنَّ نتائج تلك القرارات قد تعدُّ تعبيرا عن حالة مزيفة وليس عن الحالة الحقيقية للأسواق وينتج عنها فقاعات وأزمات اقتصادية. الحالة الأمريكية تعد نموذجا من الممكن دراسته خصوصا وأن تركيز الثروة عند المواطن الأمريكي العادي تكمن في مجالين: الأول هو العقارات, والثاني هو الأسهم. 

إن قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي بإتباع سياسة صفر فائدة لفترة زمنية طويلة إثر أزمة الرهون العقارية ٢٠٠٧-٢٠٠٨ قد أدى إلى تعزيز قدرة المواطن الأمريكي على شراء منزل بتسهيلات ائتمانية ميسرة مما أدى إلى إرتفاع أسعار العقارات. كما ان توفر قروض بشروط إئتمانية متساهلة قد شجع المستثمرين على المغامرة في سوق الأسهم مما أدى إلى إرتفاع حاد في قيمة الأسهم ومؤشرات البورصة. وعلينا أن لا ننسى أن أي مستثمر في العالم يبحث عن عائد مجزي استثماراته والتي يحتاج إلى توجيهها إلى مصارف أخرى في حالة كان السياسة النقدية تفرض سعر الفائدة المئوية هي صفر, وبالتالي فإنه ومن المنطقي أن تتجه تلك الأموال بدلا من إيداعها في حسابات بنكية إلى استثمارها في سوق الأسهم والعقارات بما يؤدي إلى المزيد من الارتفاع في الأسعار وهو غير حقيقي ولايعبِّرُ عن الحالة الحقيقية للسوق.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Friday, October 6, 2017

الأزمة الأخلاقية للنظام الإقتصادي العالمي

إن النظام الإقتصادي العالمي الذي تمثله الرأسمالية ومفاهيم كالخصخصة وتحرير التجارة وتركيز رؤوس الأموال في يد فئة قليلة من أصحاب البنوك والنخب الإقتصادية قد أدى بالعالم إلى حافة الإنهيار الإقتصادي والأخلاقي. كما أن الكثيرين قد ناقشوا الشق الأول بأدق التفاصيل إلا أن الشق الثاني يتم تجاهله بإستمرار لأنه في الحقيقة يفضح الجانب المظلم من ذالك النظام ويمكن تلخيصه بكلمة اللامساواة التي تمثل الجانب الأكثر ظلاما وبؤسا. إن الإقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي قد فضح ذالك الجانب المظلم بالأرقام والإحصائيات الأكثر دقة والتي لم تترك مجالا أو ثغرة لمنتقديه من المؤمنين بقدسية العدلة الإجتماعية التي يمثلها النظام المالي الحالي. وليكن معلوما أن ملخص مايمكن أن نفهمه من قرائة ذالك الكتاب, "رأس المال في القرن الواحد والعشرين," هو إنتقال الحديث عن سيطرة 1% على حجم يزيد عن 50% من حجم الإقتصاد العالمي ورأس المال القومي في عدد كبير من الدول خصوصا في الولايات المتحدة إلى سيطرة 0.1% على أكثر من نصف حجم رؤوس الأموال وحركة التجارة حول العالم. توماس بيكيتي قد ذكر في كتابه أنه مع مرور الوقت وإزدياد تركيز رؤوس الأموال والثروات في فئة 10% من السكان فإن 1% أصبحت تمتلك أكثر من نسبة 9% المتبقية ومع مرور المزيد من الوقت فإن نسبة 0.1% أصبحت تمتلك ثروات ورؤوس أموال تزيد عن 9.99% وعن باقي نسبة 90% من السكان وذالك ينطبق على مستوى العالم كما أنه ينطبق على المستوى المحلي في أي بلد حول العالم مع إختلافات طفيفة متعلقة بأسباب يطول ذكرها في هاذا الموضوع حيث يمكن الإطلاع عليها بمراجعة الكتاب المذكور لمن لديه جلد وصبر على قرائة مئات الصفحات المليئة بالإحصائيات والأرقام والجداول الإقتصادية.
ولن أكون عادلا إن لم أنوه إلى إنجازات الرأسمالية  فتاريخا مليئ بالإنجازات خصوصا وأنني هنا أتحدث عن رأسمالية مدرسة شيكاغو الإقتصادية(فتيان شيكاغو) والذي يعد الإقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان أحد أهم رموزها ولا أتحدث عن رأسمالية أدم سميث مؤسس علم الإقتصاد السياسي, حيث قدم أفكاره ورؤيته من خلال كتابه الشهير "ثروة الأمم," الذي تمثلت من خلاله بداية ملامح وقواعد النظام الرأسمالي. إن المؤيدين لمدرسة شيكاغو الإقتصادية والتي تمثل المذهب الإقتصادي الرأسمالي-النيوليبرالي يتسابقون في ظهوراتهم في وسائل الإعلام المتنوعة على تكرار الإسطوانة المعتادة أنه يعود الفضل للنظام لإقتصادي-الرأسمالي النيوليبرالي في أن يشبع الفقراء رغيف الخبز وأن ذالك هو قمة الإنجاز. وبإستخدام لغة أكثر حداثة فإن ذالك مايطلق عليه, "حد الكفاف-Subsistence Level," هو حلم الفقراء في الجنة النيوليبرالية, أن لا يموتوا جوعا, البقاء على قيد الحياة هو إنجاز بحد ذاته. ميلتون فريدمان ظهر في فيديو مشهور له وهو يختصر الإعجاز الرأسمالي في نظام التسعير لقلم الرصاص. إن النقاش حول مسألة نظام التسعير(Pricing System) الذي وصفه فريدمان بالسحري ليس هو مايجب التركيز عليه بل العواقب الأخلاقية لذالك النظام, فالإستماع إلى شخص يكيل المديح لأحد أسوأ أوجه الرأسمالية-النيوليبرالية ليس إلا مضيعة للوقت فتحقيق الإستفادة القصوى من الوقت المبذول بهدف التعمق في فهم مدرسة شيكاغو الإقتصادية ومبادئها يجب أن يتركز على الجانب الأخلاقي المتأكل بإستمرار بفضل نظام إقتصادي يعتمد تحقيق أقصى قدر ممكن من الأرباح. إن القائمين على الترويج لتلك النوعية من السياسات الإقتصادية الخالية من أي إعتبارات أخلاقية يشبهون من يقوم بالترويج لدواء أعراضه الجانبية أسوأ وأشد وطأة من المرض الذي يفترض بذالك الدواء علاجه. في عالم الرأسمالية-النيوليبرالية فذالك يدعى فن الدعاية والإعلان أو التسويق.
إن هناك عدد كبير من العواقب الأخلاقية التي يتم تجاهلها للنظام الإقتصادي النيوليبرالي الذي يركز على الربحية الفاحشة وذالك عند أي نقاش حول إنعدام اللامساوة في ظل ذالك النظام. فعلى سبيل المثال, دولة تشيلي خلال فترة حكم الجينرال أوغيستو بينوشيه أو الأرجنتين خلال فترة حكم اللجنة العسكرية التي ترأسها الجينرال جورجي فيديلا(Jorge Rafael Videla) تعدان من أوائل حقول التجارب لمدرسة فتيان شيكاغو الإقتصادية. إن دولة تشيلي حيث أطاح الإنقلاب العسكري برئيسها المنتخب ديمقراطيا سيلفادور الليندي على هامش الحرب الباردة كانت حقل التجارب الأول الذي تم فيه منح ميلتون فريدمان وتلاميذه صلاحيات مطلقة في رسم السياسات الإقتصادية. والحقيقة ان سلفادور الليندي لم يكن له علاقة بالشيوعية والسياسات الإقتصادية التي قام على تطبيقها وكثير من بلدان أمريكا اللاتينية هي أقرب للمدرسة الكينزية منها للنموذج الإقتصادي الشيوعي. ولكن نجاح سياسات سيلفادور الليندي الإقتصادية والشعبية التي إكتسبها بسبب تلك السياسات  قد هدد موقع الولايات المتحدة في القارة اللاتينية حيث  بدأت قطاعات واسعة من الجماهير تتطلع إلى دولة تشيلي كقدوة إقتصادية. كما أن الأرجنتين إتبعت سياسات إقتصادية مماثلة لدولة تشيلي وحققت نجاحا كبيرا في ردم الهوة الإقتصادية وتخفيض مستوى اللامساواة فتم التعامل معها بطريقة مماثلة, إنقلاب عسكري دموي. إن العناصر المشتركة المتوفرة التي تتبين لأي باحث قام على دراسة دولتي تشيلي والأرجنتين وماجرى إثر الإنقلابات العسكرية فيهما سوف لن تدع مجالا للشك التطابق المذهل في السياسات الإقتصادية مع مبادئ النيوليبرالية ومدرسة شيكاغو الإقتصادية خصوصا ما يتعلق بحل النقابات, تخفيض الأجور, خصخصة مؤسسات القطاع العام, زيادة نسبة البطالة بسبب تسريح عشرات الألاف من الموظفين وحالات الإختفاء القسرية التي بلغت حوالي 3 ألاف حالة في تشيلي وضعفها, أي 6 ألاف حالة في الأرجنتين حيث ترفع بعض التقديرات العدد إلى 30 ألف مواطن أرجنتيني.
إن ما سبق وذكرته عن دراسة الحالة في دولتي تشيلي والأرجنتين ينطبق على عدد كبير من البلدان مع بعض الفروق الثانوية كالكوارث الطبيعية التي من الممكن أن تستبدل الإنقلابات العسكرية وذالك وفق ما يسمى عقيدة الصدمة(The Shock Doctrine). ففي دولة سيريلانكا ودول أخرى تعرضت لكارثة التسونامي, حلت منتجعات وفنادق شاطئية فاخرة مكان قرى الصيادين بذريعة خلق منطقة أمنة بعيدة عن الشاطئ رغم أن تلك المنشئات السياحية تقع على الشاطئ مباشرة. بل وتم إستخدام أموال القروض والمساعدات في إنشاء البنية التحتية لتلك المنشئات السياحية الفاخرة بينما يدفع الفقراء فاتورة الديون وفوائدها عبر زيادة الضرائب التي يتم إعفاء الأثرياء منها بذريعة تشجيع الإستثمار والقطاع الخاص. تخيلوا أنه حتى في جزر المالديف, تم إخلاء سكان بعض الجزر بالقوة وإنتزاعهم من بيئتهم الطبيعية بذريعة الخطر الذي يشكله إرتفاع منسوب المياه على سلامتهم بفعل التغير المناخي وفي الوقت نفسه منح عقود تأجير طويلة المدى لتلك الجزر لشركات سياحية من أجل بناء فنادق ومنتجعات فاخرة. إن كل تلك الممارسات يتم تبريرها أخلاقيا بفعل نفس الدعاية المضللة التي تستطيع أن تقنع الكثيرين أن إستخدام الفاكهة والخضار في صناعة الشامبويات ومواد التنظيف عمل أخلاقي بدلا من إطعام الجائعين. ونفس تلك الدعاية المضللة يتم بواسطتها تبرير إتلاف كميات هائلة من المواد الغذائية خصوصا القمح عبر رميها في المحيطات بدلا من تقديمها لبلدان تعاني من المجاعة خصوصا في أفريقيا. سكان الشواطئ في سيريلانكا تم حرمانهم من مصدر رزقهم الوحيد فإنضم كثير منهم لمتمردي التاميل فالموت برصاص الجيش أو الموت جوعا سيان بالنسبة لهم. أما سكان جزر المالديف الذين تم إنتزاعهم من اماكن سكنوها وأجدادهم من قبلهم, فقد تم نقلهم لمناطق أخرى بدون بنية تحتية وتفتقر لأبسط مقومات الحياة.
إن الرأسمالية بشكل عام والنيوليبرالية بشكل خاص ليست من الطبيعة البشرية وتعريض مفهوم العلاقات الإنسانية لمبدأ الربح والخسارة تصرف غير مقبول ولايمكن تبريره من الناحية الأخلاقية. إن إنتشار الأمراض والمجاعة والفقر وإنعدام اللامساواة في العالم أمر لا يمكن القبول به بعد إنكشاف الدعاية المضللة بأنه مبدأ "دعه يعمل, دعه يمر" أو "laissez faire" لأدم سميث سوف يقوم على خلق حالة إقتصادية يتم فيها توزيع فوائض الأرباح على قطاعات واسعة من السكان بدلا من إحتكارها من قبل الأقلية منهم. فكيف نقوم على تبرير المجاعة في دول أفريقية عديدة وكميات مهولة من الحبوب تكفي لإصابة سكان أفريقيا بالتخمة يلقى بها في البحر أو كميات بألاف الأطنان من الخضار والفواكه يتم إتلافها بدلا التبرع بها للفقراء وذالك بذريعة المحافظة على مستويات سعرية معينة. أو كيف يمكن تبرير الإستمرار بالدعاية والترويج لخرافة الوقود الحيوي أو (الإيثانول-85) على الرغم من إستهلاك زراعة المحاصيل المستخدمة في إنتاج ذالك الوقود لمساحات شاسعة من الأراضي التي كانت يمكن إستخدام تلك المحاصيل لإطعام الجائعين حول العالم. إن المشكلة التي يعاني منها النظام الرأسمالي ليست متعلقة بالتوزيع أو الإنتاج بل هي مشكلة أخلاقية أولا وأخيرا. إن الأزمات الإقتصادية التي يعاني منها ذالك النظام المهترئ تبطل عمل مبدأ "laissez faire" فهي لا تعمل ومع ذالك يتم السماح لها بالمرور لتخلق أزمات إقتصادية اكبر من سابقاتها وذالك ليس بمسؤولية أدم سميث حيث تمت إسائة إستخدام كتاباته كحائط صد في وجة مزاعم بأن النيوليبرالية تتألف من مجموعة مبادئ قادرة على خلق حالة إقتصادية أقرب للمثالية. تخيلوا أن جواهر لا نهرو ذكر في كتابه, "لمحات من تاريخ العالم", أنه في الفترة بين يونيو\1931 و فبراير\1933 أحرق 14 مليون كيس من البن بما يعادل 132 رطلا للكيس الواحد, مليار وثمانمائة مليون رطل من القهوة بما يزيد عن حاجة كافة سكان العالم لو منحنا كل واحد منهم رطلا من القهوة. وذكر أيضا أن الأزمة الإقتصادية سنة 1929-1933 أدت إلى تضرر القطاع الزراعي وإفلاس المزارعين الذين أصبحوا جياعا وبلا مأوى بعد أن تمت مصادرة أراضيهم ومنازلهم بسبب عدم قدرتهم على سداد قروضهم نتيجة إنخفاض أسعار المحاصيل الزراعية بما لا يكفي حتى لسداد إيجار الأراضي التي يزرعونها. إن كل ما سبق وذكرته هو نتيجة حتمية لإقتصاد بدون أخلاق حيث يتم تقديم التبريرات لمبادئ إقتصادية لا إنسانية تعمل وفق مبدأ الربح الفاحش ونظرية الصدمة بينما في الوقت نفسه تستخدم مبادئ "laissez faire", "دعه يعمل, دعه يمر" وتقسيم العمل في محاولة لخلق صورة إنسانية لنظام إقتصادي جوهره لا إنساني.

النهاية