Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label ستيفن هاربر. Show all posts
Showing posts with label ستيفن هاربر. Show all posts

Sunday, October 31, 2021

كلاكيت نمبر تو, ثورة الموز في تركيا ضد اللاجئين السوريين

هناك أسلوب وحيد تتبعه جميع أنظمة الحكم التي تشعر أنها على وشك الرحيل أو أنها  لا تلقى قبولا شعبيا بسبب عجزها عن معالجة المشاكل السياسية, الإقتصادية والإجتماعية. ذلك هو أسلوب افتعال الأزمات والمشاكل خصوصا الإرهاب وتطبيق مبدأ فرِّق تسد بين فئات الشعب المختلفة. إنَّ إستخدام ذلك الأسلوب لا يقتصر على دول عربية أو في آسيا أو إفريقيا بل حتى دول غربية مثل الولايات المتحدة وكندا يمكن أن نلاحظ تلك الظاهرة. مثال على ذلك أنه خلال الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية سنة ٢٠١٥ في كندا, حصلت عدة أعمال فردية قام بها مواطنون كنديون مسلمون حيث وصفتها الصحافة الكندي الموالية لحزب المحافظين بأنها إرهابية. رئيس الوزراء ستيفن هاربر الذي كان يمثل حزب المحافظين حاول أن يعزف على وتر مكافحة الإرهاب ولكن حزب المحافظين خسر الانتخابات وخسر ستيفن هاربر حتى مقعده النيابي في دائرته الإنتخابية.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أحد أكثر الأشخاص الذين يجيدون إفتعال الأزمات والمشاكل واستغلالها خصوصا مسرحية الانقلاب المزعوم سنة ٢٠١٦ . الأزمة السورية توفِّر له غطاءً مثاليا من أجل تحويل أنظار الشعب التركي عن فشله في معالجة مجموعة ملفات خصوصا الإقتصادية. اللاجئون السوريون هم هدف أردوغان المفضل وهم الحلقة الأضعف في الصراع بينه وبين المعارضة التركية التي تهدد بترحيل جميع اللاجئين السوريين لو تمكنت من الفوز في الإنتخابات التركية. سنة ٢٠١٩, فاز أكرم إمام أوغلو الذي ينتمي الى حزب الشعب الجمهوري المعارض برئاسة بلدية إسطنبول. أكرم أوغلو صرَّحَ عدة مرات بخصوص ترحيل اللاجئين السوريين الغير مسجلين في مدينة إسطنبول الى مدن أخرى. كما أن حزب الشعب الجمهوري الذي أسَّسَهُ مصطفى كمال أتاتورك معروف بمعاداته للمهاجرين والأجانب.

ويبدو أنَّ شهر العسل بين الحكومة التركية واللاجئين السوريين على وشك الإنتهاء إن لم يكن قد إنتهى بالفعل. هناك حدثان مهمان وقعا مؤخرا وسوف يؤثران على حياة اللاجئ السوري في تركيا, الأول هو قانون الإيجارات الجديد الذي يستهدف بالدرجة الأولى اللاجئين السوريين وإن لم يُصَرَّح علنا بذلك. بينما الأمر الثاني هو إلغاء المعاملة الخاصة للاجئ السوري في الجامعات الحكومية التركية ومساواته مع الطالب الدولي في الأقساط الجامعية. الخطوة القادمة التي سوف يتم اتخاذها قريبا والتي أراها قادمة لا محالة هي حرمان اللاجئين السوريين من أي تأمين طبي مجاني أو تأمين طبي مدعوم يقدَّم لهم بأقساط مخفَّضة.

وهناك حادثة أخرى وقعت مؤخرا خرجت عن سياقها  الظاهر الى افتعال أزمة ضد اللاجئين السوريين والترويج لها إعلاميا فيما عرفت بأزمة الموز. الحادثة عبارة عن مشادَّة بين مواطنين أتراك ولاجئين سوريين بدون مناسبة واضحة عن سبب تلك المشادة التي تضمَّنت حديثا وجهه مواطن تركي الى لاجئة سورية أنه لا يتمكن من شراء الموز بسبب إرتفاع سعره بينما اللاجئون السوريون يشترونه بكميات كبيرة لأنهم يعيشون وضعا إقتصاديا أفضل بكثير من المواطنين الأتراك. لاجئون سوريون في تركيا من الناشطين على مواقع التواصل الإجتماعي و مواقع مشاركة الفيديوهات مثل يوتيوب سارعوا إلى نشر صورة و فيديوهات تعبر عن سخريتهم من الواقعة حيث كان الموز القاسم الرئيسي المشترك فيها. السلطات التركية قبضت على سبعة سوريين وقامت بترحيلهم وتلاحق عددا آخر يبلغ حسب بعض المصادر ١١ شخصا سوف يتم ترحيلهم فور القبض عليهم.

الدعاية الموجهة ضد اللاجئين السوريين في تركيا بدأت تلقى آذانا صاغية من المواطنين الأتراك الذي يعانون من عجز الرئيس أردوغان عن معالجة الوضع الاقتصادي الذي يتردى بإستمرار والليرة التركية التي تخسر من قيمتها باستمرار. هناك بوادر ثورة موز ضد اللاجئين السوريين والمعارضة التركية وجدتها فرصة مناسبة من أجل الدعاية ضد اللاجئ السوري وأنه سبب مشاكل تركيا كأن عجز مواطن تركي عن شراء قرط موز هو إعلان عن إقتراب يوم القيامة ونهاية العالم. مصر تراقب أزمة اللاجئين السوريين في تركيا وعينها على استقطابهم حيث نجحوا في إحداث طفرة اقتصادية غير مسبوقة في الإقتصاد المصري وإشادة بمساهماتهم من الرئيس المصري في عِدَّة مناسبات.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Saturday, May 30, 2020

شؤون سياسية كندية, تعلموا الديمقراطية من رئيس الوزراء جاستن ترودو

إن موعد الإنتخابات العامة الكندية قد إقترب حيث يختار الكنديون نوابهم في البرلمان ورئيس الوزراء الذي يكون حزبه هو الفائز بأغلبية برلمانية أو يتمكن من تشكيل حكومة تحالف. حاليا, يشغل منصب رئيس الوزراء في كندا جاستن ترودو والذي ينتمي الى الحزب الليبرالي الكندي وهو إبن بيير ترودو الذي شغل سابقا منصب رئيس وزراء كندا. جاستن ترودو مسيحي كاثوليكي ويعتبر من رؤساء الوزراء الشباب حيث كان يبلغ من العمر 43 عاما حين تولى المنصب خلفا لرئيس الوزراء السابق ستيفن هاربر(2006-2015) الذي ينتمي الى حزب المحافظين الكندي.
الأجندات السياسية والإقتصادية التي يتبعها حزب الليبراليين في كندا تعتبر معتدلة ومتوازنة نوعا ما خصوصا من الناحية الإقتصادية والبيئية وتشجيع الهجرة الى كندا. قام ترودو فور توليه منصبه بتنفيذ وعوده الإنتخابية بإستقبال حوالي عشرين ألف لاجئ سوري مقارنة برئيس الوزراء السابق ستيفن هاربر الذي تعرض للإنتقاد بسبب استقباله عددا ربما لا يزيد عن 200 لاجئ في الفترة(2011-2015). سياسات الحزب الليبرالي الكندي الإقتصادية تدعو الى ضريبة معتدلة على الشركات ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتشجيع المبادرات الفردية وتقديم الدعم الى التعليم العام والجامعي. ولكن السياسات البيئة للحكومة الكندية تعرضت الى النكسة مؤخرا إثر موافقة رئيس الوزراء الكندي على مشروع خط أنابيب ترانس ماونتنز المثير للجدل خصوصا إرتفاع تقديرات التكلفة الإجمالية للمشروع من 7.4 الى 12.6 مليار دولار كندي.
وقد خلَفَ جاستن ترودو رئيس الوزراء السابق ستيفن هاربر رئيس حزب المحافظين حيث اكتسح ترودو وحزبه نتيجة إنتخابات 2015 وفاز حزب الليبراليين بنسبة أغلبية في مقاعد البرلمان الكندي. ويصف كثير من الكنديين فترة حكم ستيفن هاربر بأنها اسوأ عشرة سنوات مرت على كندا. ولكن وصول ستيفن هاربر الى كرسي رئاسة الوزراء الكندي لها حكاية طريفة أو قد لايراها البعض كذلك. في سنة 2003, تولى منصب رئيس الوزراء في كندا بول مارتن(1938) بعد منافسة قوية مع جان كريتيان حيث كان بول مارتين يشغل منصب وزير المالية في حكومة الأخير. ويعتبر بول مارتن أحد أكثر السياسين الكنديين شعبية حيث أنه نجح خلال فترة حكمه التي امتدت ثلاثة سنين في القضاء على العجز المالي للموازنة الكندية حيث امتلأت خزينة الدولة الكندية بفوائض مالية بلغت حوالي عشرين مليار دولار كندي حيث ترك بول مارتن منصبه سنة 2006 بعد خسارة الإنتخابات البرلمانية بسبب فضيحة عرفت بإسم فضيحة الرعاية(Sponsorship scandal). 
جاستن ترودو يواجه سنة انتخابية صعبة حيث تفجرت في وجهه عدد من الفضائح. أول تلك الفضائح كان قضاء إجازة رأس السنة 2016 في ضيافة الآغا إسماعيل خان زعيم الطائفة الإسماعيلية وأحد أثرياء العالم.القانون الكندي يحظر على رئيس الوزراء تلقي الهدايا. مفوضة مكتب الأخلاقيات(Office of the Conflict of Interest and Ethics Commissioner) ماري داوسون سارعت الى فتح تحقيق مما أدى الى تقديم جاستن ترودو اعتذارا رسميا وأن ذلك الأمر لم يكن مقصودا وأنه لم يترتب على الدولة الكندية أي التزامات تجاه الآغا إسماعيل خان بسبب قضاء رئيس الوزراء جاستن ترودو إجازة رأس السنة في رفقته. ثاني تلك الفضائح عرفت بفضيحة لافالان حيث فتحت وزير العدل السابقة جودي ويلسون رايبولد تحقيقا مع شركة "إس. إن. سي. لافالين" بتهمة تقديم رشاوى الى مسؤولين ليبيين منهم الساعدي القذافي من أجل الفوز بعقود ومناقصات في ليبيا. جاستن ترودو مارس ضغوطات على وزيرة العدل من أجل القبول بتسوية مع الشركة وإقفال ملف القضية الأمر الذي تم رفضه من قبلها مما أدى برئيس الوزراء جاستن ترودو الى إقالتها من منصبها. رئيس الوزراء الكندي اعترف بمسؤوليته عن الفضيحة في تصريح علني تحمل بصفته رئيس الوزراء تبعات تلك القضية وأنه كان يواجه خيارا صعبا متعلقا بإنقاذ عدد كبير من الوظائف للكنديين وهو أمر مهم في كندا حيث تعتبر نسبة البطالة منخفضة مقارنة بجارتها في الولايات المتحدة. ثالث تلك الفضائح هو وأنه في مناسبة سابقة لتوليه منصب رئيس الوزراء, قام بإرتداء أزياء تنكرية وصبع بشرته باللون الأسود خلال ما يبدو ان إحتفال بعيد الهالوين حيث تم توجيه اتهام إليه بالعنصرية من قبل خصومه السياسيين.
سوف ننتظر جميعا نتائج الإنتخابات الكندية القادمة, هل سوف يفوز رئيس الوزراء جاستن ترودو مرة أخرى وينجح في تشكيل حكومة أغلبية أم أقلية أو سوف يخسر الإنتخابات لصالح حزب المحافظين حيث يتوعد رئيسه أندرو شير منذ الآن بالتحقيق فيها في حال فوزه؟ ذلك أمر في حكم الغيب وليس مثيرا للدهشة بقدر وجود مكتب للأخلاقيات في الحكومة الكندية له سلطة التحقيق مع رئيس الوزراء والمسؤولين وتوجيه الإتهامات أو تحويل الملف الى القضاء, يعني سُلطة فوق السلطة.  مكتب الأخلاقيات(Office of the Conflict of Interest and Ethics Commissioner) في كندا لا يوجد مثيل له في أي دولة عربية حيث الفساد تحول الى ثقافة وأمر واقع وحيث لايحق لأي هيئة قضائية التحقيق مع رئيس الوزراء وحيث لم أسمع عن رئيس وزراء عربي تم تحويله الى المحكمة بتهمة الفساد وعلى الرغم من أن فضائح الفساد في بلدان عربية أزكمت رائحتها الأنوف و باعتراف مسؤولين رسميين ولم أشاهد رئيس وزراء عربي يقدم اعتذارا علنيا بل على العكس, سوف يزج بذلك الصحفي أو الشخص الذي تحدث عن الفضيحة في السجن ويحاكم وتغلق صحيفته.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Friday, January 1, 2016

كيف تؤثر أسعار النفط المتذبذبة على التركيبة الديمغرافية والإقتصادية لأوروبا والعالم؟

هناك ظاهرة بدأت تنتشر في أوروبا والولايات المتحدة بشكل عام خصوصا في الفترة التي تلت أزمة الرهون العقارية سنة 2007\2008 حيث من الممكن ملاحظة إشغال الوظائف من من قبل من هم من المفترض أنهم في سن التقاعد حيث من المتوقع زيادة تلك الفئة بنسبة 85% في الولايات المتحدة خلال الفترة الممتدة بين 2006\2016 وذالك بحسب مكتب إحصاء القوى العاملة الأمريكي. في كندا فإن حكومة رئيس الوزراء الكندي السابق ستيفن هاربر قامت برفع سن التقاعد من 65 سنة إلى 67 سنة.
الدول الأوروبية كانت الأكثر تضررا من موضوع العامل الديمغرافي والذي يكون حاضرا وبقوة خصوصا خلال الأزمات الإقتصادية حيث من الشائع خصوصا في الوسائل الإعلامية إلقاء اللوم على العمالة الأجنبية. في السابق وفي عهود الرخاء الإقتصادي فإن الدول الأوروبية كانت دوما ترحب بالعمالة المهاجرة خصوصا العمالة الغير ماهرة في مجالات كالبناء والخدمات ولكن الوضع تغير في الفترة الأخيرة خصوصا مع موجات اللاجئين التي تعد بمئات الألوف وإزدياد نسبة البطالة ومشكلة الديون السيادية الأوروبية. نائبة في البرلمان الأوروبي سألت في أحد الجلسات المنعقدة عن مقدرة الدول الأوروبية التي تعاني من أزمة كساد إقتصادي ونسب بطالة تعد مرتفعة على توفير فرص عمل لذالك العدد من اللاجئين حيث من المتوقع أن تستقبل ألمانيا مليون لاجئ. الكثير من الدول الأوروبية بدأت في إعادة النظر في إتفاقيات الحدود المفتوحة مثل الشنغن والإتفاقيات المنظمة لإنتقال الأشخاص بين الدول الأوروبية وتحصين حدودها ببناء جدران شائكة وتحصينات لوقف تدفق اللاجئين ووقف الهجرة الغير شرعية.
لا أحد في دوائر صنع القرار الأوروبي والنخب السياسية الأوروبية وحتى المواطن الأوروبي الذي لايتعاطى السياسة عادة يستطيع أن ينفي القلق الذي يعتريهم بسبب المشكلة الديمغرافية لسببين رئيسيين. السبب الأول له علاقة بتاريخ أوروبا وظهور الحركات الفاشية والنازية والتي إرتبطت بتدني الوضع الإقتصادي وزيادة نسبة البطالة. السبب الثاني هو أن موجات اللجوء والهجرة الأخيرة تتشكل في أغلبها من المسلمين اليافعين. هناك من يخشى من ظهور الفاشية الإسلامية بسبب لجوء مئات الألاف من المسلمين إلى دول  أوروبا وإنتشار البطالة في صفوفهم وفشلهم في الإندماج مع المجتمعات الغربية مقابل ظهور الفاشية الغربية في أوساط الشباب الأوروبي الذي يعاني من البطالة والوضع الإقتصادي المتدهور. إن ذالك القلق لا يأتي من فراغ فهناك تصاعد في شعبية الأحزاب اليمينية في عدد من البلدان منها الدانيمرك حيث فازت حكومة لها أجندات معادية للهجرة واللاجئين وبدأت في التضييق عليهم بإصدار القوانين منها مصادرة ممتلكات اللاجئين الشخصية عند عبورهم الحدود لمساعدة الحكومة في نفقات اللاجئين.
لمحاولة إمتصاص الأزمة الإقتصادية والتخفيض من نسب البطالة فقد قامت الحكومة الألمانية على سبيل المثال بإخراج برنامج  (Kurzarbeit) لمشاركة الوظائف إلى حيز الوجود حيث بلغت ميزانيته سنة 2011 تقريبا 5 مليارات يورو ويتم إستخدامه خلال الأزمات الإقتصادية لإبقاء مستوى البطالة منخفضا ومساعدة الشركات على الحفاظ على عمالتها الماهرة والمدربة خلال فترات الكساد الإقتصادي. إن برنامج (Kurzarbeit) من المفترض أن يكون مؤقتا ولكنه بسبب الركود الإقتصادي فقد تحول إلى سمة دائمة من سمات الإقتصاد الألماني كما أن هناك عدد من البلدان تقوم بتطبيق نسخة ممثالة(Income Supplementation) وإن إختلفت التسميات أو بعض التفاصيل الثانوية.
هناك نقطة مهمة متعلقة بإنخفاض أو أرتفاع أسعار النفط وهي تهم الأسواق المحلية ومتعلقة مباشرة بها وهي هجرة فرصة العمل لأسواق خارجية أخرى أكثر جذبا بسبب عدة عوامل إقتصادية منها عمالة رخيصة وماهرة.
إن تلك النقطة تحديدا والمتعلقة بالعمالة الرخيصة تعد نقطة جذب لمئات الشركات التي قررت نقل أعمالها للصين والهند وبلدان أسيوية أخرى خصوصا في الفترة التي سبقت الأزمة الإقتصادية ٢٠٠٧ - ٢٠٠٨ والتي بدأت بإنهيار سوق الرهون العقارية في الولايات المتحدة.
بالطبع نستطيع تطبيق نفس مبدأ  الكمية صفر (Sum Zero) ولكن بنظرة واقعية فإن دخول الصين والهند إلى عالم الصناعة والخدمات قد حمى العالم من إرتفاع مستوى التضخم وأبقاه في حدوده المعقولة. إذا تجولت في أحد فروع أسواق وول مارت (Wal-Mart) في أي دولة في العالم فإنك سوف تتسائل إن كان وول مارت شركة مقرها الصين حيث أن أغلب البضائع تجد عليها عبارة صنع في الصين. وإذا إتصلت بقسم خدمة العملاء في مايكروسوفت أو أي شركة أخرى أو حتى البنك الذي تتعامل معه فسوف يجيبك شخص بالإنجليزية ولكن بلكنة أسيوية من الهند أو حتى من الفلبين.
ولكن هل يمكن الحفاظ على تلك المعادلة في ظل إرتفاع أسعار النفط وتخطيها حاجز ١٠٠ دولار للبرميل؟
إن الحاصل مؤخرا أنه ونتيجة لإرتفاع أسعار النفط فإن الأسواق المحلية تشهد عودة تلك الوظائف التي هاجرت للخارج بحثا عن عمالة رخيصة ومدربة. إن هجرة فرص العمل في ظل ٢٠ دولارا كسعر لبرميل النفط من الممكن أن يجعل نحقيق أرباح أمرا ممكنا ولكن في ظل إرتفاع سعر النفط وتخطيه حاجز ١٠٠ دولار فإن تكلفة أسعار نقل المواد الخام والإنتاج كفيلة بتقليص تلك الأرباح بل وتحويلها إلى خسائر.
هناك أيضا ترسانة قوانين في أمريكا وكندا وبلدان أوروبية أخرى مصصمة لجذب رؤوس الأموال المهاجرة وذالك بفرض ضرائب على أرباح الشركات حتى لو كانت تقوم بتصنيع منتجاتها أو تقديم خدماتها خارج أراضي البلد الأم.
إن عودة رؤوس الأموال المهاجرة إلى وطنها الأم هو أحد إيجابيات إرتفاع أسعار النفط وهناك إيجابية أخرى متعلقة بإرتفاع كلفة التنقل حتى داخل البلد نفسها مما سوف يؤدي إلى توزيع عادل للمشاريع والمصانع وعدم تركيزها في منطقة واحدة أو مدينة معينة كما في فورت ماكماري (Mcmurray) التي تقع في مقاطعة ألبرتا الكندية حيث أدى الفورة النفطية إلى تضخم غير مسبوق في أسعار العقارات وإيجارات المنازل والذي أدى بدوره إلى إبتلاع نسبة كبيرة من المداخيل الشهرية.
تأثير إرتفاع أسعار النفط لا يتوقف على رؤوس الأموال المهاجرة أو كلفة إيجارات المنازل أو أسعار بيعها أو شرائها بل يمتد ليشمل نواحي أخرى قد لا تخطر على بال من ينظرون للموضوع نظرة تقليدية.
إن إرتفاع أسعار النفط قد يؤثر على الوظائف المحلية بسبب الحاجة إلى تقليل النفقات لمواجهة إرتفاع أسعار الفاتورة النفطية وقد يكون التأثير المتوقع على ثلاثة محاور هي تقليص الإمتيازات والرواتب والحوافز الشهرية مع الإستغناء عن أقل عدد ممكن أو تقليص فرص العمل المتوفرة بشكل حاد مما يؤدي إلى إرتفاع مستوى البطالة أو اللجوء للشركات الخاصة. النقابات العمالية في الغرب تقاوم أي تقليص لفرص العمل أو الإمتيازات وتتسلح بترسانة قانونية تجعل فرض أي حل بدون موافقة النقابات أمرا صعبا حيث أنه ومع تزايد نزعة النقابات العمالية للتمسك بموقفها تجد الحكومات أنفسها مضطرة إلى اللجوء إلى الشركات الخاصة وإحالة مهام تقديم الخدمات إليها مما يؤدي إلى تقليص الأجور والإمتيازات بشكل حاد ولكن مع الإبقاء على أكبر عدد ممكن من فرص العمل. ولنأخذ مثالا مدينة تورنتو الواقعة في مقاطعة أونتاريو الكندية حيث وجد محافظ المدينة الجديد نفسه أمام مشكلة بعد الإنتخابات البلدية متعلقة بعقود عمال النظافة حيث كان هناك جدل إنتخابي بخصوص الإبقاء على عقود تمنحهم إجازة مرضية مدفوعة تبلغ ١٨ يوما سنويا أم تقليص تلك المدة أو حتى إلغائها أو قد يكون الحل الإستغناء عن الخدمة من أساسها وهو حل مستحيل وغير منطقي. مدينة تورنتو كانت تواجه أزمة ميزانية وأن يكون هناك بند في عقود عمال النظافة أن من حقهم قضاء ١٨ يوما مدفوعا في منازلهم بدون أي حاجة حقيقية هو رفاهية لا تستطيع ميزانية المدينة تحملها. محافظ المدينة الجديد قادم من الضواحي حيث خدمة جمع القمامة تم منح مهمة القيام بها لشركات خاصة منذ وقت طويل وهو يسعي لتطبيق ذالك داخل المدينة نفسها. النقابات التي تمثل العمال سوف تقاوم توجهات المحافظ الجديد ولكن في تلك الحالة فإن العمال سوف يواجهون خيارات صعبة تتخلص بالقبول بعقود عمل جديدة وواقعية تراعي الميزانية المحدودة أو خسارة أعمالهم لصالح شركات خاصة توظف عمالا لا يتم الدفع لهم لكي يلتزموا منازلهم ١٨ يوما في السنة بسبب أعذار مرضية وهمية.
إن دخول القطاع الخاص على خط الأزمة لن يكون محدودا بشركات جمع القمامة بل سوف يشمل الجامعات وتجديد رخص قيادة المركبات وحتى الجسور المتهالكة والطرق التي يتم تعهد تجديدها أو بناء المزيد منها من قبل الشركات الخاصة مقابل منحها إمتيازات تشغيلها مقابل رسوم لفترة زمنية قد تصل لخمسة وعشرين عاما تزيد أو تنقص بحسب بنود العقد. جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تعد أغنى جامعة في العالم أعلنت عن هبات وتبرعات قد بلغت أكثر من ٣٢ مليار دولار أمريكي. وبالنسبة لقطاع الإسكان فإنه من المتوقع أن يمتد التأثير أكثر من أسعار المنازل ليشمل أحجامها حيث سوق تقل نسبة المنازل ذات المساحة الضخمة والتي تستهلك كمية أكبر من الطاقة لصالح منازل ذات أحجام إقتصادية ومعقولة.
هناك نظرية إقتصادية تنسب لأحد الإقتصاديين الذين عاشوا في القرن التاسع عشر ثورستين قيبلين (Thorstein Veblen) وتدعى الإستهلاك الظاهري أو التظاهري (Conspicuous consumption). ملخص تلك النظرية هي أن ذالك النوع من الإنفاق مدفوع برغبة الأشخاص إلى إبراز الوضع الإجتماعي بدلا من شراء مايحتاجون إليه فعليا وإن كان ذالك بالمجمل قد لا يؤدي إلى زيادة الرضا عن لاذات ولا إلى زيادة سعادة الشخص. نظرية الإستهلاك الظاهري أو التظاهري مدعومة بإحصائيات تذكر أنه في الولايات المتحدة ورغم تضاعف الدخل الشخصي للفرد الواحد إلى أكثر من مرتين منذ الحرب العالمية الثانية فإن المواطنين هناك أقل سعادة بمقدار ١٩ مرة عن مواطني دولة مثل الدانيمرك والتي لا تقارن من ناحية الدخل والثروات الطبيعية والشخصية بالولايات المتحدة.
التأثير الذي سوف يحدثه إنخفاض أو إرتفاع أسعار النفط على الإقتصاد سوف يتجاوز المفهوم التقليدي لأسواق العمل والإنسيابية في حركة القوى العاملة حيث أن تعريف السن المناسب لتصنيف شخص ضمن القوى العاملة بين سن 15-65 عاما سوف يتغير خصوصا مع متوسط العمر المتوقع وتحسن أنظمة الرعاية الصحية مما يزيد قابلية الشخص للعمل رغم تقدمه في السن. إن الأزمة التي تعانيها صناديق التقاعد بسبب زيادة أعداد المتقاعدين وإرتفاع نسبة البطالة أدى إلى إعتمادها أكثر وأكثر على الدخل الناتج من إستثماراتها في أسواق المال والأسهم وهي معرضة لهزات إقتصادية حيث تعاني الكثير من صناديق التقاعد من عجز مزمن عن الوفاء بإلتزاماتها مما سوف يجعلها ملزمة بإجراء التعديلات على أنظمة معاشات التقاعد وإمتيازات المتقاعدين حيث سوف تجبر التخفيضات في الإمتيازات التقاعدية بسبب العامل الإقتصادي والمشكلة الديمغرافية المتقاعدين على البحث عن فرصة عمل حتى لو كانت بدوام جزئي مما سوف يزيد الضغط على سوق العمل الذي يعاني من إرتفاع مستوى البطالة وإزدياد نسبة العاطلين عن العمل.
إن كل ماسبق ذكره في هاذا الموضوع قد أدى تكون جيل جديد بفعل تلك الحركات والتيارات الإقتصادية خصوصا إثر إلغاء القرارات التي تمنع تداخل الأعمال بين البنوك التجارية والإستثمارية وتمنع البنوك التجارية من إمتلاك مكاتب مضاربة, جيل من الأبناء يختلف عن والديه, جيل يتخلى عن الرفاهيات لصالح حياة بسيطة وغير معقدة. جيل فقد الثقة برأسمالية منفلتة من عقالها وأصبح ينظر لشخص يلبس بدلة بربطة عنق ويرتدي ساعة رولكس ذهبية ليس على أنه مستثمر ناجح في وول ستريت أو في البورصات والأسهم بل كشخص يتطلع لأقرب فرصة كي يحتال على القانون لجمع ملايين الدولارات وترك أشخاص كثيرين في حالة خسارة وحزن لفقدان إستثماراتهم أو مدخرات تقاعدهم.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية