Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label sum zero. Show all posts
Showing posts with label sum zero. Show all posts

Saturday, June 18, 2016

هل العولمة سبب رئيسي في تدمير المجتمعات وزيادة نسبة الفقر؟

الشركات ورؤوس الأموال العابرة للقارات والتي تشكل تحالفات مع القوى الإستغلالية والإقطاعية المحلية لشراء الأصول والشركات التي يفترض أنها متعثرة لايهمها إلا الربح على حساب جودة الخدمة وتوفيرها لأكبر قطاع من المستهلكين. فمن يملك ثمن إستهلاك المياه أو الكهرباء يستطيع الحصول على الخدمة وإلا فمصيره الموت عطشا والعيش في الظلام الدامس أو على ضوء الشموع إن كان قادرا حتى على شرائها.
هناك الكثير من الحجج التي يسوقها المناصرون لقضية العولمة ومنها أنها السبب الرئيسي لإنتشال مئات الملايين من البشر من فقرهم المدقع وزيادة نسبة الدخل وإنخفاض مستوى البطالة وذالك مردود عليهم لمجموعة أسباب. أول تلك الأسباب هي أن إتفاقيات التجارة الحرة قد أدت إلى إنتقال فرص العمل من الدول الغربية(Developed Country) حيث التكلفة المرتفعة إلى دول نامية(Developing Country) حيث الأجور منخفضة وبتطبيق نظرية الكم صفر(Sum Zero) فإن إنخفاض نسبة البطالة في الفلبين أو بنغلاديش أو المكسيك سوف يقابله إرتفاعها في الولايات المتحدة وأوروبا. ثاني تلك الأسباب أن الدول النامية سوف تبقى عاجزة عن القيام بأي إجرائات من شأنها الحد من تأثيرات العولمة السلبية خصوصا التشريعات المتعلقة بحماية العمال والمصادر الطبيعية من الإستغلال لأن أي دولة تقوم بذالك فسوف تكون التهمة جاهزة وهي الشيوعية كما في عصر الحرب الباردة أو يتم إشهار سلاح حقوق الإنسان لتبرير التدخل العسكري أو إحتلالها مباشرة أو إتهامها بالإرهاب كما حصل مع بعض الناشطين لحماية غابات الأمازون حيث تم إتهامهم بأنهم يتلقون السلاح والتدريب من متطرفين إسلاميين.
لست أفهم كيف ينظر المؤيدون للعولمة بنظرة إيجابية لأحياء الفقر والتهميش التي يسكنها العمال الفقراء في بنغلاديش وفيتنام وأندونيسيا والذين يعملون على صناعة أحذية وحقائب يد نسائية وألبسة جاهزة لصالح ماركات تجارية عالمية؟ كيف ينظرون لإرتفاع نسبة الجريمة وحوادث الإغتصاب والإستغلال الجنسي في المدن المكسيكية حيث تنتشر مصانع الألبسة والمنسوجات التي تعمل لصالح شركات أمريكية وأوروبية؟ كيف ينظرون لتلك الأماكن حيث لايتمتع العمال بأي حقوق أو إجازات مدفوعة وترتفع نسبة الفقر بسبب الأجور الزهيدة التي بالكاد تكفي لدفع تكلفة الطعام والسكن في أماكن تعتبر مكاره صحية وبيئية حيث يعاني العمال وأسرهم من الأمراض والأوبئة وترتفع نسبة وفيات المواليد الجدد؟
ولايكتفي أنصار العولمة بالدفاع عن وجهة نظرهم وهو دفاع فاشل بإمتياز بل يمتد إلى إنتقاد الدول الأخرى التي لاتطبق تلك المفاهيم بحذافيرها حيث يعتبرون منح العمال إجازات مدفوعة الأجر وإجازات ولادة أمورا غير مستحبة ويعدونها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن إنخفاض الإنتاجية بينما العكس هو الصحيح حيث تكفي نظرة معمقة لبلدان مثل فرنسا, إيطاليا, ألمانيا, فنلندا, السويد والدانيمرك خطأ وجهة نظرهم. في السويد لايتم إلقاء المرضى خارج المستشفيات لأنهم لايملكون ثمن العلاج. في الدانيمرك يتم منح الطلاب راتبا ماداموا منتظمين في دراستهم. في ألمانيا وإيطاليا يتم منح العاملين حتى في الشركات الخاصة إجازات سنوية مدفوعة الأجر وإجازات أمومة تعد مرتفعة نسبيا قياسا بدول غربية أخرى قد لا تزيد فيها إجازة الأمومة عن 5 أشهر. المدارس الفرنسية في المناطق الأكثر فقرا تعد وجبات طعام لطلابها أفضل من أفخم الفنادق في منطقة الشرق الأوسط والخدمة في تلك المدارس خمسة نجوم. فنلندا تتمتع بأحد أرقى الأنظمة التعليمية في العالم حيث تتفوق حتى على الولايات المتحدة بنظامها التعليمي.
حتى وسائل الإعلام أصابتها عدوى العولمة حيث يمتلك عدد صغير جدا من الشركات قد لايتعد ستة أو سبعة شركات أغلب الوسائل الإعلامية على إختلافها من الصحف والمجلات والإذاعات وشركات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني. تلك الشركات تدافع عن مصالحها بشراسة وتتعمد مهاجة الأطراف الأخرى, تضخيم السلبيات وإخفاء الإيجابيات والإنجازات والترويج لنموذج إقتصادي قائم على إستغلال الطبقات الأكثر فقرا وعوزا حتى يزدادو في الفقر ويزدادو هم وداعميهم ثراء ونفوذا وسطوة.
رموز العولمة كأشهر ماركات الساعات والأزياء والعطور ليست هي النموذج الوحيد على نجاح المفهوم من الناحية العملية بل هناك سلاسل مطاعم الوجبات السريعة وهي تختلف عن الفئة الأولى التي ذكرت أنها تستهدف الطبقة الوسطى بشكل رئيسي. إن وجود طبقة وسطى مؤثرة في أي مجتمع أو بلد لا على التعيين يعد دليلا على تجربة عولمة نموذجية ومثالية حيث أن تلك الطبقة قادرة على دعم وجود ماكدونالدز وكي. إف. سي وغيرها من شركات وجبات المطاعم السريعة.
تلك النظرة تعد قاصرة برأي لأنه في الكثير الدول التي تنتشر مطاعم الوجبات السريعة خصوصا ماكدونالدز وقوسها الذهبي المشهور ينتشر الفقر والجوع خصوصا المتسولين الذين قد ينتظرونك عند أحد تلك المطاعم يستجدون الزبائن والمارة. في الكثير من الدول الغربية وهي مليئة بمطاعم الوجبات السريعة ومقاهي شركات عالمية يتم بث إعلانات متلفزة حكومية تحذر من ظاهرة الفقر والجوع محليا وليس في أدغال أفريقيا وتحذر من إنتشار ظاهرة الإختيار بين سقف يؤوي الأسرة أو تناول ثلاثة وجبات في اليوم وتحث على التبرع لبنوك الطعام. كما أن شركات المطاعم السريعة لاتقدم أي مساهمة في تنمية الإقتصاد المحلي حيث يعيش نسبة كبيرة من موظفيها خصوصا في الدول الصناعية على كوبونات الطعام الحكومية والإعانة الإجتماعية على الرغم من حصولهم على عمل بدوام كامل وتعد عبئا بيئيا وصحيا خصوصا بسبب طريقة إعداد منتجاتها ومصدر تلك المنتجات من شركات تعتمد أسلوب الزراعة المكثفة والأغذية المعدلة وراثيا ومزارع الحيوانات التي تحقنها بهرمونات النمو والمضادات الحيوية بكثافة. محلات بيع التجزئة(وول مارت - Walmart) تعد أيضا نموذجا لتطبيق ونجاح مفهوم العولمة من الناحة النظرية ولكن بالتدقيق في سيرتها الذاتية نجد عدد كبيرا من موظفيها ممن يعملون بدوام كامل خصوصا في الولايات المتحدة يعيشون تحت خط الفقر بسبب أجورهم المنخفضة ويحصلون على إعانات ومساكن وكوبونات طعام حكومية.
كما أن ثورة الإتصالات والمواصلات وخصوصا الإنترنت قد تكون سببا في إقتراب حضارات وثقافات من بعضها البعض ونشوء صراع بينها للإستحواذ على مساحة ضيقة في العالم الذي تحول إلى قرية صغيرة تزداد ضيقا. هناك فترة طويلة جدا قد تقاس بالسنين الضوئية قبل أن يعم إستخدام الإنترنت خصوصا في البلدان النامية بحيث تكون عاملا إيجابيا وسببا في تضييق الفجوة الإقتصادية التي كانت العولمة سببها رئيسيا فيها.
النهاية

Saturday, May 21, 2016

كيف تعمل قوانين العرض والطلب في سوق النفط بطريقة إستثنائية؟

هناك مسألة حيرت خبراء الإقتصاد وهي متعلقة بأسعار النفط وزيادة الطلب من سنة ٢٠٠٠ وصولا إلى الأزمة الإقتصادية التي بدأت بإنهيار سوق الرهون العقارية سنة ٢٠٠٧-٢٠٠٨ في الولايات المتحدة. سؤال يطرحه الجميع عن السبب الذي جعل قوانين العرض والطلب تعمل بعكس ماهو متوقع من حيث تأثيرها على حركة أسواق النفط؟
في الفترة التي سبقت الأزمة الإقتصادية إلى سنة ٢٠٠٨ فقد وصل سعر برميل النفط إلى مستوى سعري ١٥٠ دولار قبل أن يبدأ بالتأثير على الأسعار وإنخفاض مستوى الطلب. وحتى نعلم سبب الإستغراب فما علينا إلا أن نلاحظ أن الطلب على النفط في الولايات المتحدة لم يرتفع تقريبا منذ سنة ٢٠٠٥ حين وصل سعر البرميل إلى حاجز ٥٠ دولار.
الجواب على تلك التسائلات هو بسيط في ذاته وهي أنه في كثير من البلدان خصوصا المنتجة للنفط فإن الأسعار تعد نسبة بسيطة من الأسعار العالمية وبالتالي فإن سكان تلك البلدان ليسوا ملزمين بقوانين السوق التي تحكم العرض والطلب.
هل تذكرون قانون الكمية صفر (Sum Zero)؟
في ذروة الأزمة الإقتصادية فإن هناك دول مثل الصين والهند سوف تكون سعيدة بإنخفاض إستهلاك النفط في دول أخرى مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا حيث سوف تقوم بشراء تلك الكميات الإضافية المتوفرة. السبب لا يعود للنمو الإقتصادي الذي تباطئ في الكثير من البلدان حتى الصين والهند بل أعداد هائلة من السائقين على الطرقات حيث تذهب نسبة كبيرة من النفط المستورد.
مانسبته ٩٠% من النفط المستهلك في العالم يكون على شكل وقود لوسائل المواصلات مثل البنزين والديزل. إذا أردنا أن نعرف السبب في زيادة إستهلاك الوقود في الدول النامية فما علينا إلا أن ندرس الإحصائيات المتعلقة بنمو نسبة مبيعات السيارات فيها.
في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية فإن نسبة النمو في مبيعات السيارات لا يزيد عن ١% أو ٢% وذالك حين تكون تلك الدول في حالة نمو إقتصادي. بينما في دول مثل روسيا, الصين, الهند, البرازيل والتي هي جزء من مجموعة دول(Brics) فقد تتجاوز نسبة النمو في مبيعات السيارات ١٠% وقد تصل إلى ٢٠% تحت نفس الظروف الإقتصادية.في روسيا والبرازيل مثلا سنة ٢٠٠٧ فقد بلغت نسبة النمو في مبيعات السيارات ٣٠% بينما في الهند بلغت ٢%.  في بدايات سنة ٢٠٠٩ فإن سوق مبيعات السيارات في الصين تجاوز الولايات المتحدة التي ينتظر عودة سوق مبيعات السيارات بعد مرور فترة الكساد على إثر أزمة ٢٠٠٧-٢٠٠٨ بما لا يتجاوز نصف حجمه سابقا.
إن نمو سوق مبيعات السيارات في الكثير من الدول يتأثر بالقدرة على توفير ثمن شراء السيارة حيث يؤخذ ذالك بالحسبان أكثر من إرتفاع أو إنخفاض سعر النفط. نمو مستوى الدخل في دول مثل الصين والهند البرازيل حيث تشهد نموا إقتصاديا غير مسبوق ومشاريع بنية تحتية ضخمة من الطرق والكباري والجسور بين المدن, وإذا أضيف إليه سعر سيارة في حدود ٢٥٠٠ دولار مثل (Tata) التي تنتجها الهند, فإن ذالك يعني تشجيع المزيد من المواطنين الذين لم يسبق لهم القيادة على إقتناء مركبتهم الأولى. إن تلك العوامل تدفع العديد من الشركات مثل نيسان, فولكسفاجن, فورد, تشيري(Chery) الصينية لتطوير سيارات بسعر مبيع ١٠ ألاف دولار أو أقل. سيارة النانو(Nano-Tata) التي تنتجها الهند وتتكلف ٢٥٠٠ دولار تعد بمثابة كابوس للبعض أو الحلم تحقق على أرض الواقع بالنسبة للبعض الأخر, ذالك بالإعتماد على الزاوية التي ينظر فيها للموضوع.
الحقيقة التي قد لا يعلمها الكثيرون أنه مقابل كل سيارة (Cherry) أو (Tata-Nano) تسير على طرقات الصين أو الهند فإن هناك سيارة في الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا سوف يكون مكانها أمام منازل أصحابها. قد يظن البعض أن ذالك مزحة ولكنها حقيقة واقعة فمن أين سوف يأتي نفط ليكفي ملئ خزانات سيارات لجميع سكان الكرة الأرضية؟
الدول الذي يعد مواطنوها هم الأكثر حساسية للتقلبات السعرية في أسواق النفط هي التي سوف تكون الأكثر تأثرا والولايات المتحدة على رأس تلك الدول حيث إنخفض الطلب على الذهب الأسود خلال أزمة ٢٠٠٧-٢٠٠٨ بصورة حادة وقد حافظ على مستوى طلب ثابت وعدم نمو منذ سنة ٢٠٠٥ وصولا إلى إلى سنة ٢٠٠٨. دول أخرى منتجة للنفط من منظمة أوبك قد نما فيها الطلب بنسبة ٥% سنويا بين سنتي ٢٠٠٤ و٢٠٠٧ حيث بقي ذالك غير ملفت للنظر من قبل الخبراء. تلك الزيادة في الإستهلاك ونمو الطلب في السوق الداخلي سوف يقابلها تناقص في الكمية التصديرية مما يعني زيادة الأزمة في حال إنتهاش أسواق النفط وبالتالي زيادة الطلب مقارنة بالمعروض.
في الشرق الأوسط أو الدول المنتجة للنفط فإن الأمر غير متعلق بتكلفة المركبات أكثر مما هو متعلق بتكلفة ملئها بالوقود, فالطرق في الكثير من دول الشرق الأوسط تسير عليها أفخم أنواع السيارات مثل بنتلي ومرسيدس-بنز وبي إم دبليو. في فنزويلا قد يبلغ سعر جالون من الوقود مايعادل ٢٥ سينت أمريكي وفي دول مثل إيران والمملكة العربية السعودية مابين ٤٥-٥٠ سينت أمريكي, أي ما لايزيد عن نصف دولار للجالون. لو كانت أسعار الوقود في تلك المستويات في دول مثل أمريكا وفرنسا وبريطانيا لما إنخفض إستهلاك الوقود حتى أثناء فترات الركود الإقتصادي, ولكن سكان تلك البلاد لن يشهدوا عودة الأسعار إلى تلك المستويات.
القرار بإبقاء أسعار الوقود منخفضة في الكثير من الدول المنتجة للنفط هو قرار سياسي بالدرجة الأولى وليس متعلقا بإرتفاع أو إنخفاض أسعار النفط على المستوى العالمي. في دولة مثل إيران وهي تعد رابع أكبر منتج للنفط على مستوى العالم فإن محاولة حكومة الرئيس أحمدي نجادي رفع أسعار الوقود في صيف ٢٠٠٧ قد تسببت بإضطرابات ومظاهرات تم خلالها حرق عدد من محطات الوقود. الحكومة الإيرانية قامت على إثر ذالك بإلغاء قرار الزيادة خوفا من إشتعال الإضطرابات وخروجها عن السيطرة.
على كل حال فإن نقص الوقود في إيران لا يعد أمرا جديدا حيث البلاد بفترات سمتها الرئيسية هي نقص الوقود, وقد يستغرب البعض ذالك في إيران وهي دولة منتجة ومصدرة للنفط ولكن تعد في الوقت نفسه دولة مستوردة للمشتقات النفطية مثل البنزين. سنين من النمو المتواصل للطلب على المشتقات النفطية بنسبة ٥% سنويا قد ترك إيران تعاني من عجز في تلبية ذالك الطلب المتزايد نتيجة تقادم منشئات تكرير النفط لديها.
وفي الحقيقة فإنه عندما يتعلق الأمر بدعم الوقود محليا فإنه لا أحد يستطيع هزيمة نظام الرئيس الفنزويلي الراحل هيوجو شافيز والذي أورث سياسة الدعم تلك لخليفته نيكولاس مادورو. ففي أيام تشافيز كان الدعم لا يقتصر على المواطنين في فنزويلا بل في الدول الحليفة مثل كوبا ونيكاراجوا بل وكان هناك إتفاق مع إسبانيا. ولكن صدق أو لا تصدق فإن الدعم الفنزويلي قد وصل حتى إلى أسر منخفضة الدخل في أمريكا على شكل دعم لوقود التدفئة للمنازل في الشتاء القارس.
إرتفاع أسعار النفط قد يكون أخبارا سارة للدول المنتجة للنفط ولكن هل يكون التصدير على حساب الإستهلاك الداخلي؟ ١١٠ دولار للبرميل مقابل ٥٠ سينت سعر جالون وقود السيارات قد يجعل المفاضلة ينهما خيارا صعبا, الإستهلاك الداخلي أم التصدير؟ دول مثل إيران والمملكة العربية السعودية وفنزويلا قد تواجه خيارات صعبة في المستقبل بينما دول مثل النرويج تعد مصدرة للنفط لن تواجه مشكلة حيث مواطنوها يدفعون أسعارا للوقود تعادل الأسعار العالمية. دول مثل الصين والهند لا تستطيع دعم أسعار الإستهلاك المحلي للوقود كفنزويلا لأنها في النهاية دول مستوردة لنسبة كبيرة من إحتياجاتها النفطية, ولكن على الرغم من ذالك فإنهم يجدون أنفسهم أمام خيارات صعبة بالإبقاء على نوع من الدعم وإن لم يكن بمستوى ٢٥ سينت أمريكي لجالون الوقود. الإحصائيات تذكر أن ٢٥%, يعني الربع, من النفط المنتج عالميا يتم إستهلاكه داخليا من قبل مانسبته ٥٠%, أي نصف سكان العالم. كلما زاد إستهلاك الوقود داخليا في مجموعة من الدول المنتجة للنفط فإن ذالك يعني إنخفاض الكميات المخصصة للتصدير مما يؤدي إلى إرتفاع الأسعار مالم تتخذ تلك الدول قرارا بزيادة الإنتاج لتعويض الفرق الذي يتم تخصيصه للإستهلاك الداخلي.
هناك نقطة مهمتان لا نستطيع إلا المرور عليهما, فالأولى متعلقة بمفهوم خاطئ عن العلاقة بين عدد السكان وإستهلاك النفط للفرد. في الولايات المتحدة وكندا يبلغ معدل إستهلاك النفط للفرد ٢٥ برميل و ٢٩ برميل على التوالي بينما الصين والتي يبلغ عدد سكانها أربع أو خمسة أضعاف سكان الولايات المتحدة وحوالي أربعين ضعف سكان كندا, فإن إستهلاك النفط فيها يبلغ عدد ٢ برميل للفرد. دولة مثل الهند يبلغ معدل الإستهلاك للنفط فيها عدد ١ برميل للفرد. إن ذالك ساعد على الإبقاء على نوع من دعم إستهلاك الوقود محليا في كلتا الدولتين.
الهند تنفق عشرة مليارات تقريبا على دعم الوقود سنويا وهو مبلغ كبير نسبيا ولكن ليس بأكثر من المبالغ التي تنفقها الولايات المتحدة سنويا كدعم لوقود الإيثانول المستخرج من نبات الذرة.
النقطة الثانية هي المتعلقة بنسبة العجز في أي دولة وتأثير ذالك على دعم الإستهلاك المحلي للوقود فمثلا الصين تبلغ نسبة العجز ١% مما يتيح للحكومة هامشا للتحرك بخصوص دعم الإستهلاك المحلي من الوقود بينما قد تبلغ في الولايات المتحدة ١٠% مما يجعل توفر دعم مماثل للمواطن الأمريكي حلما بعيد المنال.
زيادة الإستهلاك المحلي للنفط تعني إرتفاع سعره عالميا مما يؤدي إلى عالم أصغر. عالمنا الكبير الذي نغيش فيه ينكمش.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Friday, January 1, 2016

كيف تؤثر أسعار النفط المتذبذبة على التركيبة الديمغرافية والإقتصادية لأوروبا والعالم؟

هناك ظاهرة بدأت تنتشر في أوروبا والولايات المتحدة بشكل عام خصوصا في الفترة التي تلت أزمة الرهون العقارية سنة 2007\2008 حيث من الممكن ملاحظة إشغال الوظائف من من قبل من هم من المفترض أنهم في سن التقاعد حيث من المتوقع زيادة تلك الفئة بنسبة 85% في الولايات المتحدة خلال الفترة الممتدة بين 2006\2016 وذالك بحسب مكتب إحصاء القوى العاملة الأمريكي. في كندا فإن حكومة رئيس الوزراء الكندي السابق ستيفن هاربر قامت برفع سن التقاعد من 65 سنة إلى 67 سنة.
الدول الأوروبية كانت الأكثر تضررا من موضوع العامل الديمغرافي والذي يكون حاضرا وبقوة خصوصا خلال الأزمات الإقتصادية حيث من الشائع خصوصا في الوسائل الإعلامية إلقاء اللوم على العمالة الأجنبية. في السابق وفي عهود الرخاء الإقتصادي فإن الدول الأوروبية كانت دوما ترحب بالعمالة المهاجرة خصوصا العمالة الغير ماهرة في مجالات كالبناء والخدمات ولكن الوضع تغير في الفترة الأخيرة خصوصا مع موجات اللاجئين التي تعد بمئات الألوف وإزدياد نسبة البطالة ومشكلة الديون السيادية الأوروبية. نائبة في البرلمان الأوروبي سألت في أحد الجلسات المنعقدة عن مقدرة الدول الأوروبية التي تعاني من أزمة كساد إقتصادي ونسب بطالة تعد مرتفعة على توفير فرص عمل لذالك العدد من اللاجئين حيث من المتوقع أن تستقبل ألمانيا مليون لاجئ. الكثير من الدول الأوروبية بدأت في إعادة النظر في إتفاقيات الحدود المفتوحة مثل الشنغن والإتفاقيات المنظمة لإنتقال الأشخاص بين الدول الأوروبية وتحصين حدودها ببناء جدران شائكة وتحصينات لوقف تدفق اللاجئين ووقف الهجرة الغير شرعية.
لا أحد في دوائر صنع القرار الأوروبي والنخب السياسية الأوروبية وحتى المواطن الأوروبي الذي لايتعاطى السياسة عادة يستطيع أن ينفي القلق الذي يعتريهم بسبب المشكلة الديمغرافية لسببين رئيسيين. السبب الأول له علاقة بتاريخ أوروبا وظهور الحركات الفاشية والنازية والتي إرتبطت بتدني الوضع الإقتصادي وزيادة نسبة البطالة. السبب الثاني هو أن موجات اللجوء والهجرة الأخيرة تتشكل في أغلبها من المسلمين اليافعين. هناك من يخشى من ظهور الفاشية الإسلامية بسبب لجوء مئات الألاف من المسلمين إلى دول  أوروبا وإنتشار البطالة في صفوفهم وفشلهم في الإندماج مع المجتمعات الغربية مقابل ظهور الفاشية الغربية في أوساط الشباب الأوروبي الذي يعاني من البطالة والوضع الإقتصادي المتدهور. إن ذالك القلق لا يأتي من فراغ فهناك تصاعد في شعبية الأحزاب اليمينية في عدد من البلدان منها الدانيمرك حيث فازت حكومة لها أجندات معادية للهجرة واللاجئين وبدأت في التضييق عليهم بإصدار القوانين منها مصادرة ممتلكات اللاجئين الشخصية عند عبورهم الحدود لمساعدة الحكومة في نفقات اللاجئين.
لمحاولة إمتصاص الأزمة الإقتصادية والتخفيض من نسب البطالة فقد قامت الحكومة الألمانية على سبيل المثال بإخراج برنامج  (Kurzarbeit) لمشاركة الوظائف إلى حيز الوجود حيث بلغت ميزانيته سنة 2011 تقريبا 5 مليارات يورو ويتم إستخدامه خلال الأزمات الإقتصادية لإبقاء مستوى البطالة منخفضا ومساعدة الشركات على الحفاظ على عمالتها الماهرة والمدربة خلال فترات الكساد الإقتصادي. إن برنامج (Kurzarbeit) من المفترض أن يكون مؤقتا ولكنه بسبب الركود الإقتصادي فقد تحول إلى سمة دائمة من سمات الإقتصاد الألماني كما أن هناك عدد من البلدان تقوم بتطبيق نسخة ممثالة(Income Supplementation) وإن إختلفت التسميات أو بعض التفاصيل الثانوية.
هناك نقطة مهمة متعلقة بإنخفاض أو أرتفاع أسعار النفط وهي تهم الأسواق المحلية ومتعلقة مباشرة بها وهي هجرة فرصة العمل لأسواق خارجية أخرى أكثر جذبا بسبب عدة عوامل إقتصادية منها عمالة رخيصة وماهرة.
إن تلك النقطة تحديدا والمتعلقة بالعمالة الرخيصة تعد نقطة جذب لمئات الشركات التي قررت نقل أعمالها للصين والهند وبلدان أسيوية أخرى خصوصا في الفترة التي سبقت الأزمة الإقتصادية ٢٠٠٧ - ٢٠٠٨ والتي بدأت بإنهيار سوق الرهون العقارية في الولايات المتحدة.
بالطبع نستطيع تطبيق نفس مبدأ  الكمية صفر (Sum Zero) ولكن بنظرة واقعية فإن دخول الصين والهند إلى عالم الصناعة والخدمات قد حمى العالم من إرتفاع مستوى التضخم وأبقاه في حدوده المعقولة. إذا تجولت في أحد فروع أسواق وول مارت (Wal-Mart) في أي دولة في العالم فإنك سوف تتسائل إن كان وول مارت شركة مقرها الصين حيث أن أغلب البضائع تجد عليها عبارة صنع في الصين. وإذا إتصلت بقسم خدمة العملاء في مايكروسوفت أو أي شركة أخرى أو حتى البنك الذي تتعامل معه فسوف يجيبك شخص بالإنجليزية ولكن بلكنة أسيوية من الهند أو حتى من الفلبين.
ولكن هل يمكن الحفاظ على تلك المعادلة في ظل إرتفاع أسعار النفط وتخطيها حاجز ١٠٠ دولار للبرميل؟
إن الحاصل مؤخرا أنه ونتيجة لإرتفاع أسعار النفط فإن الأسواق المحلية تشهد عودة تلك الوظائف التي هاجرت للخارج بحثا عن عمالة رخيصة ومدربة. إن هجرة فرص العمل في ظل ٢٠ دولارا كسعر لبرميل النفط من الممكن أن يجعل نحقيق أرباح أمرا ممكنا ولكن في ظل إرتفاع سعر النفط وتخطيه حاجز ١٠٠ دولار فإن تكلفة أسعار نقل المواد الخام والإنتاج كفيلة بتقليص تلك الأرباح بل وتحويلها إلى خسائر.
هناك أيضا ترسانة قوانين في أمريكا وكندا وبلدان أوروبية أخرى مصصمة لجذب رؤوس الأموال المهاجرة وذالك بفرض ضرائب على أرباح الشركات حتى لو كانت تقوم بتصنيع منتجاتها أو تقديم خدماتها خارج أراضي البلد الأم.
إن عودة رؤوس الأموال المهاجرة إلى وطنها الأم هو أحد إيجابيات إرتفاع أسعار النفط وهناك إيجابية أخرى متعلقة بإرتفاع كلفة التنقل حتى داخل البلد نفسها مما سوف يؤدي إلى توزيع عادل للمشاريع والمصانع وعدم تركيزها في منطقة واحدة أو مدينة معينة كما في فورت ماكماري (Mcmurray) التي تقع في مقاطعة ألبرتا الكندية حيث أدى الفورة النفطية إلى تضخم غير مسبوق في أسعار العقارات وإيجارات المنازل والذي أدى بدوره إلى إبتلاع نسبة كبيرة من المداخيل الشهرية.
تأثير إرتفاع أسعار النفط لا يتوقف على رؤوس الأموال المهاجرة أو كلفة إيجارات المنازل أو أسعار بيعها أو شرائها بل يمتد ليشمل نواحي أخرى قد لا تخطر على بال من ينظرون للموضوع نظرة تقليدية.
إن إرتفاع أسعار النفط قد يؤثر على الوظائف المحلية بسبب الحاجة إلى تقليل النفقات لمواجهة إرتفاع أسعار الفاتورة النفطية وقد يكون التأثير المتوقع على ثلاثة محاور هي تقليص الإمتيازات والرواتب والحوافز الشهرية مع الإستغناء عن أقل عدد ممكن أو تقليص فرص العمل المتوفرة بشكل حاد مما يؤدي إلى إرتفاع مستوى البطالة أو اللجوء للشركات الخاصة. النقابات العمالية في الغرب تقاوم أي تقليص لفرص العمل أو الإمتيازات وتتسلح بترسانة قانونية تجعل فرض أي حل بدون موافقة النقابات أمرا صعبا حيث أنه ومع تزايد نزعة النقابات العمالية للتمسك بموقفها تجد الحكومات أنفسها مضطرة إلى اللجوء إلى الشركات الخاصة وإحالة مهام تقديم الخدمات إليها مما يؤدي إلى تقليص الأجور والإمتيازات بشكل حاد ولكن مع الإبقاء على أكبر عدد ممكن من فرص العمل. ولنأخذ مثالا مدينة تورنتو الواقعة في مقاطعة أونتاريو الكندية حيث وجد محافظ المدينة الجديد نفسه أمام مشكلة بعد الإنتخابات البلدية متعلقة بعقود عمال النظافة حيث كان هناك جدل إنتخابي بخصوص الإبقاء على عقود تمنحهم إجازة مرضية مدفوعة تبلغ ١٨ يوما سنويا أم تقليص تلك المدة أو حتى إلغائها أو قد يكون الحل الإستغناء عن الخدمة من أساسها وهو حل مستحيل وغير منطقي. مدينة تورنتو كانت تواجه أزمة ميزانية وأن يكون هناك بند في عقود عمال النظافة أن من حقهم قضاء ١٨ يوما مدفوعا في منازلهم بدون أي حاجة حقيقية هو رفاهية لا تستطيع ميزانية المدينة تحملها. محافظ المدينة الجديد قادم من الضواحي حيث خدمة جمع القمامة تم منح مهمة القيام بها لشركات خاصة منذ وقت طويل وهو يسعي لتطبيق ذالك داخل المدينة نفسها. النقابات التي تمثل العمال سوف تقاوم توجهات المحافظ الجديد ولكن في تلك الحالة فإن العمال سوف يواجهون خيارات صعبة تتخلص بالقبول بعقود عمل جديدة وواقعية تراعي الميزانية المحدودة أو خسارة أعمالهم لصالح شركات خاصة توظف عمالا لا يتم الدفع لهم لكي يلتزموا منازلهم ١٨ يوما في السنة بسبب أعذار مرضية وهمية.
إن دخول القطاع الخاص على خط الأزمة لن يكون محدودا بشركات جمع القمامة بل سوف يشمل الجامعات وتجديد رخص قيادة المركبات وحتى الجسور المتهالكة والطرق التي يتم تعهد تجديدها أو بناء المزيد منها من قبل الشركات الخاصة مقابل منحها إمتيازات تشغيلها مقابل رسوم لفترة زمنية قد تصل لخمسة وعشرين عاما تزيد أو تنقص بحسب بنود العقد. جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تعد أغنى جامعة في العالم أعلنت عن هبات وتبرعات قد بلغت أكثر من ٣٢ مليار دولار أمريكي. وبالنسبة لقطاع الإسكان فإنه من المتوقع أن يمتد التأثير أكثر من أسعار المنازل ليشمل أحجامها حيث سوق تقل نسبة المنازل ذات المساحة الضخمة والتي تستهلك كمية أكبر من الطاقة لصالح منازل ذات أحجام إقتصادية ومعقولة.
هناك نظرية إقتصادية تنسب لأحد الإقتصاديين الذين عاشوا في القرن التاسع عشر ثورستين قيبلين (Thorstein Veblen) وتدعى الإستهلاك الظاهري أو التظاهري (Conspicuous consumption). ملخص تلك النظرية هي أن ذالك النوع من الإنفاق مدفوع برغبة الأشخاص إلى إبراز الوضع الإجتماعي بدلا من شراء مايحتاجون إليه فعليا وإن كان ذالك بالمجمل قد لا يؤدي إلى زيادة الرضا عن لاذات ولا إلى زيادة سعادة الشخص. نظرية الإستهلاك الظاهري أو التظاهري مدعومة بإحصائيات تذكر أنه في الولايات المتحدة ورغم تضاعف الدخل الشخصي للفرد الواحد إلى أكثر من مرتين منذ الحرب العالمية الثانية فإن المواطنين هناك أقل سعادة بمقدار ١٩ مرة عن مواطني دولة مثل الدانيمرك والتي لا تقارن من ناحية الدخل والثروات الطبيعية والشخصية بالولايات المتحدة.
التأثير الذي سوف يحدثه إنخفاض أو إرتفاع أسعار النفط على الإقتصاد سوف يتجاوز المفهوم التقليدي لأسواق العمل والإنسيابية في حركة القوى العاملة حيث أن تعريف السن المناسب لتصنيف شخص ضمن القوى العاملة بين سن 15-65 عاما سوف يتغير خصوصا مع متوسط العمر المتوقع وتحسن أنظمة الرعاية الصحية مما يزيد قابلية الشخص للعمل رغم تقدمه في السن. إن الأزمة التي تعانيها صناديق التقاعد بسبب زيادة أعداد المتقاعدين وإرتفاع نسبة البطالة أدى إلى إعتمادها أكثر وأكثر على الدخل الناتج من إستثماراتها في أسواق المال والأسهم وهي معرضة لهزات إقتصادية حيث تعاني الكثير من صناديق التقاعد من عجز مزمن عن الوفاء بإلتزاماتها مما سوف يجعلها ملزمة بإجراء التعديلات على أنظمة معاشات التقاعد وإمتيازات المتقاعدين حيث سوف تجبر التخفيضات في الإمتيازات التقاعدية بسبب العامل الإقتصادي والمشكلة الديمغرافية المتقاعدين على البحث عن فرصة عمل حتى لو كانت بدوام جزئي مما سوف يزيد الضغط على سوق العمل الذي يعاني من إرتفاع مستوى البطالة وإزدياد نسبة العاطلين عن العمل.
إن كل ماسبق ذكره في هاذا الموضوع قد أدى تكون جيل جديد بفعل تلك الحركات والتيارات الإقتصادية خصوصا إثر إلغاء القرارات التي تمنع تداخل الأعمال بين البنوك التجارية والإستثمارية وتمنع البنوك التجارية من إمتلاك مكاتب مضاربة, جيل من الأبناء يختلف عن والديه, جيل يتخلى عن الرفاهيات لصالح حياة بسيطة وغير معقدة. جيل فقد الثقة برأسمالية منفلتة من عقالها وأصبح ينظر لشخص يلبس بدلة بربطة عنق ويرتدي ساعة رولكس ذهبية ليس على أنه مستثمر ناجح في وول ستريت أو في البورصات والأسهم بل كشخص يتطلع لأقرب فرصة كي يحتال على القانون لجمع ملايين الدولارات وترك أشخاص كثيرين في حالة خسارة وحزن لفقدان إستثماراتهم أو مدخرات تقاعدهم.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية
















Tuesday, February 17, 2015

مفهوم المجموع صفر(Sum Zero) وعلاقته بإرتفاع أو إنخفاض سعر النفط

هناك مصطلح شائع في عالم الإقتصاد هو المجموع صفر (Sum Zero) ويتم إستخدامه للتعبير عن حالة إقتصادية من الخلل في توفر الموادر الطبيعية حين يكون الطلب أكبر من العرض حيث أن زيادة إستهلاك دولة معينة من النفط في تلك الحالة سوف يكون على حساب دولة أخرى. فمثلا زيادة إستهلاك الصين من النفط المستورد من دولة مثل فنزويلا سوف يكون على حساب أمريكا التي تستورد أكثر من ٥٠% من صادرات النفط الفنزويلية. تلك أخبار غير سارة للولايات المتحدة التي تستهلك ٢٠% تقريبا من إنتاج النفط في العالم بينما إنتاجها لا يتعدى ١٠%, هذه فجوة يتم تغطيتها عن طريق الإستيراد وخصوصا من فنزويلا والشرق الأوسط مع الأخذ بعين الإعتبار التغيرات الأخيرة والمتعلقة بتحول الولايات المتحدة لدولة مصدرة للنفط وهي تغيرات برأي لاعلاقة لها بتزايد إنتاج النفط الصخري بقدر علاقتها بتزايد إنتاج الغاز الصخري بكميات كبيرة دفعت سعره في بعض الأحيان للإنخفاض وإفلاس بعض الشركات.
لتوضيح تلك النقطة بشكل أكبر فعلينا أن ننظر إلى مجموعة إحصائيات وأرقام حيث أن إستهلاك الصين من النفط سنة ١٩٨٠ كان ٢ مليون برميل تقريبا بينما يبلغ في الأوقات الحالية يبلغ في حدود ١٠ مليون برميل. صادرات فنزويلا النفطية للصين إرتفعت بمقدار ثلاثة أضعاف منذ سنة ٢٠٠٥ لتصل إلى ١٢٥ ألف برميل بينما إنخفضت صادرات فنزويلا من النفط للولايات المتحدة من ١.٥ مليون برميل إلى أقل من مليون برميل. مرة أخرى تلك أخبار غير سارة لأمريكا التي لها مصلحة في الإستيلاء على كامل إنتاج فنزويلا من النفط لو إستطاعت حيث أن المسافة التي تقطعها ناقلات النفط من فنزويلا إلى أمريكا أقل من يومين حيث تكون المصافي الأمريكية جاهزة لتكرير النفط الفنزويلي الثقيل.
وهناك من سوف يسأل عن مصلحة الولايات المتحدة في السيطرة على كامل إنتاج فنزويلا من النفط وتكبد مشاق وعناء تدبير إنقلابات عسكرية إذا كانت هي نفسها تحولت إلى دولة مصدرة للنفط؟
والجواب هو لحرمان أعدائها منه حيث تعد الصين من أشد المنافسين للولايات المتحدة في المجال الإقتصادي والسياسي وليس شرطا أن الولايات المتحدة تعاني من تناقص إنتاجها النفطي حتى تسعى للسيطرة على المزيد من مصادر النفط. من ينظر للأمور بتلك الطريقة فنظرته قاصرة والولايات المتحدة لديها حسابات الربح والخسارة فيما يتعلق بتلك المسئلة, توفر الإمدادت النفطية لدول على عداء مع الولايات المتحدة.
إن زيادة مستوى العلاقة بين الصين وفنزويلا هو مبعث قلق بشكل متزايد للولايات المتحدة حيث أن الصين قامت بإقراض فنزويلا ٢٠ مليار دولار لرفع مستوى كفائة قطاعها النفطي وبنيته التحتية. أيضا هناك خط أنابيب لنقل النفط يتم التخطيط لبنائه من منطقة إنتاج النفط في فنزويلا حزام فاجا (Faga) مرورا بكولومبيا وإنتهاء بالمحيط الهادئ حيث مصافي النفط الصينية. إن خط أنابيب النفط هاذا يشكل عامل قلق للولايات المتحدة ومن كان يسأل عن أسباب تدخل أمريكا في فنزويلا ومحاولتها أكثر من مرة قلب نظام الحكم هناك, إبحثوا عن النفط.
إن كل ماسبق يفسر حالة الزيادة في الإنفاق العسكري الصيني حيث أن الصين أصبحت تمتلك حاملة طائرات وتحاول بشتى الوسائل الحصول على التكنولوجيا العسكرية.
إن نمو الإقتصادي للصين يحرك النمو الإقتصادي العالمي بشكل عام حيث أن إرتفاع عدد ملاك السيارات في الصين بنسبة ٣٠% سنة ٢٠١٠ قد أدى إلى إرتفاع المعدل العالمي إلى أكثر من مليار سيارة. إن الصين تحتل المرتبة الثانية في عدد أصحاب السيارات بعد الولايات المتحدة متجاوزة اليابان.
السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو كيف تستطيع دول مثل الصين والهند إمتصاص الصدمة الناتجة عن إرتفاع أسعار النفط لتتجاوز حاجز المائة دولار؟
مرة أخرى سوف نلجأ للإحصائيات والأرقام والحقائق فلا مجال للعبث وشطحات الخيال عند محاولة شرح مثل تلك الأمور. الإحصائيات تؤكد أن إستهلاك دول أوروبا وأمريكا (OECD) للنفط في شتاء سنة ٢٠٠٧ الذي سبق الكساد الإقتصادي قد وصل لحاجز ٥٠ مليون برميل يوميا بينما إنخفض مع بداية مرحلة الكساد وحتى نهاية سنة ٢٠٠٩ إلى ٤٥ مليون برميل نفط يوميا بينما إرتفع إستهلاك النفط في الصين لنفس الفترة بنسبة ١٠%.
في الولايات المتحدة يتمتع المواطنون بنسبة ضرائب منخفضة جدا على الوقود ولكن في الوقت نفسه يسمح لشركات النفط ببيع النفط المكرر الذي تحوله لوقود بنظام الأسعار الحرة حيث يترك لكل شركة تحديد سعر منتجاتها بناء على قانون العرض والطلب. الكثير من الأمريكيين لا يرون في الضرائب المنخفضة على الوقود دعما حكوميا لتلك المادة بينما في الهند مثلا هناك دعم حكومي مباشر لأسعار الوقود قد يبلغ ١٠ مليار دولار سنويا وأيضا في الصين.
هناك عامل آخر له أهمية له علاقة بنمو دخل المواطنين في الصين والهند ودول أخرى بنسبة أسرع من نمو دخل المواطنين في أمريكا الشمالية. الكثيرون يقولون أن قابلية دول مثل الصين والهند إمتصاص إرتفاع أسعار النفط لا يعود للدعم الحكومي بقدر مايعود سببه للعوامل التي تقف وراء ذالك الإرتفاع في الطلب على النفط. في الصين فإن من يمتلك سيارة للمرة الأولى بسبب إرتفاع دخله الذي يمكنه من إستبدال دراجته الهوائية بسيارة فلن يكون مهتما بدرجة كبيرة بإرتفاع أسعار الوقود. هو لن يقود سيارته لمسافات طويلة ولن يستبدل سيارته القديمة التي يسجل عدادها ألاف الكيلوميترات بسيارة أخرى جديدة, هو فقط سوف يستبدل دراجته الهوائية بسيارة ولنفس الغرض الذي كان يقود به الدراجة.
إن إعتماد الصين الكبير على الفحم لتوليد الطاقة الكهربائية قد أثر بالإيجابية على توفر المزيد من براميل النفط لتحويلها لوقود للمركبات مما جعل توفر تلك المادة بأسعار مدعمة حكوميا في متناول مواطنين يرتفع دخلهم بإستمرار بسبب النمو الإقتصادي المتسارع. المشكلة هي في حال إنقطاع إمدادت الفحم أو إضطراب تلك الإمدادات خصوصا من دولة مصدرة للفحم إلى الصين مثل إستراليا حين تعرضت للفيضانات, فإن الإعتماد على محطات الكهرباء التي تستخدم النفط سوف يكون أكبر وسوف يعرقل إمدادات النفط المخصصة للإستهلاك في أوجه أخرى.
الولايات المتحدة مرت بواحدة من أسوأ الأزمات الإقتصادية سنة ٢٠٠٧-٢٠٠٨ مما أدى إلى إنخفاض الإستهلاك بمعدل ٢مليون برميل من ٢٠ مليون إلى ١٨ مليون وسوف يستمر بالإنخفاض في حالة أي أزمة أخرى إلى معدل يقل عن ١٥ مليون برميل من النفط. إن توليد الطاقة في الولايات المتحدة يعتمد على النفط والغاز والطاقة النووية وهناك إتجاه متزايد للإعتماد على مصادر الطاقة البديلة والسيارات التي تسير بالطاقة الكهربائية لتخفيف الإعتماد على نفط الشرق الأوسط ودول تعاني الإضطرابات مثل فنزويلا. وبتطبيق المبدأ الذي تحدثنا عنه سابقا وهو المجموع صفر (Sum Zero)فإن إنخفاض إستهلاك الولايات المتحدة من الطاقة سوف ينتج عنه زيادة إستهلاك دول أخرى سوف تقوم بالحلول محل الولايات المتحدة كمستورد لتلك البراميل الإضافية من النفط, وأظن الصين سوف تكون أول المرحبين بتلك الأخبار.
إن أمريكا تشعر أن مصالحها مهددة بالخطر بسبب خط نقل النفط الذي يتم التخطيط لبنائة من خلال المحيط الهادئ لإيصال النفط الفنزويلي إلى الصين وتشعر بالقلق بسبب وجود عوامل مشتركة بين الصين وفنزويلا أكثر مماهي بين الصين وأمريكا أو بين فنزويلا وأمريكا مما يجعل الطرفين شركاء تجاريين بإمتياز. إن نتيجة الشراكة التجارية المتزايدة بين الصين وفنزويلا سوف تكون على شكل تناقص إمدادات النفط الفنزويلي لأمريكا مقابل زيادتها للصين. وقد يظن البعض ومرة أخرى أكررها أن الولايات المتحدة لا تهتم لزيادة عمق العلاقات النفطية بين الصين وفنزويلا نتيجة تحولها لدولة مصدرة للنفط ولكن عند تلك النقطة أسأل عن سبب محاولة الإنقلاب على الرئيس السابق هيوجو شافيز والمتاعب التي يتم إثارته لخليفته في الحكم نيكولاس مادورو.
سؤال لن أقول لكم سوف تجيب عنه الأيام لأنها فعلا اجابت والشمس لا يمكن تغطيتها بغربال.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية