Flag Counter

Flag Counter

Friday, July 24, 2015

“What’s good for General Motors is good for the country.”


كانت سيطرة الولايات المتحدة على منابع النفط في الحرب العالمية الثانية سببا رئيسيا لإنتصارها وقد إكتشف المخططون الإستراتيجيون الأمريكييون تلك الحقيقة التي شكلت تحولا هاما في العقيدة العسكرية والتخطيطية للولايات المتحدة.  الحرب العالمية الثانية كانت السبب بإبراز النفط كطاقة المستقبل وكما قال المؤرخ البلجيكي الشهير مايكل كولون(Michael Collon) أن من يسيطر على النفط يتمكن من التحكم في العالم.
كانت شركات الأخوات السبعة التابعة لأسرة روكفلر تسيطر على إنتاج النفط في الولايات المتحدة(63%) من إنتاج النفط العالمي وإنتاج النفط في الخليج العربي وفنزويلا حيث قامت بتحقيق ذالك عن طريق عقد تحالفات سياسية والتخطيط لتنفيذ ودعم إنقلابات عسكرية إن إقتضت الضرورة كالإنقلاب الفاشل ضد الرئيس الفنزويلي الراحل هيوجو شافيز. كما قامت بها تلك الشركات النفطية العملاقة بنقل مركز إنتاج النفط من الولايات المتحدة إلى خارجها مما أدى إلى تحويل الولايات المتحدة من منتج للنفط إلى مستهلك رئيسي له حيث تشن الحروب وتحبك المؤامرات والدسائس السياسية وكل ذالك في سبيل السيطرة على منابع النفط الأسود. كانت تلك الشركات عازمة على إحداث إنقلاب إقتصادي في الولايات المتحدة فقامت بالتحالف مع شركات صناعة السيارات في ديترويت حيث تم تدريجيا تنحية القطارات والعربات الكهربائية والتي كانت وسيلة نقل رئيسية لصالح السيارات وتم بناء مجمعات سكنية في ضواحي المدن بعيدا عن القطارات وبعيدا عن مركز المدينة حيث تقع مقرات أغلب الشركات والمؤسسات.
التحالف بين شركة جينرال موتورز(GM) ومجموعة شركات روكفلر النفطية(الأخوات السبعة) وشركة فيرزستون(Firesston) للإطارات قد أدى إلى سحب البساط بالتدريج من وسائل النقل التقليدية كالعربات الكهربائية والقطارات لصالح السيارات والباصات التي تستهلك الوقود.
إحالة خطوط النقل التي تعمل على الكهرباء(Electrical trolley) والتي كانت متواجدة في كل مدينة أمريكية رئيسية كانت الخطوة الأولى حيث قام رئيس شركة جنرال موتورز ألفريد بي سلون(Alfred P. Sloan) بشراء أكبر شركة تقوم بتشغيل خطوط الترامات(Electrical trolley) في الولايات المتحدة وأكبر شركة مصنعة لها. كما قام بعد ذالك بنقل المقر الرئيسي للشركة إلى نيويورك مانهاتن وقام بشراء حصص رئيسية في شركات الترام حيث فام بالتدريج بإحالتها إلى التقاعد لإفساح المجال لباصات شركته التي تعمل بواسطة الوقود السائل.
في خلال فترة الكساد العظيم ومع إقتراب نشوب الحرب العالمية الثانية, فقد قام ألفريد بي سلون(Alfred P. Sloan) بتأسيس شركة الخطوط الوطنية(National City lines) والتي هي في ظاهرها شركة مستقلة بدون روابط مع شركة جينرال موتورز بينما الحقيقة هي أن شركة الخطوط الوطنية تم تأسيسها وتمويلها من قبل شركة باصات(Greyhound) والتي تعتبر مملوكة من قبل شركة جينرال موتورز. الشركة كانت مملوكة من قبل Greyhound كمساهم رئيسي بالنيابة عن شركة جينرال موتورز, شركة فايرزستون(Firestone) للإطارات, شركة فيليبس النفطية(Phillips Petroleum) وشركة نفط كاليفورنيا بالنيابة عن مجموعة الأخوات السبعة.
قامت شركة الخطوط الوطنية بشراء حوالي 100 خط عربات الترام في أكثر من 45 مدينة رئيسية في الولايات المتحدة وأحالتها بهدوء إلى التقاعد لصالح باصات وسيارات شركة GM. النتيجة أنه بحلول سنة 1950 فإن أكثر من 90% من خطوط الترام في الولايات المتحدة قد تم تفكيكها وبيعها خردة أو إحالتها إلى التقاعد أو المتاحف.
المحكمة العليا الأمريكية برأت شركة جينرال موتورز وشركائها من تهمة التأمر من الدرجة الأولى وأدانتهم بتهمة التأمر من الدرجة الثانية بمخالفة قانون الإحتكار الأمريكي والملكية الحصرية لوسائل النقل العامة والمنافسة الغير عادلة في مجال تجارة النفط, السيارات ومنتجات المطاط حيث تم تغريمها 5000 دولار أمريكي وهو مايوضح مدى تغلغل المصالح والشركات واللوبيات في النظام القضائي الأمريكي.
الخطوة التالية كانت تدمير خطوط السكة الحديد والتي كانت تقوم بمهمة مزدوجة بنقل البضائع والركاب حيث كانت تتمتع بكفائة تشغيلية عالية ودرجة أمان وأقل نسبة حوادث وإستبدالها بشبكة الطرق السريعة والسيارات والباصات التي تسير على الوقود السائل بما تحمله من نسبة المخاطرة والحوادث المرتفعة.
قامت الحكومة الأمريكية بتقديم الدعم لإنشاء المطارات وشبكة الطرق السريعة في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية بينما لم يتم تقديم أي دعم حكومي لشركات القطارات والسكك الحديد بل وبالعكس فقد تم فرض ضريبة 15% على مبيعات التذاكر على ركاب القطارات والهدف رفع أسعار التذاكر أكثر من المعقول والتسبب بإحجام الركاب عن إستعمال القطارات.
بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية فقد أصبحت الأسر الأمريكية التي شارك عائلها أو أحد أفرادها في الحرب مؤهلة لتلقي قروض سكنية حكومية أو بيوت في مشاريع سكنية ولكنها في الضواحي بعيدة عن المدن وعن مكان توفر فرص العمل ووسائل المواصلات العالمة ممايعني أن إمتلاك السيارة قد أصبح ضرورة ملحة وليس رفاهية.
في سنة 1956 فقد نجح تحالف شركات روكفيلر النفطية وشركات السيارات مثل جي إم(GM) بالضغط على الرئيس الأمريكي أيزنهاور للموافقة على أكبر مشروع للبنية التحتية في الولايات المتحدة(The National Interstate and Defense Highways Act of 1956) ويعد الأضخم حتى تاريخه وربما حتى وقتنا الحالي. تمويل المشروع بنسبة 90% كان من الحكومة الفيدرالية مما يعد أكبر تدخل حكومي واضح وصريح لمصلحة شركات النفط والسيارات.
الحكومة الأمريكية قامت بفرض كافة أنواع الضرائب على شركات القطارات والسكك الحديد بينما قامت بإعفائات ضريبية لصالح شركات النفط والسيارات بل وقامت بدق المسمار الأخير في نعش شركات القطارات والسكة الحديد حيث حظرت عليهم نقل البريد بين المدن بواسطة عرباتهم وهو ماحرم تلك الشركات من مصدر كبير للدخل حيث إنخفض إستخدام قطارات السكك الحديد لنقل البريد والبضائع بنسبة 84% بين سنتي 1945-1964. وبحلول سنة 1966 فقد كان أقل من 2% من المسافرين بين المدن يستخدمون قطارات السكك الحديد حيث أن كل فرد من أولئك المسافرين كان قادرا على شراء سيارة خاصة به.
المشكلة أن شركات النفط والسيارات والتي كانت من أكثر الضاغطين بإتجاه مشروع The National Interstate and Defense Highways Act of 1956 ومشاريع مماثلة له لم تتحمل إلإ أقل القليل من التكاليف حيث إنتهى الأمر بدافع الضرائب الأمريكي لتحمل نسبة كبيرة منها حيث قفزت تكلفة المشروع من 25 مليار دولار إلى 114 مليار دولار وإستغرق إكماله 12 سنة.
الإقتصاد الأمريكي أصبح معتمدا إعتمادا كليا على النفط حيث كان سعر البرميل بين 2.5 دولار و 3 دولار من سنة 1948 حتى نهاية سنة 1960 وأصبح المواطن الأمريكي يستطيع ملئ خزان سيارته بسعر 25 سنت أمريكي للجالون بينما أصبح السيارات في متناول المزيد والمزيد من الأمريكيين بفضل قروض بنكية طويلة الأمد وبفوائد منخفضة.
شركات النفط الأمريكية وخصوصا الأخوات السبعة شربت نخب إنتصارها وجنت أرباحا طائلة بالإشتراك مع شركات السيارات وخصوصا جي إم(GM) وشركات الإطارات(Firestone)  وتغلغلت الشركات والصناعات المرتبطة بالنفط مثل البلاستيك في كل ناحية من نواحي الحياة في الولايات المتحدة وأصبحت الولايات المتحدة تحتوي أكبر نسبة ملكية السيارات مقارنة إلى عدد السكان وذالك على المستوى العالمي.
بعض الإحصائيات والأراقم والتي أختم بها الموضوع:
- سنة 1925 كان النفط يشكل نسبة 20% من إستهلاك الولايات المتحدة للطاقة بينما قفزت تلك النسبة في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية مباشرة إلى 33% تقريبا.
- في سنة 1968 شكل إستهلاك الغاز والنفط مانسبته 68% من الطاقة المستهلكة في الولايات المتحدة بينما إنخفض إستهلاك الفحم من 50% في الربع قرن السابق إلى 26%.
- تضاعف إستهلاك الطاقة في الولايات المتحدة بين سنة 1948 وسنة 1964.
- نمو كبير في راغبي السفر والتخييم وحتى مستخدمي الدراجات النارية
- بين سنة 1940 و 1965 فقد تضاعف عدد الأميال المقطوعة من قبل مركبات القيادة الشخصية بدون حساب الشاحنات من 302.000 ألف مليون ميل إلى 888.000 ألف مليون ميل.
- إنتاج السيارات في مدينة ديترويت تضاعف من 4.5 مليون سيارة سنة 1940 إلى 11.5 مليون سيارة سنة 1965.
- إرتفاع نسبة مبيعات البنزين 300% بين سنة 1940 و1965.
شركات النفط الأمريكية العملاقة وشركات السيارات تحولت بفضل مايعرف (The American way of life) وإدمان الولايات المتحدة وإقتصادها على النفط إلى واحدة من أضخم الشركات والمؤسسات في التاريخ وأصبحت تلك الشركات تسعى لإبقاء سيطرتها ومكانتها.
“What’s good for General Motors is good for the country.”
رئيس شركة جنرال موتورز(Charles Erwin Wilson) في جلسة إستماع لمجلس الشيوخ الأمريكي سنة 1953
رابط الموضوع على مدونة علوم وثقافة ومعرفة
الرجاء التكرم بالضغط على رابط الموضوع بعد الإنتهاء من قرائته لتسجيل زيارة للمدونة
مع بالغ تمنياتي بدوام الصحة والعافية
النهاية

Wednesday, July 22, 2015

كيف تتلاعب معاهد الأبحاث الغربية بالمصطلحات في سبيل تعزيز المخاوف من العامل الديمغرافي والأسلاموفوبيا؟

سوف أعترف بالتقصير مسبقا خصوصا في هاذا الجزء من سلسلة نهاية العالم كما نعرفه لأنه حتى تكون الصورة متضحة تماما فيجب أن يكون هناك حتى حلقة منفصلة بخصوص الحياة السياسية في الولايات المتحدة, الأحزاب, الفروق بينها وأجنداتها السياسية. إن ذالك يتطلب وقتا ليس في حوزتي الأن ولكن قد تكون فكرة مشروع مستقبلي إن شاء الله. ولأنني أتحدث الأن عن معاهد التفكير والأبحاث والمفكرين ممن يمثلون الإتجاه اليميني المحافظ في الولايات المتحدة فهم من المشهور عنهم معارضتهم للإجهاض, تقديسهم للقيم العائلية, معارضتهم للمثلية الجنسية, السيطرة الحكومية على قطاع الخدمات العامة كما أنهم من أكبر المؤيدين لحرية حمل وإقتناء السلاح وسهولة الحصول على رخص حمل السلاح. معاهد التفكير والأبحاث التي تمثل اليمينيين المحافظين والشركات الإحتكارية المتعددة الجنسيات خصوصا في الولايات المتحدة تحاول تمرير أجندات معينة منتعلقة بتلك المبادئ وذالك  للسيطرة على الشعوب وسلبها حرياتها وإمتيازاتها حيث يقومون بالترويج لمبدأ عدم فاعلية الحكومة المتضخمة إداريا وأن المواطنين في الغرب قد أصابهم مرض الإسترخاء وأن ذالك سوف يؤدي إلى عدم لفت إنتباهم إلى الأخطار المحدقة بهم وعلى رأسها الأسلمة.
سوف أتفق من ناحية المبدأ مع المزاعم بعدم فاعلية الحكومة المتضخمة إداريا والتي تحوي عددا كبيرا من الموظفين الحكوميين ولكن الأسباب التي تقف وراء تبريرات المحافظين لتلك المبادئ ليس لها علاقة برغبتهم الخير لتلك الشعوب وكما أن الحلول التي يتم تقديمها ليست إلا وسائل أخرى متعلقة بتضخم حساباتهم البنكية.
تحدثت في أجزاء سابقة عن تفكك الإتحاد الأوروبي من الناحية الديموغرافية وتأثير ذالك على الأمن القومي للولايات المتحدة من وجهة نظر اليمينيين المحافظين حيث أن عددا كبيرا من بلدان الإتحاد الأوروبي يعد من ضمن منظومة تحالف الدول المشكلة للناتو. اليونان تعد من أوضح الأمثلة التي يمكن دراستها حيث أنها عضو في الإتحاد الأوروبي في الناتو(NATO).
تخيلوا الحضارة اليونانية التي سادت العالم كله في فترة من الفترات من الناحية العسكرية والإقتصادية والثقافية تختار الإنتحار ذاتيا بسبب تناقص عدد سكانها. الحضارة التي قدمت لنا سقراط والإسكندر المقدوني والقادة العسكريين الذين قاموا بالتصدي للإمبراطورية الفارسية في قمة مجدها وقوتها العسكرية حين حاولت غزو الأراضي اليونانية تختفي وتندثر بدون أي تدخل خارجي. هناك من يقول أن اليونان سوف تكون حصان طروادة الذي سوف يتسبب بإنهيار الإتحاد الأوروبي أو في أفضل الحالات إضعافه وإلغاء دوره لصالح الولايات المتحدة كقوة عسكرية وإقتصادية وثقافية.
ولكن من الملاحظ أن اليونان كمثال للمشكلة الديموغرافية التي تعاني منها كدولة أوروبية هي أكبر دليل على تلاعب معاهد الأبحاث اليمينية إعلاميا بمصطلحات مثل أسلمة أوروبا والإسلاموفوبيا حيث يستخدمون التعميم على الهجرة الإسلامية وخطر الإسلام كعدو في قلب القارة الأوروبية. اليونان لاتعاني من مشكلة الهجرة الإسلامية إليها حيث أنها كمجتمع في بنيته الأساسية مبني على الروابط العائلية ويعتبر بشكل عام غير مرحب بالمهاجرين حيث يتم إستخدام اليونان حاليا كنقطة عبور للمهاجرين غير الشرعيين بإتجاه بلدان أوروبية أخرى وليس كبلد إقامة دائمة. كما أنه هناك مشكلة اللغة اليونانية وهي صعبة التعلم وتعد أساسية حيث لايتم إستخدام لغات أخرى من قبل الشعب اليوناني في حياتهم اليومية وأعطي هنا مثال بسيط هو أنه حتى يحصل كهربائي ألماني على رخصة لمزاولة المهنة في اليونان فعليه أن يكون يتحدث ويكتب اللغة اليونانية ويجتاز إختبارا في اللغة, وذالك على الرغم من إلغاء الإتحاد الأوروبي لتلك النوعية من الحواجز وتوحيد المعايير المهنية إلا أن الحكومة اليونانية لم تبدأ جهودا جدية في تعديل تلك القوانين إلا مؤخرا وتواجه معارضة شرسة من قبل النقابات العمالية.
من وجهة نظر معاهد الأبحاث التي تتبع اليمينيين المحافظين فإن إعتماد أي بلد على نوع محدد من الهجرة يشكل خطرا على أمنها القومي وخصوصا إذا كان المهاجرون الجدد غير قابلين للإندماج في المجتمع المحلي وتبني قيم وثقافة مجتمعهم الجديد. اليونان تم قبولها في الإتحاد الأوروبي على الرغم من كون اليونانيين ليسوا على إستعداد للتخلي عن قيمهم ومبائدهم الثقافية ونمط حياتهم وتبني قيم ونمط حياة أوروبي. وكما قرأت فإن الإتحاد الأوروبي يبحث تبني قوانين تسمح للدول بتقديم طلب للإنسحاب من الوحدة الأوروبية وذالك في محاولة لمنع إنهيارها.
اليمينيين المحافظين يتهمون الحكومات الأوروبية بأنها أهملت بديهيات رئيسية لصالح أخرى ثانوية حيث تم إهمال مبادئ مثل الأمن القومي, الإعتماد على الذات, المشكلة الديمغرافية وهي تحتل سلم الأولوية في أجنداتهم وذالك لصالح أمور ثانوية مثل نظام الرعاية الصحية الشامل, الدعم الحكومي المتعلق برعاية الأطفال أثناء عمل الوالدين في حال كون الأم موظفة, إجازة الوضع للأمهات.
في سنة 2040 فإن الأعباء المترتبة بخصوص المعاشات التقاعدية في الولايات المتحدة سوف ترتفع بمقدار 6.8% أما في اليونان فسوف تكون النسبة 25% وذالك يعني أن الإنهيار الكامل سواء في اليونان أو الولايات المتحدة هو مسألة وقت لا أكثر ولا أقل.
وكما يتستر المحافظون بمصطلحات مثل الأسلمة وأوروبيا فإنهم يقومون بتقديم بدائل غير منطقية وحلول مضحكة ويستعينون بأمثلة غير صحيحة على أرض الواقع. فهم مثلا يقومون بالترويج أن المعدلات العالية لحمل الأسلحة في الولايات المتحدة تعد سببا لإنخفاض معدل الجريمة وتعد درعا واقيا من محاولات فرض أجندات إسلامية بالقوة على الولايات المتحدة حيث لن يجرء أحدهم مثلا على إلصاق أوراق على أعمدة الإنارة تعلن منطقة سكنك منطقة تطبيق للشريعة الإسلامية أو قرع شباك سيارتك او باب منزلك ليسألك أن تشترك في مسيرة مطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية كما حصل في بريطانيا. المضحك المبكي أن دولا مثل فنلندا وسويسرا بمعدلات حمل سلاح 55 قطعة و46 قطعة لكل مائة مواطن حيث تحتل سويسرا المرتبة الثالثة أو الرابعة حسب بعض الإحصائيات بعد الولايات المتحدة واليمن ومع ذالك تنخفض فيها الجرائم المرتبطة بالأسلحة النارية بنسبة كبيرة مقارنة بعدد السكان مع بلد مثل الولايات المتحدة يبلغ معدل حمل السلاح 90 قطعة لكل مائة مواطن.
هناك مقولة شائعة وأذكرها هناك بالإنجليزية تقول(A government big enough to give you everything you want is big enough to take away everything you have) والمقصود بها البيروقراطية الحكومية والجهاز الإداري الحكومي المتضخم فبلد مثل اليونان جهازها الحكومي يدفع رواتب لأكثر من 750 ألف موظف بينما الحاجة الفعلية هي لنسبة 2% من ذالك العدد وهو مايعد كارثة بكل المعايير. ولو أجرينا تعديلا لتلك العبارة لوصف حال أوروبا في الوقت الحالي بحسب وجهة نظر المعارضين لمبدأ الجهاز الحكومي المتضخم وتدخل الحكومة في توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها لأصبحت (A government big enough to give you everything you want isn't big enough to take away anything back from you) حيث تواجه أي محاولة من قبل الحكومات في الدول الأوروبية لإجراء تعديلات على معاشات التقاعد والإمتيازات الإجتماعية الأخرى مثل إجازة الأمومة ونظام الإجازات مدفوعة الأجر بمعارضة قوية من قبل النقابات العمالية ومنتسبيها والمواطنين العاديين حتى الغير منتسبين إلى الأحزاب أو لا يتعاطون السياسة. التأمين الصحي هي ورقة تزايد عليها الأحزاب اليمينة وأنصارها حيث يدعون إلى تحرير قطاع التأمين الصحي بالكامل وتحويله إلى الشركات الخاصة لتقدم خدماتها للمواطنين مع تحويل الحكومة إلى دور مشرف أو مراقب. مبدأهم بالمجمل بسيط ويقوم أنه على المواطن أن يقوم بدفع الضرائب كاملة للحكومة بدون أن تقوم الحكومة مقابلها بتقديم أي خدمات له فلا رعاية طبية ولا مستشفيات حكومية ولا أي نوع من البرامج الإجتماعية ولا أي تدخل حكومي في أي شأن من شؤون الحياة اليومية للمواطنين. في كندا هناك مشكلة قوائم الإنتظار حتى للعمليات الجراحية البسيطة ولمايسمى (MRI Scan - Magnetic resonance imaging) حيث ينتظر الكنديون بما معدله ستة أشهر إلى ثمانية عشرة شهرا لإجراء فحص (MRI). من إيجابيات تحرير قطاع الصحة في الولايات المتحدة من وجهة نظرهم هو أن مدينة مثل فيلاديلفيا تحتوي على أجهزة (MRI) أكثر من الموجود في جميع المستشفيات والمنشئات الصحية في كندا. مثال أخر هو توفر أسرة الولادة في المستشفيات حيث انه في كثير من حالات الولادة في كندا قد تضطر الأمهات إلى السفر بالطائرة أو قيادة السيارة من قبل الزوج أو أحد الأقارب إلى مدينة مجاورة لعدم توفر سرير للولادة في المستشفى المحلي أو في العيادة المحلية. في الولايات المتحدة لا يوجد بها تلك النوعية من المشاكل مثل توفر أسرة للولادة أو أجهزة الفحص(MRI) وسوف أتفق نظريا مع كل ماسبق ولكن ذالك لا يعني أنني موافق عليه من الناحية العملية والتطبيقية حيث أن الخدمة المجانية قد يكون عليها ملاحظات من ناحية الجودة ونوعية الخدمة ولكن ذالك أيضا ينطبق على الخدمات الصحية المدفوعة الأجر, فكونك تدفع مقابلها لا يعني بالضرورة أنها تمتاز بالجودة. في الولايات المتحدة يتم رمي المرضى ممن لا يملكون تأمينا طبيا أو ثمن العلاج خارج المستشفيات إلى الشارع ومن لا تملك تكاليف الولادة فهل سوف تضطر للولادة في المنزل أو في الشارع وتعريض نفسها ووليدها لمختلف المضاعفات في حال تعسر الولادة أو كونها تحتاج لعملية قيصرية؟ لماذا يلومون هتلر على نظريات النقاء العرقي للشعب الأري ومبدأ القائم على التخلص من أعضاء المجتمع الغير منتجين كالمعاقين عقليا وكبار السن؟ هم يستمدون نفس تلك المبادئ من نفس المصدر وعبارة البقاء للأصلح لداروين يتم ترديدها بإستمرار من قبلهم. هناك فئات مهمشة كالتي لا تملك عملا أو دخلا ثابتا أو الأمهات العازبات أو المشردين في الشوارع سوف تكون معرضة للإبادة بفضل سياسات التحرير الكامل لقطاع الخدمات العامة وخصوصا الصحية. تخيلوا ماذا سوف تفعل الأمهات العازبات أو القاصرات ممن يتعرضن لتجربة الحمل والولادة ورعاية طفل وكيف سوف يكون بإستطاعتهن تحمل المسؤولية وخصوصا من الناحية المالية؟ من أين سوف تقوم فتاة قاصر بدفع تكاليف ولادة طفلها في ظل سياسة تحرير قطاع الخدمات الصحية حيث لن يكون بمقدرتها توفير سرير في مستشفى خاص أو أن أسرة الولادة في المستشفيات الحكومية قد تكون قليلة أو حتى غير متوفرة؟ على فكرة يقال أن إبنة الرئيس الأمريكي وهي قاصر لم يتعدى عمرها 16 عاما حامل من صديقها فهل سوف تلد في مستشفى خاص أم على سرير في البيت الأبيض بواسطة قابلة توليد؟ من سوف يدفع تكاليف ولادتها؟ هل يملك الرئيس الأمريكي تأمينا شاملا له ولأسرته؟ هل من حق أي إمرأة أمريكية في حال حملها وولادتها أن يكون متوفرا لها نفس الرعاية المتوفرة لإبنة الرئيس الأمريكي؟
الولايات المتحدة ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية فقد كانت مسؤولة بشكل شبه كامل عن أمن حلفائها وخصوصا الدول الأوروبية التي تعد على خطوط المواجهة مع العدو رقم واحد لأمريكا وهو الشيوعية ولذالك فإن أغلب الدول الأوروبية كانت متحررة من أغلب بنود الإنفاق العسكري والإنفاق على الأمن حيث كان ذالك في حده الأدنى بينما تقع أغلب المسؤولية على دافع الضرائب الأمريكي. وبفضل ذالك وخصوصا خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا فقد تمكنت الدول الأوروبية من الإنفاق ببذخ على برامج الرعاية الإجتماعية مثل معاشات التقاعد والتأمين الطبي والإجازات مدفوعة الأجر. ولكن هل كان ذالك أجندة أمريكية أم أوروبية؟ ألم يكن ذالك برغبة أمريكية تحت ستار الحرب الباردة ومكافحة الشيوعية مخافة أن تمتد إلى أوروبا؟ أليس بفضل تلك النوعية من الإتفاقيات مثل إتفاقية مارشال أصبحت الولايات المتحدة القوة العسكرية والإقتصادية رقم واحد في العالم يليها في المكانة الإتحاد السوفياتي؟ كيف تحول الدولار إلى العملة الإحتياطية رقم واحد في العالم؟ أليس بفضل الهيمنة الإقتصادية والعسكرية والسياسية للولايات المتحدة على القارة الأوروبية؟
ولكن ماذا عن البلدان التي تتبع نهج النظام الإقتصادي الحر؟ هل هناك علاقة بين الإقتصاد ومعدلات الخصوبة؟
أربعة من خمسة دول أوروبية تتبع النهج الإقتصادي الحر تمتلك أفضل معدلات الخصوبة وهي أيرلندا, الدنمرك, فنلندا وهولندا بينما فرنسا تحتل المرتبة الخامسة من ناحية إتباع النهج الإقتصادي الحر بمعدل خصوبة 1.89 مولود لكل أسرة ولكن المكون السكاني في فرنسا يحتوي نسبة مسلمين تعد مؤثرة ولا يمكن تجاهلها حيث أن ثلث عدد المواليد يولدون لأسر مسلمة. ولكن في الوقت نفسه هناك دول مثل هونج كونج وسنغافورة تعاني من المشكلة الديمغرافية على الرغم من كونها تتبع النهج الإقتصادي الحر وتعتبر قوى إقتصادية مزدهرة. كما أن أعلى خمسة دول أوروبية في عدد السكان المسلمين هي تعد في الوقت نفسه أعلى خمسة دول في معدل الخصوبة وهي ألبانيا, مقدونيا, فرنسا, هولندا والدنمرك. أقل خمسة دول في عدد المواليد هي لاتفيا, بلغاريا, سلوفينيا, روسيا وأوكرانيا. إن 19 دولة من أصل عشرين دولة تمتلك أقل نسبة خصوبة ومعدل مواليد جدد هي تعد من بين دول الإتحاد الأوروبي.
هناك من يتحدث عن معدلات الزواج وإرتباطها بنسبة الخصوبة وعدد المواليد الجدد ولكن علينا أن لا ننسى أن تعميم ذالك خطأ كبير حيث أن هناك العديد من الأزواج قد يبقون بدون إنجاب أو حتى يكتفون بإنجاب مولود واحد أو إثنين كحد أقصى. اليابان مثلا تمتلك واحدة من أعلى نسبة الزواج عالميا ولكن هل كان ذالك حلا لمشكلتها الديمغرافية؟ الجواب هو (لا) حيث تواجه اليابان خطر المشكلة الديمغرافية بأسوأ نماذجها فلا معدل الخصوبة فيها بوضعه الحالي يكفل إستمرارها كما انه هناك حواجز أمام فتح باب الهجرة كما أوضحت في السابق منها حاجز اللغة وعدم تقبل المجتمع الياباني لفكرة الهجرة وإستحالة إستيعاب المهاجرين في المجتمع الياباني.
في سنة 2000 فإن كبار السن سوف يشكلون 16.3% من إجمالي عدد السكان في الولايات المتحدة و17% في كندا. في سنة 2040 فإن النسبة هي 26% في الولايات المتحدة و 33% في كندا. في المستقبل سوف يكون في أوروبا, كندا عدد أقل من دافعي الضرائب الذين سوف يكون عليهم عبئ المساهمة في دفع تخفيض نسبة الدين الحكومي, معاشات التقاعد والتأمينات الصحية.
هل سوف تتمكن أوروبا من النجاة من دوامة المشكلة الديمغرافية؟ وكيف سوف تتمكن الولايات المتحدة من المحافظة على مكانتها العالمية في ظل تنوع عرقي هائل ولوبيات ضغط تحاول تمرير مصالحها وأجنداتها والتأثير على السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة؟ هل النهج القائم على النظام الإقتصادي الحر وتحرير التجارة والحد الأدنى من التدخل الحكومي يقدم الحلول الناجحة للمشكلة الديمغرافية؟ أم أن الحل هو في دولة الرفاه الإجتماعي والرعاية الإجتماعية؟
لماذا المسلمون هم دائما الشماعة التي يعلق عليها الإعلام الغربي كل خطاياه وفشله في حل المشكلة الديمغرافية التي يعاني منها وتهدد كيانه ووجوده؟
تلك أسئلة أجبت على بعضها في الموضوع وبعضها الأخر سوف تتكفل الأيام بالإجابة عنه.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Monday, July 20, 2015

ماهو تأثير التطور في تكنولوجيا الإتصالات على حياتنا اليومية كحكومات ومجتمعات وأفراد؟

إن الإنترنت تعد من أهم الإختراعات البشرية التي يستعصي على البشر أنفسهم فهمها. هي عبارة عن أكبر مشروع فوضوي كما يرى بعض المحللين والباحثين حيث يستهلك مئات الملايين من الأشخاص كمية غير محددة من المعلومات الإلكترونية. ذالك المشروع الذي تحول من إرسال بيانات ومعلومات إلكترونية من جهاز كمبيوتر بحجم غرفة كاملة إلى جهاز كمبيوتر أخر بحجم غرفة كاملة إلى تبادل بيانات بين أجهزة بحجم جهاز خليوي في وقتنا الحالي وربما أصغر في المستقبل. مشروع غير مرتبط بأي قوانين تحد من قدرته على الإنتشار وتدفق المعلومات مهما حاولت الدول ترويضه وإخضاعه, فإنها نجحت وبدرجات متفاوتة ولكن فشلت في المجمل في إخضاعه كليا. إنها بإختصار حكومة اللاحكومة.
ولكي نعرف أهمية ذالك الإختراع فيمكن النظر لبعض الإحصائيات حيث أنه في العقد الأول من القرن الواحد وعشرين قفز عدد مستخدمي الإنترنت من 350 مليون إلى أكثر من 2.5 مليار كما أن عدد مستخدمي الهواتف النقالة(الخليوي) قد قفز من 750 مليون إلى أكثر من 6 مليارات مشترك في نفس الفترة الزمنية. مستقبل الإنترنت لن يكون بأجهزة لوحية أو كمبيوترات محمولة أو مكتبية بل للشركات التي سوف تكون قادرة على تصنيع أجهزة هواتف خليوية تستطيع العمل أقرب إلى كونها جهاز كمبيوتر لوحي أو محمول منها إلى هاتف خليوي مع إحتفاظها بمرونة الحجم الذي تتميز بها الهواتف الخليوية.
ولعل أحد أكبر الأدلة على أهمية الإنترنت وسرعة إنتشارها هي وصولها لمناطق لا تتوفر على خدمات تلفون أرضي ولكنها تتوفر على خدمة إنترنت عبر الهواتف الخليوية حيث يمكن إستخدام برامج إتصال مجانية مثل سكايبي وواتساب وفايبر للتواصل بين المشتركين عن طريق الكمبيوترات اللوحية أو الهاتف الخليوي نفسه بدون الحاجة لوجود إشتراك بشريحة إتصالات لشركة من الشركات وذالك عن طريق مايعرف الهوت سبوت(Hotspot) أو الواي فاي(Wi-Fi).
في سنة 2025 سوف يتمكن أغلب سكان العالم من الوصول لشبكة إنترنت خالية من الرقابة مقارنة بإستحالة ذالك في الجيل الذي قبله, يعني 25 سنة السابقة.
إن تطور التقنية المرتبطة بالإنترنت تسير بوتيرة متسارعة كإنتشار الإنترنت نفسها حيث أن شريحة المعالج(Processor Chip) تتضاعف سرعتها كل 18-24 شهر. معلومة أخرى متعلقة بالكابلات البصرية وهي الوسيلة الأسرع للإتصال بالإنترنت تذكر أن سرعتها تتضاعف كل 9 أشهر.
تكنولوجيا الإتصالات كما ذكرت هي المستفيد الأكبر من السرعة الصاروخية لتطور وسائل الإتصال بالإنترنت وزيادة سرعتها حيث سوف يصبح من الصعوبة الحياة وومارسة الأعمال الروتينية اليومية من دون وجود جهاز تلفون خليوي أو كمبيوتر لوحي متصل بالإنترنت.
إن كل ذالك يفتح أبوابا كاملة من الحياة الرقمية والتي تكاد أو توشك أن تتحول إلى حقيقة واقعة بكل ماتحمله الكلمة من معنى. ففي سنة 1960, الحديث عن سيارات تسير في الطرقات بلا سائق يبدو ضربا من ضروب الخيال العلمي. اليوم نقرأ عن إطلاق جوجل سيارات ذاتية القيادة في كالفورنيا وأن عددا من الولايات الأمريكية قامت بتعديل قوانين السير لتسمح بسيارات القيادة الذاتية وكل ذالك بتأثير من شركة جوجل والتي كما يقول المثل(تعرف من أين يؤكل الكتف). الطريف أن أول حادث سير تتورط فيه سيارة جوجل الذاتية القيادة في ولاية كاليفورنيا الأمريكية تم إلقاء اللوم فيه على العامل البشري حيث إصطدم سائق سيارة بسيارة جوجل من الخلف مما أدى إلى إصابات طفيفة لثلاثة من الركاب موظفين من شركة جوجل كانوا يشرفون على التجربة. شركة مرسيدس دخلت سباق السيارات ذاتية القيادة حيث أطلقت سيارة(Benz F 015) والتي تتميز عن سيارة جوجل بالفخامة وقدرة ركابها على الإتصال بالعالم الخارجي من خلال ستة شاشات تعمل باللمس. شركة جوجل ومرسيدس لن تكون أولى الشركات ولن تكون أخرها التي تدخل ذالك السوق الواعد.
لعل أغلب من قرأ الموضوع قد شاهد حلقات أو مقاطع من (ستارتريك) فهل تظنون أنه سوف يبقى خيالا علميا؟ السفر إلى الفضاء والإقامة على القمر أو المريخ أو حتى باطن الأرض, هل سوف يبقى كل ذالك خيالا علميا؟
إن إنتشار الأجهزة اللوحية والخليوية والكمبيوترات وأجهزة الحاسوب المنزلية وسماحها لمالكيها بتخزين ذاكرة مؤقته عبارة عن مقاطع موسيقى أو فيديو أو مقالات ومواضيع ومواقع على الشبكة العنكبوتية سوف يساهم بتغيير طريقة حياتهم وتفكيرهم مما سوف تجعلهم ينسون طرائقهم الحياتية القديمة وسوف تصبح الشبكة العنكبوتية هي البيئة التي يكون التخلي عنها ضربا من ضروب المستحيل. إن ذالك سوف يكون له تأثير إيجابي كما هو سلبي فنحن نقرأ يوميا عن إدمان الإنترنت وإدمان ألعاب الشبكة العنكبوتية التفاعلية ولعل أحد أشهر تلك الألعاب ورلد كراف(World Craft) ولعبة كونتر سترايك(Counter Strike) ونقرأ عن وفاة أشخاص في بلدان مختلفة على أجهزة الكمبيوتر في منازلهم أو في مقاهي الإنترنت. فهناك مؤسسات وأشخاص يحاولون التمسك بطرائقهم التقليدية في الحياة ولكن مع مرور الوقت سوف يجدون أنفسهم معزولين وسوف يعانون صعوبات يومية حياتية وعملية في حل مشاكلهم المختلفة.
إن أكبر تأثير لإنتشار تكنولوجيا الإتصالات وخصوصا الإنترنت عبر الهواتف المحمولة هو إنتقال السلطة إلى الأفراد بدلا من الحكومات والمؤسسات حيث أنه عبر التاريخ إرتبط التقدم التكنولوجي في تقنيات الإتصال بخسارة مراكز القوى التقليدية لمواقعها لصالح أفراد عاديين يمتلك أحدهم هاتفا ذكيا ويحسن إستخدام مواقع التواصل الإجتماعي. مثال على ذالك الهيئات والمؤسسات الدينية والتي هي تقليديا تقاوم كل تغيُّر يحد من سلطتها ونفوذها وتعتبره هرطقة.
الأفراد الذين يمتلكون تكنولوجيا الوصول إلى الإنترنت عبر الهواتف المحمولة هم على وجه الخصوص من أكبر المستفيدين من التقدم في تكنولوجيا الإتصالات حيث أنهم قادرون الأن على جعل أصواتهم مسموعة ومن الصعب على صانعي القرار تجاهلهم. هاذا من ناحية أما من ناحية أخرى فإن الحكومات تجد السيطرة والتحكم والتأثير بذالك الجيل يزداد صعوبة مع مرور الوقت.
الحكومات وجدت نفسها مضطرة على أن تدير سياسية داخلية وخارجية في العالم الواقعي والعالم الإفتراضي وقد تشن حربا إفتراضية في الوقت نفسه الذي تحاول فيه الحفاظ على السلم في العالم الواقعي. العلاقة بين الولايات المتحدة والصين من أوضح الأمثلة على ذالك حيث تشن البلدان حروبا إفتراضية على بعضها البعض حيث حققت محاولات الصين لإختراق الأنظمة المعلوماتية الأمريكية بعض النجاحات منها سرقة أسرار عسكرية أمريكية وبيانات شركات ومشاريع وأسرار صفقات تجارية. في الوقت نفسه فإن الصحف والوسائل الإعلامية الأمريكية تشن حربا كلامية على الصين متهمة إياها تقوم بإعمال عدوانية تجاه الولايات المتحدة.
إن تطور وتقدم التكنولوجيا بتلك الوتيرة المتسارعة ووجود عالم إفتراضي بالإضافة إلى عالم واقعي إلى إنتشار مصطلحات مثل أمن الشبكات والأمن المعلوماتي وأصبحت تلك التخصصات مرغوبة في سوق العمل وأصبح من يكون بارعا في تلك المجالات حتى لو يكن يحمل شهادات جامعية متخصصة يستطيع أن يضمن لتفسه وظيفة بشروط مريحة حيث تتسارع الحكومات لتوظيف هؤلاء والتعاون معهم إتقاء لشرهم في الكثير من الحالات أو للحاجة إلى خبراتهم في مجال الأمن المعلوماتي.
سوف تفتح تكنولوجيا الإتصالات والمعلومات مجالات جديدة أمام الأفراد الذين سوف يكون بإمكانهم خلق عالم إفتراضي خاص بهم وإمتلاك هوية إفتراضية بالإضافة إلى هوية واقعية حقيقية. أسباب ذالك قد تكون الخوف من عواقب إجتماعية أو عادات وتقاليد أو حتى مضايقة السلطات التي تحاول معرفة الهوية الحقيقية لمنتقديها.
الشركات والمنظمات هي أيضا سوف تتوفر على مجالات جديدة للعمل بالإضافة إلى التحديات التي سوف تجد نفسها تواجهها بسبب المنافسة ودرجة الوصول إلى المستهلك التي توفرها التكنولوجيا الجديدة. وجود الشركات والمؤسسات عبر وسائل التواصل الإجتماعي أصبح ضرورة وليس ترفا أو رفاهية حيث أنه في الأضخم منها هناك قسم كامل متخصص بالدعاية والإعلان والإشراف على حسابات الشركة على مواقع التواصل الإجتماعي مثل فيسبوك وتويتر حيث يمكن إرسال الأخبار وإستلامها من قبل المشتركين بطريقة مباشرة وفورية.
المجتمعات سوف تكون أيضا مستفيدة من الثورة في مجال تكنولوجيا الإتصالات والمعلومات حيث يتوقع الكثيرون حتى في البلدان التي دمرتها الحروب وهدمت بنيتها التحتية أن تحسن ظروف حياتهم حيث يعدون البنية التحتية المتطورة التي تدعم قطاع الإتصالات والتكنولوجيا الخاصة بها أولوية توازي توفر مياه شرب نظيفة وطاقة كهربائية بدون إنقطاع.
وهناك مجموعة أسئلة يفرضها الأمر الواقع الذي وجدت الحكومات نفسها فيه كما الأفراد والمجتمعات والمؤسسات وهي متعلقة بالأثار الإيجابية أو السلبية لتقدم تكنولوجيا قطاع المعلومات والإتصالات. أسئلة مثل إنتقال مراكز القوى من الحكومات للأفراد فمن سوف تتركز السلطة بيده في المستقبل؟ شباب في أوائل العشرينييات من أعمارهم يمتلكون هاتفا محمولا موصولا بالإنترنت أم مسؤولا حكوميا يعمل بطريقة تقليدية بواسطة أوراق ومراسلات وقد يأخذ خبر معين أياما حتى يصله ويتفاعل معه ليتخذ القرار المناسب؟
هل سوف تكون التكنولوجيا سببا في إنتشار الإرهاب أم عاملا مساعدا في مكافحته؟ وتلك النقطة تطرح نفسها بقوة في أيامنا الحالية حيث ثبت زيادة نشاطات التنظيمات الأصولية مثل داعش على مواقع التواصل الإجتماعي حيث تقوم بالتجنيد وجمع الأموال ونشر بياناتها وأفكارها مقابل عجز حكومي غربي وعربي شبه كامل عن التكيف مع ذالك الواقع وإيجاد الحلول المناسبة.
هل سوف نفقد الخصوصية والأمن في عالم تتقدم فيه التكنولوجيا بسرعة صاروخية وخصوصا تكنولوجيا المعلومات والإتصالات؟ لعل الكثيرين سمعوا عن الإختراقات التي حصلت مؤخرا لشركة أبل بخصوص مايدعى(Apple iCloud) وشركة سوني وإختراقات الحسابات البنكية ونشر بيانات المستخدمين من صور وفيديوهات وأرقام بطاقات الإئتمان.
كيف سوف يكون مستقبل الحرب والسياسة والثورات في ظل تقدم تكنولوجيا الإتصالات والمعلومات؟ كيف يمكن بناء المجتمعات المدمرة في ظل التقدم التكنولوجي؟ وكيف سوف يكون الشكل الذي تتخذه تلك المجتمعات بمساعدة التكنولوجيا؟
هل يمكن القيام بعمل جماعي إنطلاق من منصات إفتراضية حيث أصبح الجميع مشاركا في وضع قواعد اللعبة وتغييرها؟
فيديو لسيارة مرسيدس بنز (Benz F015) الذاتية القيادة
https://www.youtube.com/watch?t=107&v=DYTV4d-Gn0s
مع بالغ تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية











Sunday, July 19, 2015

المستقبل بنكهة الماضي, هل سوف يتكرر سيناريو إفلاس الأرجنتين سنة 2000 مع اليونان؟

السؤال الذي يسأله الجميع لماذا لا يتعلم المسؤولون من دروس وعبر الماضي؟ ألم تكفي عشرة سنين فصلت بين إعلان الأرجنتين إفلاسها وعجزها عن سداد ديونها سنة 2000 وسنة 2014 حين أوشكت على ذالك مرة أخرى وبين أزمة اليونان سنة 2010 والتي تم حلها مؤقتا بحزمة إنقاذ من 750 مليار يورو؟
في وقتنا الحالي يطل شبح الأزمة اليونانية من جديد حيث تم إنتخاب أليكسس تسيبراس والذي يمثل الإتجاه اليساري رئيسا للوزراء وتسارعت الأحداث حيث تم رفض خطة الدائنين الدولية مقابل قرض جديد يتم تقديمه لليونان لإنقاذها من الإفلاس. البنوك في اليونان أغلقت أبوابها وتم تحديد مبلغ 60 يورو يوميا كحد أقصى للسحب من ماكينات الصراف الألي وكادت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ حتى تم الموافقة على قرض عاجل بقيمة 7 مليارات دولار مما سوف يسمح للبنوك بفتح أبوابها مرة أخرى ولكن إلى متى؟
في سنة 1991 بالنسبة للأرجنتين وسنة 2001 بالنسبة لليونان فقد إنضمت الدولتان ضمن برنامج مايعرف ببرنامج إستقرار أسعار الصرف(exchange rate stabilisation) في محاولة لإنقاذ مايمكن إنقاذه من إقتصاديتهما المنهارة.
إن وجه المقاربة بين الأرجنتين واليونان في برنامج إستقرار أسعار الصرف يتمثل في النقاط التالية:
- إرتفاع حقيقي في سعر صرف العملة
- طفرة إقتصادية وإستهلاكية
- إختلال في الموازين التجارية الخارجية
الأرجنتين سنة 2000 تعرضت لما يعرف بالتضخم المفرط(Hyperinflation) حيث كان ملامح ذالك التضخم المفرط قد ظهرت سنة 1998 بوصول مؤشر أسعار المستهلك إلى 5000 نقطة وشكل ذالك صدمة للكثيرين حيث كانت الأرجنتين تعد من أغنى دول أمريكا اللاتينية وصاحبة أحد أقوى الإقتصاديات فيها.
عندما فاز كارلوس منعم بمنصب الرئاسة سنة 1989, قام بإتخاذ عدة إجرائات لكبح التضخم المفرط منها مصادرة الحسابات الإستثمارية قصيرة المدى وإستبدالها بسندات حكومية طويلة المدى ولمن ذالك كان حلا مؤقتا حيث أنه في أواخر عام 1990 عاد شبح التضخم يطل من جديد في الأرجنتين وبدأ المواطنون الأرجنتينيون من أصول إيطالية على سبيل المثال العودة لبلدهم الأم بهدف البحث عن عمل.
الأرجنتين كما اليونان لديهما مطار متقدم وأسواق سلع إستهلاكية وكل مايدل على إقتصاد متقدم وينمو بسرعة ولكن المشكلة إفتقارهما للمشاريع المتوسطة-الكبيرة والتكتلات الإقتصادية كتلك الموجودة في الولايات المتحدة والتي هي تعتبر العمود الفقري لأي إقتصاد حقيقي مما أدى إلى خلق هوة إقتصادية إتضحت أثارها في وقت لاحق.
في أوائل سنة 1991 قام الرئيس الأرجنتيني بتغيير المبادئ التي يقوم عليها إقتصاد الأرجنتين فقام بالبدء ببرنامج خصخصة طموح, إلغاء ضرائب الحماية على المنتجات المحلية(Tariffs), سياسات مالية لمكافحة التضخم. وفي نهاية شهر يناير 1991 تم تعيين دومينغو كافالو(Domingo Cavallo) كوزير للإقتصاد والذي إتخذ عدة إجرائات إضافية محققا بعض النجاح منها محاولة العودة لنوع من قاعدة المعيار الذهبي الكلاسيكي والدولار الأمريكي كعملة إحتياطية مما يتطلب وجود كمية من الذهب أو الدولارات الأمريكية مساوية لكمية العملة الأرجنتينية(البيزوس) المطبوعة.
أحد العوامل أو لنقل المشاكل المشتركة بين الأرجنتين واليونان والتي أدت لزيادة الوضع سوأً بالنسبة لكلا البلدين هي مشكلة المسحوبية(Clintallism) أو مايطلق عليه(الواسطة) والتي أدت بدورها إلى ظهور مايسمى بالطبقة الأوليغارشية(oligarchs) والتي تعني حكم الأقلية وتحكم عدد محدود من رجال المال والأعمال بالتعاون مع موظفين حكوميين بارزين بالتجارة والإقتصاد وتكوينهم طبقة خاصة بهم فيما يشبه نادي للنخبة المسيطرة.
حاول الرئيس الأرجنتيني جوان بيرون حين فاز بالإنتخابات الرئاسية سنة 1946 القيام بتحقيق الوعود التي إستند عليها برنامجه الإنتخابي القائم على سياسة الحماية الإقتصادية, تعزيز الشعور الوطني, حماية الفقراء ومحدودي الدخل. كانت تلك محاولة لإتباع سياسة تقوم على الموازنة بين المبادئ الشيوعية والرأسمالية وذالك في بداية الحرب الباردة. وفي سبيل تطبيق تلك السياسة قام بمحاولة لخلق بيئة صناعية وتعزيز دور الصناعة حيث تم إنشاء مصنع للطائرات ومصنع للسيارات وذالك عبر مبادرات حكومية وطنية ولكن تلك المحاولات بائت بالفشل لأن الدولة حاولت القيام بدور طبقة إجتماعية كاملة من الصناعيين والممولين والذين يلعبون تلك الأدوار في المجتمعات الصناعية المتقدمة.
تلك المحاولات التي قام بها جوان بيرون كانت البداية لإستفحال ظاهرة المحسوبية حيث أن سيطرة الدولة على مفاصل إقتصادية أو تأميمها يعارض مبادئ مايدعى الإقتصاد الحر حيث كانت النتيجة الحاجة إلى البيروقراطية الحكومية عند كل منعطف وبطريقة أدت إلى تعطيل الإستثمار وتدفق رأس المال الأجنبي إلى الأرجنتين. التنازلات التي قام بها الرئيس الأرجنتيني لصالح النقابات العمالية جعلت من الصعوية طرد أي عامل مما أدى لخلق سوق عمل غير مرنة وطاردة للإستثمارات.
في الإقتصاديات المتقدمة, يتم خلق الثروة من قبل تكتلات إقتصادية في مجالات متخصصة والتي تقوم بدورها بإستخدام تلك الثروة في محاولة لحماية مصالحها عن طريق خلق كيانات سياسية أو تمويل كيانات سياسية موجودة في ساحة العمل السياسي عن طريق التبرعات وذالك في محاولة للتاثير على صانع القرار لصالح تلك التكتلات.الولايات المتحدة وبريطانيا كنماذج لتلك النوعية من الإقتصاديات. في الأرجنتين واليونان كان الوضع معكوسا حيث كان لدى السياسيين الصلاحيات لخلق الثروة عن طريق السيطرة على السيطرة على مشاريع ومصالح إقتصادية حكومية بقرار سياسي ومد نفوذهم إليها أو عن طريق الإستدانة من الأسواق المالية والممولين الدوليين(اليونان نموذجا) وتقديم العائدات والأموال لجماعات المصالح واللوبيات لشراء الأصوات والتأثير على سير العملية الإنتخابية.
المؤسسات والمصالح المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي ينطبق عليها المثل القائل (حسابات الحقل لم توافق حصاد البيدر) حيث تم إرتكاب أخطاء تاريخية وخصوصا في حالة اليونان وذالك بالنظر إلى أرقام وحسابات وإحصائيات وبينات جداول إقتصادية كان من السهل على المسؤولين الفاسدين تزييف الحقائق ولم تتم دراسة الديناميكية الإقتصادية لليونان وطريقة عملها التي تعاني من مجموعة مشاكل مزمنة تعد المحسوبية أحدها. كل ذالك أدى إلى خلق بيئة غير ملائمة لنمو القطاع الخاص حيث كانت المؤسسات الديمقراطية والإقتصادية في الأرجنتين تعد ظاهرة غريبة إستعصت على فهم المؤسسات الغربية ومعاهد البحث حيث تشكيلة الحكم تتألف من شيوعيين وفاشيين وديمقراطيين, أشخاص من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.
النتيجة كانت الإطاحة بحكم بيرون سنة 1955 بإنقلاب عسكري نتيجة سياسات إقتصادية فاشلة يضاف إليها هبوط مستوى شعبيته بين الطبقة العليا من المجتمع وشكوك الكنيسة حول توجهاته الشيوعية.
أحد رجال الأعمال في الأرجنتين (Gerardo Saporosi) والذي قام وبصعوبة بالغة بالمحافظ على مصالحه التجارية كل فترة الإضطرابات التي مرت بها الأرجنتين لخص المشكلة في الأرجنتين مرجعا إياها إلى الفترة(البيرونية) وفترة الحكم العسكري التي تلت إنقلاب سنة 1955. في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت الأرجنتين وخصوصا من الناحية الإقتصادية مكافئة لدول مثل أستراليا وكندا بل وكان في طريقها لتصبح أفضل من دول مثل الصين أو روسيا أو الهند والتي هي حاليا تعد من تحالف دول البريكس. الفترة التي تلت سنة 1950 وحتى 1990 شهدت هروب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية ومعاناة المصالح الصناعية والتجارية في إعادة توظيف رأس المال المتوفر بطريقة تضمن إستمرار تحقيق الأرباح على المدى البعيد حيث قامت بتصفية أعمالها بهدوء. الإجرائات التي قام بها الرئيس كارلوس منعم سنة 1990 تكفلت بالقضاء على ماتبقى من تلك المصالح التجارية والإقتصادية ومغادرتها الأرجنتين مما كان له نتائج كارثية مازالت تعاني منها إلى وقتنا الحالي.
في الفترة التي تلت العودة إلى الديمقراطية سنة 1983, فقد قام أول رئيس أرجنتيني منتخب راؤول ألفونسن(Raul Alfonsin) بإتباع سياسات بيرونية على الرغم من معارضته لها وذالك بسبب شعوره بالحاجة إلى مجاملة القاعدة الإنتخابية التي أوصلته للسلطة بعد سنوات مايعرف بحكم(Junta)-العصبة العسكرية والتي عانت بشدة من سنة 1950 إلى سنة 1983.
منذ سنة 1984 وحتى سنة 1989, كان هناك 13 إضرابا عماليا عاما حيث قامت النقابات بالدعوة لتحسين مستوى الأجور وظروف العمل. رجال المال والأعمال والمزارعون قاموا أيضا بالطلب معاملتهم تفضيليا كالفئات الأخرى. إن كل ذالك أدى إلى ضغوطات كبيرة على الميزانية العامة, زيادة كميات العملة المطبوعة لتلبية طلبات النقابات والفئات الأخرى, زيادة مستوى العجز والذى أدى بدوره إلى تضخم مفرط. بين سنة 1975 و سنة 1989, إرتفع مستوى الدين السيادي الأرجنتيني من 14% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 66% حيث نسبة كبيرة من ذالك الدين كانت السياسات التي إتبعها  راؤول ألفونسون هي السبب الرئيسي لذالك الإرتفاع المسبوق في الدين السيادي الحكومي.
مثال بسيط على الفساد في الأرجنتين حيث ذكر أحد أبناء رجال الأعمال في الأرجنتين أن عضوا في القوات المسلحة الأرجنتينية حاول إقناع والده بشراء لوحات إعلانية ضخمة على أحد الطرق والتي تكون في الإتجاه المعاكس للسير على الطريق مع ضمان العسكري الأرجنتيني بعكس إتجاه سير الطريق وإقتسام العائدات مع رجل الأعمال. كما كان هناك برنامج الخصخصة في الأرجنتين والذي حامت حوله شبهات فساد حيث تلقى رجال أعمال مقربين من نظام كارلوس منعم معاملة تفضيلية لشراء شركات حكومية بأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية.
في اليونان كانت هناك محاولات مماثلة لشراء السلام الإجتماعي بواسطة المحسوبية ومنح الإمتيازات والبطالة المقنعة حيث شهدت فترة الثمانينيات ظهور قطاع عام فاسد في اليونان تعاني من أثاره حتى الأن حيث لم يتم أي إصلاحات جذرية وحقيقية.
مشكلة أخرى تعاني منها اليونان كما الأرجنتين وهي النظام القضائي الذي تنعدم فيه الشفافية وتطبيق القوانين حيث يتأخر جلب المسؤولين الفاسدين ومحاسبتهم أمام القضاء وقد لا يتم ذالك وفي أفضل الأحوال تصدر أحكام مخففة أو مع وقف التنفيذ.
إن إقتصاديات الأرجنتين واليونان تفتقر إلى أربعة عوامل أساسية حتى تساهم في الدخل القومي بفعالية وتساهم في تطور ونمو صحي لقطاع المال والأعمال:
- شروط العمل وظروفه من توفر عمالة ماهرة ومواد أولية وبنية تحتية لا غنى عنها لتأسيس إقتصاد تنافسي.
- ظروف عرض وطلب مواتية وملائمة
- صناعات تتمتع بقدرة على التنافسية الدولية
- تخطيط إستراتيجي وسياسات مالية وقانونية حازمة
مع بالغ تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية




Saturday, July 18, 2015

هل بدأ تساقط أحجار الدومينو في الإتحاد الأوروبي؟

إنتزعت اليونان مؤخرا وبجدارة لقب رجل أوروبا المريض من الدولة العثمانية وهو اللقب الذي أطلق عليها في نهايات عهدها قبل الحرب العالمية الأولى وهزيمتها وتكالب الدول الأوروبية على تقسيمها وتفتيتها. قد يكون هناك دول أخرى في أوروبا تستحق ذالك اللقب ولكن الدولة التي كانت مهد للحضارة الإغريقية والفلسفة والاّداب تهدد ليس العرش الأوروبي حصريا بالزوال وتفتيت الوحدة الأوروبية بل تهدد الإقتصاد العالمي بالمجمل.
مع بداية أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة 2007\2008 والركود الذي أعقب الأزمة, كانت اليونان تعاني من مجموعة من المشاكل المستعصية على الحل منها جمود إقتصادي, مستوى مفرط من الديون وخصوصا السيادية منها, قوانين ضريبية بالية, نقابات عمالية شبه عسكرية, إنتشار الفساد, عملة مبالغ في قيمتها وتوقعات بإرتفاع مستوى المعيشة في منطقة اليورو وذالك بناء على معلومات خاطئة. وعلى الرغم من ذالك فإن مفوض الشؤون الإقتصادية للإتحاد الاوروبي جواكين ألمونيا(Joaquin Almunia) قد صرح سنة 2009 بأداء الإقتصاد اليوناني مقارنة بمتوسط الأداء الإقتصادي للإتحاد الأوروبي والذي كان في حالة ركود.
ويسأل الكثيرون أسئلة مثل هل بدأ تساقط أحجار الدومينو؟ وهل سوف تكبر الكرة الثلجية لتتحول لأكبر أزمة إقتصادية عرفها العالم في تاريخه؟ إنفجار فقاعة الديون.
هناك بعض النقاط والتي قد تصلح كعناوين رئيسية وخطوط عريضة لما يسمى أزمة اليورو ودور اليونان فيها مما يهدد بإنهيار اليورو وتفكك الإتحاد الأوروبي وهي:
- الإتحاد الأوروبي يتألف من 27 دولة منخرطة فيه بشكل أو بأخر فالجنيه الإسترليني مازال معتمدا في بريطانيا والتي ترفض الإنضمام للوحدة النقدية الأوروبية وتتخذ سياسة هجرة خاصة بها.
- الهوة بين الفائض والعجز في دول الإتحاد الأوروبي يزداد مع مرور الوقت كما أن الإتحاد الأوروبي فشل في خلق وحدة نقدية حقيقية.
- الإعلان في 9\مايو\2010 عن حزمة إنقاذ مالية 750 مليار يورو وبرنامج شراء السندات من قبل البنك المركزي الأوروبي مما يعني بحسب بعض الأراء التخلي عن إستقلاليته وأن ماتم
إطلاقه من تصريحات وأراء إيجابية بخصوص اليورو هي منافية للحقيقة والواقع.
- بعض الدول في الإتحاد الأوروبي تعاني من أثار سنين من إجرائات التقشف التي فشلت في تحقيق الإستقرار المالي والإقتصادي المنشود مما أدى لوضع قيود على نظامها السياسي.
- مشكلة الديون السيادية للإتحاد الأوروبي تفاقمت ووصلت لتريليونات من الدولارات حيث وأنه في الوقت نفسه فإن تلك الدول تعاني من المشكلة الديمغراطية وتكاليف معاشات التقاعد المرتفعة.
- سمح لليونان بإقتراض مبالغ تصل إلى 300 مليار دولار على الرغم من الحاجة إلى إصلاحات في بنيتها السياسية والإقتصادية, إعتماد مفرط على الصناعات التكنولوجية المتوسطة, فساد مزمن في قطاعها العام وحصانة غير معلنة ممنوحة للسياسيين الفاسدين.
- الإقتصاد العالمي بالمجمل كان مثقلا بالديون وقيام البنوك بزيادة مستوى الأزمة بمغامرتها بأموال المودعين ومدخراتهم في بورصات الأسهم والسلع الأساسية مما أدى لفقاعات في مجالات مختلفة مثل فقاعة شركات التكنولوجيا وفقاعة إنهيار سوق الإقراض العقاري 2007\2008.
المشكلة التي يعاني منها المسؤولون عن الملف الإقتصادي في الإتحاد الأوروبي هي أنهم لا يتعلمون من أخطاء الماضي وعثراتته كمشكلة الديون السيادية في الأرجنتين, إقتراب الإتحاد الأوروبي من الإنهيار سنة 2010, أزمة الديون في اليونان سنة 2000. المشكلة الحقيقية هي في معلومات مضللة ومتحيزة تم تقديمها والتسويق لها في وسائل الإعلام المختلفة مما أدى إلى مجموعة من الإخطاء المنهجية المتكررة منها:
- تحليل البيانات المتوفرة عن الحالة الإقتصادية وحركة الأسواق في وقتنا الحالي في محاولة لإستقراء المستقبل بطريقة تفترض الإستمرارية على الرغم من معارضة كافة البيانات والنتائج المتوفرة.
- إرتكاب أخطاء في تشخيص الحالة الإقتصادية من خلال تحديد أنماط غير موجودة والمبالغة في مستوى معرفة المسؤولين عن تشخيص الحالة الإقتصادية والذين قدموا توقعات متفائلة بشكل مفرط.
- توسع الإعتماد على مفهوم الناتج المحلي الإجمالي(GDP) كمفتاح رئيسي لفهم الأداء الإقتصادي مما أدى إلى عدم التمييز بين نمو إقتصادي ثابت ونمو إقتصادي عن طرق الإنفاق المعتمد على الديون والإقتراض.
إن تلك الأزمة والتي نشأت من السماح بإقراض اليونان مبالغ مالية وصلت 300 مليار دولار تقريبا تهدد الإتحاد الأوروبي كمجموعة وخصوصا مع تعنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورفضها شطب الديون المستحقة على اليونان وتهديد اليونان تهدد برفع دعوى أمام المحكمة الأوروبية لإجبار الإتحاد الأوروبي على إقراضها المبالغ اللازمة وإنقاذ إقتصادها المنهار وبنوكها التي توشك على الإفلاس.
والسؤال هو لماذا تم تجاهل كل تلك الأزمات والمشاكل التي تعاني منها اليونان والسماح لها بإقتراض مبالغ وصلت إلى 300 مليار دولار؟
هل كانت صدفة تم إكتشافها سنة 2010 وكادت تتسبب بإنهيار الإتحاد الأوروبي أم أن المعلومات والحقائق كانت ماثلة أمام المسؤولين عن الملف الإقتصادي وتم تجاهلها؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية


Thursday, July 16, 2015

أزمة الديون السيادية الأمريكية وتأثيرها على التصنيف الإئتماني للولايات المتحدة

ينقل عن الكاتب الروائي الأمريكي الأشهر أرنست همينغوي في روايته "الشمس تشرق أيضا" حوار بين شخصين هما بيل ومايك حيث يسأل الأول الثاني عن كيفية إعلان إفلاسه فيجيبه: بالتدريج, بالتدريج ثم فجأة. السؤال الذي يطرح نفسه هذه الأيام وهو بطل النقاشات بلا منازع عن الدولار الأمريكي وإنهياره وبالتالي إنهيار الولايات المتحدة من الناحية الإقتصادية وإنتهاء عهد السيطرة والهيمنة الأمريكية على العالم.
من الناحية الإقتصادية فالولايات المتحدة سوف لن تنهار إقتصاديا بالطريقة التي يتخيلها البعض حتى وإن إنهارت عملتها وفقدت قيمتها فالدولار فقد 98% من قيمته منذ بداية تداوله أيام الرئيس الأمريكي السابق إبراهام لينكولين وهو الأن في إرتفاع بسبب عدة عوامل منها هبوط أسعار النفط. الولايات المتحدة سوف تصاب بما أسميه "زكام إقتصادي" عبارة عن ضعف ووهن إقتصادي ولكن بدون أن تفقد سطوتها العسكرية حتى بظهور منافسين. الحرب العالمية الثالثة سوف تكون عبارة عن معارك جانبية أو حروب بالوكالة هنا وهناك وضربات أمنية متبادلة والجزء الأكبر منها سوف تكون ساحته أسواق البورصات والأسهم والسندات وسوف يتم فيها إستخدام أدوات إقتصادية مثل العقود الإشتقاقية والعقود المستقبلية وهي إن لم يخيبني ظني فإن التلاعب بها(العقود المستقبلية) هو الذي تسببت مؤخرا بهبوط أسعار النفط. في اللحظة التي سوف تشعر الولايات المتحدة بفقدان هيمنتها العسكرية على العالم فإن ذالك قد يعني حربا نووية وإن كنت أستبعد ذالك الإحتمال لأن حصوله معناه فناء الجنس البشري بكل ماتحمله الكلمة من معنى وهي حقيقة تعرفها الولايات المتحدة قبل منافسيها.
سنة 2007-2008 كان سبب الإنهيار الإقتصادي والكساد هو إنفجار الفقاعة العقارية في الولايات المتحدة وبالتالي إنهيار الأدوات الإقتصادية المرتبطة بها مثل (Subprime Mortgage Loans) و (Collateral damage obligation) حيث تعددت الأسباب وتشعبت ولم تقتصر أضراره على الولايات المتحدة بل كانت أزمة عالمية. الإنهيار الإقتصادي القادم يمكن تلخيصه بسبب واحد أزمة سندات الدين السيادي الأمريكي والتي لايوجد دولة او مؤسسة مالية في العالم غير متورطة فيها بشكل أو بأخر حيث كان من الشائع القول أن الإستثمار في تلك السندات هو من أفضل الإستثمارات في العالم من ناحية الأمان إن لم يكن أفضلها وكل ذالك بسبب الثقة بحكومة الولايات المتحدة ووفائها بإلتزاماتها. وقبل أن نبدأ في تحليل الأسباب التي سوف تؤدي إلى ذالك الإنهيار أو الزكام الإقتصادي, علينا أن نضع تحت كلمة الثقة مليون خط ونركز عليها لأنها الكلمة المحورية التي سوف تدور حولها كل نقاط الموضوع.
في أوغسطس 2011 قامت وكالة التصنيف الإئتماني ستاندرز أند بورز(S&P) بتخفيض التصنيف الإئتماني للولايات المتحدة من درجة(AAA) إلى درجة(AA) وذالك للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة. في ذالك التاريخ فإن حجم سندات الدين السيادي الذي تصدره وزارة الخزانة الأمريكية بلغ 16 مليار دولار وذالك بدون حساب ديون الحكومات والمحلية والبلديات والقروض الدراسية التي تصدر لتغطية تكاليف الدراسة الجامعية.
رابط من موقع شركة (S&P) لإعلان ذالك التخفيض في التصنيف الإئتماني للولايات المتحدة وأسبابه:
http://www.standardandpoors.com/ratings/articles/en/us/?assetID=1245316529563
ماذا يعني إنخفاض التصنيف الإئتماني لأي دولة سواء كانت بحجم الولايات المتحدة أو بحجم أيسلندا؟ وماذا تعني درجة تصنيف إئتماني AA؟
يتم تقسيم التصنيفات الإئتمانية إلى مجموعة درجات, يمكن الإطلاع عليها على رابط الويكيبيديا التالي:
مايهمني هو درجة التصنيف (AAA) ودرجة التصنيف (AA) وهي تنقسم إلى:
AAA: أفضل نوعية المقترضين، موثوقة ومستقرة (وكثير منها الحكومات)
AA: مقترضين ذو جودة، ومخاطر أكبر قليلاً من AAA. ويشمل:
+AA: أي ما يعادل Aa1 في تصنيف موديز. (جودة عالية ومخاطر ائتمانية منخفضة جدا، ولكن التعرض للمخاطر على المدى الطويل تبدو أعلى نوعا ما).
AA: أي ما يعادل Aa2‏.
-AA: أي ما يعادل Aa3‏.
A: نوعية المقترضين الذين يمكن أن يتأثر استقرارهم المالي ببعض الأوضاع الاقتصادية
+A: أي ما يعادل A1‏.
A: أي ما يعادل A2‏.
مؤسسة موديز التي وردت في تصنيف (AA+) هي مؤسسة أخرى من مؤسسات التصنيف الإئتماني والتي لعبت دورا أساسيا بالإشتراك مع مؤسسة ستاندرز أند بورز(S&P) وغيرها من مؤسسات التصنيف الإئتماني في الأزمة المالية سنة 2007-2008 حيث قامت بتجاوز المعايير ومنح درجات تصنيفات إئتمانية مرتفعة لأدوات مالية بشكل مبالغ فيه مما أدى إلى إفلاس مؤسسات مالية أو وضعها تحت وصاية بنك الإحتياط الفيدرالي الأمريكي.
درجة التصنيف (AAA) هي التي كانت تتمتع بها سندات الدين التي تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية وهي درجة التصنيف الإئتماني الأعلى والتي تتمتع بها الولايات المتحدة بشكل عام. تخفيضها في أوغسطس 2011 من قبل وكالة التصنيف الإئتماني ستاندرز أند بورز(S&P) إلى درجة (AA) وتحديدا (AA+) والتي تعني جودة عالية ومخاطر منحفضة ولكن على المدى القصير بينما ترتفع نسبة المخاطرة كلما زادت المدة. وهنا علينا أن نمر على نقطة نسبية مهمة(تختلف الأراء حولها) وهي أن سندات الدين السيادية يطلق عليها(Fixed income investment) لأن نسبة الفائدة فيها ثابتة لا ترتبط بنسبة التضخم ممايعني تأكل القيمة المالية بزيادة الزمنية التي يتم إصدار السند بموجبها. ولكن هناك أيضا سندات دين سيادية وخصوصا في الولايات المتحدة يتم إصدارها وتكون مرتبطة بنسبة التضخم حتى لا تتأكل عوائد الإستثمار ويؤدي ذالك لعزوف المستثمرين عن شرائها. من المعروف أن الإستثمار في الأسهم(Variable income investment) يجلب عوائد أعلى على المدى الطويل حتى في حال ظهور ملامح ضعف في بداية فترة الإستثمار بينما تقل العوائد مع قصر فترة الإحتفاظ بالأسهم في مايعرف بالمحفظة الإستثمارية(Portfolio) ولذالك يفضل بعض المستثمرين تلك النوعية من الإستثمارات عن شراء سندات الديون السيادية. وحتى تلجأ الحكومات وخصوصا الولايات المتحدة لزيادة جذب الإستثمارات في إتجاه سندات الدين السيادية فإنها تقوم برفع نسبة الفائدة وخصوصا على المدى الطويل بما يحقق الغاية من زيادة نسبة الإقبال وتقليل نسبة السيولة المالية في الأسواق بما يؤدي إلى تخفيض نسبة التضخم.
سوف نعود مرة أخرى لكلمة (الثقة) وقلت لكم أن تضعوا تحتها مليون خط فهي المفتاح الأول والأخير لفهم أسباب المشكلة وأي حلول مقترحة. النشرات التي تصدرها وكالات التصنيفات الإئتمانية تخضع لمتابعة مستمرة من قبل كبار المسؤولين عن صناديق التحوط وصناديق الإستثمار السيادية والمؤسسات المالية والإستثمارية وتخفيض التصنيف الإئتماني للولايات المتحدة حتى لو درجة واحدة يعني إهتزاز (الثقة) بالوضع المالي والإقتصادي للحكومة الأمريكية وإنخفاض قيمة عملتها بسبب ضعف الطلب عليها وذالك مبدأ إقتصادي معروف, مبدأ العرض والطلب.
الولايات المتحدة وفي مواجهة ذالك سوف تتخذ مجموعة إجرائات مالية وإقتصادية قد تشمل إصدار قوانين إصلاح مالية والحد من النفقات الحكومية وقوانين إصلاح متعلقة بأسواق الأسهم والسندات ولكن الأهم هو رفع نسبة الفائدة مما يعني زيادة أرباح المستثمرين في سندات الدين السيادية على المدى البعيد بمدة إحتفاظ تتجاوز 10 سنين على سبيل المثال. إن تلك الإجرائات سوف تؤدي إلى زيادة الإقبال على تلك السندات ولكن في المقابل سوف تؤدي إلى إرتفاع تكاليف خدمة الدين السيادي مما يؤدي إلى زيادة تكاليف الإقتراض للمشاريع والأعمال وشح السيولة من الأسواق. إن الأثار الجانية لذالك الزكام الإقتصادي سوف تتجاوز كل التوقعات ويكفي نظرة سريعة على موقع ساعة الدين القومي الأمريكي على الموقع التالي(http://www.usdebtclock.org/) لإستنتاج مجموعة حقائق مع ملاحظة تقريب الأرقام:
- الدين القومي الأمريكي 18 تريليون دولار
- حجم الإنفاق الحكومي الأمريكي 3.5 تريليون دولار سنويا
- حجم العجز في الإنفاق 475 مليار دولار حتى لحظة كتابة الموضوع
- حجم خدمة الدين السيادي 250 مليار دولار حتى لحظة كتابة الموضوع
- حجم الناتج المحلي الإجمالي(GDP) بلغ 17.5 تريليون
- نسبة الدين السيادي لحجم الناتج الإجمالي المحلي بلغ نسبة 103%
نصيب كل مواطن أمريكي منذ لحظة ولادته من الدين السيادي هو 56 ألف دولار تقريبا بينما ترتفع تلك النسبة إذا كان عاملا ويدفع ضريبة دخل إلى 154 ألف دولار. في تلك الإحصائيات إستثنيت حجم الديون الشخصية ونصيب الفرد الأمريكي منها وإستثنيت إحصائيات أخرى تستطيعون أن تجدونها كاملا وبشكل مباشر على الموقع المذكور.
الدين السيادي للولايات المتحدة كان 14 تريليون دولار سنة 2011 وإرتفع إلى 16 تريليون دولار في نهاية السنة التي تليها 2012 ويرتفع سنويا بمعدل تريليون دولار على الأقل وتلك أرقام مهولة بكل المعايير حيث أن الولايات المتحدة إستغرقت الفترة الزمنية بين 1776-1982 لتسجيل عجز في الميزانية بلغ تريليون دولار بينما حاليا ذالك المستوى في عجز الميزانية يمكن بلوغه في سنة واحدة أو حتى أقل من سنة.
سنة 2011 قامت الولايات المتحدة بإنفاق 188 مليون دولار كل ساعة من الأموال التي يتم تسجيلها على خانة عجز الميزانية, أي أموال ليس في حوزتها الخزينة الحكومية ويجب تغطيتها بإصدار سندات دين سيادية من قبل وزارة الخزانة.
في خطابه السنوي(State of the Union Speech)  سنة 2012, الرئيس الأمريكي طالب بإصلاحات ضريبية تحقق المساواة في توزيع العبئ الضريبي والعدالة بين الشرائح الضريبية المحتلفة وذكر أنه يتوجب على الملياديرات الأمريكيين دفع نسبة ضرائب تكون مساوية لما يدفعه مدراء مكاتبهم.
تلك النقطة تشغل حيزا واسعا في النقاشات حول قوانين الإصلاحات الضريبية والتي أصبحت تمنح إعفائات ضريبية للشركات العملاقة والأغنياء لتشجيعهم على إستثمار أموالهم وخلق فرص عمل بينما يتم تحميل العبئ الضريبي لأصحاب الدخل المحدود والطبقة الوسطى. المشكلة أن تلك الإمتيازات يتم منحها بضغط من اللوبيات وأصحاب النفوذ من رجال الأعمال ومدراء الشركات الكبيرة والمؤثرة والذين يضغطون هذه الأيام لحجب قوانين متعلقة برفع الحد الأدنى للأجور في الولايات المتحدة إلى 15 دولار\الساعة بينما قد لاتزيد في بعض الولايات عن 8 دولار\الساعة. تلك الشركات تقوم بإستغلال تلك الإعفائات الضريبية وترسل الأموال إلى بنوك خارج سيطرة القوانين الضريبية الأمريكية فيما أصبح سعرف بجنة ضريبية(Offshore Bank Accounts) أو قد تقوم بتسجيل مكاتب تجارية في تلك البلدان بينما في الحقيقة تقوم بممارسة نشاطها التجاري داخل الولايات المتحدة.
وارن بافيت قد يكون أحد المعنيين بخطاب الرئيس الأمريكي حيث يشاع على نطاق واسع أنه يقوم بدفع معدل ضرائب أقل بكثير مما يدفعه سكرتيره الشخصي. وبالإستعانة ببعض الإحصائيات فأن وارن بافيت
كان يعد أغنى شخص في العالم سنة 2009 بمبلغ 40 مليار دولار ومتوسط دخله السنوي 3 مليار دولار قبل إحتساب الضرائب وهو مبلغ تستدينه الحكومة الأمريكية لتغطية عجز الميزانية في فترة زمنية 17 ساعة. وبحسبة بسيطة فإن عجز الميزانية المسجل سنة 2011 بعد التعديل بحساب نسبة التضخم بلغ تريليون وأربعمائة مليار دولار(1400000000000) يحتاج دفعه كاملا إلى فترة زمنية 466 سنة تقريبا بمعدل أرباح وارن بافيت السنوية. تلك الفترة(466) سنة قد تكون كافية لإقناع أغنى 400 شخص على قائمة فوربس للهجرة بأموالهم للولايات المتحدة وإستخدام ثرواتهم في سداد عجز الميزانية الحكومية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل هناك عدد كافي من الملياديرات والذي تكون أرباحهم السنوية كافية لو تم وضع اليد عليها بكاملها كضرائب أو حتى وضع اليد على ثرواتهم بكاملها لسداد عجز الميزانية الحكومية للولايات المتحدة المتراكم والبالغ حتى لحظة الإنتهاء من كتابة الموضوع مبلغ 17600141960220(سبعة عشرة تريليون وستمائة مليار ومائة وواحد وأربعون مليون وتسعمائة وستون ألف ومائتان وعشرون دولار) فقط لا غير؟
مع بالغ تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية