Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label بريتون وودز. Show all posts
Showing posts with label بريتون وودز. Show all posts

Saturday, May 2, 2026

ماهي أسباب فرض الرسوم الجمركية الأمريكية والحرب ضد إيران؟

القادة والسياسيين لا يفضلون استخدام مصطلح حرب العملات ولكن على أرض الواقع حاليا, فإن ذلك ما يقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. الهدف من التعريفات الجمركية الأمريكية على الواردات هو إجبار الدول على زيادة قيمة عملاتها وبالتالي إضعاف الدولار الأمريكي والنتيجة إكتساب الصادرات الأمريكية أفضلية تنافسية. كما أن قطاعات أخرى خصوصا السياحة سوف تكتسب أفضلية تنافسية حيث يمكن صرف عملات الدول مقابل المزيد من الدولارات. مثال بسيط, سائح ألماني لديه 10 آلاف يورو وسعر الصرف ١ يورو = ١.٢ دولار وعندما تنخفض قيمة الدولار يصبح ١ يورو = ١.٦ دولار ومبلغ ١٠ آلاف يورو يصبح ١٦ الف دولار بدلا من ١٢ الف دولار.

الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية سوف تؤدي الى مشاكل أخرى على المدى البعيد لو وضعنا جانبا الجانب الإقتصادي. أحد أهم تلك النتائج هو تفكيك التحالفات الاقتصادية والتكتلات القائمة مثل البريكس وتحالف أوبك و أوبك بلس. دولة الإمارات العربية المتحدة أعلنت رسميا إنسحابها من تحالف أوبك و أوبك بلس وهناك إشاعات عن انسحابها مستقبلا من منظمات أخرى مثل منظمة التعاون الإسلامي وغيرها. هناك عواقب لأي حرب أو أزمة إقليمية أو دولية وربما ذلك هو أحد تلك العواقب. ترامب ونتنياهو يعلمون تماما ماذا يفعلون وفي عالك الجيوبوليتكس الدولي, لا مكان للصدفة.

الخلافات تبرز أثناء الحروب وتكون أكثر ظهورا أمام وسائل الإعلام التي تبحث عن الإثارة أكثر مما يبحث عنها المخرجون والمنتجون في هوليود. ترامب صرح بأن الناتو لم يقدم أي مساعدة خلال الحرب مع إيران والبنتاغون قام بتوزيع مذكرة تتضمن عقوبات ضد دول في الناتو والمذكرة تحدثت عن إسبانيا. الناتو قاوم رسوم ترامب الجمركية وكانت لهم مواقف مخالفة للولايات المتحدة من الأحداث في غزة. بالإضافة الى معارضتهم أجندات ترامب الإقتصادية.

القضية مصالح وبيزنس والولايات المتحدة هي من صنعت النظام المالي والإقتصادي الحالي وفرضت وجهة نظرها في إجتماعات بريتون وودز(١٩٤٤) خصوصا معيار الذهب وتأسيس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ومرة أخرى إتخذت قرارا أحاديا سنة ١٩٧١ بتعليق العمل بالاتفاقية وفرض رسوم جمركية ١٠% على الواردات وفرضت رأيها في اتفاقية جامايكا(١٩٧٦), بلازا(١٩٨٥) و اللوفر(١٩٨٧). اتفاقيات التجارة الحرة(الجات) ومنظمة التجارة العالمية(WTO) هي نتيجة فرض الآراء والمصالح الأمريكية. المشاكل الإقتصادية التي يعاني منها العالم سببها الولايات المتحدة بسبب الأزمات الإقتصادية حيث تلعب المشتقات المالية, عقود المستقبليات, المضاربات, تأمين الدين المكفول(CDS) وغيرها دورا رئيسيا. إن مستوى الدين العام الأمريكي يحرق المراحل بسرعة حيث يقترب من مستوى ٣٠ تريليون دولار. إن تخفيض سعر صرف الدولار أمام العملات الأخرى يساعد الولايات المتحدة على الوفاء بديونها ولكنه لا يساعد الدول الأخرى التي قامت بشراء تلك الديون حيث سوف تنخفض قيمتها.

المهم هو إنتظار نتيجة الحرب الأمريكية-الإيرانية والتغيرات التي سوف تقع في المنطقة بسببها. هناك أخبار تنشرها وسائل الإعلام عن نوايا الولايات المتحدة في حصار طويل المدى لإيران ولكن ذلك يعني إغلاق مضيق هرمز وبالتالي فإن جميع الدول سوف يصيب اقتصادياتها ضرر مبالغ فيه يزداد مع استمرار الحصار. دونالد ترامب يساوم العالم ويقوم بابتزاز الجميع, إما زيادة سعر صرف عملاتكم أمام الدولار أو سوف أخنق بلدانكم إقتصاديا. ولكن هذه ليست أول مناسبة تقوم فيها الولايات المتحدة بتلك البهلوانيات الرعناء ولن تكون الأخيرة. الجميع يمارس الرقص على حافة الهاوية ويحاولون عدم الوقوع لأن ذلك يعني حرب عالمية والخيار النووي قد يتحول الى حقيقة واقعة والعالم سوف يشهد كارثة قد تؤدي الى محو الحضارة البشرية من الوجود.

تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة

الوطن أو الموت

النهاية


Friday, April 10, 2026

بارونات البنوك ومافيات الإقتصاد العالمي شعارهم "بيزنس إز بيزنس"

هناك خبر نشرته وسائل الإعلام أن فرنسا سحبت كامل احتياطها الذهبي المودع في الولايات المتحدة ولعل ذلك من تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية. حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استكملت مشوار الألف ميل والخطوة الاولى قام بها الرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول الذي شعر بالقلق من انخفاض قيمة الدولار الأمريكي بسبب قيام الولايات المتحدة طباعة كميات ضخمة من العملة وعدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها المالية كما نصت بنود إتفاقية بريتون وودز ١٩٤٤. دول أخرى ربما سوف تقوم قريبا بسحب احتياطها من الذهب من الولايات المتحدة حتى لا تستولي عليه إدارة أمريكية يرأسها شخص أرعن هو دونالد ترامب ليس لديه أي استعداد لإحترام الإتفاقيات و بنودها.

الإقتصاد متداخل في جميع جوانب الحياة بما في ذلك السياسة. وسائل الإعلام أعلنت منذ قليل إتفاق مؤقت لإطلاق النار بين أمريكا وإيران برعاية باكستانية وإعادة فتح مضيق هرمز. هناك أسباب كثيرة للحرب الأمريكية ضد إيران ولكنها تلتقي عند النفط. دونالد ترامب يسعى بهدوء لمحاصرة الصين وقطع إمداداتها من الطاقة. فنزويلا كانت أحد أهم حلفاء الصين في مجال الطاقة وترامب اختطف الرئيس الفنزويلي و زوجته و وضع يده على نفط فنزويلا والآن الدور على إيران والتي هي في الحقيقة ساحة صراع في مجال الطاقة منذ الحرب العالمية الأولى تقريبا.

شركات النفط وصناعة الأسلحة أو ما يطلقون عليه في وسائل الإعلام, المجمع الصناعي-العسكري, يحققون الأرباح الضخمة من الحروب والأزمات والتي تعتبر مفتعلة بإمتياز. الحرب على إيران هي أحد تلك الأزمات. الحرب على لبنان تعتبر أزمة أخرى مفتعلة سببها حقول الغاز الطبيعي البحري العملاقة التي تسعى دولة الكيان الصهيوني الى الإستيلاء عليها تماما. قطاع غزة مثال آخر على حروب الطاقة حيث هناك سبعة حقول غاز بحرية ضخمة استولى عليها الكيان الصهيوني ويقوم بنهب الغاز ويبيعه للأسف الى دول عربية. حماس لم تقاتل جيش الكيان الصهيوني المحتل بسبب البقرات الحمراء لكن بسبب حقول الغاز التي يسيل لها اللعاب وفي النهاية كانت النتيجة تدمير غزة على رؤوس سكانها واستمرار استيلاء الكيان الصهيوني على حقول الغاز ونهبها.

الحرب العالمية الأولى والثانية مثال على الأزمات التي سمحت للنخب المصرفية والصناعية الأمريكية تحقيق الأرباح الضخمة وعلى رأس تلك النخب هناك جي بي مورغان العقل المدبر في عملية تأسيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي وآل روكفلر وشركات الإخوة السبعة ملوك النفط في العالم وال كارنيجي ملوك صناعة الصلب والحديد في الولايات المتحدة وغيرهم. الولايات المتحدة خلال الحربين العالميتين كانت لا تقبل الدفع مقابل الأسلحة والذخائر إلا الذهب. كما أن ثمن دخولها الحرب العالمية الثانية كان موافقة دول الحلفاء على بنود إتفاقية بريتون وودز التي وقعت رسميا سنة ١٩٤٤ ولكن الاتفاق الضمني على بنودها كان سابقا لذلك التاريخ.

ولكن المسألة أعمق من ذلك بكثير. مكتب العمليات الخارجية الأمريكية كانت على علاقة بالزعيم النازي أدولف هتلر خلال الفترة الزمنية التي سبقت محاولته الانقلابية الفاشلة (البير هول). ضابط مخابرات في OSS(مكتب الخدمات الإستراتيجية الأمريكي) ساعد هتلر في تأليف كتاب "كفاحي" من خلال شرح أساسيات الجيوسياسية الدولية والعلاقات السياسية للزعيم الألماني. هتلر تلقى معاملة تفضيلية في السجن وتلقى حكما يعتبر مخففا. مصارف وول ستريت وبنك إنجلترا وبنك التسويات الدولي في سويسرا دعموا صعود هتلر الى الحكم وحققوا الأرباح الهائلة. شركات نفط روكفلر أو الأخوات السبعة كانت على رأس قائمة الداعمين لألمانيا النازية. أقراص زنكلون-بي التي كانت تستخدم في معسكرات الاعتقال النازية صناعة فرع في ألمانيا تابع للشركة الأم في الولايات المتحدة آي جي فوربان للصناعات الكيميائية في الولايات المتحدة.

بنك التسويات الدولي(بي أي إس) في سويسرا قصة و رواية وحكاية. فقد تم تأسيسه بهدف إدارة تعويضات الحرب التي كان على ألمانيا أن تدفعها الى دول الحلفاء كما نصت بنود معاهد فرساي ١٩١٩.  البنك إستمر في الوجود وممارسة دور فعال ورئيسي في الاقتصاد العالمي حتى يومنا هذا رغم انتفاء الغرض من تأسيسه وكانت هناك عدة محاولات لإغلاقه فشلت في ذلك. بنك التسويات الدولي عبارة عن مقاصة للبنوك المركزية أو البنك المركزي للبنوك المركزية في الاقتصاد العالمي. البنك قبل تسوية مدفوعات من ألمانيا النازية عن عن سبائك ذهبية حصل الألمان عليها من الذهب المنهوب من البنوك في البلدان المحتلة من الجيش الألماني النازي ومن يهود ألمانيا وأوروبا وحتى الأسنان الذهبية في اليهود في المعتقلات النازية كان يتم إقتلاعها وإستخدامها في صهر السبائك الذهبية وصناعتها. بنك التسويات الدولي كان على معرفة كاملة بمصادر التي حصلت ألمانيا النازية على سبائكها الذهبية وعلى الرغم من ذلك إستمر العمل كالمعتاد.

ينقل عن المفكر والفيلسوف الفرنسي فولتير:"عندما يكون الحديث عن المال فإن الجميع على دين واحد." دول الغرب الاستعمارية قامت بتصدير مشكلة اليهود الى فلسطين مستخدمين شعار "أرض بلا شعب وشعب بلا أرض." إن تأسيس وإنشاء دولة الكيان الصهيوني عبارة عن مشروع استعماري إقتصادي واليهود كانوا مجرد أرقام تعرضوا الى غسيل دماغ وتمت التضحية بهم مذبح مصالح بارونات المال العالميين. الولايات المتحدة وأوروبا منعوا هجرة اليهود إليهم خلال الحرب العالمية الثانية رغم ملاحقتهم من هتلر و جهاز الجستابو و وحدات إسم إس سيئة السمعة التي لا تعرف الرحمة وذلك بهدف إجبارهم على الهجرة الى فلسطين.

تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة

الوطن أو الموت

النهاية



Sunday, April 13, 2025

الرقص حول العجل الذهبي

المعيار الذهبي وليس الذهب من مخلفات العصر البربري. إنَّ تصريح الإقتصادي البريطاني المعروف جون مينارد كينز(١٨٦٣م-١٩٤٦م) بأن "الذهب من مخلفات العصر البربري" خاطئة والصحيح أنه في كتاب "الإصلاح النقدي ١٩٢٤-The Monetary Reform ١٩٢٤) كتب بالنص:"المعيار الذهبي ليس إلا مخلفات العصر البربري." اليهود دائما في عين العاصفة عندما يكون الحديث عن الذهب والمال وذلك ليس مبالغة. إن العودة الى التاريخ وقراءة مابين السطور سوف تجعل ذلك واضحا للغاية. اليهود خالفوا أوامر نبي الله موسى عليه السلام وصنعوا العجل الذهبي وعبدوه. عيسى عليه السلام في الأناجيل دخل الى الهيكل وقلب طاولات الصيارفة وباعة الحمام وقال لهم:"هذا منزل أبي جعلتموه مغارة لصوص" مما أدى الى تأمر زعماء اليهود عليه بهدف قتله في أكثر من مناسبة. محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم حرَّم الفائدة بنص تشريع قرآني حازم وقاطع لا يترك مجالا للتأويلات والتفسيرات وتأمر عليه زعماء اليهود ودبروا عليه عدة محاولات إغتيال. أحد الأفلام الوثائقية التي عرض على قناة بي بي سي البريطانية صرح خلاله مقدم البرنامج أن وقاة نبي الله موسى عليه السلام ربما كانت مشبوهة تحيط بها الشكوك في أنها ليست طبيعية.

إن حركة رؤوس الأموال وسعيها الى تحقيق المزيد من الأرباح كان ومايزال المحرك الرئيسي للأزمات والحروب في العالم. الثورات في إنجلترا وفرنسا خلال القرنين السابع والثامن عشر كان هدفها تحطيم الأنظمة الملكية الحاكمة في أوروبا وتأسيس بنوك مركزية تتحكم في النقد وطباعة العملة. بريطانيا اعتمدت المعيار الذهبي بداية القرن التاسع عشر وكان ذلك بداية مرحلة جديدة من الثورة النقدية التي خدمت مصالح الصيارفة والبنوك أو المرابين الدوليين حتى يكون التعبير أكثر دقة. أولئك المرابين الدوليين نجحوا في السيطرة على بنك إنجلترا المركزي الذي نجحوا في تأسيسه بعد ثورة اللورد أوليفر كرومويل في إنجلترا. حروب البوير الأولى والثانية كان هدفها السيطرة على مناجم الذهب في جنوب إفريقيا بينما حروب نابليون كانت نتيجتها المباشرة جمع وتركيز كمية ضخمة من الثروة(الذهب) تحت سيطرتهم خصوصا آل روتشيلد ذوي الأصول الألمانية.

إن جوهر المعيار الذهبي هو إعتبار الذهب النقود الحقيقية الوحيدة وبالطبع فإن تواجد عملات ورقية في الاسواق مرتبط بتغطيتها مقابل غطاء من الذهب في البنك المركزي أو أي مؤسسات مصرفية أخرى حيث يكون من الممكن مبادلتها مقابل العملات الورقية(البنكنوت). إن ذلك يخدم مصلحة آل روتشيلد في تحقيقهم الأرباح من خلال منح قروض ذهبية مقابل نسبة فائدة(الربا) مما أدى الى سيطرتهم عى الأفراد العاديين وحتى دول بأكملها.

بريطانيا حيث يتركز نفوذ آل روتشيلد من خلال سيطرتهم على بنك إنجلترا المركزي كانت القوة الدافعة الرئيسية في عملية تقدم المعيار الذهبي. إن أول دولة تعتمد رسميا (المعيار الذهبي) كانت بريطانيا سنة ١٨١٦م. ألمانيا وجميع دول العالم باستثناء المكسيك والصين اعتمدت المعيار الذهبي مع حلول سنة ١٨٣٧م. ولكن وجود دول تمتلك احتياطيات ضخمة من الذهب خارج سيطرة ديكتاتورية المعيار الذهبي كان مشكلة لا بد من إيجاد حل لها. حروب الأفيون و البوير التي قامت بها بريطانيا ضد الصين والمستوطنين الأوروبيين في جنوب إفريقيا والاستيلاء على مناطق واسعة من المكسيك بقوة الجيش الأمريكي خصوصا كاليفورنيا الغنية بمناجم الذهب كانت حلا مناسبا يخدم مصالح مناصري ومؤيدي المعيار الذهبي. السيطرة على شركات التنقيب واستخراج الذهب في دول مختلفة من خلال شراء حصة سهمية مسيطرة كان خطوة في تحقيق هدف السيطرة على احتياطيات الذهب العالمية.

ولكن محاولة فرض المعيار الذهبي خصوصا على دول أوروبا أدى الى مقاومة تلك الدول التي إستغرق إخضاعها قرنا ونصف. المستشار الألماني الحديدي بسمارك الذي نجح في الإنتصار في الحرب الألمانية-البروسية وتوحيد ألمانيا قد حصل على قروض ذهبية بالإضافة الى تعويضات حرب من فرنسا بلغت 5 مليارات فرنك فرنسي ذهبي حيث أدى ذلك الى نجاحه في فرض المعيار الذهبي وجعل ذلك أمرا مقبولا. الولايات المتحدة كانت ساحة معركة طاحنة بين أنصار النظام الفضة والمعيار الذهبي حيث كانت العملة الأمريكية تعتمد في إصدارها على غطاء الفضة وليس الذهب. إن مؤيدي المعيار الذهبي نجحوا في الإنتصار في الولايات المتحدة و في روسيا نجحوا في اعتماد الروبل الذهبي مع نهاية القرن التاسع عشر. إن القروض الخارجية التي حصلت عليها روسيا من لندن وباريس خلال الفترة(١٨٩٥م-١٩١٤م) كانت نتيجتها ارتفاع الدين الخارجي من ١.٧ مليار روبل الى ما يزيد عن 4 مليار روبل, حصة الدين الخارجي من إجمالي الدين العام من ٣٠% الى ٤٨% و نفقات خدمة الدين الخارجي من 62 مليون روبل سنة ١٨٩٥م الى 194 مليون روبل سنة ١٩١٤ وذلك كان سببا رئيسيا في الأحداث المأساوية في روسيا منذ بدايات القرن العشرين من ١٩٠٥م وصولا الى ١٩١٧م.

المرابين الدوليين يميلون الى البراغماتية والمرونة وتتغير سياساتهم مع تغيير الظروف بما يضمن ويحفظ مصالحهم واستمرار هيمنتهم على الإقتصاد العالمي. إن التعامل بالمعيار الذهبي توقف مؤقت بسبب الحرب العالمية الأولى وعادت الدول بعد إنتهاء الحرب الى نوع من التعامل بمعيار ذهبي جزئي يربط الدولار الأمريكي-الذهب-الجنية الإسترليني ولكن ذلك لم يستمر لأنه مشكلة ديون الحرب جعلت منه أمرا غير ممكن وغير واقعي. النتيجة كانت أنه مع نهاية ثلاثينيات القرن العشرين فقد تخلت جميع الدول عن المعيار الذهبي بصيغته الجزئية على مراحل تدريجية ولعل إتفاقية بريتون وودز ١٩٤٤ كانت أول تلك المراحل. الدولار(الذهبي) وليس الذهب أصبح عملة احتياطي عالمي وفق معادلة سعرية إرتباط سعره أمام العملات الأخرى مقابل ٣٥ دولار/أونصة. الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وفي خطابه الشهير تاريخ ١٥/آب/١٩٧١ أعلن عن تخلي الولايات المتحدة عن مبادلة الدولار مقابل الذهب وكان ذلك عمليا إعلان إفلاس الولايات المتحدة من خلال تعويم عملتها الوطنية أمام العملات الأخرى في أسواق الصرف. ولكن الدولار(الورقي) حافظ على هيمنته أمام العملات الأخرى من خلال إتفاقيات, البترودولار(١٩٧٥م) و جامايكا(١٩٧٦م) و بلازا(١٩٨٥م), اللوفر(١٩٨٧م) وأصبح الدولار الذي هو عملة الولايات المتحدة ولكنه مشكلة العالم كما صرح وزير الخزانة الأمريكي جون كونالي في اجتماع مع عدد من وزراء المالية سنة ١٩٧١م معلنا توقف الموسيقى وبداية نهاية حفلة الرقص حول العجل الذهبي.

دمتم بخير وعافية

عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة

الوطن أو الموت

النهاية



Sunday, March 2, 2025

هل يكون دونالد ترامب السبب في إنهيار الإمبراطورية الأمريكية؟

هناك قانون في علم الإقتصاد يطلق عليه بعض المتخصصين تسمية المحصلة النهائية تساوي صفر وعلى الرغم من أن جوهر تلك التسمية و روحها تتمحور حول مفاهيم اقتصادية إلا أن لها تفسيرات في عالم السياسة والجيوبوليتيك. إمبراطوريات تظهر على أنقاض إمبراطوريات تنهار لأسباب مختلفة والإقتصاد يلعب دورا رئيسيا ومحوريا.  المؤرخ البريطاني ميل جيبون وصف في كتاب "تاريخ ضعف وسقوط الإمبراطورية الرومانية"  أسباب انهيار الإمبراطورية الرومانية ولكنه ليس المؤرخ الوحيد حيث أن هناك مؤرخين آخرين قاموا بالتأليف حول ذلك. إن أحد أهم الأسباب التي نسب المؤرخون إليها أسباب صعود وانهيار الإمبراطوريات كان الإقتصاد وحتى أكون أكثر دقة إنهيار العملة من خلال التلاعب بقيمتها حيث انخفضت قيمة العملة الرومانية بسبب إنخفاض نسبة نقائها التي كانت تعتمد على الذهب والفضة في مراحل مختلفة من تاريخها.

الولايات المتحدة تحولت الى إمبراطورية حيث أعلنت ١٣ مستعمرة بريطانية سنة ١٧٧٦م الإستقلال ثم بعد أن انتصرت في الحرب ضد بريطانيا بدأت في التوسع نحو الداخل من خلال المستكشفين والرواد المغامرين وخاضت صراعا عنيفا دمويا مع السكان الأصليين قبائل الهنود الحمر. الولايات المتحدة مرت بمراحل تاريخية وصراعات وحروب خصوصا الحرب الأهلية(١٨٦١-١٨٦٥) والحرب ضد الإمبراطورية الإسبانية سنة ١٨٩٨م التي كانت بداية تحول الولايات المتحدة الى دولة استعمارية و قوة عالمية. الحرب العالمية الأولى والثانية تعتبر مراحل مهمة في تحول الولايات المتحدة الى إمبراطورية استعمارية وذلك بإستخدام القوة العسكرية خصوصا البحرية و إتفاقية بريتون وودز التي أعلنت الدولار عملة احتياط عالمي. سنة ١٩٧١ أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلغاء العمل بمبادلة الذهب مقابل الدولار الأمريكي مما يعني عمليا إلغاء العمل بإتفاقية بريتون وودز و تعويم الدولار أمام العملات الأخرى في أسواق الصرف العالمية. الدولار الأمريكي حاليا غير مرتبط سوى بالقوة العسكرية الأمريكية والنفط الذي تسعيرة مقابل الدولار نتيجة اتفاقية ١٩٧٥ بين السعودية والولايات المتحدة.

هناك جهود متسارعة من بعض الدول من أجل التخلي عن التعامل بالدولار الأمريكي, جهود متواضعة ولكن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة. الولايات المتحدة تقوم بطباعة الدولار بدون مسائلة أو تراعي مصالح الدول الأخرى التي تصدر لها التضخم وغلاء الأسعار. الحكومة الأمريكية ومن خلال بنك الاحتياط الفيدرالي قامت بطباعة تريليوني دولار بهدف محاولة معالجة أثار أزمة فيروس كورونا مما أدى الى موجة تضخم في الاقتصاد العالمي. الدولار أصبح مشكلة بالنسبة الى الكثيرين الذين بدأوا في التململ خصوصا روسيا, الصين ودول البريكس على العموم. الصين تراقب الحرب في أوكرانيا عن قرب وكيف أن الولايات المتحدة نجحت في مصادرة أصول روسية في الخارج خصوصا احتياطيات البنك المركزي الروسي لأنها أصول دولارية(بالدولار). الحكومة الصينية تمتلك ٣ تريليون دولار أصول بالعملة الصعبة نصفها بالدولار الأمريكي عبارة عن سندات تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحارب على جميع الجبهات ويهدد الجميع حتى حلفائه الأوروبيين. دول البريكس تحاول التخلي تدريجيا عن الدولار الامريكي و دونالد ترامب هددها بعقوبات اقتصادية إن فعلت ذلك. كما اعلن الرئيس الأمريكي أنه سوف يضم كندا وقناة بنما الى الولايات المتحدة ويتفاهم مع روسيا حول حرب أوكرانيا.إن كل ما يقوم به الرئيس الأمريكي سوف يؤدي الى التململ بين حلفائه وفقدان الثقة بالعملة الأمريكية. النفط يباع مقابل الدولار الأمريكي حصريا منذ سنة ١٩٧٥ تاريخ إتفاقية البترودولار بين السعودية والولايات المتحدة والتي كان عرابها مستشار الأمن القومي هنري كيسنجر. الولايات المتحدة تحمي نظام الحكم في المملكة العربية السعودية وتعطيهم الأولوية في مبيعات أحدث الأسلحة بعد دولة الكيان الصهيوني بالطبع مقابل أن السعودية تلتزم بصفتها أكبر مصدر للنفط في منظمة أوبك أن تبيع نفطها حصرا مقابل الدولار الأمريكي. 

ولكن حتى تكون المسألة واضحة خصوصا تأثير بيع النفط مقابل عملات أخرى, لا بدّض من توضيح بعض النقاط التي قد تكون خافية على الكثيرين. هناك نسبة من مبيعات النفط وتعاملات التجارة الدولية مقابل عملات أخرى مثل اليورو واليوان الصيني. نقطة أخرى مهمة وهي أن أسعار السلع والخدمات حول العالم يتم تقييمها بالدولار الأمريكي والولايات المتحدة باعتبارها أكبر سوق واردات في العالم لها الكلمة الحاسمة ولديها القدرة والأدوات المناسبة حتى تفرض عقوبات اقتصادية قاتلة على الدول التي تحاول التخلي عن الدولار أو حتى محاولة التأثير عليه. وقد رأى الجميع بأم أعينهم ماذا فعلت مع الرئيس العراقي صدام حسين والليبي معمر القذافي والإنقلابات في دول إفريقية وغيرهم ممن حاولوا الوقوف في طريق مصالح الولايات المتحدة النفطية و الدولارية.

إن القضية أكثر تعقيدا مما يتخيله الكثيرون أنه قرار على ورق وأن شخصا ما في موقع السلطة سوف يمضي على ذلك القرار بالتخلي عن الدولار. الإقتصاد العالمي معقد ومتشابك ولا يمكن لأي دولة حتى لو كانت الولايات المتحدة أن تتخذ قرارات منفردة ولكن يبدو أن الرئيس دونالد ترامب لديه نوايا جادَّة في العمل على تغيير ذلك حيث يهدد الجميع بفرض ضرائب جمركية وعقوبات إقتصادية لو إعترضوا على قراراته أو لم يمتثلوا لما يطلبه منهم. إن ما يقوم به دونالد ترامب تنظر اليه الصين و دول أوروبية بقلق بالغ حيث بدأت الصين على سبيل المثال في زيادة احتياطي الذهب وبيع سندات وزارة الخزانة الأمريكية التي في حوزتها والتخلص من الأدوات المالية التي يمكن للولايات المتحدة الضغط عليها لو قررت الاستيلاء على تايوان بالقوة المسلحة. كما أن الصين تراقب الأزمة الأوكرانية ونتائجها وتأثيراتها على الاقتصاد الروسي والعالمي وتتعلم من الأحداث استعدادا لما هو قادم.

دمتم بخير

عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة

الوطن أو الموت

النهاية










Wednesday, January 22, 2025

إنهيار الدولار, الإقتصاد العالمي والحرب العالمية الثالثة

الدولار هو عملة عدد من الدول منها أستراليا, كندا, نيوزيلندا والولايات المتحدة حيث يختلف في سعر الصرف أمام العملات الأخرى باختلاف الدولة. ولكن يبقى الدولار الامريكي دائما سيد الموقف ويلقبه البعض بأنه الدولار الملك(The King Dollar) وعند الحديث أو الكتابة عن الإقتصاد وحيث تكون كلمة الدولار فإن ذلك يعني عملة الولايات المتحدة(الدولار الأمريكي). إن مركز ومكانة الدولار تعود الى إتفاقية بريتون وودز ١٩٤٤ التي فرضت الدولار عملة احتياطي عالمي مقابل إرتباط مع الذهب وفق معادلة سعرية ٣٥ دولار/أونصة. الدول التي حضرت اجتماعات بريتون وودز قبلت بذلك مرغمة بسبب خروجها من الحرب العالمية الثانية مدمرة و منهكة اقتصاديا بينما الولايات المتحدة لم تشهد أراضيها أي معارك باستثناء الهجوم الياباني على بيرل هاربور في جزيرة هاواي سنة ١٩٤١.


الحروب سببها الرئيسي مصالح اقتصادية حتى ولو كانت هناك أسباب أخرى ظاهرة مثل خلافات سياسية أو نزاع حدودي. وعندما نتحدث عن الاقتصاد فإننا نتحدث عن الدولار. هناك نزاع بين فنزويلا وغويانا على مناطق حدودية تحتوي حقول نفط ولكن أكثر من ٨٠% من نفط العالم يكون سعره بالدولار وبالتالي لا يمكن تجاهل دور الولايات المتحدة وتأثيرها في الاقتصاد العالمي من خلال دور عملتها (الدولار) وتأثيرها على العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول. الولايات المتحدة ليس لديها مشكلة في أن تخوض الحروب في سبيل حماية الدولار. وزير الخزانة الأمريكي جون كونالي صدم الحضور في إجتماع مجموعة (G-10) في العاصمة الإيطالية روما عندما أخبرهم أن "الدولار عملتنا ولكنه مشكلتكم."


الحرب العالمية الأولى كانت فرصة لا تعوض بالنسبة الى الولايات المتحدة حيث أعلن سنة ١٩١٣ عن تأسيس بنك الاحتياط الفيدرالي وبدأت أحداث الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤. الدولار الأمريكي بدأ يدخل الى المنظومة الاقتصادية في أوروبا من خلال القروض التي قدمتها الولايات المتحدة الى فرنسا, بريطانيا ودول أوروبية أخرى. الحرب العالمية الثانية كانت فرصة أخرى مناسبة من أجل فرض الهيمنة الاقتصادية الأمريكية حيث فرضت الولايات المتحدة شروطها في اتفاقية بريتون وودز(١٩٤٤) وساهمت خطة مارشال في زيادة نفوذ الولايات المتحدة الإقتصادي على أوروبا وزيادة الكتلة النقدية المتداولة بالدولار في دول القارة الأوروبية. 


ولكن إتفاقية بريتون وودز(١٩٤٤) أعلن عن الغائها سنة ١٩٧١ حيث القى الرئيس ريتشارد نيكسون خطابا أعلن فيه عن مجموعة إجراءات اقتصادية منها تعليق مبادلة الدولار مقابل الذهب مما يعني عمليا إلغاء إتفاقية بريتون وودز و تعويم الدولار أمام العملات الأخرى في أسواق الصرف من خلال اتفاقية جامايكا(١٩٧٦) وبلازا(١٩٨٥). الإقتصاد العالمي ومنذ الغاء اتفاقية بريتون وودز يعمل بدون اتفاقية مماثلة مما يعني الكثير من المشاكل خصوصا حروب العملات. ولكن على الرغم من ذلك فإن الدولار يحافظ على مكانته عملة احتياط عالمي وذلك يعود بشكل رئيسي الى أن عملة شراء أو بيع ٨٠% من نفط العالم هي الدولار. كما أن الولايات المتحدة تتحكم في الاقتصاد العالمي من خلال مجموعة أدوات لعل أهمها نظام سويفت للتحويلات المالية والعقوبات الاقتصادية ويساهم حجم الاقتصاد الأمريكي الضخم في ذلك.


الولايات المتحدة سوف تعمل على إسقاط أي نظام يهدد مصالحها الإقتصادية خصوصا الدولار وقائمة الضحايا طويلة للغاية. الرئيس العراقي صدام حسين أعلن عن بيع النفط العراقي مقابل اليورو والرئيس الليبي معمر القذافي كان يعمل على محاولة إقناع دول القارة الإفريقية أن تبيع النفط والمواد الأولية مقابل الدينار الذهبي الإفريقي. كلاهما كانت نهايته مؤلمة وبشعة للغاية. محمد صخر الماطري صهر رئيس تونس زين العابدين كان السبب في إسقاط النظام بسبب مشروعه إقامة جزيرة مالية في العاصمة تونس على نموذج جزيرة مانهاتن في مدينة نيويورك ولكن مع فارق أن النموذج التونسي كان سوف يكون وفق نموذج الاقتصاد الإسلامي والشريعة الإسلامية. إن ذلك كان  سوف يؤدي الى تهديد مصالح النظام المصرفي التقليدي القائم على الفائدة وبالتالي تهديد الدولار والتأثير على قيمته في أسواق الصرف.


الدولار لن ينهار كما يعتقد أو يحلم الكثيرون رغم أنه فقد ٩٨% من قيمته منذ بداية ظهوره وتداوله خلال فترة حكم الرئيس إبراهام لينكولن. الولايات المتحدة لديها سلطة طباعة الدولار داخل أراضيها وليست معرضة للمحاسبة ولا يحق لأي دولة مسائلتها عن ذلك. الولايات المتحدة تعتبر أقوى وأكبر اقتصاد في العالم وعلى من يرغب في التعامل معها أن يقبل الدولار عملة للتبادل التجاري. روسيا والصين لايمكنهم التخلي عن الدولار وذلك على الأقل في المدى القصير والمتوسط أما على المدى البعيد, فإن محاولة التخلي عن الدولار أو فرض نظام اقتصادي بديل لا ترضى عنه الولايات المتحدة سوف يؤدي الى حرب عالمية ثالثة.


مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية


النهاية


Wednesday, September 25, 2024

الإسلام الشيعي في القرن الواحد والعشرين سوف يكون المهيمن وسيد الموقف

مازالت والى يومنا هذا قضية الصراع السني-الشيعي أقرب الى التشبيه بأنها كرة الثلج التي تستمر في الدوران والنمو جارفة في طريقها كل بناء وكل إنجاز يقوم به أحد طرفي الصراع. دوائر صنع القرار في دول الغرب, معاهد ومؤسسات الأبحاث, لوبيات الضغط ومفكرين غربيين استغلوا ذلك الخلاف في تقسيم وتجزئة العالم الإسلامي وبذر التفرقة ونشر الفوضى والفتن كلما سنحت لهم الفرصة. 

المفكر اللبناني الماروني نبيل خليفة تحدث في أحد اللقاءات عن مستقبل القرن الواحد والعشرين وأنه قرن الإسلام السني وقد كانت لديه عدة أدلة تحدث عنها منها الديمغرافيا ومخزون الطاقة وأدلة أخرى. أندونيسيا أكبر بلد إسلامي من حيث عدد السكان(ديمغرافيا) ولكن تأثيرها على الأحداث في العالم الإسلامي صفر. إيران وهي أكبر بلد في تعداد المسلمين الشيعة لديها أيضا النفط وموارد اقتصادية لا يستهان بها والدليل أنها نجحت رغم الحصار والعقوبات في تحقيق الكثير.

الإسلام السني لديه عدة نقاط ضعف بعضها قاتل ورئيسي والتاريخ يحكي ذلك والقرن الواحد والعشرين هو قرن الإسلام الشيعي. النظام العالمي الجديد الذي تحدث عنه المفكر نبيل خليفة وأن الإتحاد السوفياتي كان أحد أقطابه هو مفهوم غامض مثله كثير من المفاهيم منها على سبيل المثال المليار الذهبي وندرة الموارد والتغير المناخي التي تستخدم في التلاعب بالرأي العام وخداع الشعوب وتوجيه تصرفاتها في إتجاه معين يخدم مصلحة النخبة. إنهيار جدار برلين وتفكك الإتحاد السوفياتي لا يعني أن أحد أقطاب النظام العالمي الجديد قد سقط لأن الإتحاد السوفياتي لم ينضم الى إتفاقية بريتون-وودز(١٩٤٤) حيث رفض جوزيف ستالين ذلك بسبب شكوكه حول نوايا الولايات المتحدة وسعيها الى الهيمنة على العالم اقتصاديا. الإتحاد السوفياتي كان نظاما قائما بحد ذاته منفصلا عن النظام العالمي الجديد الذي نجحت الولايات المتحدة في تأسيسه. كان هناك نظامين عالميين نجح أحدهما في النهاية في إسقاط الآخر.

الإسلام السني هو صديق الولايات المتحدة والغرب ولم ولن يكون يوما عدوا. الإسلام السني والولايات المتحدة عملوا معا في سبيل إسقاط الإتحاد السوفياتي وحرب تقسيم يوغسلافيا والربيع العربي حيث تولى الإخوان المسلمون المسؤوليات الثورية واستدار السلفيون و غيروا اتجاههم بأوامر أمريكية ١٨٠ درجة وقاموا بتأسيس أحزاب سياسية ودخلوا الى البرلمان بعد أن كانت الديمقراطية كفر والبرلمان بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. الإخوان المسلمون تدعمهم قطر والسلفيون(الوهابيون) تدعمهم المملكة العربية السعودية وكلاهما يعتبران أقطاب الإسلام السني. زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن كان الصديق والمقرب من مستشار الأمن القومي الأمريكي زيغينو بريجنسكي والذي كان أستاذه ومعلمه ليس إلا المستشرق المشهور الذي رسم خطوط سايكس-بيكو(٢) الصهيوني البريطاني برنارد لويس. زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي ظهر في أحد الإجتماعات يتلقى التعليمات من السيناتور الأمريكي جون ماكين ومن قبله زعيم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين الذي أسسه الصهيوني برنارد هنري ليفي كان مسجونا لدى القوات الأمريكية في العراق وكما زعموا زورا وبهتانا أنهم لم يتمكنوا من التعرف عليه.

تاريخ تعاملات الإسلام السني مع الغرب والصهيونية العالمية وخدمة أهدافهم معروف ومثال عليه تأسيس تنظيم الإخوان المسلمين سنة ١٩٢٨ في مصر وبناء أول مسجد للجماعة في مدينة الإسماعيلية في السنة ذاتها كانت بأموال شركة قناة السويس التي قدم بنك روتشيلد في لندن التمويل من أجل شراء حصة الحكومة البريطانية فيها. حكومات الدول الغربية منحت اللجوء للإرهابيين(السنة) من أتباع أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة رغم معرفتها بتاريخهم الإرهابي وأعضاء تنظيم داعش نجحوا في التسلل الى أوروبا من خلال اللجوء تحت سمع وأبصار أجهزة الأمن الأوروبية. أعضاء تنظيمات سنية إيرانية معارضة تتواجد في الدول الغربية ولديهم مقرات ويقومون بالتجنيد وجمع الأموال بدون أي إعتراض من حكومات الدول الغربية التي تؤمن لهم الحماية. أن ترفع أعلام تنظيم القاعدة وصورة أسامة بن لادن في دول الغرب يعتبر من حرية الرأي والتعبير ولكنك لن تجرؤ على رفع علم حزب الله أو صورة زعيمه حسن نصر الله.

والأن أنا من سوف أستدير ١٨٠ درجة الى الجانب الآخر من المسألة وهم الشيعة ونقطة قوتهم الرئيسية أن لديهم قضية ومرجعية مركزية. قضية إستشهاد الإمام الحسين بن علي في كربلاء ومرجعيتهم هي إيران أو رجال الدين الشيعة الإيرانيون. بينما السنة ليس لديهم قضية مركزية ولا مرجعية موحدة. الشيعة العرب تائهون ضائعون في الصراع السني-الشيعي رغم دورهم المهم في مقاومة الإحتلال الإنجليزي ولاحقا الأمريكي في العراق. 

إن ثورة ١٩٢٠ تموز في العراق دعمتها بقوة العشائر الشيعية العراقية ونجحت في تكبيد الاحتلال الإنجليزي خسائر كبيرة. الشيعة في الوطن العربي وتحديدا سوريا وهي تفاحة نيوتن التي كانت ثوار الربيع العربي ينتظرون سقوطها هم من قام بالتصدي الناجح للربيع العربي ومنعوا تقدمه الى بلدان أخرى. دولة إيران من أوائل الدول الإسلامية التي قدمت الدعم الى البوسنة والهرسك خلال الحرب الأهلية اليوغسلافية وحاليا سلاح المقاومة الفلسطينية وتكنولوجيا الصواريخ و طائرات بدون طيار مصدرها الرئيسي إيران وصواريخ إيران الفرط صوتية التي قصفت بها جماعة أنصار الله الحوثية تل أبيب حصلت عليها إيران من روسيا وكوريا الشمالية وأرسلتها الى اليمن. إيران كما يزعم إعلام البترودولار تسيطر على أربعة عواصم عربية ولا يبدو أنها تخسر مساحة نفوذها بل تزيد عليها وتتقدم وتحقق المزيد من النجاحات السياسية والعسكرية.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Tuesday, July 23, 2024

هل فعلتها السعودية؟ وفاة البترودولار

سنة ١٩٤٤ مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها وقعت الولايات المتحدة ومجموعة من الدول الأوروبية منها بريطانيا وفرنسا على إتفاقية بريتون وودز التي كان من بنودها اعتماد الدولار عملة احتياط عالمي مقابل ربطه بالذهب بسعر ٣٥ دولار/أونصة, تأسيس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. الولايات المتحدة خرجت من الحرب من دون أضرار ولم تتعرض مدنها الى الدمار وإقتصادها الأقوى بين الدول الغربية التي كانت في حاجة الى أموال خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا ولم يكن لديها خيار سوى التوقيع على إتفاقية بريتون وودز. هناك إتفاق آخر على درجة من الأهمية وله علاقة مباشرة بالقضية محور النقاش في هذا الموضوع وهو الاتفاق الذي وقعته سنة ١٩٤٥ المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية من خلال الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس فرانكلين روزفلت العائد من مؤتمر يالطا على متن الطراد الأمريكية كوينسي والذي يمكن إختصاره بأنه "النفط مقابل الحماية." السعودية تزود الولايات المتحدة بالنفط الرخيص مقابل حماية المملكة من التهديدات والأخطار الخارجية والداخلية.

الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وفي خطاب تلفزيوني تاريخ ١٥/أغسطس/١٩٧١ أعلن عن إلغاء(مؤقت) مبادلة الدولار مقابل الذهب ولكنه في الحقيقة فإن الولايات المتحدة لم تعد بعد ذلك الى تطبيق بنود إتفاقية بريتون وودز وكانت في حاجة الى بديل من أجل دعم الدولار والمحافظة على سعر صرفه أمام العملات الأخرى بعد خطاب نيكسون الذي كان يعني عمليا بداية التعويم الذي أصبح رسميا من خلال اتفاقية جامايكا ١٩٧٦, بلازا ١٩٨٥ و لوفر ١٩٨٧. الولايات المتحدة عقدت سنة ١٩٧٥ اتفاقية النفط مقابل الحماية حيث تبيع المملكة العربية السعودية النفط مقابل الدولار الأمريكي حصريا وتقوم الولايات المتحدة بحماية المملكة من التهديدات الخارجية والداخلية وتضمن حصول السعودية على أحدث الأسلحة الأمريكية. الإتفاقية كانت بمباركة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود و مدير الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر(الثعلب) والمملكة بوصفها أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك بينما الولايات المتحدة سوف تتولى مسؤولية التعامل مع أي دولة تخرج عن بنود ذلك الاتفاق. المثير للاستغراب أنه رغم موافقة الملك فيصل على الاتفاقية فإنه تم إغتياله في نفس السنة وهي حادثة مازالت تحوم حولها الكثير من الشبهات.

هناك عامل مشترك في إسقاط عدد من الأنظمة العربية  أو إغتيال شخصيات رفيعة المستوى التي كانت في السابق حليفة للولايات المتحدة وذلك هو أنها قررت التوقف عن بيع النفط بالدولار الأمريكي. هناك صدام حسين في العراق, معمر القذافي في ليبيا, الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود في السعودية وحاليا هناك حالة غضب واسعة من الصين وروسيا بسبب بداية تبادل السلع والخدمات بما في ذلك النفط مقابل العملات المحلية و روسيا قد تبدأ في بيع النفط والغاز الى أوروبا مقابل اليورو.

ولكن السؤال هو عن تأثير ذلك على الدولار الأمريكي, وهل يعني بداية انهيار الدولار ونهاية الولايات المتحدة؟

الإتفاقية كانت مدتها ٥٠ عاما وقد نشرت عدة مواقع صحفية أمريكية مواضيع مهمة للغاية عن مصير اتفاقية البترودولار مع أخبار أن السعودية لم تجدد  الإتفاقية وأنها سوف تبيع النفط مقابل عملات مثل اليورو عملة الإتحاد الأوروبي, اليوان عملة الصين, الين عملة اليابان بالإضافة الى الدولار الأمريكي بعد أن كان الأخير هو حصريا العملة التي كانت السعودية تبيع النفط مقابلها. حاليا, إحصائيات ٢٠٢٣ أن عملة شراء ٨٠% من النفط العالمي هي الدولار الأمريكي و ٦٠% من الاحتياطات الرسمية للبنوك المركزية العالمية هي الدولار الأمريكي.

كانت هناك محاولات سابقة في سبعينيات القرن العشرين من أجل التخلص من تجارة النفط مقابل الدولار واستبدال ذلك بعملة صندوق النقد الدولي(SDR) أو سلة عملات ولكن السعودية تصدت لتلك المحاولات وإعاقتها. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ناقش سنة ٢٠٠٣ مع المستشار الألماني غيرهارد شرودر أن تبيع روسيا النفط والغاز الى أوروبا مقابل اليورو. ولكن الصين سنة ٢٠١٨ أطلقت بورصة تسعير عقود النفط الآجلة مقابل اليوان وليس الدولار.

الأمر الذي لا يدرك الكثيرون أبعاده والذي يجعل من الصعوبة إنهيار الدولار الأمريكي حتى لو باعت الدول المنتجة للنفط الذهب الأسود مقابل أي عملة أخرى أن الدولار الأمريكي هو عملة تسعير النفط. العراق سنة ٢٠٠٠ قرر أن يبيع النفط مقابل اليورو والأمم المتحدة التي كانت تسيطر على صادرات النفط العراقية بسبب العقوبات المفروضة على العراق وافقت على ذلك بدون أي مشاكل. العراق كان يبيع النفط مقابل اليورو ولكن وحدة تسعير النفط هي الدولار الأمريكي مما يعني مواجهة اليورو والدولار في أسواق الفوركس.  العراق كان يتلقى اليورو مقابل النفط ولكن بعد معادلته أمام الدولار في أسواق الصرف بالإضافة الى أن كافة السلع والخدمات التي كان العراق يشتريها كانت وحدة تسعيرها هي الدولار الأمريكي. خام برنت هو الأساس الرئيسي الذي يتحكم بأسعار النفط وليس منظمة أوبك أو المملكة العربية السعودية. خام برنت يستخرج من بحر الشمال في بريطانيا والنرويج.

إن سعر خام برنت يمر بحسابات معقدة قبل أن يصل الى السعر النهائي الذي يظهر على شاشات بورصات النفط, سوق العقود الآجلة والمستقبلية و سوق المقايضات والخيارات. الدولار الأمريكي يسيطر على التعاملات في أسواق البورصات والأسهم خصوصا بورصات النفط. سوق العقود المستقبلية كان هو السبب في هبوط سعر النفط سنة ٢٠٠٨ وذلك على هامش الأزمة المالية العالمية. المضاربون في البورصات سارعوا الى بيع حيازتهم من عقود المستقبليات في النفط بعد أن اقترب سعره من حاجز ١٤٠ دولار/برميل مما أدى الى زيادة العرض على الطلب.

الصين التي تعتبر العدو الأول للدولار الأمريكي تمتلك أكبر كمية من سندات الخزينة الأمريكية بقيمة تزيد عن تريليون دولار. الصين في حاجة الى الدولار أكثر من غيرها لأنها تبيع منتجاتها مقابل الدولار. كما أن وحدة تسعير الصادرات الصينية هي أيضا الدولار.  الدول العربية المنتجة للنفط تمتلك استثمارات بمئات المليارات من الدولارات في الولايات المتحدة وليس من مصلحتها إضعاف الدولار أو التخلي عنه واستبداله مقابل عملة أخرى. 

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Sunday, May 26, 2024

خفايا عمليات التدخل الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وأهدافها

عندما نفكر أو نتحدث عن  أمرا ما في الجيوبوليتكس الدولي خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية فإنَّ الولايات المتحدة دائما حاضرة وبقوة. كان العالم خلال الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى عالماً متعدد الأقطاب حيث هناك قوى أوروبية تحولت الى إمبراطوريات وسيطرت على مناطق تبعد عنها آلاف الكيلومترات. ولكن مع اقتراب القرن التاسع عشر من نهايته فقد نجحت بريطانيا في أن تكون القوة المهيمنة على المشهد السياسي والاقتصادي العالمي من خلال البحرية الملكية البريطانية التي كانت تعتبر الأقوى في المنطقة ونجحت في الإنتصار على جميع خصومها ولكن من دون أن تكون لديها القدرة على القضاء عليهم تماما حيث لم يكن ذلك ممكنا من دون تواجد قوات برية على أراضي تلك الدول.

الثورة الصناعية كانت عاملا مهما في تقدم بريطانيا على غيرها حيث أن البريطانيين إهتموا بالصناعة وتوجهت رؤوس الأموال الى بريطانيا بسبب عدة عوامل ليس هناك متَّسَعٌ لأن أذكرها في هذا الموضوع. دول أوروبية فرنسا وإسبانيا على سبيل المثال إستولت على مستعمرات في العالم الجديد وحقَّقَت ثروات هائلة من مناجم الذهب والفضة وتجارة التوابل ولكنها فضَّلت إنفاق ذلك المال على الترف وحياة الرفاهية والسلع الفاخرة وخسرت بذلك الكثير حيث أن ثرواتها توجهت نحو بريطانيا التي كانت مركزا صناعيا نابضا في قلب القارة الأوروبية. ولكن حيث يوجد المال والنفوذ هناك يتواجد المنافسين والألمان قرروا أن لا يقفوا متفرجين على حركة الكشوفات الجغرافية والحركة الاستعمارية بدون أن يكون لهم حصة في كعكة المستعمرات والثروات الهائلة التي تحتويها ونجحوا في منافسة بريطانيا في أمر مهم وحيوي وهو سلاح البحرية. فقد طوَّرَ الألمان سفنهم حتى تعمل على الوقود السائل الذي مصدره النفط وأرسلوا طرادا حربيا(الفهد-The Panther) سنة ١٩١١م في زيارة الى ميناء أغادير المغربي وكان متقدما على السفن الحربية البريطانية التي مازالت تعمل بواسطة الفحم. إن نتيجة تلك الزيارة كانت نقاش واسع داخل دوائر صنع القرار في بريطانيا خصوصا وينستون تشرشل الذي تم تعيينه أول أدميرال(وزير أو قائد عام) في تاريخ البحرية البريطانية الذي كان معارضا عملية تحويل سفن البحرية البريطانية حتى تعمل على الوقود السائل بديلا عن الفحم ولكن رأيه إنقلب ١٨٠ درجة بعد زيارة الطراد الألماني الى ميناء أغادير المغربي.

والحقيقة أن هناك الكثير من صفحات التاريخ التي يزورها المؤرخون أو في أفضل الأحوال يخفونها بهدف التضليل ورواية التاريخ من وجهة نظر معينة. الإنتصار الذي تحقق ضد نابليون بونابرت في معركة واترلو كان بسبب قوة الجيش البروسي وتقدم صناعته العسكرية ولكن البريطانيين نسبوا النصر لأنفسهم كما فعلت الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية على الرغم من أن النصر كان غير ممكن بدون مشاركة الجيش الأحمر(الإتحاد السوفيتي) والانتصار في معارك الجبهة الشرقية. بريطانيا التي كانت في تحالف الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى والثانية ولكنها بدأت في خسارة نفوذها ومستعمراتها تدريجيا في صالح الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت في زيادة نفوذها وقوتها بعد نهاية الحرب الأهلية وتوحيد جبهتنا الداخلية. بريطانيا ودول أوروبية أخرى بالطبع كانت مدينة للولايات المتحدة إذا أنه لولا الدعم الأمريكي بالسلاح والدعم اللوجستي والتدخل العسكري المباشر في مرحلة لاحقة, لم يكن من الممكن تحقيق الإنتصار في الحربين العالميتين الأولى والثانية وكانت ألمانيا حسمت الموقف في صالحها منذ صيف عام ١٩١٨م واستولت على القارة الأوروبية وربما لاحقا على بريطانيا. ولكن ذلك الدعم اللوجستي لم يكن مجاناً ولكنه كان مقابل قروض يتم تقديمها بشروط أهمها تخلي بريطاني التدريجي عن مستعمراتها حيث كانت الولايات المتحدة جاهزة من أجل أن تملأ الفراغ الناتج عن الإنسحاب البريطاني. الولايات المتحدة هيمنت على العالم عسكريا من خلال سلاح البحرية وحاملات الطائرات واقتصاديا من خلال إتفاقية بريتون وودز والدولار الأمريكي الذي فُرِض على العالم عملة احتياطي عالمي مدعوما بالقوة العسكرية الأمريكية.

وعندما نتعمق في قراءة ودراسة التاريخ سوف نكتشف أن رؤوس الأموال البريطانية التي توجهت نحو الولايات المتحدة بحثا عن فرص وأسواق جديدة بعد أن بلغت ذروتها في بريطانيا وأن هناك أشخاصا لعبوا أدواراً رئيسية في صقل وتثبيت القوة الأمريكية على رأسهم جي بي مورغان والذي كان من أحد أعرق الأسر المصرفية في بريطانيا مواطنا بريطانيا هاجر الى الولايات المتحدة وكان وكيل وشريك ومثل آل روتشيلد في الأراضي الأمريكية. هناك شخصية أخرى لعبت دورا رئيسيا في تاريخ الولايات المتحدة وهي جون.د.روكفلر  والذي لا يمكن الحديث عن تاريخ النفط في العالم بدون الحديث عنه والذي ساهم في تكريس السيطرة النفطية الأمريكية وهيمنتها في ذلك المجال الحيوي والمهم. الصراع الأمريكي-البريطاني على مناطق النفوذ والسيطرة في منطقة الشرق الأوسط لك يكن سوى صراعا على النفط بعد أن أدركت دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى أهميته وتعزز ذلك خلال الحرب العالمية الثانية حيث كان أحد أهم الأسباب التي أدت الى هزيمة قوات ألمانيا النازية في معارك الجبهة الشرقية وأوروبا.

ولعل هناك أمرا مهما لابد من أن أذكره في بداية الحديث عن تاريخ المؤامرات الأمريكية في الشرق الأوسط وأهدافها وهي أن النفط كان محورا رئيسيا فيها منذ بداية القرن العشرين. إنَّ عزل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني كان سببه النفط وليس قضية فلسطين وأنه رفض التنازل عن فلسطين وترهات تاريخية يرددها أيتام الخلافة العثمانية يؤيدهم وسائل إعلام غربية تسعى الى إخفاء الحقائق وتزوير التاريخ. خط سكة حديد برلين-بغداد ولاحقا برلين-بغداد-الكويت قد أدى الى القلق بين السياسيين البريطانيين لسببين رئيسيين: الأول هو التهديد الألماني المحتمل للهند التي كانت تلقب درة التاج البريطاني, والثاني أن تصميم مسار الخط كان يمر على مقربة من مناطق تواجد النفط خصوصا في العراق-الموصل والكويت وأن عبد الحميد الثاني كان على إطلاع بذلك ومنح ألمانيا القيصرية إمتياز التنقيب على الثروات الطبيعية عشرين كيلومترا على جاني خط السكة الحديدي.

الولايات المتحدة كانت تراقب كل ذلك منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وليس كما يعتقد البعض أنها كانت تقف متفرجة ثم يستشهدون بمبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون(ودروو ويلسون) الأربعة عشر ومنها حق تقرير المصير والتي خُدِعَ بها العرب واعتقدوا أن الولايات المتحدة طرف محايد ونزيه وسوف ينصفهم من ظلم البريطانيين والقوى الإستعمارية الاخرى ويمنحهم الإستقلال. الرئيس الأمريكي ودروو ويلسون الذي كان يصافح العرب باليمين ويمسك الخنجر حتى يطعنهم في الشمال والحقيقة أنه كان يفعل ذلك حتى مع حلفائه وشركائه الأوروبيين حيث أنه لم يكن سوى صنيعة أثرياء الولايات المتحدة جون.د.روكفلر و مصر في وول ستريت خصوصا جي بي مورغان. وودرو ويلسون هو من رسم خريطة العالم التي فُرِضَ على حلفائه الأوروبيين القبول بها وإلا فإن الولايات المتحدة لن تقدم لهم دولار واحد أو طلقة بندقية ليتدبروا أمورهم مع الجيش الألماني الذي كان على أبواب العاصمة الفرنسية باريس. وعد بلفور(١٩١٧) ليس سوى أحد نتائج الاجتماع بين الرئيس وودرو ويلسون ومستشاره العسكري الجنرال إدوارد هاوس بتاريخ ٥/يناير/١٩١٧ وهو الإجتماع الذي بدأ الساعة التاسعة صباحا وانتهى الحادية عشرة ونصف وتم خلال ذلك الاجتماع إعادة رسم خريطة العالم التي فرضتها الولايات المتحدة على حلفائها.

الولايات المتحدة كانت مؤيدة للخطوات البريطانية في تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين وكذلك الإتحاد السوفياتي ولكل من تلك الدول دوافعه الظاهرة التي يعلم عنها العامة ولكن ما بين السطور لا يقرأه إلا القليلون. في كتاب "أحجار على رقعة الشطرنج" يتحدث المؤلف وليام جاي كار عن ثروات معدنية في المنطقة المحيطة بالبحر الميت(فلسطين والأردن) بلغت تقديراتها خلال الفترة التي سبقت سنة ١٩١٨م ٥(تريليون) دولار وأنه لم يتم السماح بتسريب تلك الأخبار إلا سنة ١٩٤٨م بعد إنتهاء الإنتداب البريطاني وتأسيس دولة إسرائيل على أراضي فلسطين المحتلة. الجيولوجي غريغ كننغهام الذي عمل مع الحكومة البريطانية سنة ١٩١٨م تم استدعائه من كندا سنة ١٩٣٩م وقام بدراسات جديدة وتوفي بعد الانتهاء من مهمته في ظروف غامضة. إذا فإن الولايات المتحدة ساهمت في انتصار الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى وإسقاط الدولة العثمانية بوصف ذلك مشروعا إقتصاديا ودعمت فكرة تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين بوصف ذلك أيضا مشروعا إقتصاديا.

الولايات المتحدة عملت على تصفية النفوذ الفرنسي والبريطاني في منطقة الشرق الأوسط من خلال تخلي الدولتين عن المستعمرات في مصر, الجزائر, تونس, المغرب, سوريا, لبنان وغيرها من الدول. التدخل الأمريكي في حرب قناة السويس ١٩٥٦ وإيقاف الحرب سببه تهديد بريطانيا وفرنسا بالديون الأمريكية على البلدين نتيجة الدعم الذي تم تقديمه إليهما خلال الحرب العالمية الثانية. الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور و سياسيين أمريكيين شعروا بأن حرب ١٩٥٦ سوف تؤدي الى تغلغل الشيوعيين في المنطقة من خلال دعم مصر واقترابهم من السيطرة على منطقة قناة السويس الحيوية للملاحة البحرية وحركة النقل العالمي. مصر أيضا تحتوي على ثروات هائلة خصوصا في سيناء حيث كانت دولة الكيان الصهيوني تنتج مايعادل مليار دولار شهريا من النفط من أراضي سيناء المحتلة. العامل الاقتصادي دائما كان حاضرا في حروب الولايات المتحدة وتدخلها في منطقة الشرق الأوسط.

سوريا ضحية المخططات الأمريكية منذ استقلالها عن فرنسا سنة ١٩٤٦م وهناك مجموعة أسباب الكثير منها عبارة عن ساتر دخاني أو تضليل حتى لاتتمكن الشعوب من معرفة الحقيقة مثل إستخدام أساطير دينية عن عودة المسيح في دمشق آخر الزمان وأخبار معارك الملاحم في مرج دابق التي تقع في ريف مدينة حلب وغير ذلك الكثير. ولكن الحقيقة أنَّ سوريا مركز رئيسي للطاقة في المنطقة بسبب مشاريع خطوط أنابيب نقل النفط من قطر وحقول آسيا الوسطى الى الموانئ التركية خصوصا ميناء جيهان حيث يتم إختصار الوقت والتكاليف وضمان إستقرار الإمدادات. كما أنه هناك حقول نفط وغاز تجارية في الرقة ودير الزور وحقول نفط وغاز بحرية في منطقة الساحل السوري وعلى أعماق قليلة تجعل من عملية استغلالها تجاريا أمرا مربحا. روسيا حصلت منذ وقت طويل على موطئ قدم في البحر الأبيض المتوسط في مينائي طرطوس و اللاذقية حيث لديها قواعد بحرية وهو أمر لا تنظر له الولايات المتحدة بعين الرضا والقبول. الحديث عن سوريا يطول ولكن نموذج الدولة السوري أمر كان تشعر الولايات المتحدة منه بالانزعاج وتسعى الى تحطيمه, اكتفاء غذائي خصوصا من القمح مع قدرات تصديرية وثروات معدنية ونفطية و قدرات صناعية تعتبر متقدمة عند المقارنة مع دول أخرى تمتلك أضعاف مضاعفة مما تمتلكه سوريا وكتلة سكانية في العموم تعتبر معادية للمشاريع الأمريكية في المنطقة.

إن دول مثل مصر, سوريا, ليبيا, تونس واليمن ضحية مشتركة لمخططات التدخل الأمريكية في إطار ثورات الربيع العربي والأسباب إقتصادية أولاً ثم أسباب ثانوية لها علاقة بالسياسة. الرئيس محمد حسني مبارك رفض إقامة قواعد عسكرية أمريكية في مصر رغم الإغراءات التي تم تقديمها له مثل شطب ديون مصر الخارجية كاملة وبدأ في مد خطوط اتصال مع إيران وتعزيز التواصل مع روسيا والصين. كما أن قناة السويس مهمة في الملاحة البحرية وحركة النقل العالمية خصوصا ناقلات النفط وهي خارج السيطرة المباشرة للكارتيلات المالية التي تتبع بنوك وول ستريت وذلك سبب رئيسي في إسقاط الرئيس مبارك من خلال إنقلاب أبيض نفذه الجيش المصري حيث كان وزير الدفاع المشير الطنطاوي في زيارة البيت الأبيض قبل بضعة أيام على بداية أحداث ٢٥ يناير. الرئيس الليبي معمر القذافي قام ببناء مشروع النهر الصناعي العظيم والذي كان تخريب منشآته من أولويات العصابات الثورية الأمريكية في ليبيا حيث كانت ليبيا قبل ذلك تستورد كميات هائلة من المياه من دول أوروبية. كما أن معمر القذافي بدأ في إقناع الدول الإفريقية التمرد على هيمنة الدولار الأمريكي وبيع ثرواتها خصوصا النفط مقابل اليورو أو حتى الدينار الذهبي الأفريقي الذي بدأ في صكه بالفعل وبكميات ضخمة. اليمن دولة لديها حدود طويلة وممتدة مع المملكة العربية السعودية التي تعتبر المنتج الأول للنفط وحليف للولايات المتحدة أو هكذا يعتقد بعضهم. ولكن السعودية بدأت في شق عصا الطاعة الأمريكية من خلال توسيع العلاقات مع الصين ومحاولة الوصول الى توافق مع إيران وزيادة مستوى التعاون مع روسيا خصوصا في الجانب العسكري وكان لابدَّ من إسقاطها في مستنقع فيتنام خاص بها وكان الخيار الأفضل والأقرب هو اليمن حيث تولت توكل كرمان وتنظيم الإخوان المسلمين مسؤولية إسقاط اليمن في فخ الربيع العربي. أما تونس فهي قضية غير واضحة المعالم بالنسبة الى الكثيرين الذين يسألون عن سبب إختيار أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة في إفريقيا أول ضحية لما يسمى ثورات الربيع العربي. صهر الرئيس التونسي يدعى صخر الماجري كان يسعى الى بناء مشروع مالي مصرفي ضخم في تونس وفق أو أقرب ما يكون في الشبه الى جزيرة مانهاتن في مدينة نيويورك الأمريكية ولكنه يعتمد الصيرفة الإسلامية وذلك كان سوف يسحب البساط ولو تدريجيا وببطئ من تحت أقدام النظام المصرفي التقليدي الذي يعتمد نظام القروض الربوي الذي يلعب فيه أثرياء ومصارف وول ستريت دورا رئيسيا ومهما.

وفي ختام الموضوع أعتقد أن الصورة قد أصبحت واضحة حول الأسباب والأهداف الحقيقية لعمليات التدخل الأمريكية في الشرق الأوسط وذلك على الرغم من الإطالة والتي تكون ضرورية في مسائل معينة حيث لا ينفع الاختصار وقد يؤدي الى التشويش على الصورة الكلية أو وجهة النظر التي يسعى الكاتب الى توضيحها.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Friday, June 9, 2023

هل الدولار الأمريكي في خطر؟

هناك أمر مثير للإهتمام في سياسة الولايات المتحدة التي تتمحور حول أمن الطاقة وهي أنها تبحث عن بديل صادراتها من نفط الشرق الأوسط بسبب عدم الإستقرار والخطر المباشر على الأمن القومي الأمريكي. إن حالة عدم الإستقرار العالمي تعني زيادة الطلب على الدولار الأمريكي وعلى سندات الدين التي تصدرها وزارة الخزانة في الولايات المتحدة بوصفها أكثر أداة استثمارية آمنة. كما أنَّ الحفاظ على حالة من عدم الإستقرار في العالم أصبحت أولوية في سياسة الولايات المتحدة الخارجية منذ سنة ١٩٧٥ وهو التاريخ الذي تفاوض فيه مستشار الأمن القومي الأمريكي ريتشارد نيكسون على إتفاقية البترودولار مع المملكة العربية السعودية.

وسائل الإعلام الأمريكية تتحدث بدون توقف عن مساعي روسيا في إزدياد حالة عدم الإستقرار العالمي وعن دور شركة فاغنر للخدمات الأمنية الخاصة وتعاونها مع الحكومة الروسية. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدعو باستمرار الى البحث عن عملة بديلة للدولار الأمريكي وهو بذلك يزيد من حالة عدم الإستقرار كما ترى وسائل إعلام وسياسيون أمريكيون. الصين, البرازيل, الهند وحتى بنغلاديش تساهم من وجهة نظر الولايات المتحدة في حالة عدم الاستقرار لأنها وقعت إتفاقيات تبادل تجاري بعملاتها المحلية وليس الدولار الأمريكي.

إتفاقية بريتون وودز التي تم التوقيع عليها سنة ١٩٤٤ فرضت الدولار عملة احتياط عالمية وهي إتفاقية متوفية دماغيا منذ ١٥/أغسطس/١٩٧١ التي أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عن قراره الذي عرف إعلاميا بأنه "صدمة نيكسون," الولايات المتحدة تنسحب من الاتفاقية ولاحقا تم تعويم الدولار الأمريكي في اتفاقية جامايكا ١٩٧٦, بلازا ١٩٨٥ و لوفر ١٩٨٧. النظام الاقتصادي والمالي العالمي الذي يعتمد على الدولار الأمريكي عملة رئيسية مازال منذ سنة ١٩٧١ بدون أي بديل حقيقي وهناك عدة دول بدأت في القفز من السفينة قبل غرقها ومحاولة النجاة بأنفسهم.

إنَّ الخطوة القادمة التي سوف يتم إتخاذها من عدة دول أو أن هناك بعض الدول بالفعل قد بدأت في العمل بها هي بيع/شراء النفط مقابل عملات أخرى لأن التخلي عن إتفاقية البترودولار هي القشة التي سوف تقسم ظهر البعير. إنَّ نسبة الدولار الأمريكي في التعاملات المالية الدولية تبلغ ٥٤% تقريبا حيث يمكن إعتبار عمليات بيع/شراء النفط جزئاً رئيسيا منها والتخلي عن ذلك ولو تدريجيا هو بداية النهاية الحقيقية للدولار الأمريكي وهيمنة الولايات المتحدة ونفوذها على الإقتصاد العالمي وقرار الدول السيادي. الولايات المتحدة لن تقف صامتة وسوف يكون الحرب هو خيارها المفضَّل الأزمة في أوكرانيا والسودان ليست إلا علامات أو مقدمات لأحداث قادمة لا أحد يمكن أن يتوقعها أو يتوقع نتائجها.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Saturday, April 29, 2023

هل الدولار الأمريكي في خطر؟

هناك أمر مثير للإهتمام في سياسة الولايات المتحدة التي تتمحور حول أمن الطاقة وهي أنها تبحث عن بديل صادراتها من نفط الشرق الأوسط بسبب عدم الإستقرار والخطر المباشر على الأمن القومي الأمريكي. إن حالة عدم الإستقرار العالمي تعني زيادة الطلب على الدولار الأمريكي وعلى سندات الدين التي تصدرها وزارة الخزانة في الولايات المتحدة بوصفها أكثر أداة استثمارية آمنة. كما أنَّ الحفاظ على حالة من عدم الإستقرار في العالم أصبحت أولوية في سياسة الولايات المتحدة الخارجية منذ سنة ١٩٧٥ وهو التاريخ الذي تفاوض فيه مستشار الأمن القومي الأمريكي ريتشارد نيكسون على إتفاقية البترودولار مع المملكة العربية السعودية.

وسائل الإعلام الأمريكية تتحدث بدون توقف عن مساعي روسيا في إزدياد حالة عدم الإستقرار العالمي وعن دور شركة فاغنر للخدمات الأمنية الخاصة وتعاونها مع الحكومة الروسية. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدعو بإستمرار الى البحث عن عملة بديلة للدولار الأمريكي وهو بذلك يزيد من حالة عدم الإستقرار كما ترى وسائل إعلام وسياسيون أمريكيون. الصين, البرازيل, الهند وحتى بنغلاديش تساهم من وجهة نظر الولايات المتحدة في حالة عدم الاستقرار لأنها وقعت إتفاقيات تبادل تجاري بعملاتها المحلية وليس الدولار الأمريكي.

إتفاقية بريتون وودز التي تم التوقيع عليها سنة ١٩٤٤ فرضت الدولار عملة احتياط عالمية وهي إتفاقية متوفاة دماغيا منذ ١٥/أغسطس/١٩٧١ التي أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عن قراره الذي عرف إعلاميا بأنه "صدمة نيكسون," الولايات المتحدة تنسحب من الاتفاقية ولاحقا تم تعويم الدولار الأمريكي في اتفاقية جامايكا ١٩٧٦, بلازا ١٩٨٥ و لوفر ١٩٨٧. النظام الاقتصادي والمالي العالمي الذي يعتمد على الدولار الأمريكي عملة رئيسية مازال منذ سنة ١٩٧١ بدون أي بديل حقيقي وهناك عدة دول بدأت في القفز من السفينة قبل غرقها ومحاولة النجاة بأنفسهم.

إنَّ الخطوة القادمة التي سوف يتم إتخاذها من عدة دول أو أن هناك بعض الدول بالفعل قد بدأت في العمل بها هي بيع/شراء النفط مقابل عملات أخرى لأن التخلي عن إتفاقية البترودولار هي القشة التي سوف تقسم ظهر البعير. إنَّ نسبة الدولار الأمريكي في التعاملات المالية الدولية تبلغ ٥٤% تقريبا حيث يمكن إعتبار عمليات بيع/شراء النفط جزئاً رئيسيا منها والتخلي عن ذلك ولو تدريجيا هو بداية النهاية الحقيقية للدولار الأمريكي وهيمنة الولايات المتحدة ونفوذها على الإقتصاد العالمي وقرار الدول السيادي. الولايات المتحدة لن تقف صامتة وسوف يكون الحرب هو خيارها المفضَّل الأزمة في أوكرانيا والسودان ليست إلا علامات أو مقدمات لأحداث قادمة لا أحد يمكن أن يتوقعها أو يتوقع نتائجها.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية

Wednesday, April 12, 2023

سقوط الدولار, الاقتصاد والحرب

لو سألني أحدهم عن أهم ثلاثة أحداث على مستوى العالم غيرت تاريخ البشرية, سوف تكون إجابتي هي: تأسيس بنك الاحتياط الفيدرالي سنة ١٩١٣, إعلان حسن البنا عن تنظيم الإخوان المسلمين سنة ١٩٢٨, حرب الخليج الأولى(١٩٩٠-١٩٩١).

إنَّ القرن العشرين(١٩٠٠-٢٠٠٠) هو القرن الأمريكي بإمتياز كما أعلن الكثير من المفكرين في الولايات المتحدة خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. ولو نظرنا الى الأحداث الثلاثة الرئيسية التي ذكرتها سوف نجد أنها سقوط أول حجر من أحجار الدومينو والذي سوف يعقبه سقوط جميع الأحجار الأخرى.

تأسيس بنك الاحتياط الفيدرالي سنة ١٩١٣ كان يعني فرض هيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي من خلال عملتها الدولار. ولكن من أجل تحقيق ذلك فقد كان لابد من تحطيم جميع الإمبراطوريات القوية والتخلص من عملاتها الوطنية وكانت الحرب العالمية الأولى هي الفرصة المناسبة من أجل جعل ذلك ممكنا. إن نتيجة الحرب كانت إضعاف قبضة الإمبراطورية البريطانية على مستعمراتها بسبب المبادئ القومية التي بدأت تنتشر في تلك المستعمرات, الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية تقسَّمت الى عدة دول بينما خضعت مستعمرات الإمبراطورية العثمانية الى سيطرة الدول الأوروبية بإسم الإنتداب.

الحرب العالمية الثانية كانت هي المحطة التالية والتي كانت بمثابة إعلان النهاية للإمبراطورية البريطانية والفرنسية بسبب استقلال عدد من المستعمرات وثورات عنيفة ودموية في مستعمرات أخرى. كما أن الولايات المتحدة نجحت في تأسيس منظمة الأمم المتحدة وفرض الدولار والمؤسسات المالية التابعة لها على العالم من خلال إتفاقية بريتون وودز سنة ١٩٤٤ التي أعلنت عن تأسيس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

ولكن حتى سنة ١٩٧١, فقد كان الدولار مازال مرتبطا بالذهب من خلال إتفاقية بريتون وودز وفق سعر ٣٥ دولار/أونصة ولكن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أعلن عن إيقاف العمل بمبادلة الدولار مقابل الذهب فيما أطلق عليه في الأوساط الإعلامية والإقتصادية بأنه صدمة نيكسون. سنة ١٩٧٥, كان مستشار الأمن القومي الأمريكي ريتشارد نيكسون عراب اتفاقية البترودولار بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية حيث توافق السعودية على تصدير النفط مقابل الدولار الأمريكي حصريا وتضمن حماية نظام الحكم في السعودية من أي عملية تدخل خارجية أو إنقلاب داخلي. إن تلك الاتفاقية حافظت على مكانة الدولار عملة احتياط عالمية وكانت الولايات المتحدة تتدخل ولو بالقوة المسلحة من أجل ضمان تنفيذ تلك الاتفاقية.

إن أول ضحايا إتفاقية البترودولار كان هو الملك فيصل آل سعود نفسه الذي بدأ في سك عملة خاصة "الدينار الذهبي الإسلامي" في سويسرا والتي سوف يتم بيع نفط المملكة العربية السعودية مقابلها حصريا مما يشجع دول أخرى على القيام بالأمر نفسه. الرئيس العراقي السابق صدام حسين كان ضحية أخرى لأنه أعلن عن بيع النفط العراقي مقابل اليورو حيث تم إسقاطه من خلال عملية تدخل عسكري مباشرة سنة ٢٠٠٣. 

ولكن أساليب الولايات المتحدة في حماية هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي تغيرت وتطورت مع تغير الزمن وانتقلت من عملية التدخل العسكري المباشر, حروب الجيل الثالث, الى حروب الجيل الرابع التي يمكن التعبير عنها تحت مسمى الحرب على الإرهاب حيث شهدت تلك الفترة التي أعقبت الحرب الأفغانية(١٩٧٩-١٩٨٩) صعود قوى متطرفة مثل تنظيم القاعدة استخدمت الإسلام من أجل تنفيذ أجندات غامضة تخدم في محصلتها أهداف الولايات المتحدة في صناعة الأزمات والحفاظ على هيمنة الدولار الأمريكي وكان تاريخ ١١/سبتمبر/٢٠٠١ هو ذروة تلك المرحلة.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما القى خطابه الشهير في جامعة القاهرة سنة ٢٠٠٩ والذي قام بالتركيز من خلاله على منطقة الشرق الأوسط. الربيع العربي بدأ سنة ٢٠١٠ من تونس والسبب هو أنَّ تونس كانت تخطِّط منن أجل إنشاء مانهاتن مالية في تونس العاصمة تعتمد الشريعة الإسلامية في التعاملات المصرفية مما يعني تهديد مركز الدولار الأمريكي وهيمنته على الإقتصاد العالمي. ليبيا كانت الضحية التالية في أحداث الربيع العربي حيث تم إسقاط نظام الرئيس الليبي معمر القذافي والسبب هو تصدير النفط الليبي مقابل اليورو و تحريض دول إفريقيا على تصدير النفط والمواد الخام خصوصا الذهب والألماس والثروات الطبيعية الأخرى مقابل الدينار الذهبي حصريا وإنشاء بنك مركزي أفريقي موحد مما يؤدي الى تحرير دول القارة من الهيمنة الإقتصادية للولايات المتحدة والتي كانت تفرضها من خلال عملتها الدولار.

إنَّ جميع تلك الأحداث التي ذكرتها في بداية الموضوع تخدم الغرض والهدف في الحفاظ على الدولار الأمريكي عملية إحتياط عالمية وبالتالي الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة على الإقتصاد العالمي. ولكن دول العالم تعلمت من دروس التاريخ و تسعى الى التخلص من عملة الدولار الأمريكي والنظام الاقتصادي العالمي الذي تسيطر عليه وتتحكم فيه الولايات المتحدة. الصين التي تراقب عن كثب أحداث الأزمة الأوكرانية وتسعى بالتعاون مع روسيا من خلال منظمة شنغهاي للتعاون والبريكس الى توقيع اتفاقيات للتبادل التجاري بالعملات المحلية. كما أن جهود الصين قد نجحت في عقد اتفاقية مصالحة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية تضمنت تبادل السفراء وربما انضمام السعودية الى منظمة شنغهاي والبريكس وبيع النفط السعودي مقابل العملات المحلية والذي يعني عمليا ضربة قاتلة للدولار الأمريكي ونهاية عصر القطب الواحد وهيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية