Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label جون كينيدي. Show all posts
Showing posts with label جون كينيدي. Show all posts

Sunday, June 15, 2025

المرابين الدوليين, النظام العالمي الجديد وإعادة كتابة التاريخ

إنهيار الإتحاد السوفياتي نهاية تسعينيات القرن العشرين كان بمثابة إعلان نهاية الحرب الباردة, نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة, إعادة كتابة التاريخ من النخبة الأوليغارشية من المصرفيين والمرابيين الدوليين وبداية تأسيس نظام عالمي جديد. إن محاولة فهم الأحداث وتحليلها يتطلب إعادة قراءة مابين سطور التاريخ حيث تقف البشرية أمام نقطة محورية مهمة حيث جميع تلك الأحداث في المجالات الإجتماعية, الإقتصادية والسياسية تتحكم فيها مجموعة من النخبة هم من يطلق عليهم أباطرة المال أو المرابين(المصرفيين) الدوليين. إنَّ أحد أهم أهداف تلك المجموعة هو تحطيم الأديان لأنه ليس هناك دين يدعو الى عبادة الله والمال بإستثناء اليهودية التلمودية التي تعادي كل من يقف في طريق تحقيق مصالحها وهيمنتها العالمية.


اليهودية التلمودية والجمع بين عبادة الرب والمال نشأت في الممالك البابلية والكلدانية حيث تواجد يهود المنفى وحيث كانت هناك كما يرى بعض المؤرخين ممارسات مصرفية متطورة تعلمها وأتقنها اليهود الذي كان من المحظور عليهم العمل في الكثير من المهن والأعمال باستثناء المجال المالي والمصرفي.البشرية ومنذ بدء الخليقة وضعت أمام خيارين متعارضين تماما, أول عبادة الله بينما الثاني عبادة المال ولا يمكن الجمع بين الخيارين. اليهودية التلمودية هي الديانة الوحيدة التي جمعت بينهما وبالتالي قام بتأسيس مبدأ أنه بالإمكان عبادة الرب والثراء. إن ذلك واضح في النصوص الدينية في التوراة والتلمود حيث صنع اليهود العجل الذهبي وعبدوه وخالفوا بذلك أوامر الرب ونبي الله موسى وأثاروا الغضب عليهم. كما أن عيسى عليه السلام رفض تلك الممارسات ودخل الى مبنى الهيكل وقلب طاولات الصيارفة وباعة الحمام وأخبرهم غاضبا "إن ذلك منزل أبي جعلتموه مغارة لصوص" وكانت النتيجة محاولة قتله في أكثر من مناسبة وصولا الى القبض عليه وصلبه.


ولو استمرينا في محاولة إعادة قراءة التاريخ وصولا الى مرحلة ظهور الإسلام في منطقة شبه الجزيرة العربية, سوف نجد أن ممارسة الربا(الإقراض مقابل الفائدة) كانت أمرا شائعا واحتكار يهوديا وكان اليهود يقاومون محاولات منافستهم في ذلك. إن معاداة اليهود الرسول محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم سببها الرئيسي أن الوحي الإلهي كان يحتوي على تشريعات تحرم الفائدة وبالتالي تتعارض مع مصالح اليهود المالية. إن طرح التساؤلات حول تلك المرحلة التاريخية أمر مهم للغاية على الرغم من أن جوانب كثيرة منها بقيت مجهولة الى يومنا هذا. يهود مكة ربما كانوا مسؤولين عن تمويل قوافل رحلة الشتاء والصيف لأنهم كانوا الجهة الوحيدة التي تحتكر التعامل بالفائدة و الإقراض الربوي والتجارة مجال عملهم الرئيسي وكانوا يعملون على القضاء على جميع المنافسين.


هناك ملاحظة مهمة ورد ذكرها في كتاب البروفيسور الروسي فالنتين كاتاسونوف "نهب على الطريقة اليهودية" وهي أن جماعة فرسان الهيكل كانت تمارس إقراض المال مقابل نسبة فائدة أقل من تلك التي يقدمها اليهود. إن مصير فرسان الهيكل ونهايتهم المروعة تحدث الكثير من المؤرخين عنها وعن الاتهامات المشكوك فيها بأنهم من عبدة الشيطان وضد المسيحية. إن ما كان يقوم به فرسان الهيكل من نقل الأموال وإعطاء إيصالات يقبض بموجبها التاجر ماله من مكان أخر أو دولة أخرى يعتبر نوعا من أنواع العمل المصرفي المبكر أو شكلا بدائيا للمصارف.


المرابين الدوليين نجحوا في التغلغل في الكنيسة الكاثوليكية خصوصا مع بداية الحملات الصليبية التي يعتبرها المؤرخون أول مراحل التراكم الرأسمالي الأولي فقد حصلوا على ثروات المشرق وكنوزه الهائلة وفتحت أعينهم على محاولة استكشاف طرق تجارية بديلة عن تلك التي كان المسلمون يسيطرون عليها وبالتالي يهددون احتكارات أولئك المرابين. الكنيسة الكاثوليكية مع مرور الوقت وقبول التوراة بوصفها أحد أجزاء الكتاب المقدس, قبلت بالربا الذي أصبح أمرا شرعيا في الدين المسيحي. كما أن المسيحية البروتستانتية خلال المرحلة التي أعقبت الانشقاق الكنسي الذي قام به الراهب الألماني مارتن لوثر أصبحت تصرح بأن الإنسان يخدم الله من خلال الثراء وأن الله خلق الفقر والغنى وأن التناقض في الحياة أمر طبيعي ومن قدرة الخالق.


إن المرحلة التي أعقبت الحروب الصليبية شهدت ظهور أول البنوك التي كانت تتعامل بالفائدة والقروض في البندقية, جنوه وفلورنسا والتي تطورت من شركات تأمين على سفن الرحلات التجارية البحرية الى مصارف تقدم القروض مقابل فائدة. وقد تحولت تلك المصارف مع مرور الوقت الى فكرة البنوك المركزية. إن ثورات البرجوازية المصرفية في بريطانيا ساهمت في تأسيس بنك إنجلترا المركزي حيث انطلقت الثورة الصناعية وفي فرنسا ولاحقا في الولايات المتحدة حيث تم تأسيس البنك المركزي الأول والثاني ومن ثم بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي يعتبر متحكما في الإقتصاد العالمي من خلال قرارات رفع الفائدة أو تخفيضها مما يؤدي الى زيادة أو انكماش السيولة في الأسواق المالية الدولية. إن بنك الإحتياطي الفيدرالي وجد حتى يستمر ويبقى وأي محاولات في سبيل إنهاء دوره أو تقييد صلاحياته تقابل برد فعل معادي وعنيف ومصير رؤساء الولايات المتحدة ابراهام لينكولن و جون كينيدي مثال على ذلك.


دمتم بخير وعافية


عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة


الوطن أو الموت


النهاية


Monday, November 25, 2024

الغلاديو

شاهدت مؤخرا فيلمين الأحداث مبنية على قصة حقيقية وأنا أحاول مشاهدة تلك النوعية من الأفلام كلما سنحت لي الفرصة. الفيلم الأول " Vice"  يحكي عن ديك تشيني الذي شغل عدة مناصب أهمها نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن, الفيلم الثاني "Rendition" يحكي قصة مقيم مصري في الولايات المتحدة تعرض الى الإختطاف والترحيل القسري الى بلد آخر أعتقد أنه أحد دول المغرب العربي حيث تعرض للاستجواب بطرق عنيفة للغاية. نصيحتي للجميع بمشاهدة الفيلمين ليس فقط لأنهما يحكيان قصة حقيقية ولكن لأنهما يفضحان تفاصيل تورط الحكومة الأمريكية ومسؤولين أمريكيين في الحرب على الإرهاب واختطاف واعتقال مواطنين أمريكيين خارج إطار القانون وترحيلهم الى بلدان أخرى وتعريضهم للتعذيب.


لم أشعر بالتفائل عند الإعلان عن فوز باراك أوباما في إنتخابات ٢٠٠٨ الرئاسية والسبب أنه أول رئيس أمريكي أسود وبالتالي سوف يكون لديه شيك سياسي على بياض حتى يفعل مايريد. باراك أوباما تصرف مثله مثل جميع الرؤساء الأمريكيين أقرب الى رئيس عصابة منه الى رئيس دولة. الرئيس الأمريكي جون كينيدي كان ما يمكن أن نصفه بأنه اخر الرؤساء المحترمين. باراك أوباما قام بهدوء وبدون إثارة إعلامية على ترحيل أعداد من مخالفي الإقامة يزيد عن الذين قام أو حاول  دونالد ترامب خلال فترة رئاسته الأولى ترحيلهم. ولكن الإعلام أقام القيامة على الأخير لأسباب المنافسة السياسية. باراك أوباما أصدر أوامر إعدام ضد مواطنين أمريكيين بدون محاكمة أو بدون الحق في الدفاع عن أنفسهم. وقامت طائرات بدون طيار بإغتيال أنور العولقي في اليمن بتهمة الإرهاب ولاحقا إغتالت ابنه المراهق الذي لم يتجاوز ستة عشرة عاما.


وبالعودة الى قصة الفيلمين " Vice" و " Rendition" حيث يتصرف الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن ليس بصفته رئيس دولة ولكن رئيس عصابة مافيا ونائب الرئيس ديك تشيني و وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أعضاء في عصابة المافيا يخالفون الدستور الأمريكي وينتهكون حقوق المواطنين الأمريكيين ويمارسون الإعتقال والقتل خارج إطار القانون. جورج بوش الإبن وعصابته المافيوية ومن خلال التلاعب بالألفاظ والقانون سمحوا لأنفسهم من خلال إطلاق وصف" المقاتلين الأعداء-Enemy Combatant" على أشخاص تعتقلهم الولايات المتحدة خارج إطار القانون وفي أماكن خارج الولايات المتحدة مثل معتقل غوانتانامو وفي ظروف غير إنسانية. أساليب التعذيب الغير قانونية تماما تحولت الى "Enhanced Interrogation Techniques" وأصبحت قانونية بعد تلميعها من خلال تغيير المسمى. إن تلك الأساليب تشمل الإغراق بالماء والحبس في أماكن ضيقة أو أقفاص حيوانات في حرارة الشمس والتعذيب بإستخدام الكهرباء.


الولايات المتحدة وبعد أن قامت بغزو العراق ولم تجد أسلحة الدمار الشامل وأعلنت أنها سوف تعمل على نشر الديمقراطية. الغزو الأمريكي للعراق سنة ٢٠٠٣ ومن قبله الحصار الاقتصادي والعقوبات أدت الى مقتل او وفاة أكثر من مليون عراقي نصفهم من الأطفال. كما أن استخدام أسلحة الدمار الشامل في العراق أدى الى ولادات مشوهة الى يومنا هذا. وعلينا أن لا ننسى السجون الديمقراطية الأمريكية خمس نجوم في العراق خصوصا معتقل أبو غريب  وسجن مطار بغداد و معتقل بوكا حيث تخرج كبار قادة التنظيمات الإرهابية العراقية وحيث إنتهاكات حقوق المعتقلين وإغتصاب نسائهم أمامهم من أجل إنتزاع إعترافاتهم. أفغانستان ليست أفضل حالا من العراق نفس التصرفات المافيوية والسجون مع إختلاف الأسماء.


هناك متلازمة الإرهاب-الولايات المتحدة حيث تمارس إرهاب الدولة ويمكن إعتبار الولايات المتحدة دولة فاشلة لأنها عجزت أو لم ترغب في حماية مواطنيها من تغول المجمع الاستخباراتي-الأمني وانتهاك حقوق المواطنين وحتى قتلهم بدون محاكمة. التنظيمات التي يصفها الإعلام الأمريكي بأنها إرهابية إسلامية مثل القاعدة, قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين, داعش, جبهة النصرة, الجيش السوري الحر, تنظيم خراسان وغيرها ظهرت بعد تدخل القوات الأمريكية في العراق و سوريا وكانت تتلقى السلاح والتمويل من خلال شركات خدمات أمنية خاصة تعمل على تجنيد المرتزقة وتجار سلاح يعملون بمباركة الحكومة الأمريكية ومعرفتها الدقيقة بتفاصيل عملهم. إن تلك التنظيمات ليست عبارة إلا عن غلاديوهات جمع كلمة (غلاديو) وهو تنظيم سري يتبع تحالف الناتو ويعمل في دول القارة الأوروبية خصوصا الغربية على تنفيذ عمليات اغتيال تحت مسمى تنظيمات شيوعية ويسارية.


إن تغيير المسميات لا يعني تغيير الأهداف أو طبيعة تلك التنظيمات. وقد كان هناك تنظيم غلاديو في نيكاراغوا يعمل تحت مسمى (الكونترا) وكانت هناك قضية  كبيرة في وسائل الإعلام الأمريكية بعد أن فضح صحفي أمريكي غاري ويب تورط وكالة المخابرات المركزية(سي آي إيه), المباحث الفيدرالية الأمريكية(إف بي أي) و وكالة مكافحة المخدرات(دي إي أيه) في التعامل مع تنظيم الكونترا وتجارة المخدرات. الصحفي غاري ويب إنتحر بإطلاق رصاصتين أو ثلاثة رصاصات على رأسه وبعد ذلك أحرق منزله عمدا. تنظيم الكونترا كان يقوم بأفعال التنظيمات الإرهابية الأخرى التي تتخفى خلف صفة الإسلام والجهاد, قطع رؤوس المدنيين والهجوم على القرى والبلدات المعزولة وزرع سيارات مفخخة في أماكن حيوية مدنية وقتل مئات المدنيين. شركة تجنيد المرتزقة (الملحمة تاكتيك) التي يديرها مرتزق من قومية الإيغور في الصين تقوم على تجنيد المرتزقة للقتال في سوريا والعراق وربما مستقبلا في الصين وهي مقابل شركة بلاك ووتر الأمريكية التي تديرها وتشرف على عملها ولو بطريقة غير مباشرة. شركة (الملحمة تاكتيك) تعتبر مدير الموارد البشرية التي تعمل مع الغلاديوهات الإرهابية على اختلاف مسمياتها.


مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والمعرفة


النهاية

Friday, October 14, 2022

هل بدأ العد التنازلي لإنهيار النظام المالي العالمي؟(٣)

الدول الأوروبية بدأت في مطلع الستينيات في الشعور بالقلق من قيام الولايات المتحدة بطباعة الدولار الأمريكي بوتيرة متزايدة وبدون تغطية كافية من الذهب بسبب الحاجة الى تغطية نفقات حرب فيتنام وخطة التنمية الاقتصادية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي ليندون جونسون والتي عرفت بخطة المسدس والزبدة(Guns & Butter). الرئيس الفرنسي شارل ديغول انتقد الولايات المتحدة بسبب ذلك في خطاب ألقاه في فبراير/١٩٦٥ على شاشة التلفزيون الفرنسي. وقد كانت الدول الأوروبية قد بدأت في النهوض اقتصاديا خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وبدأ الميزان التجاري بينها وبين الولايات المتحدة في الجنوح نحو الدول الأوروبية التي تراكمت لديها نتيجة ذلك احتياطيات ضخمة من الدولار الأمريكي. وسنة ١٩٦٥م طالبت فرنسا الولايات المتحدة مبادلة كميات من الدولار مقابل الذهب وفق بنود إتفاقية بريتون وودز وكان ذلك سببا رئيسيا في سقوطه سنة ١٩٦٩م فقد بدأت دول أوروبية أخرى في مطالبة الولايات المتحدة العمل وفق بنود إتفاقية بريتون-وودز ومبادلة الدولار مقابل الذهب.

الولايات المتحدة لم تقف موقف المتفرج على ما كانت تعتبره حربا اقتصادية ضدها وإستنزاف احتياطيها من الذهب. الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أعلن سنة ١٩٧١م إيقاف مبادلة الدولار الأمريكي مقابل الذهب بما يعني عمليا إيقاف العمل بإتفاقية بريتون وودز و تعويم الدولار الأمريكي أمام العملات الأخرى في أسواق الصرف الدولية. وسنة ١٩٧٦م تم الإجهاز رسميا على اتفاقية بريتون وودز وذلك بالتوقيع على اتفاقية جامايكا والتي تم من خلالها الإتفاق على أسعار صرف العملات مقابل الدولار الأمريكي.

ولكن الولايات المتحدة أصبحت في حاجة إلى مخرج مناسب من أجل الحفاظ على عملتها التي أصبحت تصدر من الهواء بعد أن كانت نظريا تستند إلى تغطية ذهبية في إصدارها. وقد كانت الحل في إتفاقية البترودولار والتي كان عرابها مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر الذي عقد اتفاقا مع المملكة العربية السعودية ملخصه أن تبيع النفط حصريا مقابل الدولار مقابل تقديم الحماية الأمريكية إلى نظام الحكم وأولوية في الحصول على أحدث الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الأمريكية. المملكة العربية السعودية التي كانت الدولة الأولى في إنتاج النفط وبالتالي لديها القدرة على التأثير على أسعاره وقد أدى قرارها إلى التزام الدول الأخرى الأعضاء في منظمة أوبك بيع النفط مقابل الدولار الأمريكي حصريا وأي دولة كانت تخالف ذلك كان يتم التعامل معها من الولايات المتحدة بإسقاط نظامها من خلال الغزو العسكري المباشر كما حصل مع العراق أو من خلال مايعرف بالثورات الملونة أو النسخة الشرق الأوسطية وهي الربيع العربي كما حصل مع ليبيا.

إنَّ الولايات المتحدة لم تكن تعاني من مشكلة طباعة الدولار طالما كان نفوذها الإقتصادي يتوسع بإستمرار حيث هناك دائما المزيد من الأسواق التي يمكن أن تستوعب ذلك. وحاليا هناك عدد محدود من الأماكن التي يمكن من خلال التوسع في سيطرة ونفوذ الدولار الأمريكي مثل كوريا الشمالية, سوريا, إيران وربما المملكة العربية السعودية حيث بنوكها المركزية هي مؤسسات حكومية تخضع للقرارات التي تصدرها الحكومات التي بالتالي تتحكم في كمية النقد التي تصدرها تلك البنوك. ولكن الأزمة الإقتصادية سنة ٢٠٠٧م والتي أدت الى أزمة كساد لا زال العالم يعاني منها إلى يومنا هي عوارض أزمة حادة ومزمنة بدأ النظام المالي العالمي يعاني منها ويمكن إعتبار الديون هي جزء لا يتجزأ من تلك الازمة لأنه منذ اتفاقية جامايكا سنة ١٩٧٦م, لم يتم إيجاد بديل مقبول عن إتفاقية بريتون وودز وبالتالي ليس الدولار الأمريكي هو ماتم تعويمه بل الإقتصاد العالمي تم تعويمه على هرم من الديون دون أي بديل آخر مقبول. والحقيقة أن تلك الأزمة والتي يمكن اختصارها بالعثور على ذلك البديل لن يكون إيجاد حل لها من خلال طرق تفاوضية سلمية وتلك حقيقة تاريخية مثبتة والشاهد هو الأزمة السورية والحرب الروسية-الأوكرانية وحتى الإتفاق النووي مع إيران وأزمات أخرى يغرق بها العالم تنذر بقيام حرب عالمية ثالثة قد لا تبقى من الحضارة البشرية ولا تذر.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


هل بدأ العد التنازلي لإنهيار النظام المالي العالمي؟(٢)

البنك المركزي الأمريكي أو بنك الإحتياطي الفيدرالي الذي تم إنشائه سنة ١٩١٣م لم يكن أول محاولة من أجل إنشاء مؤسسات مماثلة في الولايات المتحدة بل سبقه إنشاء بنك الولايات المتحدة الأول سنة ١٧٩١م وبنك الولايات المتحدة الثاني سنة ١٨١٧م حيث بدأ ظهور الأزمات الاقتصادية وازدياد مستوى الدين العام الحكومي. ولعل مايميز بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عن غيره من البنوك المركزية هو أن تأثيره على مجريات الأحداث الاقتصادية عالمي يتجاوز حدود الولايات المتحدة والسبب هو الدولار الأمريكي ومركزه عملة احتياطي عالمي وهو أمر سوف يأتي ذكره لاحقا في الموضوع. ولعله محض صدفة أن الحرب العالمية الأولى قد بدأت سنة ١٩١٤م خلال سنة واحدة من إنشاء البنك.

إنَّ بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي هو مؤسسة خاصة ليس للحكومة الأمريكية أي سلطة فعلية عليها. وحتى يكون ذلك مفهوما أكثر, لابدَّ من أن أشرح بإختصار البنية الأساسية للبنك. هناك مجلس محافظين يتألف من سبعة أشخاص يقوم الرئيس الأمريكي بترشيحهم ويوافق على تعيينهم الكونغرس الأمريكي. وبينما ذلك قد يبدو من الظاهر أنَّ للحكومة الأمريكي سلطة سياسية على مجلس المحافظين للبنك إلا أنها سلطة إسمية تنتهي مع توقيع قرار تعيينهم رسميا. إنَّ عملية تعيينهم نفسها تحاظ بنوع من الغموض الإعلامي حيث من المحظور على الإعلام الحديث عن ذلك أو إطلاع العامة عليه. هناك إثني عشر مصرفا إقليميا يخضع لمجلس المحافظين حيث يمثِّل بنك الحتياطي الفيدرالي في نيويورك المقر الرئيسي الذي تصدر عنه القرارات الهامة ويراقب عمل فروع البنك الأخرى. كل فرع إقليمي للبنك يتألف مجلس إدارته من تسعة أشخاص, ثلاثة أشخاص ينتخبهم المصرفيون من بين العاملين في القطاع المصرفي وثلاثة آخرون يتم انتخابهم من خارج القطاع المصرفي, بينما الثلاثة الباقون يتم تعيينهم من مجلس المحافظين للبنك الاحتياطي الفيدرالي. الرئيس الأمريكي يعيِّن مدراء الفروع الإقليمية الإثني عشر للبنك من ممثلي النخب المالية بعد موافقة مجلس المحافظين عليهم ويمثلون المصالح الخاصة لتلك النخب.

إتفاقية بريتون وودز ١٩٤٤م تمثل علامة فارقة في تاريخ النظام المالي والاقتصادي العالمي حيث نجحت الولايات المتحدة في أن تفرض الدولار الأمريكي عملة احتياط عالمية ويعود ذلك إلى مجموعة أسباب. السبب الأول هو الولايات المتحدة خرجت من الحرب العالمية الثانية دولة عظمى وقوة عسكرية حيث بقيت بعيدة نسبيا عن تأثيرات الحرب خصوصا بنيتها التحتية والصناعية بقيت سليمة. بينما أوروبا تعرَّضت الى تدمير بنيتها التحتية ومؤسساتها ومصانعها حيث تم تسوية الكثير من مدنها بالأرض ولم يبقى فيها حجرٌ على حجر. السبب الثاني أن أوروبا كانت في حاجة الى أموال خطة مارشال الأمريكية لإعادة الإعمار. السبب الثالث هو أن الولايات المتحدة التي كانت دولة مدينة وتحولت الى دولة دائنة بعد الحرب وقد أصبح لديها أكبر إحتياطي ذهب في العالم لأنَّ عددا من الدول الأوروبية قد قامت بتهريب إحتياطها من الذهب الى الولايات المتحدة خوفا من أن تستولي عليه القوات الألمانية التي كانت تتقدم في دول أوروبا كما السكين في قالب الزبدة. وبالتالي فقد نجحت في فرض الدولار على دول العالم مقابل تغطيته بالذهب وفق معادلة سعرية ٣٥ دولار/أونصة.

إنَّ تاريخ ظهور البنوك المركزية في العالم يعود الى القرن السابع عشر ولكن عملها بقي مقيَّدا وتأثيرها محدودا بسبب هيمنة المعيار الذهبي الكلاسيكي على الإقتصاد العالمي, إصدار الدولة من النقد مرتبط بالكمية التي يمكن تغطيتها مقابل احتياطي الدولة من الذهب وفق نسبة تختلف من دولة الى أخرى وقد كانت في بعض المراحل ١٠٠% وفي الولايات المتحدة وصلت الى ٤٠% سنة ١٩٤٤م تاريخ توقيع إتفاقية بريتون وودز. إن تلك الإتفاقية قد أطلقت يد بنك الإحتياطي الفيدرالي في طباعة الدولار وتوزيعه خارج حدود الولايات المتحدة بدون أن يخشى التأثيرات السلبية حتى منتصف ستينيات القرن التاسع عشر وتحديدا سنة ١٩٦٥م. إن قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي التوسع في طباعة العملة خلال الفترة التي أعقبت اتفاقية بريتون وودز الى زيادة حصة القطاع المالي في الاقتصاد الأمريكي من ٥% الى ١٠% وصولا إلى ٢٠% في مطلع سبعينيات القرن الماضي وصولا الى ٥٠% في مطلع الألفية الثالثة.

يتبع...


هل بدأ العد التنازلي لإنهيار النظام المالي العالمي؟(١)

إنَّ نظرة معمَّقَة الى تاريخ النظام المالي العالمي سوف تؤدي الى إستنتاج ظهور ذلك النظام منذ زمن بعيد جدا وتطوَّرَ تاريخيا وبالتدريج مع مرور الوقت. ولكن خلال كل التطَّور التي مرَّ بها النظام المالي فإنَّ آلية إصدار النقد قد تم الخفاظ عليها تحت سيطرة الحكومات. ولو دقَّقنا في التفاصيل والأحداث سوف نجد أن أي عملية تغيير في طبيعة ذلك النظام وبنيته الأساسية لم تكن تتم من خلال وسائل وطرق سلمية, الحكومات كانت تحاول بإستمرار الحفاظ على حقها في طباعة العملة وإصدار النقد بينما النخب المالية كانت تنافسها في ذلك والسبب أنَّ من يتحكم في إصدار النقد كان يملك صلاحيات واسعة في التحكم بالإقتصاد والتجارة وحتى السياسة وهو ما أكَّدَه امشيل روتشيلد مؤسس أحد أكثر العائلات المصرفية شهرة في التاريخ حيث صرَّح سنة ١٧٩٠م:"دعني اتحكم في إصدار عملة بلد ما ولا يهمني بعد ذلك من يكتب قانونها." ناثان روتشيلد حفيد امشيل من إبنه ماير الأب المؤسس للأسرة المصرفية صرَّحَ سنة ١٨١٥م:"لايهمني من يعتلي العرش البريطاني فالرجل الذي يصدر ويتحكم في أموال الإمبراطورية البريطانية هو الذي يحكم بريطانيا وانا الذي يتحكم في أموال الإمبراطورية."

ومن خلال تلك النظرة المعمَّقة ومحاولة ربط الأحداث بعضها ببعض وإيجاد الصلة بينها سوف نكتشف أنه على سبيل المثال أنَّ إنشاء البنوك المركزية يمثِّلُ أول مراحل التغيير في البنية الأساسية للنظام الإقتصادي على مستوى العالم. إنَّ دراسة تاريخ البنوك المركزية يثبت خطأ المفهوم الشائع أنَّ بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي هو أول تلك المؤسسات الخاصة التي تم إنشائها من أجل التحكم في إصدار النقد وطباعة العملة. بنك إنجلترا المركزي تم إنشائه بعد ثورة عنيفة وحرب أهلية دموية إنتهت الى إعدام ملك إنجلترا تشارلز الأول سنة ١٦٤٩م  أمام المبنى الذي سوف يصبح لاحقا مقرا للبنك. البنك المركزي الفرنسي تم إنشائه سنة ١٨٠٠م خلال الفترة التي أعقبت أحداث الثورة الفرنسية(١٧٨٩م-١٧٩٩م)  التي كانت أيضا دموية وعنيفة للغاية وانتهت الى إعدام الملك الفرنسي لويس السادس عشر تاريخ ٢١/يناير/١٧٩١م.

هناك مفهوم شائع آخر ولكنه خاطئ حول دور آل روتشيلد في الإقتصاد العالمي وظهور البنوك المركزية. إنَّ أقدم البنوك المركزية ربما ظهر في إنجلترا خلال القرن السابع عشر وتحديدا سنة ١٦٩٤م بينما ظهرت عائلة آل روتشيلد وأصبح تأثيرها واضحا نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر. إذا, فإنَّ ظهور آل روتشيلد هو نتيجة للتغيرات في النظام الإقتصادي العالمي وليس سببا في تلك التغيرات. الأزمات الإقتصادية هي نتيجة طبيعية للدور الذي بدأت تؤديه البنوك المركزية ودورها في الاقتصاد وحركة التجارة العالمية. إنَّ وقوع الأزمات والفقاعات الإقتصادية وزيادة وتيرتها كان متزامنا مع تأسيس البنوك المركزية في مختلف البلدان الأوروبية. إنَّ الازمات الإقتصادية يجمع بينها عوامل مشتركة مثل أزمة الكساد العظيم(١٩٢٩م-١٩٣٣م) وأزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة(٢٠٠٧م-٢٠٠٨م) مع فارق بسيط هو أنَّ الأزمات اللاحقة بدات مع مرور الوقت في التحول الى أزمات عالمية, أي أنَّ حدود الأزمة تجاوزت دولة المنشأ وبدأت في التأثير العميق على إقتصاد الدول الأخرى. كلما إزداد نفوذ الدولة وقتها العسكرية ومساحات الأراضي التي تسيطر عليها, كلما إزدادت الأزمات الإقتصادية في الشِّدّة والتأثير.

وفي الولايات المتحدة فقد كانت الصراع بين الرؤساء الأمريكيين والنخب المالية الخاصة لا يختلف عنه في أوروبا. رؤساء الولايات المتحدة مثل إبراهام لينكولين و أندرو جاكسون قاوموا محاولات إنشاء بنوك مركزية حيث أدرك الآباء المؤسسون مخاطر السماح بإنشاء تلك المؤسسات. إبراهام لينكولن تم اغتياله سنة ١٤/ابريل/١٨٦٥م بينما تعرض أندرو جاكسون الى عدة محاولات اغتيال نجا منها بأعجوبة. الرئيس الأمريكي جون كينيدي تم إغتياله في مدينة دالاس تاريخ ٢٢/نوفمبر/١٩٦٣م بعد أن أصدر المرسوم رقم ١١١١٠ والذي أعاد سلطة طباعة النقد الى وزارة الخزانة وليس بنك الإحتياطي الفيدرالي. إنَّ أول قرار تم إتخاذه من نائب الرئيس ليندون جونسون حيث أصبح رئيسا هو إلغاء القرار السابق الذي أصدره جون كينيدي مما يجعل من الواضح مسار الأحداث وأسبابها وكيف يتم التخطيط لها.

يتبع...


Saturday, May 8, 2021

كيف ولماذا يتم افتعال الأزمات؟

إن افتعال الأزمات هو صناعة قائمة بحد ذاتها من أجل خدمة أهداف إقتصادية أو جيوسياسية وربما عسكرية قد تتنوع ولكنها في المجمل تدور حول الثروات الطبيعية والتي يعتبر النفط أهمها. إن أغلب الصراعات التي تدور في العالم إن لم أرغب في المبالغة وأقول جميعها تدور حول النفط والغاز ولكن هناك اليورانيوم, الذهب وثروات وسلع أخرى تدخل في إطار الأزمات والصراعات وتعتبر عاملا رئيسيا فيها. إن سياسة فرق تسد هي الغاية من افتعال أي أزمة حيث تتمكن دول أجنبية من استغلال الخلافات الداخلية في التدخل في شؤون بلد ما ونهب ثرواته عن طريق شركاته التي تفرض شروطها وتستغل الموارد الطبيعية والبشرية. وقد أصبح من السهولة افتعال الأزمات التي تنتشر انتشار النار في الهشيم بفضل وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا فيسبوك وتويتر حيث يمكن نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة.

ولعل أكثر الأزمات وضوحا التي تم افتعالها هي أزمة الربيع العربي والتي اعتمدت تقنيات حروب الجيل الرابع خصوصا القوات الغير نظامية ووسائل التواصل الإجتماعي. وهناك نقطة مهمة هي أن حروب الجيل الرابع والوسائل المستخدمة فيها تهدف الى استنزاف الشعوب بشكل رئيسي حيث يتم التركيز على وسائل السيطرة الإجتماعية وأحدث أساليب علم النفس والإجتماع ووسائل ضغط إقتصادية مثل العقوبات. إن إحداث عملية تغيير إجتماعي في سلوكيات الجماهير على نطاق واسع حتى تخدم أهدافا محددة وواضحة تتطلب عملية هندسة اجتماعية معقدة تتم عبر قنوات وآليات تتلقى تمويلا ضخما. الهدف من افتعال أزمة الربيع العربي هو إدخال المنطقة العربية في دوامة الفوضى الخلاقة مما يؤدي الى تسليم الحكم الى تنظيمات الإسلام السياسي وعلى رأسها الإخوان المسلمين والتنظيمات السلفية واذرعها الإرهابية وذلك ماحذَّرَ منه باراك أوباما الحكَّامَ العرب كما جاء في كتابه "الأرض الموعودة: إما الإخوان المسلمين أو الفوضى."

هناك دولة أوروبية ذات ماضٍ استعماري دموي ولكنها لا تثير الكثير من الإنتباه وهي بلجيكا التي استعمرت الكونغو سابقا وقتلت 10 ملايين شخص. السلعة الأهم التي تشتهر بها بلجيكا هي تجارة الألماس والذي تعتبر دول إفريقية مصدره الرئيسي حيث تشتعل حروب أهلية وعرقية يتم تمويلها من مبيعات الماس والذي يعتبر أغلبه غير شرعي حيث تخضع مناطق الى سيطرة لوردات الحرب ويتم إستخدام عمالة السخرة والأطفال في المناجم. كما أن شركات التنقيب عن الألماس البلجيكية تتلاعب بالأسعار وترَوِّجُ لمفهوم الندرة من أجل إبقاء أسعار الألماس مرتفعة وإقناع المشترين بأن إمتلاكه أمر مميز ونادر. في دول إفريقية عدَّة تمزقها الصراعات والحروب مثل جمهورية إفريقيا الوسطى والنيجر حيث تتواجد قوات فرنسية وتلعب دورا منحازا في السياسة المحلية. أحد أهم السلع التي تتواجد بكثرة في الدولتان هي اليورانيوم حيث تعتمد فرنسا على نسبة كبيرة من توليد الطاقة الكهربائية على المفاعلات النووية. حتى أنني قرأت معلومة غير مؤكدة أن مينمار(بورما) تحتوي على احتياطيات هائلة من اليورانيوم وأنها تتواجد في أراضي ذات غالبية سكانية مسلمة وأن الصين مهتمة بدولة مينمار وتقدم لها الدعم بسبب ذلك.

الإمبراطورية البريطانية كانت مشهورة بأنها لا تغيب عنها الشمس حيث كانت تحكم على ربع سكان الكرة الأرضية وأراضي تمتد من الشرق الأوسط الى الهند وحتى أوروبا. حروب البوير(الأولى والثانية) خاضتها الإمبراطورية البريطانية في دولة جنوب إفريقيا والمناطق المحيطة بها ضد مستوطنين أوروبيين من أصول مختلفة خصوصا هولندا. إن سبب تلك الحروب هو اكتشاف مكامن ضخمة من الذهب والألماس حيث كان الذهب عنصرا أساسيا في السيادة الإقتصادية على العالم خصوصا خلال مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى حيث كانت لندن المركز الاقتصادي العالمي. وفي إيران, قامت بريطانيا بالتعاون مع الولايات المتحدة بتدبير انقلاب ضد رئيس الوزراء محمد مصدق لأنه سعى الى تأميم الصناعة النفطية الإيرانية وذاك من خلال عملية مشتركة عرف بإسم (أجاكس) سنة 1953 حيث تم اتهامه بأنه شيوعي وتم تأليب عصابات الغوغاء ضده وإتهامه بالكفر والإلحاد. 

أمريكا اللاتينية كانت تعتبر الحديقة الخلفية للولايات المتحدة حيث تم تدبير عدد من الأزمات على هامش الحرب الباردة حيث كان توجيه الاتهامات بالإنتماء الى الماركسية والشيوعية أمرا مفضلا. أحد أشهر أزمات أمريكا اللاتينية هي الإنقلاب الذي تم تدبيره في غواتيمالا سنة 1954 ضد الرئيس جاكوبو أربينز لأنه قام باستصدار قانون إصلاح زراعي قام من خلاله بتأميم أراضي غير مستغلة مملوكة الى شركة الفواكه المتحدة والتي كانت بدورها كانت مملوكة من الأخوين دالاس, جون وألن, حيث كان الأول يشغل منصب رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بينما الثاني منصب وزير الخارجية. كما حاولت الولايات المتحدة تدبير عملية عسكرية (خليج الخنازير) ضد الرئيس الكوبي فيديل كاسترو ولكنها فشلت. وفي وقت لاحق, دعمت انقلاب أوغستو بينوشيه الدموي في دولة تشيلي وانقلاب مجلس الحكم العسكري في الأرجنتين وتفاصيل كأس العالم 1978 التي استضافتها الأرجنتين وفازت بها معروفة للقاصي والداني. ولكن ربما أشهر أزمة تورطت فيها الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية هي فضيحة الكونترا حيث موَّلت الولايات المتحدة وسلَّحت ودرَّبت عصابات الكونترا في نيكاراغوا ضد الجبهة الساندينيستية الحاكمة. وقد كانت تلك الفضيحة محور عدد من الكتب والأفلام الوثائقية حيث أن تكاليف التدخل في نيكاراغوا تم تمويلها من عمليات تصدير المخدرات الى الولايات المتحدة وأوروبا.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية



Sunday, April 5, 2020

أين إختفى شارلي؟ قصة حقيقية من الواقع الأمريكي المؤلم

منذ حادثة إغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي, الولايات المتحدة تحولت الى دولة يحكمها المهرجون, مزارع فستق, ممثل كومبارس, رجل نفط, زير نساء ومندوب وول ستريت, إبن رجل النفط, سيناتور من أصول إفريقية ورجل أعمال يهوي الإستعراض والدعاية الكاذبة قام بتحويل البيت الأبيض الى مزرعة له ولعائلته. الولايات المتحدة عبارة عن غابة حيث يغيب القانون وليس فيها مايميزها عن الوطن العربي إلا أنها أكبر حجما وأكثر مالا. القضية التي سوف أتحدث عنها اليوم ليست حالة فردية بل هي تؤثر بشكل مباشر في حياة مليون ونصف مواطن أمريكي من كبار السن. موضوع اليوم ليس عبارة إلا أنني لا أتحدث إلا عن سلبيات الحياة في الولايات المتحدة. وقد تكون هناك بالطبع إيجابيات في الولايات المتحدة والتي من الممكن أن يخبرك بها النصابون المحترفون وتجار المخدرات والقوادون خصوصا من العرب ممن يتاجرون بنسائهم ويمارسون كافة عمليات النصب والإحتيال ويعيشون الحلم الأمريكي. 
لايمكن العيش في الولايات المتحدة إلا لتلك الفئات التي تمثل كل قيمة حقيرة ولا أخلاقية في المجتمع. هناك أقلية من المهاجرين أو حتى من الأمريكيين العاديين الذي يمكنهم أن يعيشوا حياتهم بطريقة طبيعية من دون اللجوء الى الديون أو الاحتيال على البنوك أو العمل في التهريب أو بيع المخدرات. هل تريد أن تقوم بعملية خطف شخص ما حيث تحصل على أموال طائلة وأنت تتمتع بحماية القانون, عملية قانونية لا تشوبها شائبة. وأنا هناك لا أتحدث عن فيلم (Pain & Gain) لأن المخرج لم يستعن بخدمات محامي حاذق وقاضي فاسد وبعض الأقرباء من الدرجة العاشرة ممن يحاولون الإستيلاء على أموالك. في الولايات المتحدة هناك مصطلح الوصي أو الحارس القضائي(The Guardian) حيث يمكن لهيئة حكومية أو شخص ما ربما من أقربائك أن يتقدم بطلب الى المحكمة يذكر فيها أنك هرم وكبير في السن ولا يمكنك الإعتناء بنفسك. المحكمة سوف تقوم في تلك الحالة بتعيين حارس قضائي أو وصي عليك حيث يحق له التصرف في الأموال المنقولة وغير المنقولة بيع/شراء من دون الرجوع إليك أو الى المحكمة. وقد يكون ذلك الوصي أحد أقربائك أو شخصا من محترفي تلك المهنة ممن لهم يتمتعون بشبكة واسعة من العلاقات.
الأمر ليس مزحة. في الولايات المتحدة, تحول مسمى الوَصِي الى مهنة مربحة تقدر حجم الأموال المتداولة الى تريليون دولار تقريبا مع وجود أكثر من 1.5 مليون شخص من كبار السن تحت الوصاية. شبكة نيتفلكس للأفلام قامت ببث سلسلة أفلام وثائقية بعنوان "المال القذر-Dirty Money" تحدثت فيه عن أوجه الفساد المختلفة في الولايات المتحدة منها مسألة الحارس القضائي وكانت بعنوان ""Guardians, Inc."  
تشارلي ثراش(Charlie Thrash) مواطن أمريكي يبلغ من العمر 80 عاما ويعيش في ولاية تكساس-سان أنطونيو, لديه عمل تجاري ناجح عبارة عن ورشة صيانة المركبات وهو يعتبر مليونير حيث أنه في هذه المهنة من سنة 1958. حياة تشارلي تغيرت حين قرر القيام بشراء منزل له ولصديقته ودفع ثمنه نقدا. وحيث أن بعض كبار السن لايثقون في البنوك ويحتفظون بمبالغ مالية نقدية. البنك قام بالاتصال على إدارة حماية البالغين(Adults Protective Services - APS) والذي بعد تحقيق سريع قرروا أن هناك خطر على حياة شارلي العقلية والنفسية وأنه مصاب بالخرف يحتاج الى وصاية. وفي المحكمة تقدمت إمرأة مجهولة تزعم أنها حفيدة أحد أشقاء تشارلي ممن لم يتحدث معه ربما لعقود وأنها تطلب من المحكمة أن تعتبرها وصية على أموال عمها. المحكمة قبلت منها ذلك وخلال جلسة أخرى تم تعيين وصية على شؤون تشارلي الخاصة تدعى ماري ورنر, حارسة قانونية مسموح لها بالعمل في ولاية تكساس وتشرف على 38 حالة وصاية قضائية منها تشارلي ثراش. وقد تبين فيما بعد أن ماري ورنر حصلت على ذلك العمل المريح بسبب مركز زوجها عمدة بلدة شافانو بارك في تكساس وعلاقاته مع بعض القضاة في محكمة الوصايا المتخصصة النظر في تلك القضايا. كما أنها تتقاضى شهريا 2000 دولار عن كل حالة تشرف عليها مما يعني 912 ألف دولار سنويا من أموال أولئك الموصى عليهم الذي تعرضوا الى عملية قرصنة بقوة القانون.
قضية شارلي ثراش مازالت في المحاكم وهي لن تنتهي في زمن قريب. الوصية على أموال شارلي حفيدة شقيقه تونيا بارينا قامت ببيع كافة أملاك تشارلي وسياراته ودراجاته النارية, وقد كان من بينها سيارات كلاسيكي ودراجات نارية غاية في الروعة. كما استولت على أموال شارلي الغير منقولة وأغلقت ورشة تصليح وصيانة السيارات التي يمتلكها تشارلي منذ سنة 1958. كما أنها تتقاضى لنفسها مبالغ ضخمة من أموال تشارلي ثراش ولديها فريق من اربعة محامين يتقاضون مبالغ مالية لمجرد تبادل إيميل حول القضية, حوالي 500-600 دولار/ساعة. وقد قامت تونيا بارينا بنقل شارلي ثراش من منزله الى مكان مجهول, ربما أحد دور رعاية المسنين, ورفضت الإفصاح عن مكانه أو السماح الى شريكته في السكن(زوجته) برؤيته. شارلي ثراش مواطن أمريكي يتمتع بكامل صحته وقواه العقلية حيث كان وبشهادة جيرانه في العمل وطبيبه العائلي أنه لايحتاج الى اي رعاية او عناية خاصة وأنه كان يعيش حياة سعيدة. إن شارلي ثراش ضحية نظام قضائي فاسد من جذوره بينه وبين العدالة مسافة تعادل بين الأرض والمريخ. ولكن على أرض الواقع, يتم الترويج لأرض الأحلام والفرص خصوصا الحلم الأمريكي أو حتى أكون أكثر دقة هو كابوس إلا إذا كنت نصابا ودجالا وتبحث عن بلد حتى تمارس هوايتك في الخطف والنصب وبحماية القانون. الفيلم الوثائقي يحكي في تلك الحلقة رواية أكثر من ضحية لنظام الوصايا القضائية الفاسد في الولايات المتحدة وهو ممتع جدا ونصيحتي للجميع أن يشاهده.
Guardianship - Conservatorship Abuse - Elder Financial Fraud Documentary Guardians Inc.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية