Flag Counter

Flag Counter

Sunday, January 4, 2015

التضخم المفرط وتأثيره على الإقتصاد الألماني في فترة مابعد الحرب العالمية الأولى

ينقل عن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون[مارس١٩١٣-مارس١٩٢٢] قوله: أنه (لايوجد أي جزء من الولايات المتحدة حيث لا يعلم أي شخص أن المصالح الخاصة هي التي كانت تدير الحكومة).
أول جولة من المضاربة على أسعار صرف العملات بين الدول المختلفة بدأت فعليا سنة ١٩٢١ في أعقاب الحرب العالمية الثانية ومعاهدة فرساي وإنتهت سنة ١٩٣٦. ألمانيا إستقبلت عام ١٩٢١ بتضخم مفرط تم التخطيط له لتحسين التنافسية إلى أن أدى الإستمرار به لفترة مطولة لتحطيم الإقتصاد الألماني المثقل بأعباء تعويضات الحرب ومعاهدة فرساي. وفي سنة ١٩٢٥ قامت فرنسا بتخفيض قيمة الفرنك الفرنسي قبل العودة للمعيار الذهبي الكلاسيكي مما أكسبها تنافسية مقارنة ببلدان مثل إنجلترا والولايات المتحدة التي عادت للعمل بنوع من المعيار الذهبي الكلاسيكي بأسعار ماقبل الحرب العالمية الأولى. إنجلترا إنسحبت من نادي الغطاء الذهبي الكلاسيكي نهائيا سنة ١٩٣١ مما أدى إلى إكتسابها ميزة تنافسية مقارنة بفرنسا. ألمانيا إنتعشت إثر قرار الرئيس الأمريكي هربرت هوفر[١٩٢٩-١٩٣٣] بتعليق العمل بتعويضات الحرب التي يتوجب على ألمانيا دفعها بموجب معاهدة فرساي والذي تحول لقرار رسمي إثر المؤتمر الذي تم عقده في مدينة لوزان السويسرية سنة ١٩٣٢. الولايات المتحدة قامت سنة ١٩٣٣ بتخفيض قيمة الدولار أمام الذهب أملا بالخروج من أزمة الكساد التي تسبب بها إنهيار الأسهم والبورصة في وول ستريت أو مايعرف بالإثنين الأسود سنة ١٩٢٩, مما أدى إلى إكساب صادراتها ميزة تنافسية في مواجهة إنجلترا إثر تخفيضها قيمة الإسترليني سنة ١٩٣١. وأخير قامت فرنسا وإنجلترا بتخفيض قيمة عملتهما مرة أخرى سنة ١٩٣٦, ففرنسا قامت بتعويم عملتها وفكت إرتباطها مع سعر الذهب, وإنجلترا قامت بخطوتها من أجل الخروج من أسوأ أزمة كساد إقتصادي ولإكتساب ميزة تنافسية أمام الولايات المتحدة وخصوصا إثر قرار بنك الإحتياطي الفيدرالي بتخفيض قيمة الدولار.
القصة بدأت سنة ١٩٢١ حين قام البنك المركزي الألماني المعروف بإسم(رايشسبانك-Reichsbank) بعدة إجرائات تهدف إلى تخفيض حاد في قيمة العملة الألمانية-المارك وذالك بواسطة طباعة كميات هائلة من النقود الورقية بدون أن يوجد مايعادل قيمتها من الذهب مما أدى إلى تضخم مفرط(Hyperinflation). الإجرائات التي إتبعها الرايشبانك كانت عبارة عن شراء سندات حكومية مقابل أموال نقدية كانت تستخدمها الحكومة في تمويل عجز الميزانية والإنفاق الحكومي مما أدى إلى واحدة من أسوأ موجات التضخم في الدول المتقدمة. الهدف الرئيسي هو زيادة قدرة ألمانيا على الوفاء بإلتزاماتها عبر زيادة الصادرات وتخفيض القيمة الفعلية للتعويضات عبر تصدير التضخم في قيمة المارك الألماني لدول بعينها قامت بفرض شروط تعويضات الحرب على ألمانيا.
المشكلة التي واجهها البنك المركزي الألماني هي أن تعويضات الحرب العالمية الأولى المترتبة على ألمانيا كانت مرتبطة بقيمة مايعرف بالمارك الذهبي والنسبة المئوية من الصادرات الألمانية وهو مايبقي التعويضات بعيدة عن تأثيرات التضخم في قيمة المارك الألماني حيث أنه من شروط المعاهدة أن تكون التعويضات بمايعادل قيمتها ذهبا أو عملات بإستثناء المارك الألماني.
التضخم الذي بدأت تلوح ملامحة سنة ١٩٢١ لم يكن يعتبر تهديدا للإقتصادي في بدايته بل كان يعتبر مجرد إرتفاع عادي للأسعار كما أن موجودات البنوك الألمانية كانت تعادل تقريبا إلتزاماتها مما يعني أن أرصدتها مؤمنة ضد الأزمات الإقتصادية. أثار التضخم لم تكن سلبية بالنسبة للجميع فقد كانت هناك شركات عليها ديون تبخرت قيمتها مع التضخم كما أن الكثير من الشركات الألمانية كانت لها فروع خارجية تدر على الشركة الأم عملة صعبة مما أدى إلى تجنيبها الأسوأ في تلك الموجة من التضخم المفرط فحافظت على كينونتها وإستمراريتها.
أكبر المتضررين من أزمة التضخم في ألمانيا كانت الفئة الوسطى وأصحاب معاشات التقاعد من غير المؤهلين لأي زيادة مرتبطة بالتضخم وكذالك من كانوا يدخرون أموالهم بالبنوك وليس لهم عمليات مالية أو حسابات بالعملة الصعبة خارج ألمانيا.
بحلول سنة ١٩٢٢, تحول التضخم إلى مايسمى التضخم المفرط حيث توقفت محاولات البنك المركزي الألماني من السيطرة على تفاقم المشكلة وبدأ بطبع النقود بكميات كبيرة لسد النفقات الحكومية وزيادات الأجور التي تطالب بها النقابات العمالية. وقد تفاقمت الأزمة لدرجة أن البنك المركزي الألماني قد قام بالتعاقد مع شركات خاصة لطبع النقود ولجان مهمتها الحصول على الحبر والمواد اللازمة لطباعة النقود بأي طريقة لدرجة الطباعة على وجه واحد للورقة النقدية لتوفير الحبر.
في سنة ١٩٢٣ ومع إستمرار إنهيار الإقتصاد الألماني وعجز ألمانيا عن الوفاء بتعويضات الحرب, فقد قامت كل من فرنسا وبلجيكا بإحتلال منطقة وادي الرور(Ruhr) لتأمين حقوقهما من التعويضات عن طريق الصادرات من البضائع والفحم. ردة فعل العمال الألمان تمثلت بإبطاء الإنتاج وعمليات تخريب حيث قامت الحكومة الألمانية بطبع المزيد من النقود لتسديد مكافئات وحوافز لتشجيع العمال على المزيد من تلك الأعمال.
وفي نفس السنة فقد تم تداول عملة جديدة هي رينتينمارك(Rentenmark) وكان غطائها مدعوما بقروض التسليف العقاري والضرائب العقارية ولكنها كانت حلا مؤقتا حيث تم إستبدالها سنة ١٩٢٤بعملة جديدة هي ريتشسمارك(Reichsmark) مدعوما بغطاء ذهبي ولكن ليس قبل أن يصل سعر صرف الرينتينمارك(Rentenmark) مقابل (Mark) إلى ١ رينتيمارك: مليون مارك حيث إنتهت عملة المارك الألماني وقتها في سلة المهملات ومجاري الصرف الصحي لأنها أصبحت بلا قيمة.
التضخم المفرط الذي حل بألمانيا كانت له عدة فوائد من الناحية السياسية والإقتصادية. أولا; توحيد الشعب الألماني حول رفض التدخل الأجنبي. ثانيا; إيجاد ذريعة لإعادة التسليح بسبب التدخل الفرنسي والبلجيكي في منطقة وادي الرور(Ruhr). ثالثا; خلق حالة من التعاطف من جانب الولايات المتحدة وإنجلترا بسبب إنهيار الإقتصاد الألماني على الرغم من أن قيمة التعويضات لم تكن مرتبطة بسعر صرف المارك ولكن المزاعم الألمانية بخصوص التضخم المفرط ألقت باللوم تعويضات الحرب سببا لذالك. رابعا; الشركات الألمانية والمؤسسات التجارية التي كانت تحتفظ بأصول مالية خارج ألمانيا بعملات أخرى أو كان لها عمليات ومكاتب خارجية قد خرجت أقوى بسبب قدرتها على شراء شركات وأعمال تجارية منهارة داخل ألمانيا وبالعملة الصعبة لو شائت كما أن ديونها الخارجية قد أصبحت غير ذات قيمة بسبب إنهيار العملة الألمانية والتضخم المفرط.
ألمانيا تخلت لاحقا عن موضوع الغطاء الذهبي للعملة في زمن السلم وليس الحرب بل ويجادل البعض أن التضخم المفرط الذي عانت منه ألمانيا كان مقصودا ولأهداف سياسية, ولكن ذالك ليس المهم بل أن ماجرى في ألمانيا خلال تلك الفترة كان درسا لدول صناعية أخرى أن إقتصادا قائما على عملة ورقية تم تعويمها, قادر في أي لحظة على إتخاذ إجرائات لتخفيض قيمة تلك العملة لتحقيق أهداف سياسية بحتة. تلك المرحلة أثبتت أن الدول من الممكن أن تخرج من مرحلة التضخم المفرط متجنة أغلب الأثار السلبية في حال توفرت لديها العناصر الضرورية لذالك وهي الموارد الطبيعية, العمالة المدربة, الأصول الثابتة والأهم الذهب. خلال فترة لم تتجاوز خمسة سنين على إنتهاء مرحلة التضخم المفرط سنة 1924, حققت الصناعة الألمانية قفزة كبيرة وتفوقت في نموها على دول مثل الولايات المتحدة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

No comments:

Post a Comment