Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label أناجيل. Show all posts
Showing posts with label أناجيل. Show all posts

Sunday, June 1, 2025

تاريخ المسيحية في العصور المبكرة(٣)

هناك ٢٧ كتابا في العهد الجديد من الكتاب المقدس وذلك بإجماع الكنائس الرئيسية الثلاثة الكاثوليكية, البروتستانتية و الأرثودكسية. العهد الجديد يتألف من ٤ أناجيل, سفر أعمال الرسل, رسائل بولس, سبعة رسائل للتلاميذ وسفر رؤيا يوحنا.


إن رسائل بولس تعتبر الأقدم في تاريخ كتابتها أقدم من جميع كتب العهد الجديد ويعود تاريخها الى ٥٠م وربما أقدم من ذلك. الأناجيل الأربعة أو اي كتابات مسيحية أخرى من العهد الجديد غائبة تماما عن رسائل بولس وهي أربعة عشرة رسالة. الرسالة الى العبرانيين تم إضافتها رغم اتفاق الخبراء و حتى الكنائس من أيام العصور المسيحية المبكرة أنها منحولة. الرسالة الثانية الى أهل تسالونيكي, الرسالة الى أهل أفسس, الرسالة الى أهل كولوسي, الرسالة الى تيطس, الرسالة الى تيموثي (١) و (٢) تعتبر أيضا منحولة كما صرح خبير المسيحية المبكرة البروفيسور بارت إيرمان في كتاب تحريف أقوال المسيح(Jesus Interrupted). 


الأناجيل الأربعة(متى, مرقس,لوقا ويوحنا) تعاني من عدة مشاكل نقدية لعل أهمها أن المؤلفين مجهولين والنسخ الأصلية مفقودة. إن أقدم مخطوطات الكتاب المقدس الكاملة تعود الى القرن الرابع ميلادي(المخطوطة السينائية) والقرن الخامس ميلادي(المخطوطة الفاتيكانية). المخطوطات الأصلية مفقود لأن يوسابيوس القيصري في كتاب تاريخ الكنيسة نقلا عن أسقف الكنيسة بابياس(١٢٠م-١٣٠م) أن متى أحد الحواريين كتب إنجيله باللغة العبرية وأن مرقس مرافق بطرس قد أعاد تنظيم وترتيب رواية وأقوال بطرس في يسوع المسيح, تعاليمه و رحلته التبشيرية في إنجيل. ولكن على الرغم من ذلك فإن أسماء مؤلفي الأناجيل لم تظهر على نسخ أو مخطوطات حتى سنة ١٨٠م تقريبا. 


الرسائل السبعة الأخرى التي يطلقون عليها الرسائل الكاثوليكية جميعها منحولة وسفر الرؤيا من الصعوبة إثبات أن كاتبه يوحنا الحواري تلميذ المسيح. إنجيل القديس يوحنا الرابع في ترتيب الأناجيل من تأليف التلميذ الذي كان يسوع يحبه والذي يعتقد الكثيرون أنه يوحنا ابن زبدي. ولكن يوحنا الحواري كان صائد أسماك أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولم يكن قادرا على الكتابة بتلك اللغة الأدبية الرفيعة اليونانية وهي لغة إنجيل يوحنا, الرسائل الثلاثة و سفر الرؤيا. كما أن خبراء الدراسات المسيحية المبكرة اتفقوا على العموم أن إنجيل القديس يوحنا من تأليف شخصين أو ثلاثة أشخاص وليس شخصا واحدا. كما أنه هناك نقطة أخرى مهمة وهي أن التلميذ الذي كان يحبه يسوع والذي م المفترض أنه كاتب إنجيل يوحنا ربما يكون اليعازر شقيق مرثا ومريم من قرية بيت عنيا.


تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية


عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة


الوطن أو الموت


النهاية


Sunday, May 14, 2023

بارت إيرمان وتاريخ المسيحية, عرض ونقد

بارت إيرمان أستاذ الدراسات الدينية في جامعة كارولاينا الشمالية-تشابيل هيل وهو غني عن التعريف في مجال مقارنات الأديان ولديه أكثر من عشرين كتاب في ذلك المجال لعل أهمها "Jesus Interrupted" و "Misquoting Jesus" وكتب أخرى بعضها أكاديمي يتم تدريسه في أقسام الدراسات الدينية في الجامعات الأمريكية.

هناك الكثير من التساؤلات التي يطرحها بارت إيرمان في كتبه حول العهد الجديد خصوصا الأناجيل وتاريخ المسيحية.أحد تلك الأسئلة هو من هم المؤلفون الحقيقيون للأناجيل؟ أو هل هناك رسائل منحولة تنسب الى بولس الرسول أو الى رسل آخرين أو تلاميذ المسيح؟ هل من الاحتمال ان هناك اختلافات في الأناجيل لا يمكن التوفيق بينها أو تناقضات لايمكن تفسيرها؟

من دحرج الحجر؟ يمثل أحد الإختلافات بين الأناجيل التي يصعب التوفيق بينها. إنجيل متى(٢٨: ١-٤) يروي لنا أنَّ ملاكا منظره كالبرق ولباسه أبيض مثل الثلج هو من دحرج الحجر وأنَّ الشهود على تلك الحادثة هم مريم المجدلية ومريم(الأخرى). بينما في إنجيل مرقس(١٦: ١-٨) الشهود هم مريم المجدلية, مريم أم يعقوب وسالومة هم الشهود ولم يذكر من دحرج الحجر ولكن عندما دخلت النسوة الثلاثة الى القبر فقد شاهدن شاباً جالسا على اليمين يرتدي حلة بيضاء. إنجيل لوقا(٥٥:٢٣, ٤:٢٤) ذكر أنَّ نساءً كنَّ قد أتين معه من الجليل هم الشهود على الحادثة وأنَّ الحجر كان قد دحرج وأن رجلين بثياب براقة ظهرا للنسوة. بينما إنجيل يوحنا(١:٢٠) أن مريم المجدلية هي أول من زارة القبر وأنها وجد الحجر قد تمت دحرجته ولم يذكر هوية من دحرج الحجر.

من دحرج الحجر؟ ومن هم الشهود على تلك الحادثة؟

إنَّ التناقضات كما ذكر الدكتور بارت إيرمان في كتاب "Jesus Interrupted" يمكن العثور عليها حتى داخل الأناجيل نفسها. على سبيل المثال فإن معجزة تحويل الماء الى خمر (يوحنا: ١٢-٢) هي أول معجزات المسيح ولكنه في (يوحنا ٢٣:٢) قد صنع عدة معجزات في أورشليم. بينما في يوحنا(٤: ٤٦-٥٤) قد شفى إبن خادم الملك الذي كان مريضا. ويتساءل الدكتور ايرمان ساخرا:" Huh? One sign, many signs, and then the second sign?"

إن ما قام به المسيح حين قلب طاولات الصيارفة وطرد باعة الحمام من الهيكل والتي ورد ذكرها في إنجيل مرقس(١١) خلال الأسبوع الذي يسبق الوفاة, و إنجيل يوحنا(٢) في بداية رحلته التبشيرية التي استمرت ثلاث سنين, تمثل تناقضا غير مباشر(إختلاف) ولكنه يبقى دون تفسير معقول يجعل من التوفيق بين الروايتين أمرا ممكنا.

ولكن بارت إيرمان يذكر اختلاف آخر بين إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا لا يمكن التوفيق بينهما وهي وفاة المسيح على الصليب. المسيح صلب وتوفي في إنجيل يوحنا(١٤:١٩) خلال اليوم الذي يتم الإستعداد فيه من أجل عشاء الفصح, بينما في إنجيل مرقس(١٤), صلب المسيح صباح يوم عيد الفصح وليس في اليوم الذي يسبِقه. والسؤال الذي يطرح نفسه هو, هل تناول المسيح عشاء الفصح مع تلاميذه(مرقس ١٤) أم لم يتناول(يوحنا ١٩)؟

هناك إختلاف في رواية ميلاد المسيح كما ذُكِرَ في إنجيل متى وإنجيل لوقا وهي اختلافات لا يمكن التوفيق بينها بأي حال من الأحوال خصوصا في الجانب التاريخي.

إنجيل متى (١٧:١)" فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً" المشكلة هي من نص إنجيل متى نفسه لأن عدد الأجيال من سبي بابل الى المسيح هو ثلاثة عشر جيلا وليس أربعة عشر.

إنجيل متى وهو كما يصف المؤرخون هوية مؤلفه اليهودية يسعى الى إثبات نسب المسيح الى داود تحقيقا للنبوءة التوراتية أن المسيح مخلص بني إسرائيل يكون من نسل داود ابن سليمان. بينما يجعل لوقا(٣: ٢٣-٣٣) نسب المسيح الى آدم وليس داوود ربما تأكيدا على رسالته العالمية وأنها لا تقتصر على اليهود.

إن الإحصاء المسكوني الذي ورد على ذكره لوقا(٢: ١-٧) ولكن ليس هناك مصدر تاريخي مستقل ومحايد يؤكد ذلك. كما أن السجلات الرومانية خلال فترة حكم الإمبراطور أوغسطس قيصر لا تحتوي على أي إشارة الى إحصاء مسكوني(عالمي) على الرغم من أن هناك عددا لا بأس به من الوثائق التي تعود الى تلك الحقبة التاريخية قد تم العثور عليه. هناك خطأ تاريخي آخر تحدث عنه بارت إيرمان وهو أن ولادة يسوع كما ذكر لوقا كانت في فترة حكم اليهودية الملك هيرودس بينما كان كِيرِينِيُوس هو والي سوريا. ولكن كِيرِينِيُوس حكم سوريا(٦ ب.م) بعد عشرة سنين على وفاة هيرودس.

هناك الكثير من التفاصيل التي لم أذكرها وتركتها للقارئ حتى يتوسع فيها ويزيد من معرفته في مجال مقارنات الأديان. ولكن خلاصة القول أن الأناجيل تحتوي على الكثير من التناقضات الغير قابلة للتوفيق فيما بينها وحتى أن بعض الأناجيل تحتوي على تناقضات ومعلومات مغلوطة داخل صفحات الإنجيل نفسه.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Friday, July 23, 2021

من كتب الأناجيل؟

لم يعد مقبولا من الناحية الأكاديمية بين المختصين وعلماء الدراسات اللاهوتية الإعتقاد بصحة نسب الأناجيل الأربعة عدد من الرسائل في العهد الجديد الى مؤلفيها. هناك نص في إنجيل القديس مرقس(14:50) أنه حين تم القبض على يسوع المسيح:"فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا." وفي نص آخر (مر 15:40):"وَكَانَتْ أَيْضًا نِسَاءٌ يَنْظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ، بَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ الصَّغِيرِ وَيُوسِي، وَسَالُومَةُ." وفي الساعات القليلة التي سبقت القبض عليه وحين ذهب رفقة تلاميذه ال بستان جَثْسَيْمَانِي من أجل أن يصلي (مر 14:41) ثُمَّ جَاءَ ثَالِثَةً وَقَالَ لَهُمْ: «نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا! يَكْفِي! قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ! هُوَذَا ابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ. وقد كان التلاميذ مختبئين ومغلقين عليهم الأبواب خوفا من اليهود حين ظهر لهم يسوع المسيح في أول الأسبوع (يو 20:19).إن تلك النصوص وغيرها تطرح إشكالية حقيقة حول هوية مؤلفي الأناجيل الحقيقية. 

إن أول الأناجيل في الترتيب هو إنجيل القديس متى وهو موظف حكومي يعمل جابي ضرائب في كفرناحوم . وحيث  يؤمن الكثير من الباحثين بأن متى أو لاوي كما جاء على ذكره في إنجيل القديس لوقا ليس أحد تلاميذ يسوع المسيح. إنَّ النسخة التي بين أيدينا من إنجيل القديس متى قد تُرجمت عن اللغة اليونانية القديمة. وكما نعلم أنَّ أقدم مخطوطات الكتاب المقدس هي المخطوطة السينائية(Codex Sinaiticus), المخطوطة الفاتيكانية ومخطوطة جامعة كامبردج والتي تعود الى أوائل ومنتصف القرن الرابع ميلادي. المؤرخ يوسابيوس القيصري ذكر في كتابه تاريخ الكنيسة نقلا عن بابياس(60-130)ميلادية أن القديس متى كتب إنجيله باللغة العربية القريبة الشبه مع اللغة الآرامية. 

إنجيل القديس مرقس هو ثاني الأناجيل في الترتيب ولكن الكنائس تضعه الأول والأقدم في تاريخ كتابته حيث ترجعه الى 70 ميلادية بينما إنجيل متى يعود تاريخ كتابته الى 80م-90م. القديس مرقس هو تلميذ أحد الحواريين ويقال أنه رافق الحواري بطرس الى روما. وقد ورد ذكر مرقس في رسالة بطرس الأولى(5:13)"تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الَّتِي فِي بَابِلَ الْمُخْتَارَةُ مَعَكُمْ، وَمَرْقُسُ ابْنِي." وكذلك في سفر أعمال الرسل(12:12)"ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ مُنْتَبِهٌ إِلَى بَيْتِ مَرْيَمَ أُمِّ يُوحَنَّا الْمُلَقَّبِ مَرْقُسَ." ولكن في الإنجيل نفسه, لم يرد أي إشارة الى القديس مرقس أو الى هوية كاتبه. 

إنَّ القديس لوقا كان طبيبا ومرافقا بولس في رحلاته ولكنه ليس أحد الحواريين حيث ينسب اليه إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل. إن لوقا يعترف في مقدمة إنجيله أنه وكما الآخرون بتأليف قصة عن يسوع المسيح فإنه سوف يقوم بذلك بعناية وتدقيق. ويتفق المؤرخون أن لوقا والذي كان أديبا مرهفا إضافة الى كونه طبيبا قد كتب إنجيله وسفر أعمال الرسل باللغة اليونانية. وقد تفرد إنجيل القديس لوقا عن باقي برواية قصة الميلاد المعجزة حيث قد يكون لديه مصدر لم يكن باقي مؤلفي الأناجيل على إطلاع عليه. كما أنه هناك روايات أخرى تفرَّدَ بها لوقا رغم أنه لم يكن شاهد عيان على الأحداث مثل رواية قيام المسيح بإعادة أُذن عبد رئيس الكهنة التي قام أحد التلاميذ بقطعها(لو 22:51).

إنَّ إنجيل القديس يوحنا هو الإنجيل الرابع في الترتيب وأحد أكثر الأناجيل تلاوة في الطقوس الكنسية. وقد تعرَّضَ ذلك الإنجيل تحديدا الى الكثير من النقد منها أن هناك أكثر من مؤلف وأن كاتبه ينتمي الى الصوفية اليهودية أو أحد الفرق الغنوصية وأنه لايمكن القبول بأن مؤلف إنجيل القديس يوحنا هو يوحنا الرسول حواري يسوع المسيح. ولقد تفرَّد الإنجيل برواية عدد من المعجزات منها تحويل الماء الى خمر في عرس قانا الجليل(يو 2: 1-11), إقامة لعازر من الموت(يو 11: 41-45) والمرأة الزانية(يو 8: 1-7).

تأليف الأناجيل ورسائل الرسل تمَّ بواسطة عدد من الأشخاص طوال مئات السنين حيث خضعت الى تعديلات مختلفة حتى وصلت الينا كما هي بين أيدينا الأن. إن ظهور الأناجيل كان سنة 140م والتصديق عليها بوصفها مقدسة منسوبة الى مؤلفيها من الحواريين وتلاميذهم كان سنة 170 ميلادي والاعتراف بها سنة 325م في مجمع نيقية حيث تم استبعاد عدد من الأناجيل التي وصفت بأنها غير قانونية. وخلال تلك الفترة التي سبقت سنة 140م, كانت الأناجيل ورسائل بطرس ويوحنا عبارة عن أقوال شفهية وتقاليد غير مكتوبة وسيرة حياة يسوع المسيح التي كان يتم تناقلها شفاهة حيث تتداخل مع روايات وأساطير محلية.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Wednesday, February 20, 2019

المجد للرب وحده, صفحات من التاريخ الدموي للكنيسة المسيحية الغربية

إن النقاش حول تاريخ الكنيسة الغربية الدموي مع أذنابها من المبشرين العرب وحتى مع أتباع المسيحية اليمينية المتصهينة هو نقاش سوف ينتهي بدون نتيجة بسبب تعنت الطرف الثاني ورفضه جميع المصادر التاريخية والأدلة التي يسوقها له الطرف الأول حول الجرائم التي ارتكبتها الكنيسة المسيحية الغربية بإسم الرب حيث ضحايا بالملايين. ثم إننا عندما تستمع لأحد أولئك المبشرين أو أحد نجوم اليوتيوب ووسائل التواصل الإجتماعي وهو يمتدح تاريخ الكنيسة وينتقد الإسلام والمسلمين يتخيل أنك تستمع لملاك يتحدث عن الديانة الفاضلة والمدينة الفاضلة. تاريخ المسيحية الغربية مليئ بكل ماهو مقزز من مجازر جماعية وقتل وسفك دماء واضطهاد العلماء ومعاداة العلم بما أدى بأوروبا الى أن تعيش فترات مظلمة من تاريخها عرفت بإسم العصور المظلمة أو القرون الوسطى. ذلك التاريخ يتفوق بمراحل على كل إنتقاد مماثل يتم توجيهه من قبل أولئك المبشرين للإسلام والمسلمين خصوصا في قضايا مثل إنتشار الإسلام بالسيف أو تحريف القرآن أو معاملة المرأة ومكانتها في الإسلام, ضحايا محاكم التفتيش الكنسية فاقوا عدد ضحايا جميع حروب المسلمين منذ معركة بدر وحتى يومنا هذا.
الكنيسة الكاثوليكية وبعد أن فشلت في قمع أصوات المعارضين بإستخدام الوسائل التقليدية خصوصا الحرمان الكنسي والقتل, بدأت بتصدير مشاكلها للخارج من خلال الإعلان عن الحملات الصليبية من أجل استرداد مدينة القدس من الهراطقة المسلمين حيث تم إصدار صكوك الغفران لكل من يشارك في الحملة التي دعا اليها البابا أوربان الثاني سنة ١٠٩٥. ولكن الحملات الصليبية بعد أن استنفذت أهدافها و زخمها في الشرق, بدأت بدأت باستهداف الطوائف المسيحية الغربية المعارضة لسلطات الكنيسة. أحد تلك الحملات الصليبية كانت ضد طائفة الكاثار التي ازدهرت في جنوب فرنسا وتميزت بتحررها من سلطات الكنيسة والتعايش السلمي بين الكاثوليك والكاثار والمسلمين واليهود, والفنون والعمل بالتجارة والزراعة فتحول جنوب فرنسا الى أحد أكثر المقاطعات الفرنسية ازدهارا. وخلال إحدى مراحل الحملة, تمكنت القوات الصليبية والتي كانت مؤلفة بشكل رئيسي من المرتزقة وبعض المتطوعين من السيطرة على مدينة "بيزييه" التي تقع في إقليم "لانغدوك" في جنوب فرنسا وأصدر قائد الحملة النائب البابوي أرنؤود عموري الأمر بذبح جميع سكان المدينة. ولكن عندما سألوه أنه كيف يمكن التمييز بين سكان المدينة من الكاثوليك وبين الكاثار فأجابهم:"اقتلوهم جميعا والرب سوف يعرف مختاريه," سكان المدينة كانوا أغلبية من الكاثوليك مع أقلية تنتمي لطائفة الكاثار. عدد قتلى تلك الحملة(١٢٠٩-١٢٢٩) بلغ مليون شخص حيث أنه في مدينة بيزييه والتي كانت مدينة مزدهرة بالسكان تراوحت التقديرات بين ٦٠-١٠٠الف قتيل.
محاكم التفتيش الكنسية والتي نشرت الرعب في طول أوروبا وعرضها خلال أكثر من خمسة قرون من ممارسة الاستبداد والقتل بإسم الدين والرب تعتبر مسؤولة عن سقوط عدد كبير من الضحايا. وقد قامت الكنيسة بتشريع الإعدام حرقا بناء على نص من إنجيل القديس يوحنا, الرابع ترتيبا بين كتب العهد الجديد من الكتاب المقدس, حيث يقول نص(يو ٦:١٥) نقلا عن يسوع المسيح:"إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ." كما أن تشريع إستخدام التعذيب في الكنيسة الكاثوليكية بقي ساريا منذ عام ١٢٥٢ حتى عام ١٩١٧ حيث تم إقرار مدونة قانونية جديدة. وكان من أكثر وسائل التعذيب شيوعا هي: التعليق والتعذيب بواسطة الماء(الإيهام بالإغراق) ودهن جسم الضحية بالدهن والقيام بشوائهم ببطئ وكذلك الأفران التي استخدمت من أجل الناس أحياء. وقد كان اليهود من ضحايا محاكم التفتيش خصوصا في الأندلس حيث تم منحهم الخيار قبول الدين المسيحي أو الطرد. وكانت محاكم التفتيش تقتل بإستخدام أبشع الطرق كل من يثبت قبوله للمسيحية في الظاهر واستمراره في الباطن على يهوديته. وفي كثير من الأحيان كانت لا تحتاج لدليل من أجل خوزقة أو حرق المهرطقين حيث تكفي وشاية مجهولة كدليل إدانة وغالبا ما كان المتهمون يوقعون على إقرارات انتزعت منهم بتأثير التعذيب الشديد حيث كانوا يفضلون الموت على عدم الإعتراف وتحمل التعذيب والإهانة.
سكان الأراضي الجديدة التي اكتشفها كريستوفر كولومبوس وأطلق عليهم إسم الهنود لم يكونوا بأفضل حالا حيث لحقت محاكم التفتيش بالمكتشفين الجدد وبدأ عملها بتطهير تلك الأراضي من الكفار والوثنيين و المهرطقين حيث كانت عقوبة الإعدام حرقا هي المفضلة لدى قضاة تلك المحاكم. كريستوفر كولومبوس كان هدفه تحويل الكفار الهنود الى الإيمان المقدس حيث جرى إستعباد آلاف الأمريكيين المحليين وتصديرهم للعمل كعبيد. كما أنه كان شائعا إغتصاب النساء حتى من قبل كولومبوس نفسه حيث كانت تلك ممارسة منهجية وليس مجرد تصرفات فردية. ولكن هدف كريستوفر كولومبوس والبعثات التبشيرية لم يكن له علاقة بنشر المسيحية أو تطهير الأراضي الجديدة من الوثنيين والكفار بل كانت له أهداف اقتصادية حيث تمت مصادرة أراضي السكان الأصليين وقتل كل من كان يرفض ذلك. رجال البعثات التبشيرية في الأراضي الجديدة قاموا بتكديس ثروات هائلة من الإستثمار في الأراضي الجديدة وكان يتم تبرير مصادرة أراضي كل شخص من السكان الأصليين يرفض إعتناق المسيحية. عمليات الإبادة الجماعية والقتل بتهمة الوثنية الهرطقة سقط ضحاياها عشرات الملايين من السكان الأصليين فيما يعرف اليوم بالولايات المتحدة وكندا,  وفي أمريكا اللاتينية في المكسيك وبيرو وكذلك في أستراليا.
إن تجاهل المبشرين جرائم الكنيسة المسيحية الغربية والتركيز على تاريخ المسلمين الذين يصفونه بأنه دموي هو من التخاذل الذي يتميز به هؤلاء. فأغلبهم, لا يملك الشجاعة على إنتقاد تاريخ المسيحية الغربية الدموي ويركز بدلا من ذلك على الإسلام والمسلمين. والحقيقة أن الكثير من المسلمين يوجهون الإنتقادات لنصوص التراث الإسلامي التي تحولت بفعل عامل الزمن والتكرار الى نصوص مقدسة ويتحلون بالشجاعة لتوجيه الانتقاد لرجال الكهنوت المسلمين ممن أقاموا محاكم للتفتيش تماثل محاكم التفتيش الكنسية. تلك الشجاعة التي لا يتحلى بها نظرائهم المسيحيون من المبشرين والقساوسة حيث لا يتوجب على أي مسلم مناظرة أو نقاش أي مبشر مسيحي لا يعترف بالحقائق الدامغة حول تاريخ الكنيسة الدموي. والحقيقة أنني أستغرب من بعض المسيحيين العرب دفاعهم عن الكنائس الغربية وإيمانها فهي أولا وأخرا تعتبرهم هراطقة مساوية لهم في ذلك مع المسلمين والشعوب الوثنية الأخرى. وقد قمت في هذا الموضوع بالإختصار قدر الإمكان وتجاهل بعض النقاط التي قدمت لها في مواضيع سابقة مثل الحروب الدينية المسيحية في أوروبا فلم يكن هناك داعي لتكرارها وإعادتها.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, January 6, 2019

مناظرة القرن بين جان يونان ووسام العبدالله

يضحكني في الحقيقة بعض المتنطعين خلف الشاشات سواء من المسلمين أو المسيحيين ممن يطلقون على أنفسهم الألقاب ويصرخون ويزعقون ويتحدّون بعضهم البعض في مناظرات يعلمون علم اليقين بأنها لم ولن تتم على الرغم من أن التطور في وسائل الإتصالات جعل من عقد المناظرات بين شخصين تفصلهما مسافة جغرافية شاسعة أمرا من الممكن القيام به بكل يسر وسهولة. إن صناعة الإعلام المزيف جعلت من الممكن لأمثال هؤلاء تلميع صورتهم والترويج لبضاعتهم الفاسدة بين جمهور السذج والمدمنين على أفيونهم الديني عبر الفضائيات الدينية سواء الإسلامية أو المسيحية التي تتلقى تمويلها من الدعاية والإعلان والترويج للسحرة والمشعوذين والعلاج بالأعشاب والطب البديل. كما أنني معارض لمبدأ المناظرات التي تتحول إلى ما يشبه مباريات ملاكمة يعتقد كل طرف أنه عليه أن ينهيها بالضربة القاضية. وهناك الحوارات التي تبث على المحطات الفضائية والتي تبدأ بالزعيق والصراخ وتنتهي بالزعيق والصراخ ولا يفهم المشاهد منها شيئا. يحق للمسيحي أن تكون له أسئلته حول الإسلام والقرآن وأن تكون له شكوكه كما يحق للمسلم أن تكون له أسئلته وشكوكه حول الكتاب المقدس وتاريخ المسيحية. وقد تكون تلك الأسئلة التي لدى الطرفين بدافع الفضول أو حب الإطلاع والمعرفة وليس بدافع من عدم الإقتناع والرغبة بالتحول إلى إيمان الطرف الأخر. أما أولئك الذين يبحثون عن الشهرة والأضواء والإثارة الإعلامية وليس عن إجابة لأسئلتهم فهم لا يملكون إجابات لأسئلة الآخرين ولا يهمهم إلا جمع لايكات وشيرات على مواقع التواصل الإجتماعي ومشاركة الفيديوهات مثل اليوتيوب وأن يصبح لهم شعبية بوصفهم مدافعين عن الدين والإيمان, نوع من البريستيج الاجتماعي.
وسام العبدالله والذي يزعم انه مقيم في مدينة نيويورك الأمريكية وأنه متخصص في الكتاب المقدس هو شخص مشهور في العالم الافتراضي على الشبكة العنكبوتية ولا يقبل إتباعه من الأخرين مناداته إلا الشيخ وسام. ذلك الشخص نجح بفضل احتجابه عن الظهور علانية والإعتماد على غرفته في البالتوك وتسجلات صوتية في صناعة هالة من القداسة حول نفسه على الرغم من أنه لا توجد صورة واحدة له على الشبكة العنكبوتية وهو غير معروف للفضائيات ذات التوجه الديني إلا عبر الإتصالات الهاتفية ولم يسجل له ظهور تلفزيوني واحد على أي فضائية او تسجيل مصور على اليوتيوب. كما أنه يزعم تخصصه في الكتاب المقدس ولكن لا أحد يعلم أين درس ذلك التخصص وفي أي جامعة أو كلية وهل دراسة الكتاب المقدس هي تخصصه الأصلي أم أنه حاصل على مؤهل جامعي وأن دراسة وقراءة الكتاب المقدس مجرد هواية. في المناظرة المشهورة على البالتوك حول ألوهية يسوع المسيح بين وسام العبدالله وعبد المسيح بسيط الذي يشغل منصبا رفيعا في الكنيسة القبطية الأرثودكسية, تلقى الطرفان المساعدة من عدد من الأشخاص خصوصا وسام العبدالله الذي ساعده في خلال المناظرة عدد لا يقل عن أربعة أو خمسة أشخاص وإنتهت المناظرة بمزاعم زائفة لكل منهما قام بترديدها كالببغاوات أتباعها وذلك بتحقيق الانتصار المزعوم ونسف حجة الطرف الآخر. ولكن عبد المسيح بسيط أستاذ متخصص في الدفاع اللاهوتي ويقوم بالتدريس في الكنيسة القبطية وهو يظهر في برامج ولقائات وحوارات تلفزيونية بينما وسام العبدالله على العكس تماما بشخصيته الحقيقية التي ينتابها الغموض.
وقد عثرت مؤخرا بمحض الصدفة أثناء تجولي في اليوتيوب على قناة دعي من أدعياء المسيحية يطلق على نفسه الأخ جان يونان يلقي فيها الشبهات حول الإسلام ويحاول أن يوحي من خلال الكتيبات التي يوزعها بالبريد الإلكتروني أن كتبه تقلب الطاولة على مزاعم المسلمين وتنقل الكرة إلى ملعبهم ويستخدم في فيديوهاته أسلوبا ساخرا. وفي أحد الفيديوهات يقوم بالتهجم على الشيخ أحمد ديدات رحمه الله بخصوص مسألة أن الكتاب المقدس فيه خمسون ألف خطأ حيث يفضح جهله وقلة امانته. وفي تلك المسألة وبعد البحث وجدت أن المزاعم التي إنتشرت حول وجود خمسين ألف خطأ في الكتاب المقدس منشورة في مجلة لأحد الطوائف المسيحية وهي شهود يهوه سنة 1952 وليست من إبتكار مخيلة الشيخ أو تلاميذه. كما أن بروفيسور مقارنات الأديان والعهد الجديد بارت إيرمان ذكر في كتابه "Jesus Interrupted) إن مخطوطات العهد الجديد المتوفرة لدينا تحتوي على أخطاء وإختلافات بين المخطوطات تقدر بمئات الألاف وأن عدد الإختلافات بين مخطوطات العهد الجديد أكثر من عدد الكلمات الذي يحتويها. وفي كتاب آخر, "Misquoting Jesus," يذكر نقلا عن جون ميل(John Mill), عضو هيئة التدريس في جامعة أوكسفورد خلال القرن السادس عشر, أن مقارنة المخطوطات اليونانية للعهد الجديد المتوفرة لديه قد كشف عن ثلاثين ألف خطأ في تلك المخطوطات. مجلة شهود يهوه لم تتحدث عن أخطاء في النسخة المطبوعة التي تعد متوفرة لأي شخص يرغب في شراء  الكتاب المقدس ولكن عن عشرات الألاف من الأخطاء في مخطوطات العهد الجديد التي وصلت إلينا وهي متوفرة للباحثين والمختصين ممن يرغبون في الإطلاع عليها وذلك هو المقصود من كلام الشيخ أحمد ديدات وهو ما أكده البروفيسور بارت إيرمان.
ولكن نصيحتي لكل مهتم في ذلك الموضوع الشيق, مقارنات الأديان, أن لا تهتموا للهراء الذي يردده أمثال وسام العبدالله وجان يونان فهم ليسوا إلا مجرد أدوات رخيصة ليس هدفهم البحث عن الحقيقة بقدر تحقيق شهرة ونجومية إعلامية والظهور على القنوات والمحطات. وسام العبدالله متخصص في الهجوم على الكنيسة الأرثودكسية المصرية والإتصال على قساوستها بطريقة تخلو من أي احترام وذوق. فلو كان وسام العبدالله صادقا لقبل الظهور بشخصه ولم يختبئ خلف شاشات كمبيوتر وغرف بالتوك. ومثله جان يونان الذي لو كان يتمتع بأدنى درجة من المصداقية لكان استخدم أسلوبا علميا أكثر رصانة وتوقف عن السخرية ومحاورة الأموات أو محاورة نفسه وطرح الأسئلة عن الإسلام والإجابة عليها. وربما في يوم من الأيام, قد نشهد مناظرة القرن على محطة تلفزيونية محترمة بين وسام العبدالله وجان يونان, فكل منهما يكمل الأخر. أو كما يقول المثل, طنجرة ولقت غطاها.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية