Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label وول مارت. Show all posts
Showing posts with label وول مارت. Show all posts

Sunday, June 30, 2024

إمبراطورية وول مارت

 ليس من الممكن رواية تاريخ الرأسمالية المعاصرة من غير الحديث عن مجموعة من الأسماء سواء كانت أشخاص أو مؤسسات مصرفية أو إستثمارية كان ظهورها سبباً رئيسا في تغيير قواعد اللعبة وقوانينها وإحداث تأثير اقتصادي على المستوى العالمي. وول مارت أكبر متجر للبيع بالتجزئة في العالم هو أحد تلك المؤسسات التي ساهمت في ترسيخ مفهوم الشركة الدولة أو رأسمالية الشركات أو النيوليبرالية حيث تحكم الشركات ومصالحها الدولة وتكتب القوانين وتوضع الأنظمة لمصلحة الشركات وليس الدولة وبالتالي المواطنين. وول مارت هي مؤسسة إحتكارية تعمل بواسطة عدة وسائل على القضاء على المنافسين حتى على المستوى المحلي ولها تأثيرات اقتصادية واجتماعية مدمرة على المجتمعات والثقافة والعادات المحلية.

في البداية فإنه ليست من المبالغة أن نصف وول مارت بأنها دولة أو إمبراطورية وول مارت انتشار متاجر الشركة حول العالم يجعلها أقرب الى الشركات الاستعمارية مثل شركة الهند الشرقية. وول مارت لديها فروع في الصين حيث أجواء المنافسة غاية العدائية ورغم ذلك فقد حافظت على وجودها ومستمرة في التوسع في الوقت نفسه الذي فشلت شركات أمريكية في السوق الصينية لعل أشهرها غوغل, فيسبوك و أمازون. الصينيون الناجحون في تقليد كل شيئ وأي شيئ فشلوا في تقليد وول مارت وفي الحصول على حصة من كعكة قطاع البيع بالتجزئة العالمي على الرغم من تفوقهم في موقع التجارة الإلكترونية علي بابا.

هناك آلاف المصانع في الصين التي تزود وول مارت بعدد لانهائي من المنتجات بداية من الدبوس, الدراجات الهوائية, الأثاث المكتبي وقطع غيار السيارات. كل أنواع المنتجات التي يمكن تخيلها ومن الممكن أن تجدها في وول مارت سوف يكون على غالبيتها عبارة صنع في الصين. هناك بعض الأرقام التي قد تعطينا فكرة عن حجم وول مارت وتأثيره على المستوى العالمي وإن كانت أرقاما قديمة بعض الشيئ. كانت قيمة المبيعات ٤٨١ مليار دولار سنة ٢٠١٦ حيث تبلغ مبيعات فروع وول مارت في الولايات المتحدة مليار دولار وفروعه الأخرى في العالم ٢٥٠ مليون دولار. وول مارت إستوردت بضائع من الصين سنة ٢٠٠٤ بلغت ١٨ مليار دولار وتخطط لزيادة ذلك الى ٥٠ مليار دولار خلال العشرة سنين وصولا الى سنة ٢٠١٤. هناك عشرين الف مورد في الصين تبيع وول مارت بضائعهم.

سنة ٢٠١٦, تفوقت شركة علي بابا على وول مارت في قطاع البيع بالتجزئة(الافتراضي) أو الإلكتروني وذلك في حجم المبيعات ولكن على الرغم من ذلك  فإن وول مارت إستمر في احتكار لقب ملوك البيع بالتجزئة في العالم الواقعي حيث تنتشر متاجر وول مارت بالإضافة الى الولايات المتحدة في كندا, المكسيك, الصين والقائمة تطول. الفترة الزمنية(٢٠٠٥-٢٠١٠) كانت فترة نمو بطيئة في وول مارت حيث بدأ الإقتصاد العالمي بالتراجع وصولا الى ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية ٢٠٠٨. ولكن وول مارت حقق خلال تلك المرحلة نموا في المبيعات قدره ١١٠ مليار دولار وذلك يعادل حجم النمو في مبيعات سلسلة متاجر تارجت و موقع أمازون دوت كوم مجتمعين خلال الفترة الزمنية ذاتها. إن حجم شركة وول مارت يعطيها تأثير وقيمة اقتصادية واجتماعية وكلمة مؤثرة في الولايات المتحدة والعالم وأي خطوة أو إجراء تعلن عنه وول مارت سوف يكون وقعه مدوياً.

وول مارت تقوم بتجميع نفايات الكرتون المستعملة وترسلها الى أحد الشركات حتى تقوم بصناعة صناديق ديلي بيتزا, ماركة البيتزا التجارية الخاصة لمتاجر وول مارت التي يبدو أنها قررت أن تنافس ماركات البيتزا الشهيرة مثل بيتزا هت ودومينوز بيتزا. شركة إنتاج ورق التواليت(الحمام) كيمبرلي كلارك قررت إختيار وول مارت من أجل إطلاق فكرة جديدة هي ورق حمام بدون الأسطوانة الكرتونية في المنتصف مع الإبقاء على الفراغ الذي يجعل من عملية تعليقها في مكانها المخصص بذات السهولة.  وول مارت الذي حصل على حق تسويق حصري للفكرة الجديدة سوف يحقق الأرباح وسمعة دعائية بوصف الشركة صديقة للبيئة حيث سوف يتم توفير كمية هائلة من الكرتون المقوى. غالبية متاجر وول مارت في المكسيك تستخدم طاقة الرياح مما يؤدي الى توفير مليون دولار شهريا على فاتورة الكهرباء ومرة أخرى دعاية إيجابية عن الشركة صديقة البيئة. إن متاجر وول مارت الضخمة(سوبر سنتر) التي يتم افتتاحها منذ سنة ٢٠٠٩ تكون موفرة للطاقة بنسبة ٣٠%. وول مارت طالبت مورديها بتقليل حجم وكمية تغليف منتجاتها التي تقوم بتوريدها الى وول مارت ٥% خلال الفترة الممتدة(٢٠٠٨-٢٠١٣). إن شركة وول مارت تعمل دائما من أجل تحقيق مصلحتها والغاية تبرر الوسيلة حتى لو كان من الواضح ظاهريا أن المستهلك هو المستفيد. وول مارت تحقق أرباحا قد لا تزيد عن ٣ سنتات عن كل دولار مبيعات وذلك يؤدي الى إزاحة الكثير من المنافسين من السوق وإغلاق على المبيعات في المتاجر المحلية الذي سوف يغلق بعضها أبوابه ويعمل موظفا في متجر وول مارت المحلي.

شركة وول مارت لديها قوة ضغط على المصنعين والشركات التي تتعامل معها. إن أكبر شركات صناعية مساحيق و سوائل الغسيل قامت بتعديل عبواتها بناء على طلب وول مارت وذلك بتقليص حجمها ٢٠% مع الإبقاء على الفاعلية وعدد مرات التعبئة حيث خفَّضت كمية المياه ٠% تقريبا حيث كانت تلك الشركات نظريا تمارس غش المستهلكين بإضافة كل تلك المياه الى منتجاتها بدون سبب واضح. ولكن بالصدفة فإن تلك الشركات حققت زيادة في الأرباح حيث أن الوقت المستخدم في تعبئة العبوات تقلص وبالتالي هناك إمكانية تعبئة المزيد من عبوات مساحيق الغسيل بدون أي تغيير في ساعات العمل وكمية العبوات التي يمكن إرسالها في الشاحنات حيث يمكن شحن عدد أكبر من العبوات خلال مسافة مقطوعة بكمية الوقود ذاتها. هناك الكثير من الخطوات الأخرى التي تقوم بها وول مارت داخل متاجرة ومع الموردين من أجل تحقيق ما يطلقون عليه الاستدامة وتقليل الإنبعاثات الكربونية ولكن ذلك في النهاية يخدم أهداف شركة وول مارت في تحقيق المزيد من الأرباح من خلال تقليل التكاليف, تخفيضات الأسعار وزيادة المبيعات.

ولكن تلك الأخبار التي يبدو من ظاهرها أنها إيجابية وتحقق الصالح العام للمستهلكين ليست هي الوحيدة التي يمكن أن تروى عن وول مارت التي أصبحت دولة داخل الدولة او الشركة الدولة. هناك قضايا في المحاكم رفعها موظفون ضد وول مارت التي خالفت قوانين العمل وتحايلت على القوانين المحلية وقامت برشوة موظفين محليين من خلال لوبيات ضغط من أجل بناء مراكز تسوق وول مارت في بلدات ومجتمعات محلية رغم معارضة السكان. إن الدعاية التي تروج لها شركة وول مارت يمكن إعتبارها مضللة وأنها على سبيل المثال توفر وظائف للسكان المحليين ولكنها في الوقت نفسه وظائف لا تدفع إلا الحد الأدنى من الأجور ونسبة كبيرة من موظفي وول مارت سوف يعانون عجزا غذائيا لولا قسائم الطعام التي توفرها الحكومة الأمريكية للمعوزين, المتشردين وأصحاب الدخل المنخفض. كما أن وول مارت تعتبر سببا رئيسيا في إغلاق إعلان المتاجر المحلية إفلاسها وإغلاق أبوابها بسبب حرب الأسعار التي تعتبرها الشركة أمرا ثابتا في سياستها.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية



Saturday, June 18, 2016

هل العولمة سبب رئيسي في تدمير المجتمعات وزيادة نسبة الفقر؟

الشركات ورؤوس الأموال العابرة للقارات والتي تشكل تحالفات مع القوى الإستغلالية والإقطاعية المحلية لشراء الأصول والشركات التي يفترض أنها متعثرة لايهمها إلا الربح على حساب جودة الخدمة وتوفيرها لأكبر قطاع من المستهلكين. فمن يملك ثمن إستهلاك المياه أو الكهرباء يستطيع الحصول على الخدمة وإلا فمصيره الموت عطشا والعيش في الظلام الدامس أو على ضوء الشموع إن كان قادرا حتى على شرائها.
هناك الكثير من الحجج التي يسوقها المناصرون لقضية العولمة ومنها أنها السبب الرئيسي لإنتشال مئات الملايين من البشر من فقرهم المدقع وزيادة نسبة الدخل وإنخفاض مستوى البطالة وذالك مردود عليهم لمجموعة أسباب. أول تلك الأسباب هي أن إتفاقيات التجارة الحرة قد أدت إلى إنتقال فرص العمل من الدول الغربية(Developed Country) حيث التكلفة المرتفعة إلى دول نامية(Developing Country) حيث الأجور منخفضة وبتطبيق نظرية الكم صفر(Sum Zero) فإن إنخفاض نسبة البطالة في الفلبين أو بنغلاديش أو المكسيك سوف يقابله إرتفاعها في الولايات المتحدة وأوروبا. ثاني تلك الأسباب أن الدول النامية سوف تبقى عاجزة عن القيام بأي إجرائات من شأنها الحد من تأثيرات العولمة السلبية خصوصا التشريعات المتعلقة بحماية العمال والمصادر الطبيعية من الإستغلال لأن أي دولة تقوم بذالك فسوف تكون التهمة جاهزة وهي الشيوعية كما في عصر الحرب الباردة أو يتم إشهار سلاح حقوق الإنسان لتبرير التدخل العسكري أو إحتلالها مباشرة أو إتهامها بالإرهاب كما حصل مع بعض الناشطين لحماية غابات الأمازون حيث تم إتهامهم بأنهم يتلقون السلاح والتدريب من متطرفين إسلاميين.
لست أفهم كيف ينظر المؤيدون للعولمة بنظرة إيجابية لأحياء الفقر والتهميش التي يسكنها العمال الفقراء في بنغلاديش وفيتنام وأندونيسيا والذين يعملون على صناعة أحذية وحقائب يد نسائية وألبسة جاهزة لصالح ماركات تجارية عالمية؟ كيف ينظرون لإرتفاع نسبة الجريمة وحوادث الإغتصاب والإستغلال الجنسي في المدن المكسيكية حيث تنتشر مصانع الألبسة والمنسوجات التي تعمل لصالح شركات أمريكية وأوروبية؟ كيف ينظرون لتلك الأماكن حيث لايتمتع العمال بأي حقوق أو إجازات مدفوعة وترتفع نسبة الفقر بسبب الأجور الزهيدة التي بالكاد تكفي لدفع تكلفة الطعام والسكن في أماكن تعتبر مكاره صحية وبيئية حيث يعاني العمال وأسرهم من الأمراض والأوبئة وترتفع نسبة وفيات المواليد الجدد؟
ولايكتفي أنصار العولمة بالدفاع عن وجهة نظرهم وهو دفاع فاشل بإمتياز بل يمتد إلى إنتقاد الدول الأخرى التي لاتطبق تلك المفاهيم بحذافيرها حيث يعتبرون منح العمال إجازات مدفوعة الأجر وإجازات ولادة أمورا غير مستحبة ويعدونها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن إنخفاض الإنتاجية بينما العكس هو الصحيح حيث تكفي نظرة معمقة لبلدان مثل فرنسا, إيطاليا, ألمانيا, فنلندا, السويد والدانيمرك خطأ وجهة نظرهم. في السويد لايتم إلقاء المرضى خارج المستشفيات لأنهم لايملكون ثمن العلاج. في الدانيمرك يتم منح الطلاب راتبا ماداموا منتظمين في دراستهم. في ألمانيا وإيطاليا يتم منح العاملين حتى في الشركات الخاصة إجازات سنوية مدفوعة الأجر وإجازات أمومة تعد مرتفعة نسبيا قياسا بدول غربية أخرى قد لا تزيد فيها إجازة الأمومة عن 5 أشهر. المدارس الفرنسية في المناطق الأكثر فقرا تعد وجبات طعام لطلابها أفضل من أفخم الفنادق في منطقة الشرق الأوسط والخدمة في تلك المدارس خمسة نجوم. فنلندا تتمتع بأحد أرقى الأنظمة التعليمية في العالم حيث تتفوق حتى على الولايات المتحدة بنظامها التعليمي.
حتى وسائل الإعلام أصابتها عدوى العولمة حيث يمتلك عدد صغير جدا من الشركات قد لايتعد ستة أو سبعة شركات أغلب الوسائل الإعلامية على إختلافها من الصحف والمجلات والإذاعات وشركات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني. تلك الشركات تدافع عن مصالحها بشراسة وتتعمد مهاجة الأطراف الأخرى, تضخيم السلبيات وإخفاء الإيجابيات والإنجازات والترويج لنموذج إقتصادي قائم على إستغلال الطبقات الأكثر فقرا وعوزا حتى يزدادو في الفقر ويزدادو هم وداعميهم ثراء ونفوذا وسطوة.
رموز العولمة كأشهر ماركات الساعات والأزياء والعطور ليست هي النموذج الوحيد على نجاح المفهوم من الناحية العملية بل هناك سلاسل مطاعم الوجبات السريعة وهي تختلف عن الفئة الأولى التي ذكرت أنها تستهدف الطبقة الوسطى بشكل رئيسي. إن وجود طبقة وسطى مؤثرة في أي مجتمع أو بلد لا على التعيين يعد دليلا على تجربة عولمة نموذجية ومثالية حيث أن تلك الطبقة قادرة على دعم وجود ماكدونالدز وكي. إف. سي وغيرها من شركات وجبات المطاعم السريعة.
تلك النظرة تعد قاصرة برأي لأنه في الكثير الدول التي تنتشر مطاعم الوجبات السريعة خصوصا ماكدونالدز وقوسها الذهبي المشهور ينتشر الفقر والجوع خصوصا المتسولين الذين قد ينتظرونك عند أحد تلك المطاعم يستجدون الزبائن والمارة. في الكثير من الدول الغربية وهي مليئة بمطاعم الوجبات السريعة ومقاهي شركات عالمية يتم بث إعلانات متلفزة حكومية تحذر من ظاهرة الفقر والجوع محليا وليس في أدغال أفريقيا وتحذر من إنتشار ظاهرة الإختيار بين سقف يؤوي الأسرة أو تناول ثلاثة وجبات في اليوم وتحث على التبرع لبنوك الطعام. كما أن شركات المطاعم السريعة لاتقدم أي مساهمة في تنمية الإقتصاد المحلي حيث يعيش نسبة كبيرة من موظفيها خصوصا في الدول الصناعية على كوبونات الطعام الحكومية والإعانة الإجتماعية على الرغم من حصولهم على عمل بدوام كامل وتعد عبئا بيئيا وصحيا خصوصا بسبب طريقة إعداد منتجاتها ومصدر تلك المنتجات من شركات تعتمد أسلوب الزراعة المكثفة والأغذية المعدلة وراثيا ومزارع الحيوانات التي تحقنها بهرمونات النمو والمضادات الحيوية بكثافة. محلات بيع التجزئة(وول مارت - Walmart) تعد أيضا نموذجا لتطبيق ونجاح مفهوم العولمة من الناحة النظرية ولكن بالتدقيق في سيرتها الذاتية نجد عدد كبيرا من موظفيها ممن يعملون بدوام كامل خصوصا في الولايات المتحدة يعيشون تحت خط الفقر بسبب أجورهم المنخفضة ويحصلون على إعانات ومساكن وكوبونات طعام حكومية.
كما أن ثورة الإتصالات والمواصلات وخصوصا الإنترنت قد تكون سببا في إقتراب حضارات وثقافات من بعضها البعض ونشوء صراع بينها للإستحواذ على مساحة ضيقة في العالم الذي تحول إلى قرية صغيرة تزداد ضيقا. هناك فترة طويلة جدا قد تقاس بالسنين الضوئية قبل أن يعم إستخدام الإنترنت خصوصا في البلدان النامية بحيث تكون عاملا إيجابيا وسببا في تضييق الفجوة الإقتصادية التي كانت العولمة سببها رئيسيا فيها.
النهاية

Saturday, March 26, 2016

في عصر العولمة فإن المسافة المقطوعة تساوي نقودا

لنتخيل أحدنا يركب التاكسي ويبقي نظره مصوبا نحو العداد متسائلا إن كان معه مايكفي لتغطية الأجرة. في حال ذهاب أحدنا لأحد محلات البيع بالتجزئة المنتشرة في الوطن العربي مثل كارفور أو من يعيش في الدول الغربية هناك وول مارت أو مارك أند سبينسر, فقلما سوف يجد منتجا مصنوعا في البلد الذي يقيم فيه. إذا أردتم معرفة أهمية المسافة المقطوعة بين البلدان والطرق التجارية, فما عليكم إلا أن تقرئوا عن الأسباب التي دفعت دولا مثل إنجلترا وإسبانيا والبرتغال للإستماتة لإيجاد الطريق حول رأس الرجاء الصالح لتجنب المكوس(الضرائب) التي كان يفرضها المسلمون على السفن التجارية لتلك الدول حيث يجنون أموالا ضخمة من الضرائب.
إرتفاع أسعار النفط مرة أخرى سوف يكون له تأثير كبير على أسعار النقل وهي تشكل جزءا لا يستهان به من التكلفة الإجمالية للسلعة. إرتفاع تكلفة النقل في المستقبل القريب سوف تكون العائق الأكبر أمام نمو التجارة الدولية وليس التعرفات الجمركية. أما لماذا ذكرت إرتفاع تكلفة النقل في المستقبل القريب؟ لأن إنخفاض أسعار النفط الحالي وهمي حيث حدث فجأة بين ليلة وضحاها وليس حقيقي وهو ناتج عن عمليات تلاعب بما يسمى عقود المستقبليات وإشاعات عن تباطئ النمو الإقتصادي في الصين. من يشكك في ذالك عليه أن يسأل عن أسباب إرتفاع سعر وقود السيارات في بعض الدول والأسباب التي تدفع بعض الشركات لرفع أسعار بضائعها وخدماتها تحت ذريعة إرتفاع التكلفة. عن أي تكلفة يتحدثون والنفط إنخفض سعره من أكثر من 50%؟
إرتفاع أسعار النفط سوف يجعل الزمن يعود إلى الوراء في العصور السابقة حيث كانت حركة التجارة الدولية تشكل جزءا بسيطا من الحركة التجارية لأي بلد حيث كانت الأولوية للسوق الداخلية التي كانت محمية بتعريفات وقوانين تجعل عملية الإستيراد في حدها الأدنى. عمليات التبادل التجارية المحدودة كانت في أغلبها إقليمية وليست دولية حيث تتاجر الدول مع جيرانها وليس مع دول تقع في الطرف الأخر من الكرة الأرضية.
بالطبع هناك إستثنائات كأن تشتهر بلد ما ببضاعة معينة حيث إشتهرت الصين والهند وسيريلانكا بتصدير الشاي والبرازيل بالبن حيث يضرب فيه المثل حول العالم من ناحية الجودة واليونان بالزيتون وكوستاريكا ودول أخرى في أمريكا اللاتينية بالموز.
كل ذالك بدأ بالتغير بين سنتي 1960 و1970 حيث إرتفعت نسبة التصدير من إجمالي الناتج المحلي العالمي بنسبة 50% حيث تعافت دول مثل اليابان من أثار الحرب العالمية الثانية وأوروبا بسبب تطبيق خطة مارشال.
عشرات السنين من المفاوضات لتأسيس الإتحاد الأوروبي وكذالك المفاوضات الثنائية بين دول العالم المختلفة والتي أدت إلى إتفاقيات مثل إتفاقية الجات وإتفاقية النفتا أدت إلى إستفادة المصدرين والموردين ولكن ليس بدون أثار جانبية. العولمة والتي كانت من ثمراتها تلك الإتفاقيات لتحرير التجارة العالمية لها جانب أسود وإستغلالي. العمالة الرخيصة, ظروف العمل المزرية, التلوث البيئي, عمالة الأطفال, تدمير الصناعات المحلية وغيرها الكثير. بإختصار وللأسف أقولها أن على أحدهم أن يدفع الثمن. كنت أتمنى قول غير ذالك ولكن سلبيات العولمة طغت على إيجابياتها فوراء البضائع الفاخرة التي تملأ أرفف المتاجر, وراء الأسنان الذهبية التي يتفاخر بها الكثيرون, وراء عقود الألماس التي تزين أعناق سيدات المجتمع الراقي, وراء معاطف الفرو الفاخرة, وراء كل ذالك قصص بؤس وشقاء وإستغلال.
إن أحد أهم أسباب بروز الصين والهند كقوى إقتصادية يعود إلى قوانين تحرير التجارة وإتفاقيات الجات وأزالة التعريفات الجمركية.
يمكن إختصار مفهوم العولمة بشكل مبسط على النحو التالي: أحد الصناعيين يقوم بنقل مصنعه إلى دولة توفر له أرخص أيدي عاملة أو حتى يقوم بإستيراد مكونات إنتاج بضائعه بجزء بسيط من سعر تكلفته لو قام بإنتاجه في بلده. المعادلة بسيطة وهي أجور أعلى للقوى العاملة المحلية مقابل بضائع مرتفعة الثمن وبقوة شرائية أقل للعملة المحلية. الكثير من المنتجات التكنولوجية التي يتم التفاخر بها في الوطن العربي أنها من الإنجازات والإختراعات العبقرية تنتمي ما سبق ذكرته حيث هي عبارة عن صناعة تجميعية يتم إستيراد إجزائها من هناك وهناك ويتم تجميعها ومنحها إسما محليا.
كانت الصين خلال العقود الثلاثة الماضية تتمتع بميزة تنافسية بخصوص الأجور أكثر مما تتمتع  به حاليا ولكن كانت هناك مشكلة تحديد سقف الإستيراد والتعرفات الجمركية على البضائع المستوردة والتي أعاقت نمو الإقتصاد الصيني. لم يكن هناك ما يمنع أي شركة ترغب في نقل مصانعها للصين ولكنها سوف تواجه مشكلة في تصريف بضاعتها بسبب تكلفة النقل وتعرفات الحماية الجمركية. في سنة 1971 قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بفرض ضريبة مقدارها 10% على كل البضائع الواردة للولايات المتحدة ولم يتم رفع الضريبة حتى تم إجراء إعادة تقييم للعملات الرئيسية مقابل الدولار مما أدى إلى إزدهار قطاع التصدير.
في رواية المصابيح الزرق للكاتب حنا مينا يصيح أحدهم مناديا على بضاعته من الرز بأسعار ماقبل الحرب فيرد عليه أحدهم, الجمل بقرش وقرش مافي. من الأثار السلبية للعولمة وإتفاقيات التجارة الحرة وإزالة تعريفات الحماية أن أصبح للشركات مطلق الحرية في أن تنقل مصانعها وأعمالها لأي بلد يتوفر على عمالة رخيصة لتحقيق أكبر قدر من الربح حيث أدى ذالك إلى تضائل نفوذ النقابات العمالية التي أصبحت تقبل بعقود منخفضة الأجور خصوصا في قطاعات مثل الفولاذ والسيارات.
ولكن نقل الشركات لمصانعها وأعمالها خارج حدود بلدانها إلى بلدان أسيوية حيث تتوفر على عمالة رخيصة ومصادر أولية من الممكن فهمه في إطار إنخفاض أسعار النفط وبالتالي إنخفاض أسعار الطاقة. في الفترة الأولى(1960-1973) التي شهدت بداية إزدياد حركة التجارة العالمية, فقد كان سعر برميل النفط 14 دولار. في الفترة(1978-2002) فقد تم تخفيض تعرفات الحماية الجمركية 30% كما أن سعر برميل النفط مازال في حدود المعقول حيث بلغ 25 دولار.
في الفترة بين الصدمة النفطية الأولى سنة 1973 و1979, فقد توقف نمو التجارة الدولية رغم تخفيض تعرفات الحماية الجمركية بنسبة 25% ولكن في الوقت نفسه فقد إرتفعت تكلفة النقل إلى ثلاثة أمثالها على الأقل. في الفترة التي أعقبت الصدمة النفطية الأولى فقد إنخفض حجم الصادرات الغير بترولية للولايات المتحدة بنسبة 6% في فترة خمسة سنين لاحقة حتى نهاية سنة 1978 وبداية سنة 1979 في الوقت نفسه الذي إرتفعت واردات دول أمريكا اللاتينية والكاريبي للولايات المتحدة بنفس النسبة.
هل سوف يتسبب الإرتفاع المقبل في أسعار النفط في إعادة ترسيم خريطة التجارة العالمية وإزدهار التجارة الإقليمية وسقوط فكرة العولمة وإتفاقيات التجارة الحرة كما حصل سنة 1973, وسنة 1979 والذي تكرر سنة 2008 حين تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار مما أدى ألى موجة كساد إقتصادي مازالت مستمرة حتى وقتنا الحالي؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية