Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label الإسماعيلية. Show all posts
Showing posts with label الإسماعيلية. Show all posts

Saturday, March 11, 2023

من البداية الى النهاية, تأميم قناة السويس وأزمة العدوان الثلاثي ١٩٥٦

قناة السويس هي ممر مائي حيوي ضيق يبلغ طوله ١٠٠ ميل ويربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط. القناة هي من بنات أفكار الفرنسي فرديناند ديليسبس وهو دبلوماسي ورجل أعمال وليس مهندسا بالمهنة. إن فكرة حفر قناة تربط البحرين الأحمر والأبيض المتوسط كانت تعتبر فكرة مستحيلة حتى قيام ديليسبس بإنشاء شركة قناة السويس وحصل على موافقة الحكومة المصرية وبدأ أعمال الحفر سنة ١٨٥٩ واستغرق العمل بها ١٠ سنين وتم افتتاحها سنة ١٨٦٩.

المعلومات التي يعرفها الجميع عن قناة السويس مصدرها وسائل الإعلام التي تحرص على عدم عرض المشهد كاملا. هناك أزمة العدوان الثلاثي ١٩٥٦ و حرب ١٩٦٧ كان السبب الرئيسي قناة السويس وحاليا هناك مشكلة تثيرها وسائل إعلام تنظيم الإخوان المسلمين حول بيع قناة السويس بسبب ضغط من صندوق النقد الدولي الذي تقدمت إليه مصر بطلب قرض مالي. الإخوان المسلمون ينشرون الإشاعات مثل الذباب الذي ينشر المرض ولكن المسألة التي تثيرها وسائل الإعلام ليست جديدة بل هناك سابقة تاريخية لها.

سنة ١٨٦٩ تم إفتتاح قناة السويس في حفل أسطوري كلف الخزينة المصرية المثقلة بالديون مبالغ مالية طائلة. بريطانيا كانت تشعر بعدم الرضا بسبب عدم امتلاكها حصة في قناة السويس الطريق الحيوي إلى مستعمرتها  في الهند التي كان لقبها "درة التاج البريطاني." القناة كانت تختصر الوقت الذي يستغرقه السفر الى الهند الى النصف. ولكنه بسبب الضغوط المالية وشروط الدائنين الدوليين فقد عرضت الحكومة المصرية حصتها في قناة السويس البالغة ٤٤% للبيع. رئيس الوزراء البريطاني بينجامين دزرائيلي سارع بمعونة فرع بنك روتشيلد في إنجلترا إلى ترتيب عملية الاستحواذ على حصة الحكومة المصرية في القناة وبذلك أصبحت القناة أنجلو-فرنسية.

الحكومة البريطانية كانت تعتبر الدفاع عن القناة مسألة أمن قومي حيث كانت هناك قوات بريطانية في مصر ومعسكرات مهمة في منطقة القناة. ولعل الجميع يذكر كيف سارعت بريطانيا إلى إرسال التعزيزات والقوات من أجل صد هجوم القوات الألمانية بقيادة ثعلب الصحراء رومل في معركتي العلمين الأولى والثانية وإبعادها عن القناة وعن مصر نهائيا. هناك أمر آخر مهم لابد من ان أذكره وهو أن أول مسجد للإخوان المسلمين في مصر تم بناؤه في مدينة الإسماعيلية وليس القاهرة وتم تمويله من شركة قناة السويس التي قدمت منحة مالية بلغت ٥٠٠ جنيه مصري وهو مبلغ ضخم بمعايير تلك الأيام.

إنَّ دوام الحال من المحال حيث أنه سنة ١٩٤٨ نالت الهند إستقلالها وتم تفكيك الإمبراطورية الإستعمارية البريطانية وفقدت القناة أهميتها بالنسبة الى بريطانيا. ولكن على الرغم من ذلك فقد ظهر دور حيوي آخر للقناة لا يقل أهمية وهو أنها تختصر طريق ناقلات النفط من موانئ الخليج العربي حول رأس الرجاء الصالح وصولا الى أوروبا والبالغ ١١ الف ميل الى ٦٥٠٠ ميل وحيث إنه سنة ١٩٥٥, كان ناقلات النفط تعتبر ثلثي السفن التي تعبر القناة وبالتالي فإن ثلثي النفط الذي تستورده أوروبا من دول الخليج العربي يعبر من خلال قناة السويس. إن زيادة اعتماد دول أوروبا على النفط ودوره في الإقتصاد العالمي  ومرور خطوط نقل النفط, التابلاين(Tapline) والأي بي سي(IPC)  قد أدى إلى ازدياد أهمية قناة السويس.

المشهد السياسي في مصر سنة ١٩٥٢ كان يشهد تغيرات جذرية فقد استولت مجموعة من ضباط الجيش(الضباط الأحرار) بقيادة محمد نجيب على الحكم ولكن جمال عبد الناصر, أحد أفراد المجموعة, إنقلب على محمد نجيب سنة ١٩٥٤ وأعلن سنة ١٩٥٦ تأميم قناة السويس وذلك ردا على قرار الولايات المتحدة سحب عرضها تمويل مشروع السد العالي بالإشتراك مع صندوق النقد الدولي. الولايات المتحدة التي كانت تتعاطف مع جمال عبد الناصر في البداية وذلك في إطار الحرب الباردة وعدم رغبتها في استمالة مصر إلى محور دول المعسكر الإشتراكي وحلف وارسو, كانت تضغط على بريطانيا من أجل الانسحاب من مصر حيث كانت هناك قاعدة تموين رئيسية ومعسكر للقوات البريطانية في منطقة القناة وفق بنود معاهدة ١٩٣٦ . ولكنها بدأت في الشعور بالقلق من محاولات جمال عبد الناصر ضم السودان الى مصر وبلغ القلق ذروته سنة ١٩٥٥ حين قامت مصر بشراء أسلحة من دول المعسكر الإشتراكي وعلى رأسها الإتحاد السوفياتي.

امتياز قناة السويس كان سوف ينتهي سنة ١٩٦٨ . كما أن وزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن قام بزيارة مصر سنة ١٩٥٤ وأعلن أن إنسحاب القوات البريطانية من منطقة القناة سوف يكون خلال عشرين عاما سنة ١٩٧٤ . الولايات المتحدة وبريطانيا كانوا يدرسون احتمال نشوب نزاع مع مصر وإغلاق قناة السويس في وجه حركة الملاحة الدولية أو حركة ناقلات النفط على الأقل. شركة نفط نيوجيرسي القياسية قامت بإجراء دراسة سنة ١٩٥٦ حول تلك الاحتمالية وآثارها. الرئيس المصري جمال عبد الناصر أجاب وزير خارجية بريطانيا جون لويد أثناء زيارته إلى مصر والنقاش الذي دار حول أهمية قناة السويس بالنسبة إلى صناعة النفط العالمية أن الدول المصدرة للنفط تحصل على ٥٠% من العائدات وأن مصر لا تحصل على ٥٠% من عائدات قناة السويس.

سنة ١٩٥٥, كانت الولايات المتحدة بالتعاون مع بريطانيا تدرس الوسائل الممكنة من أجل مساعدة مصر إقتصاديا وتدعيم الاقتصاد المصري من أجل المساهمة في عدم انضمامها إلى دول المعسكر الإشتراكي.  القرار الذي تم اتخاذه هو تقديم قرض الى مصر من أجل مشروع بناء السد العالي بالإشتراك مع البنك الدولي. ولكن كانت هناك معارضة للمشروع داخل الولايات المتحدة خصوصا من نواب الكونغرس من ولايات الجنوب التي كانت تخشى من ازدياد المساحات المزروعة بالقطن في مصر وبالتالي منافستهم على الأسواق. كما أن دولة الكيان الصهيوني كانت تنظر بعدم الرضا إلى منح عدوها اللدود قرضا والمساهمة في نهوض الاقتصاد المصري. الكونجرس الأمريكي وضع أمام وزير الخارجية جون فوستر دالاس خيار تقديم الدعم إلى دولة محايدة من إحدى الدولتين, مصر عبد الناصر أو يوغسلافيا تيتو واختار وزير الخارجية الأمريكي يوغسلافيا وأعلن بتاريخ ١٩/٧/١٩٥٦ رسميا سحب عرض تمويل السد العالي وحذرت بريطانيا حذوه وتفاجأ البنك الدولي من القرار.

 الرئيس المصري جمال عبد الناصر أعلن بتاريخ ٢٦/٧/١٩٥٦ تأميم قناة السويس خلال خطاب ألقاه في مدينة الإسكندرية وكانت كلمة السر التي تحرك على أثرها الجيش وسيطرة على مباني ومنشآت شركة قناة السويس هي ديليسبس. المثير للدهشة التقارير التي أشارت الى أن جمال عبد الناصر بعد الخطبة وإعلان قرار التأميم تسلل خفية الى أحد قاعات السينما من أجل حضور فيلم (Meet Me in Las Vegas) للمثل الأمريكي Cyd Charisse وذلك في محاولة للإسترخاء من الإرهاق الجسدي والنفسي الذي تسبَّبت به الخطبة والتحضيرات التي سبقتها. جهود دبلوماسية استمرت ثلاثة شهور أعقبت قرار التأميم في محاولة من أجل التوصل الى إتفاق ولكنها جميعها باءت بالفشل.

شركة قناة السويس وفي محاولة من أجل الضغط على الحكومة المصرية أصدرت أوامرها إلى موجهي السفن(Pilots) بالتوقف عن العمل. وكما هو معلوم فغن توجيه السفن من خلال مجرى القناة الضيق يتطلب مهارة عالية ومعرفة بمناخ المنطقة وطبيعة القناة وتضاريسها خصوصا الرياح القادمة من صحراء سيناء التي قد تتسبَّبُ في جنوح السفن وإغلاق القناة أمام حركة الملاحة. الحكومة المصرية كانت تستعد لذلك منذ عدة سنين من خلال الإصرار على الشركة تدريب موجي سفن مصريين كما أنها تلقت مساعدة فورية من دول المعسكر الإشتراكي التي سارعت إلى إرسال عدد من أمهر المختصين من الموجهين والملاحين من أجل مساعدة الحكومة المصرية واستمر العمل في القناة.

الموقف الأمريكي من الأزمة لم يكن واضحا للحكومة البريطانية أو الفرنسية أو حتى بالنسبة الى المسؤولين الأمريكيين أنفسهم.بريطانيا التي لعبت دورا رئيسيا بينما بقي الدور الفرنسي ثانويا كان المسؤول المباشر عن إدارة الأزمة هو وزير الخارجية السابق الذي تولى منصب رئيس الوزراء أنتوني إيدن بينما على الجانب الأمريكي وزير الخارجية جون فوستر دالاس الذي كان شقيقه ألين فوستر دالاس يشغل منصب رئيس وكالة المخابرات المركزية(السي آي إي). الاختلاف في الموقف من الأزمة والناجم عن اختلاف في طبيعة أيدن ودالاس وكذلك وجهات نظرهم المختلفة والمتناقضة أثار حيرة المتابعين. جون فوستر دالاس وأنطوني إيدن تصادما حول الموقف من أزمة الصين-الفرنسية(فيتنام) حيث كان الجانب الأمريكي يتبنى الحل العسكري بينما يؤيد أيدن الحل الدبلوماسي والمفاوضات. أما الموقف من أزمة قناة السويس فقد كان على العكس تماما. أنتوني إيدن كما كان واضحا من البرقيات المتبادلة بين المسؤولين الأمريكيين متصلبا في مواقفه أو سلبيا وغير مبالٍ, بينما جون دالاس في البرقيات البريطانية كان ثرثارا يتكلم بدون أي مراعاة في ترتيب جملة وألفاظه بحيث يبدو مشوشا وعاجزا عن شرح وجهة نظره إلى الطرف الآخر.

إنَّ سوء الفهم من جهة بريطانيا كان ناتجا عن عدم إدراك المسؤولين البريطانيين أن السياسة الخارجية الأمريكية يحدد معالمها الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور وليس وزير الخارجية والذي كان موقفه واضحا للغاية يرفض الخيار العسكري وذلك يعود الى مجموعة أسباب. أحد تلك الأسباب هو أن بريطانيا وفرنسا كانتا عاجزين عن تكوين حكومة بديلة متماسكة في مصر وأن نتيجة التدخل العسكري سوف تكون الفوضى وقيادة سياسية أكثر تشددا سوف تقود مصر إلى الوقوع في حضن الإتحاد السوفياتي وانخفاض شعبية الولايات المتحدة والدول الغربية حيث كانت الشعوب سوف تنظر بعدائية شديدة الى أي تدخل عسكري في مصر. الرئيس المصري جمال عبد الناصر كان من وجهة نظر دوايت أيزنهاور يستمد شعبيته من الدراما السياسية التي سوف يؤدي إليها العمل العسكري وأنه من الأفضل أن يدعوا الأزمة تمر بهدوء وإختيار الحل الدبلوماسي بديلا وحرمان الرئيس المصري من أي فرصة من أجل زيادة علاقته وارتباطه مع الإتحاد السوفياتي. الأزمة من وجهة نظر الرئيس الأمريكي كانت سوف تؤدي إلى إثارة الاضطرابات في أسواق النفط وهو ما كان يُشعِرُ الإدارة الأمريكي بالقلق.

هناك سبب أخر لا يقل أهمية عن سابقه وهو إقتراب موعد الإنتخابات الأمريكية حيث كان دوايت أيزنهاور يخوض معركة إعادة انتخابه. بينما كان قد تخلَّصَ من أزمة الحرب الكورية بداية فترته الرئاسية الأولى, كان أخر ما يريد أن يشعر بالقلق حوله هو أزمة أخرى أو حرب في منطقة الشرق الأوسط سوف تؤدي إلى زيادة أسعار النفط بشكل جنوني والتأثير بالتالي على الناخبين الأمريكيين. البريطانيون كانوا غير مهتمين بقضية الانتخابات الرئاسية الأمريكية وبينما استمرت الجهود الدبلوماسية العلنية, فقد كانت الدولتان تستعدان من أجل عملية التدخل العسكري والتي كانت تواجه عدة عقبات لوجستية. البريطانيون وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الاستعانة بشركات السفن التجارية خلال ذروة موسم السياحة منها شركة Pickford Removals  التي تمت الإستعانة بها من أجل نقل كتائب دبابات بريطانية تمهيدا للعملية العسكرية المحتملة.

الهدف كان إحتلال منطقة قناة السويس وإسقاط نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر. ضباط ودبلوماسيون فرنسيون وبريطانيون اجتمعوا ليلة ٢٤/أكتوبر/١٩٥٦ في فيلا تقع في منطقة سيفرس(Sèvres) خارج العاصمة الفرنسية باريس مع ضباط كبار من دولة الكيان الصهيوني منهم ديفيد بن غوريون, شيمون بيريز وموشي ديان بهدف تنسيق عملية احتلال قناة السويس. القوات الصهيونية سوف تتقدم وتغزو الأراضي المصرية بينما بريطانيا وفرنسا سوف تصدران بيانا مشتركا حول أمن الملاحة في قناة السويس وأنه لو استمرت العمليات العسكرية, سوف يقومان بالتدخل. العلاقات بين فرنسا ودولة الكيان الصهيوني كانت أكثر من جيدة بينما على العكس, كان الكثير من المسؤولين البريطانيين بينهم أنتوني أيدن وكذلك وزير خارجيته يزدرون اليهود و يكرهونهم. الفرنسيون هم الذين لعبوا دورا رئيسيا في إجتماع سيفرس وفي غزو قناة السويس ١٩٥٦ فقد كانت هناك مخاوف فرنسية من إشتباك بريطاني-صهيوني من أجل السيطرة على الأردن أو أن تحاول قوات الإحتلال الصهيوني السيطرة على الأردن مستغلة انشغال بريطانيا في قناة السويس.

العملة بدأت ليلة ٢٩/١٠/١٩٥٦ حيث تقدمت القوات الصهيونية في الأراضي المصرية في صحراء شبه جزيرة سيناء حيث تخلى الجيش المصري عن مواقعه منسحبا وسط فوضى عارمة. بريطانيا وفرنسا أصدروا إنذارا حول نوايا الدولتين إحتلال منطقة قناة السويس وقامت قوات جوية بريطانية وفرنسية بقصف المطارات العسكرية المصرية. الرئيس الأمريكي وصلته أنباء عن العدوان الثلاثي أثناء جولة انتخابية في ولايات الجنوب الأمريكي وشعر بالحنق والغضب وأن رئيس الوزراء البريطاني قد خدعه. دوايت أيزنهاور كان يشعر بالقلق من العملية العسكرية الثلاثية ضد مصر لأنها من الممكن أن تؤدي إلى تدخل الإتحاد السوفياتي ومواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. العملية العسكرية الثلاثية ضد مصر وهي حليفة للاتحاد السوفياتي من الممكن أن تؤدي إلى إستفزاز الإتحاد السوفياتي وهو ما حصل فعلا حيث لوح الإتحاد السوفياتي بإستخدام السلاح النووي والقى الرئيس السوفيتي بريجينيف خطابا غاضبا في الأمم المتحدة حيث ضرب حذائه على المنضدة.

المشهد السياسي ليلة العدوان الثلاثي كان يمتلئ بالمفاجئات, رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن كان مريضا للغاية بسبب خطأ طبي أثناء عملية جراحية ويتلقى عددا من الأدوية التي تؤثر على قدراته الذهنية وتبقيه في حالة من إنعدام التوازن, الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور تعرض الى جلطة قلبية سنة ١٩٥٥ وأخرى سنة ١٩٥٦ وكان مشغولا في حملته الإنتخابية بينما وزير خارجيته جون فوستر دالاس قد أجرى عملية جراحية معقدة في المعدة. الرئيس المصري جمال عبد الناصر كان مستعدا وردة فعله كانت سريعة حيث سارع الى إغراق عدد من السفن فى مجرى قناة السويس مما أدى إلى تعطيل الملاحة في القناة. كما أنه أصدر أوامره الى مهندسين سوريين بتخريب أنابيب نقل النفط ومنشآته التي تمر في سوريا مما أدى الى أزمة حادة في أسواق النفط ونقص في الوقود عانت منه بريطانيا وفرنسا مما أدى إلى تأخير تدخلهم عدة أيام عن الموعد المحدد في اتفاق سيفرس(Sèvres). الرئيس الأمريكي رفض التدخل وتفعيل خطة الطوارئ التي يتم إستخدامها في مثل تلك الأزمات وأخبر مساعديه أنه على البريطانيين والفرنسيين أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم وأنهم هم من بدأوا العملية العسكرية دون التشاور مع الولايات المتحدة مما يهدد مصالحها في المنطقة. الرئيس الأمريكي لم يكتف برفض التدخل ولكنه بدأ في التفكير في فرض عقوبات على بريطانيا وفرنسا.

تاريخ ١٩٥٦/٦/١١, وافقت بريطانيا وفرنسا على وقف إطلاق النار ولكن الرئيس الأمريكي الذي فاز في الإنتخابات في اليوم نفسه أعلن بكل وضوح أن وقف إطلاق النار ليس كافيا وأنه لابد من انسحاب قوات الدول الثلاثة من المواقع التي سيطرت عليها. الرئيس الأمريكي أخبر مساعديه أنه سوف يفرض عقوبات على دولة الكيان الصهيوني إذا لم توافق قواتها على الإنسحاب. كما أنَّ أيزنهاور بدأ يفكر في فرض عقوبات في مجال النفط على الدول الأوروبية خصوصا فرنسا وبريطانيا مما كان سوف يؤدي الى أزمة كبيرة خصوصا أن الشتاء كان يقترب والمخزونات لا تكفي إلا عدة أسابيع. إن فرض عقوبات على بريطانيا وفرنسا في مجال النفط وعلى أي دول تقوم بتصدير النفط اليهم كان تأثيره مضاعفا بسبب حظر السعودية تصدير النفط الى دول العدوان, بريطانيا وفرنسا, وقيام المهندسين في سوريا وعمال شركات النفط في الكويت بتخريب خطوط نقل النفط. الحكومة البريطانية أعلنت عن ترشيد في إستهلاك الطاقة ١٠% وبدات في التفكير في لإصدار كوبونات الوقود للمواطنين البريطانيين.

الصعوبات التي كانت تواجهها بريطانيا لم تقتصر على تناقص إمداداتها امن النفط وتفكير الرئيس الأمريكي أيزنهاور في فرض عقوبات عليها بل مشاكل إقتصادية فاقمتها مضاربات على الجنيه الإسترليني وهبوط حاد في قيمته منذ بداية اليوم الأول للعدوان الثلاثي على مصر. إنَّ مسؤولين بريطانيين كانوا يعتقدون أن جهات أمريكية ربما الرئيس الأمريكي نفسه هم من يقف خلف ذلك. كما أنَّ صندوق النقد الدولي الذي تتحكم فيه الولايات المتحدة رفض أيضا مساعدة بريطانيا بأي قروض من أجل وقف تدهور قيمة عملتها. دول العدوان الثلاثي أعلنت في نهاية شهر نوفمبر إستسلامها وسحبت قواتها من الأراضي المصرية حيث بدأت قوات السلام الدولية بالوصول الى شبه جزيرة سيناء منذ منتصف نوفمبر/١٩٥٦. جمال عبد الناصر كان هو المنتصر الوحيد في هذه الأزمة بينما تعرضت دول العدوان الثلاثي الى الإذلال العلني وأضرار إقتصادية.

أزمة العدوان الثلاثي قد أدَّت الى عدة نتائج وآثار مترتبة عليها حيث أنَّ العالم قبل الأزمة ليس هو العالم نفسه بعدها. أحد أهم تلك النتائج هو تعزيز مكانة الولايات المتحدة دوليا وإزدياد نفوذها بسبب تحكمها بمصادر الطاقة خصوصا في الشرق الأوسط, مصدر أكثر من ٧٠% من النفط الذي كانت تستورده أوروبا. الولايات المتحدة كانت تعمل على تصفية بقايا الإمبراطوريات السابقة البريطانية والفرنسية حيث لم ترغب في وجود أي قوة تقف في وجه مصالحها. إنَّ إنسحاب بريطانيا من منطقة الخليج العربي سنة ١٩٧٠ كان تحت تأثير أزمة العدوان الثلاثي والضغوطات الأمريكية. كما أنَّ أحداث الثورة الجزائرية التي كانت تدعمها مصر بقوة قد بدأت أحداثها في التأثُّر بنتاج العدوان الثلاثي حيث إنسحبت القوات الفرنسية من مستعمرتها في الجزائر ومستعمراتها الأخرى في المغرب, موريتانيا وتونس. 

هناك أمر أخر مهم لا يمكن إغفاله وهو أنَّ النفط قد تحول الى سلاح يمكن إستخدامه بطريقة مباشرة وغير مباشرة من أجل التأثير على نتائج الأزمات والحروب وذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. خطوط نقل النفط التي تعرضت الى التخريب وإغلاق جمال عبد الناصر قناة السويس من خلال إغراق عدد من السفن المحملة بالأسمنت والرمل فيها أدى الى البحث عن طرق بديلة من أجل تأمين الإمدادت النفطية بعيدا عن تأثير الأزمات والحروب. الحل كان من خلال ناقلات النفط التي كان عليها أن تسلك طرقا بحرية بديلة وأحدها هو الطريق حول رأس الرجاء الصالح. إنَّ ذلك أدى الى ظهور ناقلات النفط العملاقة والتي تنقل كمية ضخمة من النفط مما يجعل المسافة الطويلة التي تقطعها عملية ذات جدوى إقتصادية. اليابان كانت أول من نجح في تخطي الصعوبات التقنية التي تحول دون بناء مثل تلك الناقلات التي أطلق عليها الناقلات الفائقة القدرة(Supertankers).

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية





 





 

Saturday, April 17, 2021

لمحات من التاريخ الأسود للإخوان المسلمين

إن تاريخ العلاقة بين تنظيم الإخوان المسلمين والدول الغربية قديم يعود الى تاريخ تأسيس التنظيم في مدينة الإسماعيلية حيث تبرعت شركة قناة السويس البريطانية بمبلغ 500 جنيه مصري من أجل بناء أول مسجد للجماعة. ولكن إستمرار الدعم المالي البريطاني المباشر للجماعة كان أمرا سوف يضعها في موقف محرج حيث تتلقى التمويل من شركة تتبع بلدا أجنبيا تحتل قواته المسلحة مصر. الحل كان في أن تنتقل مهمة تمويل التنظيم بطريقة غير مباشرة الى السعودية التي كان حسن البنا يزورها بانتظام ويلتقي الشيخ محمد سرور, من أصول سودانية, والذي كان يشغل منصب نائب وزير المالية والمسؤول عن ملف العلاقة المالية مع تنظيم الإخوان المسلمين. 

إن أهداف عبد العزيز آل سعود من العلاقة مع تنظيم الإخوان المسلمين كانت في نشر المبادئ الوهابية مرتدية طرابيش الإخوان المسلمين في العالم وفي دول الجوار التي فشلت قواته في السيطرة عليها عسكريا. أما الولايات المتحدة وبريطانيا فقد كانتا ترغبان في استغلال التنظيم ضد الحركات القومية والشيوعية التي كان نفوذها يتصاعد بشدة خلال تلك الفترة ويسبب الكثير من الصداع خصوصا للحكومة البريطانية الاستعمارية. وقد كان حسن البنا يلتقي ضباطا من القسم السياسي في السفارة الأمريكية في السعودية خلال زياراته المتكررة من أجل تلقي التمويل لصالح تنظيمه.

الولايات المتحدة كانت تقوم بالاستطلاع وجمع المعلومات في المنطقة خصوصا مصر حتى سنة 1950 تقريبا ولم تلعب أو تحاول أن تلعب دورا رئيسيا في المنطقة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية حيث بدأ الإهتمام بالمنطقة وثرواتها خصوصا النفط. الولايات المتحدة قدمت الدعم الذي كانت تحتاجه بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية مقابل تخلي بريطانيا عن مستعمراتها وتقليص نفوذها الخارجي. الولايات المتحدة وقعت صفقة للتنقيب عن النفط في المملكة العربية السعودية سنة 1933 عبر شركة سوكال التي تحولت لاحقا الى أرامكو. كما أن رئيس الولايات المتحدة فرانكلين روزفلت التقى الملك عبد العزيز آل سعود سنة 1945 على يخت الرئيس الأمريكي قرب قناة السويس خلال عودته من مؤتمر مالطا الذي قرر الحلفاء من خلاله تقسيم غنائم الحرب العالمية الثانية.

سعيد رمضان, صهر حسن البنا وسكرتيره الشخصي ومؤسس تنظيم الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا عبارة عن شخصية محورية في دائرة النفوذ البريطانية والأمريكية في الشرق الأوسط خصوصا مصر. سعيد رمضان تلقى تمويلا ضخما من المملكة العربية السعودية مقابل تقوية نفوذ الإخوان المسلمين من أجل مواجهة الشيوعيين والقوميين خصوصا جمال عبد الناصر في مصر والذي كان يكتسب المزيد من الشعبية في الوطن العربي. كما أن تقارير السفير الأمريكي في القاهرة وصفت تنظيم الإخوان المسلمين بانهم حليف محتمل ولا يشكل تهديدا للمصالح الأمريكية في المنطقة. سنة 1945, افتتح سعيد رمضان أول مكتب يتبع تنظيم الإخوان المسلمين في فلسطين والذي تحول لاحقا الى تنظيم حماس. وبحلول سنة 1947, كان هناك 25 مكتب للإخوان المسلمين في فلسطين وأكثر من 12 ألف عضو. وخلال الفترة التي قام الملك فاروق بحظر جماعة الإخوان المسلمين في مصر, لجأ سعيد رمضان الى باكستان حيث أقام علاقات قوية مع أبو العلاء المودودي وساهم في تنظيم ميليشيات الجماعة الإسلامية وتحضيرها للصراع مع خصومها خصوصا في الجامعات الباكستانية.

وقد حلَّ سعيد رمضان ضيفا على البيت الأبيض سنة 1953 ضمن مجموعة من الضيوف الآخرين في مؤتمر حول الإستشراق وعدد من اللقائات حول الإسلام تم تنظيمها من جامعة برينغتون حيث تضمن البرنامج رحلة الى العاصمة الأمريكية التقى خلالها سعيد رمضان الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور. برنامج الرحلة ونفقات سعيد رمضان والمشاركين الآخرين تمت تغطيتها من موازنة وزارة الخارجية الأمريكية على الرغم من أن سعيد رمضان كان معروفا بأجنداته التي تدعو الى العنف. السفير الأمريكي في القاهرة جيفرسون كافري أرسل سنة 1953 خلال الفترة التي سبقت عقد المؤتمر تقريرا سريا للغاية الى الحكومة الأمريكية يقترح دعوة رمضان مع تجاهل ارتباط رمضان بجماعة تدعو الى العنف واستخدمت العنف ضد خصومها.

الإسلام كان حاضرا دائما في أذهان واضعي الخطط والسياسات في بريطانيا والولايات المتحدة منذ سنة 1945. بريطانيا قامت بتأسيس الجامعة العربية ولكنها كانت ضعيفة نوعا ما بسبب عدم إنضمام دول مثل باكستان وتركيا. وقد كان هناك إقتراح بتحويلها الى منظمة إسلامية ولكنه لم يرى النور. وقبل ذلك, كان هناك حلف بغداد الذي لقي مقاومة عنيفة من التيارات القومية والشيوعية في الوطن العربي وفشل في النهاية. تنظيم الإخوان المسلمين وعبر سعيد رمضان ولاحقا إبنه طارق سعيد رمضان, نجح في إختراق الجامعات في دول مثل الولايات المتحدة وكندا عبر ما يعرف باتحاد الطلاب المسلمين(MSA) والذي يتبع تنظيميا الإخوان المسلمين. الولايات المتحدة أطلقت عدة حملات دعائية في الوطن العربي موجهة ضد الشيوعية والاتحاد السوفياتي حيث تم التركيز على أن الشيوعية ضد الأديان خصوصا الإسلام وأن الولايات المتحدة دولة محايدة وليس لها ماضٍ استعماري في الوطن العربي.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Sunday, June 25, 2017

إخوان إنكلترا, حسن البنا وأمين الحسيني(2)

وفي سنة 1950 قامت الحكومة المصرية بشن حملة ضد تنظيم الإخوان المسلمين في الفترة التي تلت إغتيال مؤسس التنظيم حسن البنا حيث تبين من التحقيقات مع أعضاء التنظيم المعتقلين كيف ان التنظيم مخترق من قبل الأجهزة الأمنية لعدة دول خصوصا بريطانيا, الولايات المتحدة, الإتحاد السوفياتي بل وألمانيا النازية حيث يشاع على نطاق واسع التعاون بين التنظيم والقوات الألمانية المتقدمة نحو مصر حيث قام عناصر الإخوان المسلمين بتوفير معلومات حول مواقع القوات البريطانية وتمريرها للقيادة الألمانية.
وحين أيقن البريطانيون والأمريكيون أن الملك فاروق سوف يخسر عرشه في القريب العاجل لأن نظامه قد نخره الفساد وتفشت فيه الرشوة وإزدادت نسبة البطالة فقد بدأت رحلة البحث عن بديل فيما أصر البريطانيون على إبقاء الملك فاروق مع تقليص صلاحياته فإن الأمريكيين قد وضعوا نصب أعينهم تنظيم الإخوان المسلمين أو تنظيم الضباط الأحرار الناشئ حديثا أو حتى تحالف بين حزب الوفد والشيوعيين وهو ما أقلق تنظيم الإخوان المسلمين حيث كان حزب الوفد والذي إنقسم وتشظى على نفسه يدعم قسم كبير منه التوجه نحو التحالف مع الحركات الشيوعية. تنظيم الإخوان المسلمين عملوا جاهدين على منع أي تحالف بين حزب الوفد والحركة الشيوعية في مصر حيث تعاونوا في سبيل ذالك مع الجناح اليميني من حزب الوفد والذي كان مؤلفا من كبار ملاك الأراضي والإقطاعيين وأصحاب رؤوس الأموال.
حزب الوفد من ناحيته كان يتمتع بالقوة وله قاعدة شعبية داخل مصر لم يسكت عن الحملة الإعلامية حيث إتهم أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين بأنهم عبارة عن بلطجية وطالبوا بحل الحكومة المصرية المدعومة من قبل تنظيم الإخوان المسلمين خصوصا ميليشيات الإخوان المسلمين التي كانت تتلقى الدعم المالي من قبل الحكومة المصرية.
ساهمت هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948 في إعطاء دفعة قوية لجماعة الإخوان المسلمين على مستوى الوطن العربي للأسباب التالية:
السبب الأول هو أن تنظيم الإخوان المسلمين قد شارك في حرب فلسطين بإرسال كتائب من المتطوعين وبمباركة الدول العربية حيث حقق المتطوعون من الإخوان المسلمين وغيرهم من القوات غير النظامية إنتصارات ضد التنظيمات اليهودية بعكس الجيوش النظامية والتي كانت أغلب قياداتها إما أجنبية أو تدين بالولاء للإنتداب الأجنبي على بلدان الوطن العربي.
السبب الثاني هو أن هزيمة الجيوش العربية قد خلقت حالة من التخبط السياسي والفراغ الذي كان الإخوان المسلمون أكثر من جاهزين لملئه حيث كانوا هم تقريبا القوة الوحيدة المنظمة في تلك الفترة العصيبة.
السبب الثالث هو أن هزيمة 1948 وقيام التنظيمات الصهيونية بإحتلال القدس الشرقية وتهديد المسجد الأقصى بشكل مباشر منح منظمات الإسلام السياسي رصيدا كبيرا لتبني عليه وتقوم بتجنيد الأعضاء وجمع التبرعات المالية وإستخدام كل ذالك كستار لبناء قواتهم الخاصة إستعدادا لما هو قادم.
مفتي القدس الحاج أمين الحسيني الذي يشاع على نطاق واسع أنه كان عميلا مزدوجا لصالح ألمانيا النازية والبريطانيين إلتقى عبد الرحمن البنا, شقيق حسن البنا, سنة 1935 لأول مرة حيث كان عبد الرحمن البنا يتولى مسؤولية التنظيم السري والذي أصبح يعرف لاحقا بالتنظيم الخاص للإخوان المسلمين. العلاقة بين تنظيم الإخوان المسلمين والحاج أمين الحسيني ساهمت في إنتشار فكر الإخوان المسلمين في سوريا, الأردن, لبنان وحتى فلسطين نفسها وبدعم أمين الحسيني بنفسه والذي كان يعتبر بالإضافة إلى حسن البنا أحد أهم الشخصيات التي ساهمت في إرساء دعائم الإسلام السياسي والذي تفرعت منه لاحقا كافة التنظيمات الإسلامية التي إنتهجت العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها.
الحاج أمين الحسيني بدأ حياته بالدراسة في الأزهر الشريف ولكنه لم يكمل دراسته وعمل في وكالة رويترز كمترجم وبدأ نجمه بالظهور في الحياة السياسية الفلسطينية كشخص يميل لإستخدام العنف ومؤمن بصحة نظرية المؤامرة الصهيونية وبروتوكولات حكماء صهيون. وفي سنة 1920 وإثر إعتقال أمين الحسيني لدوره البارز في الإضطرابات التي قامت تلك السنة حيث لم يمضي وقتا طويلا وتم إطلاق سراحه من قبل المندوب السامي البريطاني(اليهودي) هربرت صاموئيل حيث تم تعيينه مفتي للقدس وهو ماوضع علامة إستفهام حول العلاقة بين المفتي و الإنتداب البريطاني على فلسطين من جهة والحركة الصهيونية في فلسطين من جهة أخرى.
وفي سنة 1922 قام هربرت صاموئيل بتأسيس المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين والذي كانت مهمته الإشراف على جميع الأوقاف الإسلامية وتعيين المفتين ورؤساء المحاكم الشرعية وتم تعيين الحاج أمين الحسيني رئيسا للمجلس.
وفي سنة 1931 قام الحاج أمين الحسيني بتأسيس مؤتمر العالم الإسلامي(كونجرس إسلامي) في القدس وسافر إلى الهند, أفغانستان, إيران ودول إسلامية أخرى لجمع التبرعات وحشد الدعم والتأييد متمتعا ببعض الحماية من قبل الحكومة البريطانية حتى أنه عندما تم إعتقال أكثر من 60 فلسطينيا من الثوار المشاركين في ثورة 1936 فلم يتعرض الحسيني للإعتقال بل تمكن من التسلل خارج فلسطين إلى لبنان, العراق, لبنان ثم إستقر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية في ألمانيا حيث تولى مسؤولية شبكة عملاء تعمل ضمن القوات الخاصة الألمانية إس إس(SS) وتتألف في أغلبيتها من مقاتلين مسلمين من البلقان خصوصا البوسنة وكان مسؤولا عن الدعاية النازية الموجهة لمنطقة الشرق الأوسط. المفتى وإثر نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة دول المحور وعلى رأسها ألمانيا فقد توجه إلى فرنسا عبر سويسرا وإستقر هناك حيث رفضت بريطانيا تقديم طلب لإسترداده بإعتباره ليس مجرم حرب كما ذكر مكتب الخارجية البريطاني ورفضت فرنسا مجرد التفكير في الأمر.
وفي سنة 1946 إستقر المفتي في مصر تحت رعاية الملك فاروق والإنتداب البريطاني مقيما في فيلا عايدة في الإسكندرية تحت حراسة مشددة خارج الفيلا وداخله حيث تواجد حرسه الخاص وحيث تحولت الفيلا إلى مايشبه مركزا لنشر الإسلام السياسي.
وفي مصر عمل المفتي في وكالة الأنباء العربية وإذاعة الشرق الأدنى التي أسسها البريطانيون كما قام سنة 1946 بالتعاون مع الإخوان المسلمين بتنظيم قوة متطوعين مؤلفة من عشرة ألاف شخص للقتال في فلسطين تحت مسمى قوات الإنقاذ. المفتي عاد وبشكل مؤقت إلى قطاع غزة سنة 1947 حيث كانت إحدى كتائب قوات الإنقاذ بقيادة سوداني من مساعدي المفتي تتواجد هناك وقام بإعلان جمهورية فلسطينية مستقلة وعين نفسه رئيسا.
وأما بالنسبة لحسن البنا فقد إقتربت نهايته فبتاريخ ديسمبر 1948 فقد قامت الحكومة بحظر تنظيم الإخوان المسلمين. وفي فترة الأسابيع القليلة التي تلت القرار, قام التنظيم الخاص بإغتيال رئيس الوزراء محمد فهمي النقراشي. وخلال شهرين من إغتيال رئيس الوزراء المصري, تم إغتيال حسن البنا بإطلاق النار عليه خلال خروجه من أحد إجتماعات التنظيم.
إغتيال حسن البنا لم يضع حدا لتنظيم الإخوان المسلمين حيث تولى القيادة حسن إسماعيل الهضيبي وإستفاد التنظيم من مرحلة الحرب الباردة ومكافحة المد الشيوعي حيث حافظ التنظيم على إتصال منتظم مع السفارة الأمريكية والبريطانية ليلعب دورا بارزا في تلك المرحلة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
نهاية الجزء الثاني

Sunday, June 18, 2017

إخوان إنكلترا, حسن البنا وأمين الحسيني(1)

في الفترة التي تلت إنتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى فشل الحملة العسكرية البريطانية على مصر سنة 1956 والمعروفة بحرب السويس, فقد قامت بريطانيا بتقديم الدعم لشخصييتين إسلامييتين إعتمدت عليهما بشكل رئيسي في إعادة تشكيل الخارطة السياسية في الوطن العربي. الشخصية الأولى هي المصري حسن البنا بينما الشخصية الثانية هي الفلسطيني أمين الحسيني. كلا الطرفين وبدعم بريطاني وسعودي فقد كانا مسؤولين عما ظهور الإسلام السياسي في المنطقة حيث قام كل منهما بتأسيس الصلة بين مايعرف بالحركة الوهابية مع أفكار جمال الدين الأفغاني والذي يعد الأب الروحي للحركات الإسلامية التي تفرعت من تنظيم الإخوان المسلمين في مرحلة لاحقة.
حسن البنا وهو الشخصية الأولى قام بتأسيس نواة حركته في مدينة الإسماعيلية المصرية حيث تم بناء أول مسجد يتبع الجماعة الوليدة بمنحة 500 جنيه مصري من شركة قناة السويس سنة 1928. والد حسن البنا الذي يقال أنه كان عالما ومن تلاميذ محمد عبده وحتى البنا فقد قرأ مجلة المنارة التي أصدرها محمد رشيد رضا تلميذ جمال الدين الأفغاني.
الشخصية الثانية هي الحاج أمين الحسيني والذي يعتبر مثيرا للجدل حيث أمضى حوالي 4 سنوات في ألمانيا تحت رعاية هتلر وكان يوصف بأنه معادي للسامية ولكنها في الوقت نفسه تلقى دعما بريطانيا حيث أقام في مصر التي كانت تحت الإنتداب البريطاني وبرعاية رسمية سنة 1947 على الرغم من كونه مطلوبا لبريطانيا وأمريكا ودولة الكيان الصهيوني الغاصب.
العلاقة بين تنظيم الإخوان المسلمين والإنتداب البريطاني على مصر من جهة والملكية المصرية ممثلة بالملك فاروق من جهة أخرى كانت متقلبة حيث كانت تحركات التنظيم تخدم الأهداف البريطانية بمقاومة التيارات السياسية الشيوعية والقومية التي بدأت تنشر أفكارها في مصر حيث لقيت رواجا. السلطات البريطانية إعتمدت على وجه الخصوص على الجناح المسلح السري للتنظيم في القيام بإغتيال خصوم بريطانيا والملكية المصرية ولكن ذالك لم يمنع أن الجماعة قد إنقلبت على مشغليهاا في وقت لاحق وتلك صفة تتصف بها كل الحركات الإسلامية التي تفرعت عنها.
يعد السوري محمد رشيد رضا الذي درس الفقه في مدينة طرابلس اللبنانية وكان أحد أتباع جمعية العروة الوثقى أحد أهم الشخصيات التي ساهمت بأفكارها في تطوير مقترحات الشيخ محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني حيث قام بتأسيس مجلة المنارة كاداة للدعاية لأفكاره وأفكار أساتذته مع وجود فرق بينه وبينهم هو أن عمله كان في العلن بينما كان عمل الأفغاني وعبده يعتمد العمل السري. محمد رشيد رضا إلتحق بمحمد عبده في مصر حيث كان يشغل في ذالك الوقت منصب مفتي مصر بدعم من اللورد كرومر الحاكم العام البريطاني لمصر.
مجلة المنارة التي أسسها محمد رشيد رضا كانت تنتقد الحركة القومية وتصف أتباعها الكفر والإلحاد بينما كانت في الوقت نفسه كانت تمتدح الحركة الوهابية في المملكة العربية السعودية وتصف إبن سعود بأنه قام بتأسيس أعظم قوة إسلامية بعد إنهيار الدولة العثمانية. ثم كانت خطوة رشيد رضا التالية هي تأسيس مدرسة دار الدعوة والإرشاد والتي كانت تقبل طلابا من جميع البلاد الإسلامية غير أن تلك التجربة لم يكتب لها النجاح إذا أغلقت أبوابها بسبب نقص التمويل خصوصا مع بداية الحرب العالمية الأولى.
وقد قام محمد رشيد رضا وبالإشتراك مع مجموعة من الأشخاص من المؤمنين بفكر مجلة المنارة بتأسيس حزب الشعب كرد على تأسيس الحزب الوطني المصري على يد مصطفى كامل حيث تمتع حزب الشعب بدعم حكم الإنتداب البريطاني على مصر بينما كانت أجندات حزب مصطفى كامل ترتكز على معاداة الإنجليز وإستقلال مصر حيث طاف في أوروبا منددا بالإحتلال الإنجليزي لبلده وكتب في الصحف والمجلات الأوروبية إدانة لحادثة دنشواي.
إن فكرة حسن البنا بخصوص بنية وتركيبة الدولة الإسلامية المنشودة كانت مشوشة وضعيفة خصوصا من ناحية الصيغة التنفيذية ولكنها كانت قائمة على ثلاثة مبادئ (1) القرأن هو الدستور, (2) الشورى, (3) الحكم ملزم بالإلتزام بأحكام الشريعة والإستماع لأراء المواطنين. المشكلة ان حسن البنا وتنظيم الإخوان المسلمين مازالوا حتى وقتنا الحالي يناقضون تلك المبادئ الثلاثة خصوصا مبدأ الشوري فقد أسس تنظيم الإخوان المسلمين احد أسوأ أنواع الديكتاتوريات الدينية إن لم يكن أسوأها وتبين مع تجربتهم الأخيرة في مصر (محمد مرسي) أن تصورهم القائم لطريقة الحكم وإدارة الدولة مازال ضعيفا وهشا.
قام حسن البنا سنة 1932م بالإنتقال للقاهرة وإفتتح فيها الفرع الرئيسي للجماعة ومقرها الدائم حيث بدأ بنشر أفكارها وأصبح تنظيم الإخوان المسلمين أحد ممثلي الجناح اليميني المؤيد للحكم الملكي وحليف مع حزب الوفد المصري. وفي سنة 1933 قام حسن البنا بعقد أول مؤتمر وطني لتنظيمه في العاصمة المصرية حيث أنه خلال ثلاثة سنين من إنعقاده فقد إنتشرت نوادي شبابية وإتحادات الرياضية تتبع التنظيم وقامت بتنظيم المنتمين إليها في تشكيلات شبه عسكرية أصبحت تعرف سنة 1936 بالجوالة(الكشافة) وعرفت لاحقا بالكتائب تلقت إعترافا رسميا بالسماح لها توفير الحماية لمراسم تتويج الملك فاروق سنة 1937.
خلال العشرة سنين القادمة فقد قام حسن البنا بلعب أدوار مزدوجة على أكثر من جهة, فهو من ناحية كان على علاقة وإن كانت متقلبة مع القصر الملكي من خلال طبيب الملك الخاص ومن خلال شخصيات سياسية وعسكرية. كما أن حسن البنا كان على علاقة مع علي ماهر وعزيز علي المصري. الأول كان رئيس الوزراء ومن مؤيدي أفكار جمال الدين الأفغاني والثاني كان وزيرا للدفاع. وقد بلغت علاقة البنا بالملك فاروق أن الأخير كان يستشيره في تعيين رئيس الوزراء كما أنه دعي إلى مأدبة ملكية رسمية مرة واحدة على الأقل. ولكن العلاقة بين الطرفين كانت عبارة عن منفعة متبادلة حيث تم إستخدام كتائب حسن البنا, تطورت لاحقا لما يسمى التنظيم الخاص, ضد خصوم الملك فاروق خصوصا الوفديين والشيوعيين. حسن البنا أيضا أقام علاقة وثيقة مع أقلية يمينية من حزب الوفد كانت تتكون من كبار ملاك الأراضي وأصحاب رؤوس الأموال وإستخدم تلك العلاقة في لعبة توازنات سياسية تصب في مجملها ضمن سياسة فرق تسد ولتمكين نفوذ القصر الملكي.
تطورت كشافة حسن البنا من مجرد كشافة إلى تنظيمات شبه عسكرية إلى تنظيم عسكري سري يعرف بالتنظيم الخاص سنة 1942 والذي كان ينتهج العنف المسلح في محاولة لخلق حالة من الفوضى والإستياء بين صفوف الشعب فيسهل لهم الإستيلاء على الحكم. التنظيم الخاص قام بإغتيال قضاة, ضباط الجيش والشرطة, موظفين حكوميين والهجوم على المصالح اليهودية في مصر ونهبها وحرق بعضها. كما تورط التنظيم الخاص بهجمات دموية ضد النقابات العمالية وشخصيات يسارية وشيوعية معارضة للملك فاروق.
ولكن التحالف بين تنظيم الإخوان المسلمين والملك فاروق أصابه الضعف والوهن حين بدأ الأخير يفقد قبضته الحديدية على الحكم وبدأ حسن البنا وتنظيمه ينئون بأنفسهم بعيدا عنه ولكنهم حافظوا على علاقات وثيقة مع الجيش ومع سفارات أجنبية كانت بطبيعتها معادية للتنظيمات الشيوعية التي إستفادت من حالة الوهن التي أصابت القصر الملكي حيث تمكن تنظيم الإخوان المسلمين من إختراقها بداية من سنة 1944.
العلاقة بين حسن البنا والقصر الملكي من جهة, وبينه وبين الإستعمار البريطاني لمصر من جهة اخرى كانت مستمرة حيث عمل تنظيم حسن البنا متمتعا بالحصانة من الملاحقة والمحاسبة وكذالك توفير كافة انواع الدعم المالي واللوجستي مادام يعمل خدمة لأهداف القصر الملكي والمصالح البريطانية في مصر. في بعض الأحيان فإن التنظيم الخاص كان يتعدى الخطوط الحمر ويعمل خارج دائرة الحماية فتقوم الحكومة وقوات الإستعمار البريطاني لمصر بملاحقة أعضائه وزجهم في السجون. كما أنه كان لحسن البنا علاقة بالنظام السعودي ويتلقى الدعم المالي منها في مسعاها لنشر أفكار ودعوى محمد بن عبد الوهاب إلى مصر.
أعضاء الإخوان المسلمين كانوا ينظمون أنفسهم في خلايا تتألف كل واحدة من خمسة إلى سبعة أعضاء وتتلقى كل خلية تدريبات مكثفة عقائدية وعسكرية حيث ما أن تنتهي كل خلية من تدريباتها حتى يتظاهر أعضائها بتخليهم عن تنظيم الإخوان المسلمين ومن ثم ينتسبون إلى أحزاب وحركات أخرى أو حتى نوادي رياضية أو جمعيات خيرية وتشكيل خلايا نائمة تقوم بجمع المعلومات وإنتظار الأوامر.
السفارة الأمريكية والبريطانية كانتا على إتصال منتظم بتنظيم الإخوان المسلمين كما أن ميليشات تنظيم الإخوان المسلمين كانت في مقدمة المواجهة مع التنظيمات الشيوعية في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية والتي رسمت بداية معالم الحرب الباردة. رئيس الوزراء المصري إسماعيل صدقي قام بتمويل جماعة الإخوان المسلمين علنا كما وفر لهم معسكرات لتدريب ميليشياتهم التي سوف يثبت منفعتها فيما بعد في معارك الحكومة لتحجيم نفوذ الحركة الشيوعية المصرية خصوصا أن التنظيم الخاص قد قام وعبر جهازه الأمني بإختراق كافة الأحزاب والتنظيمات الشيوعية والنقابات العمالية وكان يمرر معلومات مفيدة أولا بأول للحكومة المصرية خصوصا حول المنتسبين للأحزاب الشيوعية والنقابات العمالية التي كان للحركة الشيوعية المصرية نفوذ قوي فيها.
وفي سنة 1952 قامت حركة الضباط الأحرار بالإستيلاء على السلطة والقيام بنفي الملك فاروق خارج مصر. الحركة كانت تتشكل من ضباط الجيش من مختلف الإنتمائات خصوصا الشيوعيين, الوفديين, الوطنيين اليساريين وبالتأكيد الإخوان المسلمين حيث كان أنور السادات عضوا في تنظيم الإخوان المسلمين ومسؤول الإتصال بين تنظيم الإخوان المسلمين والضباط الأحرار وتدور الشكوك أيضا حول عضوية الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر في تنظيم الإخوان المسلمين حيث كان هو من قام على تأسيس الضباط الأحرار سنة 1949 إثر حرب 1948 في فلسطين وفضيحة الأسلحة الفاسدة.
" البحث عن الذات " هو عنوان الكتاب الذي يحكي السيرة الذاتية للرئيس المصري السابق أنور السادات حيث مدح السادات فيه حسن البنا وفهمه العميق للإسلام.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

نهاية الجزء الأول