Flag Counter

Flag Counter

Sunday, January 17, 2016

بين الأرجنتين واليونان...عشرة سنين من الدروس - الجزء الأول

سنة 2001 تم قبول اليونان في الإتحاد الأوروبي على الرغم من إمتلاكها أحد أكثر الإقتصادات الأقل تنظيما في أوروبا. القبول تم لأهداف سياسية حيث كانت اليونان خلال فترة الحرب الباردة ساحة صراع شرسة بين الرأسمالية الغربية والشيوعية السوفياتية. خلال ثلاثة سنين حقق الإقتصاد اليوناني نموا غير مسبوقا كما أن اليونان إستضافت دورة الألعاب الأولمبية سنة 2004 وفاز فريقها الوطني لكرة القدم لأول مرة في بالبطولة الأوروبية حيث هزم فريق البرتغال في نهائي البطولة.
كانت سنة 1994 مميزة بالنسبة للأرجنتين حيث حق إقتصادها نموا في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 5.8% ونسبة تضخم بلغت 4.2% والتي كانت تعد منخفضة مقارنة بفترات سابقة. الإصلاحات المالية وبرامج الخصخصة التي تمت في تلك الفترة جعلت صندوق النقد الدولي يصنف الأرجنتين كنموذج مثالي للإصلاح الإقتصادي. تلك الصورة المثالية للإقتصاد الأرجنتيني تعد سطحية حيث تخفي أسفلها ميزان تجاري مختل حيث أدى التوسع في الإستيراد إلى خلق فجوة في ميزان المدفوعات وإن تأجل ظهورها بسبب نمو الإقتصاد الأرجنتيني.
الأرجنتين في أوائل سنة 1990 واليونان في اوائل سنة 2000 قد إنضما إلى برنامج تثبيت سعر صرف العملة حيث أدى ذالك إلى إستفادة كل من اليونان والأرجنتين من مناخ إقتصادي عالمي معتدل.
أثناء رئاسة كارلوس منعم للأرجنتين في فترة التسعينيات, فقد حقق الإقتصاد الأرجنتيني نموا غير مسبوق بفضل سياسة تحرير الإقتصاد والخصخصة التي إتبعها منعم. أدى ذالك إلى نمو في الصادرات والواردات وخصوصا في مجال الزراعة حيث تعتمد الأرجنتين على الإنتاج الزراعي بنسبة 58% من ناتجها المحلي الإجمالي. المناخ الإقتصادي العالمي المعتدل الذي تمتعت به الأرجنتين في تلك الفترة كان يعني 40% إرتفاع في أسعار المنتوجات الزراعية ويمكن تلخيصها على النحو التالي:
- تعد الأرجنتين في تلك الفترة المنتج الأول لفول الصويا في العالم حيث إرتفع إنتاج فول الصويا والمنتجات المرتبطة به ثلاثة أضعاف لتصل إلى 3 ملايين طن أو ماقيمته 3 مليار دولار أمريكي تقريبا.
- تعد الأرجنتين مسؤولة عن 75% من إنتاج القمح في أمريكا الجنوبية وخامس أكبر مصدر لتلك المادة في العالم بمعدل إنتاج 14.5 مليون طن. كما تعد رابع دولة على مستوى العالم في إنتاج الذرة بمعدل إنتاج بلغ 13.2 مليون طن
- سعر صرف البيزوس الأرجنتيني كان مرتبطا بالدولار الأمريكي والذي كانت قيمته منخفضة خلال فترة التسعينيات مما ساعد الصادرات الأرجنتينية فيما يتعلق بالتنافسية في الأسواق العالمية.
الإقتصاد اليوناني خلال الفترة الممتدة من بداية سنة 2000 كان معتمدا على ثلاثة أنشطة رئيسية وهي السياحة, الشحن والزراعة وفي وقت الحق بعد إنضمامه للإتحاد الأوروبية نما سوق العقارات اليوناني بشكل سريع. من الممكن وصف الإنتعاش الذي تمتعت به القطاعات المذكورة سابقا على النحو التالي:


- السياحة
إنتعشت إثر أحداث سيبتمبر في الولايات المتحدة وإنخفاض السياحة في الكثير من الدول العربية والإسلامية حيث قفز عدد السياح القادمين إلى اليونان من 10 مليون سائح إلى 17 مليون سائح سنويا.


- قطاع الشحن والخدمات المرتبطة به
كان مسؤولا عن ألاف الوظائف ذات الدخل المرتفع وإستفاد كثيرا من نمو الإقتصاد الصيني


- القطاع الزراعي
كان ذالك القطاع مسؤولا عن 12.5% من الوظائف في اليونان مقارنة بدول الإتحاد الأوروبي الأخرى حيث كان لا يتعدى 3.5%


- قطاع العقارات
شهد ذالك القطاع إزدهارا خصوصا مع سياسة سعر الفائدة المخفض لليورو حيث تضاعفت أسعار البيوت بين سنتي 200-2008


لم يتعلم اليونانيون سنة من الأخطاء التي تم إرتكابها سابقا في الأرجنتين سنة 1990 حيث تم توجيه أموال القروض والمنح نحو إستثمارات غير نافعة ولا تخلق فرصا مستقبلية من ناحية الوظائف والعائدات. الأموال التي هبطت على اليونان بعشرات المليارات تم إستخدامها لإرضاء النقابات العمالية ومنح منتسبيها إمتيازات وزيادة في الأجور. كما أنه تم إستخدام تلك الأموال في خلق وظائف غير ضرورية(بطالة مقنعة) وذالك في سبيل كسب أصوات إنتخابية. الإنطباع الواضح لدى المجتمع الإستثماري الدولي كان الثقة بالدولة الأرجنتينية ووعودها وأن الإقتصاد الأرجنتيني قد مر بمرحلة إصلاح جعلته عمليا وفعالا بينما اليونان كان لها قصة أخرى.
هناك الكثير من النقاط المشتركة بين الأرجنتين واليونان والتي أدت الى الكوارث الإقتصادية التي مر بها البلدان ولايزالان يعانيان من نتائجها حتى يومنا هاذا. في السنوات الأولى لربط عملات البلدين بالدولار فقد إستقرت أسعار الصرف في كل من البلدين وإرتفع مستوى الأداء الإقتصادي مما أدى إلى ثقة المستثمرين الباحثين عن الإرباح في الإستثمار بالسندات الحكومية. المشكلة التي كان البلدان يعانيان منها هي أن إرتفاع الأداء الإقتصادي كان أمرا مؤقتا بسبب الحاجة لتحديث ترسانة قوانين تعيق النمو الإقتصادي كما ان الأموال الناتجة من الإستثمارات الأجنبية تم إنفاقها في محاباة الأحزاب والنقابات عن طريق منح المزيد من الوظائف لمنتسبيها والإنفاق على مشاريع بهدف شراء الولائات والأصوات الإنتخابية.
في الفترة الزمنية بين 1996 ونهاية عام 1997 فقد كان بإمكان الحكومة الأرجنتينية أن تحقق فائضا إيجابيا في الميزانية حيث أن نسبة العجز في بداية عام 1998 بلغت 1.6% حيث تعد نسبة منخفضة. وبحلول نهاية تلك السنة فقد إستحقت الأرجنتين لقب أكثر الدول في أمريكا اللاتينية إصدارا للسندات حيث أن الإصلاحات الإقتصادية الشكلية وثقة المستثمرين قد أدت إلى المزيد من تدفق الأموال التي لم يتم توجيهها في مسارها الصحيح.
الحكومة الأرجنتينية كانت تعلم بحجم المشكلة وتخفي ذالك عن أعين العامة والمستثمرين الدوليين حيث كانت الحكومة تتجاهل في بياناتها الإقتصادية العوامل التي تؤدي إلى زيادة مستوى العجز كسندات الديون السيادية وإستحقاقات التقاعد. برنامج الخصخصة الذي قام الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم بتطبيقه كانت على حساب العائدات حيث تم بيع شركات ومصالح حكومية رابحة بأبخس الأسعار مما أدى إلى تراجع المداخيل الحكومية. التحذيرات من إحتمالية إفلاس الحكومة الأرجنتينية وعجزها عن الوفاء بإلتزاماتها بقيت متداولة في الدوائر المغلقة ولم تخرج إلى العلن. في سنة 2001 بدأ سعر سندات الدين السيادي التي تصدرها الحكومة الأرجنتينية بالإنخفاض حيث قام العديد من المستثمرين بجني الأرباح من البيع على المكشوف(Short Positions) لسندات الأسهم التي بحوزتهم لجني الأرباح مما أدى إلى تعقيد المشكلة.
الأرجنتين تم تصنيفها في الفترة بين 1995-2000 على أنها من ضمن إقتصاديات الدول الناشئة والتي تتمتع ببيئة إستثمارية منخفضة المخاطر بينما اليونان في الفترة التي تلت سنة 2002 فهي لم تكن مؤهلة حتى لتصنيفها ضمن إقتصاديات الدول النامية. إنضمام اليونان للعملة الأوروبية الموحدة أثار تسائلات حول كون اليورو يصنف كعملة صعبة ولكن إقتصاديات الدول المنضمة إليه تتفاوت في المستوى. أزمة الرهون العقارية سنة 2007\2008 نتجت عن دمج مستويات مختلفة من القروض العقارية ضمن أداة مالية واحدة وبضمان مايعرف بإسم (CDO-Collateral Damage Obligation) وتقييم مرتفع مضلل من قبل وكالات التصنيف المختصة(Rating Agencies), يتسائل المختصون إن كانت أزمة الرهون العقارية والأزمة المقبلة لليورو ذات جذور مشتركة؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Saturday, January 16, 2016

ماهو تأثير المواد والنكهات المضافة للأطعمة على بلوغ نقطة النشوة(The Bliss point)؟

إن مايطلق عليه (Bliss Point) وهي تعبر عن قمة الشعور باللذة التي يحس بها شخص عند تناوله منتجا معينا بصرف النظر عن القيمة الغذائية لذالك المنتج, محورا رئيسيا للأبحاث التي تجريها شركات صناعة الأغذية. الشركات لن تزيد من نسبة مبيعاتها والمساحة المخصصة لمنتجاتها على أرفف البيع في حالة إحتوت على نسبة من المواد السكرية تكون أقل أو أكثر مما يطلق عليه (Bliss Point). التجارب التي يجريها معهد مونيل على (Bliss Point) تعتمد إطعام أطفال من فئات عمرية مختلفة قد تبدأ بعمر الثلاثة سنين وذالك في محاولة للوصول إلى أكبر درجة من الدقة حيث تعتمد النتائج بدرجة كبيرة على متابعة دقيقة للإنفعالات التي تظهر على وجوه الأطفال لحظة تذوقهم للمنتج.
نحن لا نحتاج لتناول الأطعمة السكرية لنشعر بالطعم الحلو في أفواهنا بل يكفي مثلا تناول البيتزا, البيتزا أو مايعرف بالنشويات المكررة التي يقوم الجسم على تحويلها إلى سكر بواسطة أنزيم أمايليز(Amylase), حيث تعتمد (Bliss Point) على السرعة التي يقوم بها ذالك الإنزيم بعملية التحويل.
في التجارب التي تم إجرائها من قبل علماء معهد مونيل على منتج (Tastykake) تبين أن (Bliss Point) للبالغين هي 24% من السكر وللأطفال والمراهقين تبلغ 36%. الأطفال ينجذبون نحو المنتجات المشبعة بالسكر بشكل أكبر من البالغين. بالنسبة للباحثين المهتمين شركات صناعة الأغذية أصبحت تفرض على الأطفال الكيفية التي يجب أن يكون مذاق الأطعمة التي يتناولونها وليس المسألة غرامهم بالأطعمة السكرية فتلك مسألة فطرية منذ ولادتهم. تلك الشركات تقوم بزيادة كمية السكر والملح في منتجاتها الموجهة للأطفال بشكل متعمد مما يعد إنتهازية تعتمد إستغلال معرفتهم المسبقة بالوظائف الحيوية للأطفال وطبيعة تركيبتهم الجسمانية.
في بداية سنة 1980 فإن شركات صناعة الأغذية أصبحت تحت عدسة المجهرخصوصا من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية(FDA) بخصوص الأطعمة التي تنتجها وتحتوي على نسبة عالية من السكر والمواد الأخرى التي تتم إضافتها(المواد الحافظة - Food Additive). تقرير إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لم يحتوي على توصيات بقوانين مقترحة ولكنه إحتوى على تحذيرات عديدة متعلقة بمسؤولية نسبة السكر والمواد الحافظة العالية في الأطعمة عن تسوس الأسنان وأمراض القلب وأن المستهلكين قد فقدوا السيطرة على تحديد الكمية المناسبة من السكر المستهلك مقارنة بإحتياجاتهم اليومية, أكثر من ثلثي السكر الذي يستهلكه الأمريكيون مصدره الأطعمة المصنعة.
وفي نفس التوقيت الذي صدر فيه تقرير إدارة الغذاء والدواء الأمريكية فإن مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي أحدثوا ضجة بإصدارهم أول تقرير رسمي بالعادات الغذائية السليمة(الحمية) التي يتوجب على الأمريكيين إتباعها حيث إحتوى التقرير على توصيات بالتقليل من نسبة الدهون المشبعة, اللحوم, الكوليسترول وبالتأكيد السكر وإستهلاك المزيد من الخضراوات والفواكه والحبوب.
شركات صناعة الأغذية كانت لها ردة فعل خصوصا شركة كيلوج(Kellogg) وشركة جينرال ميلز(General Mills) قامت بتكوين مجموعة أطلق عليها (Flavor Benefit Committee) والتي طلبت من معهد مونيل إجراء أبحاث تهدف إلى إثبات التأثير الإيجابي للمكملات الغذائية على صحة الإنسان. إن السبب الرئيسي الذي جعل معهد مونيل الخيار المفضل لشركات صناعة الأغذية هو أنه يتلقى تمويلا حكوميا محدودا مما يجعل قيامه بالأبحاث لصالح تلك الشركات مقابل التمويل ينظر إليه كأمر إيجابي. أحد إكتشافات معهد مونيل والذي تحدثت عنه في موضوع سابق له علاقة بجاذبية السكر للأطفال منذ ولادتهم حيث تم إجراء تلك الأبحاث لصالح شركات صناعة الأغذية بفضل التمويل الذي تلقاه المعهد من تلك الشركات, ذالك سمح لتلك الشركات بالتنصل على الأقل من مشكلة بدانة الأطفال بالزعم أن رغبة الأطفال بتناول الأطعمة الحلوة متكونة لديهم بالفطرة, أمر طبيعي وليس مصطنع.
هناك أمر مثير للإهتمام كان علماء معهد مونيل يجرون عليه الأبحاث لمصلحة شركات صناعة الأغذية وهو إن كان إحتواء منتج معين على السكر سوف يتسبب في زيادة الرغبة بتناول الطعام بشكل عام, النتائج التي تم التوصل إليها كانت مثيرة للقلق يمكن تلخيصها بأنه لايكفي أن يكون مذاق الطعام مقبولا بل تعد إضافة السكر أو الدهون أو الملح أمرا أساسيا وليس رفاهية.
شركات إنتاج الأغذية قامت بتحويل بوصلة إهتمامها نحو مجال جديد يعد واعدا وهو المشروبات الغازية التي إرتفعت نسبة إستهلاكها بشكل غير مسبوق وظهر إلى الوجود مادة تدعى تشارميترول(Charmitrol) والتي تعد مرتبطة بأحد ألمع خبراء معهد مونيل يدعى (Michael Tordoff). إن ذالك المنتج يستخدم بشكل رئيسي لتحلية المشروبات الغازية ويعمل بطريقة مزدوجة حيث يؤدي إستخدامه بنسب معينة إلى زيادة الإقبال على الطعام والعكس صحيح.
الأبحاث التي تم إجرائها على الفئران بإستخدام المشروبات الغازية منخفضة السعرات الحرارية والتي دخل في تركيبها مادة السكرين(Saccharine) تسببت في زيادة ملحوظة لوزن الفئران. تجارب مماثلة تم إجرائها على عينات بشرية بإستخدام المشروبات الغازية التي تحتوي على سعرات حرارية عالية ويدخل في تركيبها محلي صناعي يحتوي على نسبة عالية من الفركتوز ويتم تصنيعه من نبات الذرة(High Fructose Corn Syrup) حيث قد يتسبب إستهلاك حتى كميات معتدلة من تلك المشروبات الغازية إلى زيادة في الوزن للذكور والإناث تبلغ 28 رطلا في السنة الواحدة بمعدل إستهلاك يبلغ 40 أوقية(الأوقية=28 غرام) في اليوم الواحد.
إن إمكانية التلاعب بنسبة إستهلاك الفرد للطعام بالزيادة أو النقصان عن طريق التلاعب بنسبة المكملات الغذائية أو المواد الصناعية المضافة كان أحد جوانب المعضلة التي واجهتها شركات تصنيع الأغذية حيث أن بعض نتائج تلك الأبحاث تسربت مما أدى إلى زيادة حدة الإنتقاد من قبل الناشطين والمدافعين عن العادات الغذائية السليمة التي تقوم شركات تصنيع الأغذية على تغييرها بواسطة منتجاتها. جانب أخر للمشكلة هو أن جسم الإنسان لا يستطيع التعامل مع تلك السعرات الحرارية الزائدة نتيجة إستهلاك المشروبات الغازية بنفس الطريقة التي يتم التعامل بها مع السعرات الحرارية التي تدخل للجسم عن طريق الأطعمة الصلبة وأقرب تشبيه هو أنها تتسلل إلى الجسم كحصان طروادة بطريقة لا تمنحك الإحساس بالشبع بل وقد تدفعك لإستهلاك المزيد.
إن نتائج الأبحاث التي يتم إجرائها في معهد مونيل ليست مكتملة حيث أن الكثير من جوانبها يبقى غامضا وذالك له علاقة بالمنافسة بين الشركات أو أن خروج النتائج التي تم التوصل إليها في تلك الأبحاث إلى النور لن يكون في مصلحة تلك الشركات. ولكن من الثابت أن إرتفاع إستهلاك السكر في الأطعمة الصلبة والسائلة أصبح مرتبطا بشكل وثيق بالبدانة والتي تحولت من مجرد مرض إلى إعتبارها وباء. الولايات المتحدة تعد أكثر بلد على المستوى العالمي إبتلي مواطنوه بداء البدانة بمعدل 35% وحيث أن الجهات الحكومية المسؤولة ولمدة ثلاثين سنة تقريبا قامت بإستثناء السكر من التوصيات بحدود إستهلاك يومية معينة في الحمية الغذائية كما فعلت مع الملح والدهون. كما أن نسبة البدانة بين الأطفال إرتفعت في الفترة بين 2006-2008 من 15% إلى 20%. الجهات الحكومية الأمريكية أوصت بعدم إستهلاك أكثر من كمية تعادل 5 ملاعق سكر صغيرة بالنسبة للنساء و9 ملاعق بالنسبة للذكور الذين يمارسون روتينا يوميا يتطلب سعرات حرارية مرتفعة وتلك تعد كمية ضئيلة تعادل كمية السكر الموجودة في نصف علبة كوكاكولا حجم 12 أوقية.
المشكلة أن مسألة تواجد السكر في المنتجات الغذائية ليست مجرد مسألة رفاهية بل تحولت إلى أمر أساسي وإعتماد الشركات على نسب عالية من السكر في منتجاتها حيث تناسب خصائص السكر كمادة الكثير من المنتجات المختلفة ومحاولة إلغاء الإعتماد عليه تشكل خطرا على الصناعات الغذائية بأكملها, بدلا من تقليل إعتمادها على السكر فإن إعتماد تلك الشركات على تلك المادة قد إزداد بطريقة ملحوظة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Wednesday, January 13, 2016

من الألف إلى الياء, كيف تم إنقاذ مشروب (Dr. Pepper) من الإنهيار؟

بمرور تاريخ 17\أكتوبر\2015 فإن مفكرة على شكل دفتر حسابات من 360 صفحة قد تكون عرضت في أحد دور المزادات في ولاية فيرجينيا للمرة الثانية حيث لم يتقدم أحد لشرائها عندما عرضت للمرة الأولى سنة 2009 في أحد دور المزادات في مدينة دالاس بعد تصريحات من قبل مسؤولين لأحد أشهر شركات إنتاج المشروبات الغازية (Dr. Pepper) المنتجة بأن تلك المفكرة لا تحتوي على الوصفة الأصلية .
يتمتع ذالك المنتج بشهرة واسعة دفعت المغني الأشهر جون لينون(John Lennon) إلى شحن عدد كبير من صناديق ذالك المنتج من نيويورك إلى لندن أثناء أحد جولاته الموسيقية بعد نفاذ الكميات التي بحوزته وعدم توفر المنتج في عاصمة الضباب البريطانية. أشهر الفرق الموسيقية مثل (Beach Boys) و (ZZ Top) كانت صناديق (Dr. Pepper) في حلها وترحالها حتى هيلاري كلينتون عندما كانت سيدة أمريكا الأولى فقد كانت تطلب مقدما مجموعة من صناديق ذالك المنتج بغرفتها في الفندق الذي سوف تحل فيه.
إن المذاق الفريد للمنتج والذي يتوسط بين شراب الشعير والكولا أكسبه عددا كبيرا من الزبائن الأوفياء الذين ينتمون لنادي معجبين بالمنتج يدعى(10-2-4) حيث يستمد إسمه من حملة إعلانية سابقة للشركة تحث المستهلكين على شرب ثلاثة علب من المنتج يوميا في الساعة 10صب, 2عص, 4عص. كما أن أعضاء نادي المعجبين يقومون بزيارات دورية لصيدلية صغيرة تقع في مدينة واكو(Waco) التي تقع في ولاية تكساس(Texas) الأمريكية حيث يعمل صيدلي قام بإختراع الوصفة الأصلية سنة 1885.
إن ذالك الوفاء لعدد كبير من المستهلكين للمنتج قد منحه المرتبة الثالثة خلف كوكاكولا وبيبسي حتى سنة 2001 عندما حدث تغير مفاجئ في اللعبة الإعلانية للإستحواذ على المساحة المتوفرة على رفوف العرض في المتاجر الكبرى ومحلات البقالة حيث تم طرح عدد من المنتجات الجديدة بألوان ونكهات مختلفة بشكل مفاجئ من قبل شركتي بيبسي وكوكاكولا مما تسبب بأزمة لمنتج (Dr. Pepper). إن تلك الظاهرة تعرف بإسم خط الإمداد أو خطوط إنتاج(Line Extensions) وهي لاتحل مكان المنتج الأصلي ولكنها مصممة بهدف زيادة المبيعات عن طريق منتجات جديدة مرتبطة بالمنتج الأصلي ومتفرعة عنه.
في بداية سنة 2002 فإن مكانة Dr.Pepper قد بدأت بالتراجع حيث إنخفضت مبيعات الشركة من 15 مليون كرتونة لتصل إلى 708 مليون مقابل إرتفاع مبيعات شركة الكوكاكولا والبيبسي بفضل خطوط الإنتاج الجديدة. في تلك السنة فقد إزدادت مبيعات الكوكاكولا 93 مليون كرتونة جديدة لتصل إلى 4.5 مليار في الولايات المتحدة فقط بينما إزدادت مبيعات شركة البيبسي لتصل إلى 3.2 مليار كرتونة. المشكلة التي واجهتها الشركة هي أنه منذ تأسيسها قبل 115 عاما لم تواجه موقفا مماثلا ولم تقم بإضافة أي خط إنتاج جديد بإستثناء نسخة من المنتج الأصلي بسعرات حرارية منخفضة. إن فكرة إدخال تعديلات على تركيبة المنتج الأصلي كانت فكرة مستبعدة تماما ولكن كل ذالك تغير مع تراجع نسبة المبيعات بدرجة كبيرة وخسارة الشركة لمساحة على أرفف العرض.
كانت سنة 2002 هي التي قررت فيها الشركة تغيير سياستها حيث قامت بتقديم منتج ريد فيوجن(Red Fusion) بنكهة الكرز الأحمر التي تم إختيارها من بين أكثر من 300 نكهة مختلفة. كان من المتوقع أن المنتج الجديد سوف يقوم بإعادة الإعتبار لمبيعات الشركة وإكتساب أسواق جديدة خصوصا بين الأمريكيين من أصول لاتينية والأمريكيين الأفريقيين. المنتج الجديد فشل ليس فقط في إكتساب أسواق جديدة بل خسر بعضا من زبائنه التقليديين رغم الجهود الدعائية الجبارة التي تم بذلها وذالك بسبب طعمه السيئ. الشركة من ناحيتها حاولت تجريب منتجات جديدة لضمها لخطوط إنتاج الشركة ولكن تجاربها فشلت في إجتياز حتى إختبارات التذوق التي تجريها الشركة على عينات مختلفة من المستهلكين ولم يصل أي منها لمرحلة الإنتاج.
وفي سنة 2004 قررت الشركة طلب المساعدة من خارج الشركة ووقع إختيارها على هاورد موسكويتز(Howard Moskowitz) والذي كان يدير مكتبا إستشاريا في نيويورك ويعد من أشهر المستشارين في مجال صناعة الأغذية والذين نجحوا في بناء سمعة متميزة بفضل قدرتهم على الإنجاز.  قائمة زبائنه تحتوي كبار أسماء شركات الأغذية والمشروبات الغازية مثل بيبسيكو(PipsiCo), حساء كامبيل(Campbell Soup), كرافت(Kraft) وشركة الأغذية العامة(General Foods).
إن الدعاية والترويج في مجال صناعة الأغذية يتطلب مهارات خاصة لأن المساحات المتوفرة على أرفف العرض في المتاجر محدودة كما أن الأعباء المالية المترتبة على المتاجر الكبرى تزيد بزيادة الشهرة والمساحة حيث تعد من أكثر الأملاك العقارية تكلفة هي تلك التي تقام عليها كبريات متاجر وأسواق المواد الغذائية والبيع بالتجزئة. إن أكثر مساحات العرض قيمة تلك التي تحتلها الأرفف التي تقع على مستوى النظر وبالتالي تلفت البضاعة التي تعرض فيها نظر الزبون أكثر من غيرها التي تقع في الرفوف السفلية وفي متاجر قد تعرض أكثير من 60 ألف صنف مختلف فإن المنافسة على تلك المساحة تعد على أشدها.
شركات تصنيع الإغذية تقوم في حال إحساسها بالمنافسة أو إنخفاض نسبة المبيعات بطرح خطوط إنتاج جديدة أو بتغيير طريقة التعبئة أو التغليف ولكن (Howard Moskowitz) لم يكن من أتباع تلك الطرق التقليدية بل كان يركز على التلاعب بثلاثة أمور أساسية مختلفة تدخل في تركيب المنتجات الغذائية وهي السكر, الملح والدهون مستهدفا الوصول إلى مايعرف بلحظة النشوة. إن العمل الذي كان يقوم به متعلق بالإجابة على نوعية أسئلة من مثل لماذا نشعر بالرغبة في تناول الشوكولاتة؟ وماهي الأسباب التي تدفعنا لذالك؟
الحملة الإعلانية الناجحة التي تم تنفيذها بدأت بتعليق لافتات في محلات ومتاجر الأغذية والإعلان عن الرغبة بإختيار مجموعة من الأشخاص لإجراء إختبارات تذوق حيث تم التركيز على إختيار أشخاص ممن يستهلكون المنتج منذ سنوات وبإنتظام. المحصلة كانت 415 شخصا موزعين على أربعة مدن رئيسية هي لوس أنجيلوس, دالاس, شيكاغو وفيلاديلفيا حيث تم التركيز على ذوي الأصول اللاتينية والأفريقية, نصفهم من الرجال وأعمارهم تراوحت بين 18-49 عاما.
شركة كادبري(Cadbury) والتي كانت تمتلك في ذالك الوقت حقوق إنتاج (Dr. Pepper) كانت ترغب في إضافة نكهة الكرز والفانيلا إلى النكهة الأصلية للمنتج التي أشتهر بها فكان هناك ثلاثة نكهات لابد من التلاعب بها وهي: الكرز, الفانيلا, خلاصة نكهة(Dr. Pepper) والتي من المفترض أن المعادلة الدقيقة لمكوناتها ماتزال مجهولة حتى هذه اللحظة.
الإختبارات بدأت في أربعة مدن بالتزامن بتاريخ يوليو 12\2004 بأن يأخذ المتطوعون رشفة من عينة لكل منتج مقترح طرحه في الأسواق وأخذ إستراحة خمسة دقائق بين كل رشفة وأخرى من أجل التحضير لتذوق عينة من منتج أخر. في كل إختبار على عينة لمنتج معين كان على المتطوعين الإجابة على صفحة تتضمن مجموعة من الأسئلة متعلقة بدرجة إعجابهم بالمنتج(0-100), مدى قوة النكهة, جودة المنتج والأهم هو عن مدى رغبتهم في شراء المنتج الذي يتذوقونه. إذا حصلت عينة لمنتج معين على درجة تبلغ 60% أو تزيد فإن هناك فرصة لذالك المنتج لطرحه في الأسواق. إن 14 عينة من مجمل العيناتت التي بلغ عددها 61 حصلت في الإختبارات على 61%, عينتين 67% وعينتين على 70%. قام Moskowitz بجمع نتائج إختباراته في تقرير بلغت عدد صفحاته 135 صفحة شمل كما كبيرا من المعلومات منها بالإضافة إلى ماذكر سابقا من نتائج الإختبارات معلومات متعلقة بتفاعل المتطوعين مع الشكل الخارجي للعلبة التي تحتوي المنتج بل واللون الذي يتخذه نفس المنتج.
وبعد أربعة أشهر من الإختبارات والتجارب التي قام بها (Howard Moskowitz) وفريق عمل من العلماء والمختصين على 61 نكهة مختلفة وإجراء 3904 إختبار تذوق من قبل طيف واسع من المستهلكين, فقد تم الإعلان عن منتج (Cherry Vanilla Dr. Pepper) والذي طرح في الأسواق سنة 2004 حيث حقق المنتج نجاحا باهرا وبلغت القيمة السوقية لأسهم الشركة الأم(Dr. Pepper Snapple Group) بحلول سنة 2008 11 مليار دولار.
إن التعاون بين شركة Cadbury و Howard Moskowitz يعد أحد أوضح الأمثلة في عالم صناعة الأغذية والمشروبات الغازية على الطريقة العلمية الواجب إتباعها عند محاولة إنتشال منتج معين أو شركة صناعة أغذية معينة من الفشل وربما الإفلاس ولكن ذالك ليس نهاية القصة فكل سنة هناك عدد كبير من المنتجات الجديدة التي يتم طرحها في الأسواق يقابلها بقاء المساحة المتوفرة في أرفف العرض تقريبا بدون زيادة. إن قصة إنقاذ منتج Dr. Pepper  ليس نهاية المنافسة بل بدايتها فهناك شركات المشروبات الغازية الأخرى منها بيبسي وكوكاكولا لن تبقى صامتة على خسارتها مساحة في أرفف العرض وسوف ترد بالمثل, حملة إعلانية وخطوط منتجات جديدة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Sunday, January 10, 2016

الفوضى وسيناريوهات الإنهيار الإقتصادي القادم

في حال فشل جميع السيناريوهات التي يقترحها المختصون لإنقاذ الوضع الكارثي الذي وصل إليه الإقتصاد العالمي فسوف يكون الحل هو فوضى إقتصادية ومالية سوف تتجاوز جميع الإنهيارات الإقتصادية السابقة. وكما أن حادثة إحراق البوعزيزي نفسه في تونس كانت الشرارة التي تم إستغلالها لإخفاء مايسمى الربيع العربي الذي إنتشرت شرارته من تونس إلى مجموعة بلدان أخرى, وكما كانت حادثة إنهيار بنك ليمان برثرز الشرارة التي شهدت أسوأ إنهيار إقتصادي كان الأسواء حتى تاريخه, فما هو العامل المحفز الذي سوف يكون السبب في الإنهيار الإقتصادي القادم الذي سوف يكون له تأثير كارثي سوف يجعل كافة الإنهيارات السابقة عبر التاريخ في حجمها مقارنة بالإنهيار القادم تكاد لا تذكر.
قد يكون العامل المحفز لإنهيار الدولار مثلا إمتناع الصين والتي تعد أكبر مستثمر في سندات الدين التي تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية عن المشاركة في مزاد يقام لشراء تلك السندات مما قد يعني فقدان الثقة بالدولار من أكبر دولة تعد مستثمرة فيه.
هناك سيناريو أخر قد يكون قرار بنك الإحتياطي الفيدراليي الأمريكي برفع مستوى الفائدة مما يعني إرتفاع كلفة خدمة الدين في الولايات المتحدة وكساد إقتصادي عالمي بسبب إنخفاض مستوى السيولة اللازمة لتمويل المشاريع على مستوى العالم.
هناك سيناريو مماثل ولكنه هذه المرة سوف يكون مسرحه أوروبيا مثل فشل مزاد على سندات الدين في بلد مثل إسبانيا أو حتى اليونان حيث سوف تقوم الحكومة اليونانية بطرح سندات دين حكومية لن تجد قبولا بين المستثمرين والممولين الدوليين الذي سوف يفقدون الثقة بقدرة اليونان على السداد وبقدرة الإتحاد الأوروبي على إنتشال اليونان من براثن إرتفاع مستوى دينها الحكومي السيادي. دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا سوف تحاول إنقاذ سمعة اليورو بحزمة إنقاذ إقتصادية مقابل شروط قاسية تفرضها على اليونان أو إسبانيا أو أي بلد أخر بأمس الحاجة للسيولة. تلك الإجرائات والشروط القاسية والتي قد تشمل تسريح أعداد كبيرة من الموظفين الحكوميين وزيادة الضرائب وخصوصا على الحسابات البنكية التي تزيد المبالغ المودعة فيها عن مبلغ محدد كما حصل في قبرص وتقليص معاشات التقاعد وإمتيازات المتقاعدين مما سوف يتسبب بإضطرابات لن تقتصر على بلد واحد بل سوف تشمل القارة الأوروبية.
إنسحاب بريطانيا من الإتحاد الأوروبي قد يكون عامل إرتكاز للأزمة القادمة حيث يشير الكثير من المختصين إلى إعتبار بريطانيا حصان طروادة في الإتحاد الأوروبي حيث قد يؤدي إنسحاب أي بلد منه كبريطانيا أو طردها منه كاليونان إلى بداية أزمة وإنهيار للعملة الأوروبية الموحدة(اليورو) والذي سوف يكون كنطفة الثلج التي سوف تتسبب ببداية إنهيار ثلجي على مستوى كبير سوف يجرف كل مافي طريقه.
الرئيس الأمريكي سوف يتخذ قرارات عاجلة مماثلة لتلك التي إتخذها الرئيس السابق ريتشارد نيكسون سنة 1971 وهي فرض ضريبة 10% على كافة الواردات الأجنبية للولايات المتحدة ومصادرة الذهب العائد للبلدان الأجنبية والذي تم إيداعه في حوزة الحكومة الأمريكية بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى والثانية والتعويض لتلك البلدان بدولارات مطبوعة حديثا وبسعر تحدده الحكومة الأمريكية للأونصة. السعر المقترح هو في مدى 3500 دولار - 7500 دولار للأونصة من الذهب للتغطية على الكتلة المالية المتضخمة للدولار في الأسواق العالمية. هناك دول عديدة بالفعل قد بدأت منذ فترة ليست بالبسيطة في المطالبة بذهبها المودع لدى الحكومة الأمريكية وخصوصا فنزويلا وفرنسا التي إستردت كميات معتبرة من سبائكها الذهبية.
الرئيس الأمريكي قد يقوم بتفعيل قانون (IEEPA - International Economy Emergency Economic Powers Act) وهو القانون الذي أصدره الرئيس الأمريكي جيمي كارتر سنة 1977 لمواجهة إحدى أسوأ الأزمات الإقتصادية التي عانى منها الإقتصاد الأمريكي وهو مماثل لقانون أصدره سنة 1917 الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت وهو قانون(Trading with the Enemy Act) ويفرض فيه عقوبات على الهيئات والمؤسسات والأشخاص الذي يتاجرون مع دول تعتبر عدوة للولايات المتحدة خصوصا ألمانيا القيصرية.
هناك شرطين أساسيين من الواجب توفرهما لتفعيل قانون (IEEPA). الشرط الأول هو تهديد خارجي تتعرض له الولايات المتحدة والثاني هو موافقة الكونجرس الأمريكي على الرغم من أنها تعد موافقة شكلية حيث يمتلك الرئيس الأمريكي صلاحيات تكاد تكون مطلقة للتصرف في مثل تلك الحالات.
الرئيس الأمريكي سوف يطل من خلال القنوات التلفزيون في أوقات الذروة حيث تتم إذاعة برنامج تلفزيوني شهير حيث سوف يتم قطع بث البرنامج بطريقة دراماتيكية ليطل الرئيس الأمريكي ليعلن عن إتخاذ مجموعة من الإجرائات بشكل عاجل وفوري. تلك الإجرائات سوف تشمل التالي:
  • تعيين لجنة مؤلفة من كبار مساعدي الرئيس الأمريكي المختصين بالشؤون الإقتصادية والمالية ومن كبار رجال المال والأعمال في وول ستريت وكبار مدراء البنوك للنظر في حلول للأزمة الإقتصادية ومحاولة إنقاذ الإقتصاد مايمكن إنقاذه.
  • مصادرة جميع الإحتياطيات الذهبية المملوكة من قبل بنوك وحكومات أجنبية ونقلها لحوزة وزارة الخزانة الأمريكية على أن يتم تعويض أصحابها في وقت لاحق ووفق معايير تقررها حكومة الولايات المتحدة.
  • سوف يتم تعليق جميع المدفوعات المترتبة على حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لجهات أجنبية والمحفوظة من قبل بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي في سجلاته الإلكترونية ويتم منح الجهات المالكة لتلك المدفوعات عائدات عبارة عن فوائد يتم تقريرها من قبل اللجان المسؤولة التي يعينها الرئيس الأمريكي.
  • يتم إلزام جميع الجهات مثل صناديق الإحتياط والبنوك المركزية والممولين والمستثمرين المالكة لسندات الدين الحكومية التي تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية بالإحتفاظ بسجل بتلك الإستحقاقات بقيمتها عند إعلان الرئيس الأمريكي حتى موعد إستحقاقها.
  • المؤسسات المالية والإقتصادية الأمريكية سوف تقوم وبالتنسيق مع بنلك الإحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة بشراء جميع إصدارات سندات الدين الحكومية الأمريكية لضمان توفير السيولة ومحاولة إنقاذ الوضع الإقتصادي المنهار.
  • أسواق البورصات والأسهم سوف يتم إغلاقها ولن يعاد إفتتاحها حتى إتخاذ قرار من اللجنة المختصة والتي شكلها الرئيس الأمريكي إثر خطابه التلفزيوني.
  • جميع صادرات الذهب من الولايات المتحدة سوف يتم تعليقها حتى إشعار أخر.
  • سوف يتم منع المؤسسات والأشخاص في الولايات المتحدة من الإحتفاظ بأي كمية من الذهب تتجاوز الكمية التي يتم الإعلان عنها مع بعض الإستثنائات مثل أطباء الأسنان ومن تتطلب طبيعة عملهم التعامل بكميات معينة من الذهب بشكل يومي كأطباء الأسنان. إن القرار التنفيذي رقم 6102 الذي أصدره الرئيس الأمريكي فرنكلين روزفلت سنة 1933 ويحظر على الأفراد والمؤسسات تحت طائلة عقوبات مشددة إختزال أي كمية من الذهب تتجاوز 5 أونصات بما يعادل 100 دولار بسعر 20 دولار للأونصة في ذالك الوقت يعد الأقرب لما سوف يصدر إلى الإنهيار الإقتصادي القادم.

إن تلك الإجرائات الإقتصادية التي سوف يتم إتخاذها بشكل عاجل قد تنجح في وقف الإنهيار بشكل مؤقت ولكنها لن تمنعه إن لم يتم إتخاذ حزمة إجرائات أخرى أحدها متعلق بتفعيل قانون(جلاس-سيجال) والذي أصدره الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت سنة 1933 إثر أزمة الكساد العظيم والمتعلق بالفصل بين البنوك التجارية والإستثمارية والذي تم إلغائه في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون. إن تنظيم الأدوات المالية كالعقود المستقبلية والمشتقات والتجارة الإلكترونية في البورصات والأسهم سوف يكون أحد تلك الإجرائات الواجب إتخاذها ضمن أجندات إصلاح النظام المالي والإقتصادي في الولايات المتحدة الذي تضخم لدرجة أن أي ضعف يصيبه فلن يقتصر التأثير على الولايات المتحدة بل على العالم بأجمعه فكيف إذا كان إنهيارا إقتصاديا يتجاوز في حجمه وخسائره المالية أي كارثة إقتصادية ومالية سبقته؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Thursday, January 7, 2016

كم دونالد ترامب نحتاج حتى نعترف بأن الإنسان هو عدو نفسه؟

التصنيف العرقي للجرائم قد يدخل ضمن نطاق العنصرية وتلك نقطة يتخوف منها الكثير من المسؤولين الأوروبيين ولكنه لايمكن تجاهل الإحصائيات التي تذكر تزايد الجرائم التي يرتكبها المسلمون في الدول الأوروبية خصوصا بريطانيا, فرنسا وألمانيا حيث فشلت السياسات المتبعة لإدماج المهاجرين في المجتمعات الغربية حيث يعانون من البطالة, التمييز في فرص العمل, التهميش والعيش في أحياء عربية مغلقة عليهم بقرب بعضهم البعض لإفتقارهم الإحساس بالأمان. لايمكن إلقاء كل اللوم على المهاجرين فالحكومات وبيروقراطيتها وأجهزة الإعلام الغربية تلعب دورا حيث ان كثيرا من المهاجرين هم أصحاب كفائات علمية ترفض تلك البيروقراطية الإعتراف بشهاداتهم أو منحهم فرصة في إختبار لكفائتهم أو إمتحان معادلة كما في بعض الدول فيجدون أنفسهم في وظائف هامشية ويتولد لديهم نوع من الإحساس بالدونية لعجزهم عن مجاراة المجتمع الذي يولدون فيه مما يؤدي في الكثير من الأحيان لإنتقال تلك العقدة لأطفالهم.
في الكثير من الأحيان يتولد من ذالك الشعور وخصوصا لدى الجيل الثاني(الأبناء) من المهاجرين أعمال عنف نتيجة تفاقم الإحساس بالدونية والإحباط وعجزهم عن إيجاد مخرج أو متنفس كأحداث إضطرابات سنة 2005 في فرنسا والتي بدأت بتاريخ 27\أكتوبر\2005 في منطقة Clichy-sous-Bois وإمتدت إلى أنحاء أخرى من فرنسا. السبب الرئيسي للأحداث هو وفاة ثلاثة شباب صعقا بالكهرباء إختبئوا في محطة لتوليد الطاقة الكهربائية قرب محول للكهرباء حيث فروا من دورية للشرطة الفرنسية قدمت للتحقيق في بلاغ عن دخول غير قانوني لأحد مواقع البناء.
قد لايكون للشرطة الفرنسية أي ذنب حيث أنها لم تلاحق أولئك الشبان بل قبضت على ستة شبان أخرين وكانت تحقق معهم في مركز الشرطة حيث حصل إنقطاع للكهرباء وتم إكتشاف وفاة الشبان الثلاثة لاحقا قرب المحول الكهربائي. الإضطرابات التي بدأت بوفاة الشبان الثلاثة وإستمرت ثلاثة أسابيع وشارك فيها بشكل رئيسي شبان مسلمون من أصول أفريقية ومن المغرب العربي وأعلنت فيها حالة الطوارئ زادها إشتعالا الإشاعات يضاف إليها إحتقانات متراكمة بخصوص البطالة ومضايقات الشرطة للأحياء الفقيرة في العاصمة الفرنسية.
يتسائل الكثيرون إن كانت مبادئ الإنفتاح والحرية والديمقراطية سوف تنجح في إنتشال العالم العربي من بؤسه إن كان العرب أو المسلمون إن رغبنا أن نكون أكثر تحديدا يقومون بتخريب ونخر نفس تلك المبادئ في أوروبا؟ إن من تناقضات المسلمين برأي الشخصي وأتفق مع من قال أنهم يصوتون للدولة الإسلامية ثم يذهبون للعيش في الدولة العلمانية, إنفصام شخصية مزمن. دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا تأسست بمجتمعات متجانسة وقامت بوضع دساتيرها ومؤسساتها بنجاح ثم إنتقلت إلى كونها مجتمعات متعددة الثقافات وذالك تم خطوة بخطوة وعلى مدى مئات السنين بينما أوروبا على العكس تماما. في بعض المدن الأوروبية نسبة السكان المسلمين 40% وفي بعض الدول 50% من الولادات تكون لأسر مسلمة وحين يتكلم البعض عن بلد متعدد الثقافات يضحك البعض الأخر لانهم الموجود هو ثقافتان او حضارتان لم ولن تتعايشان تاريخيا بدون صراع تخف أو تزداد درجة حدته لإرتباطع بمجموعة عوامل منها تاريخية أو إقتصادية أو سياسية. المجتمعات ثنائية الثقافات هي الأقل إستقرارا حيث لايوجد تعريف واضح من هم الأقلية ومن هم الأكثرية وحيث هناك فئة من الشبان اليافعين تقابلها فئة من كبار السن.
لماذا نذهب بعيدا في تحليلاتنا؟ جمهورية جزر فيجي والتي كانت في السابق مستعمرة بريطانية حيث تتكون تركيبتها السكانية من 46% سكان أصليين( الميلانيزين والبولينيزين) و48% من الهنود الذين جلبهم الإستعمارالبريطاني أثناء سيطرته على الجزر والباقي أقليات أخرى منها المسلمون حيث يكاد ينعدم التزاوج المختلط إلا فيما ندر. في سنة 1987 تولت أول حكومة بأغلبية وزراء من أصل هندي الحكم فقام أحد جنرالات الجيش بأول إنقلاباته حيث شهدت فيجي أربعة إنقلابات, إنقلابان سنة 1987, إنقلاب سنة 2000 وإنقلاب أخر سنة 2006. حتى في أكثر البلدان الثنائية الهوية(الثقافة) والتي تعد مستقرة إلى نوع ما هناك نوع من القبائلية السياسية في أيرلندا وفي كويبك الكندية. والسؤال هو عن إحتمالية سيناريو مماثل في فرنسا أو حتى ألمانيا في إنتخابات سنة 2020 على سبيل المثال خصوصا مع تدفق مئات الألاف من اللاجئين المسلمين أغلبهم من صغار السن؟
بدايات الإضطراب السياسي والصراع الثقافي\الحضاري بدأت بوادره واضحة للعيان منذ هذه اللحظة. خلاف أوروبي\أوروبي حول حصص اللاجئين والسياسة الواجب إتباعها تجاههم. الرئيس التشيكي يصف موجة اللاجئين بالغزو المنظم ويتهم تنظيم الإخوان المسلمين بغزو أوروبا. دول ترفض حصص اللاجئين بينما تستقبل لاجئين مسيحيين في الوقت نفسه. مظاهرات معادية في كل من كورسيكا تطالب بطرد اللاجئين وهجمات على مراكز اللجوء في عدة بلدان منها ألمانيا. بروز بوادر صراع بين اللاجئين أنفسهم خصوصا بين العرب والأفغان ومن في صفهم. المستشارة الألمانية تطالب اللاجئين بسرعة الإندماج في المجتمع ودخول سوق العمل. ألف شخص ذور ملامح شرق أوسطية من اللاجئين في حالة ثمالة يقتحمون ساحة الإحتفال بعيد الميلاد في مدينة كولونيا الألمانية ويتحرشون بالنساء ومحاولات إغتصاب وخطف لبعضهم. رئيس وزراء المجر يقترح تشكيل جيش من اللاجئين لتحرير بلادهم من التطرف والإرهاب بدلا من الجلوس بلا عمل والتسكع في المقاهي.
الفاشية الإسلامية والتي هي مزيج من المبادئ الإسلامية ونظرية الحكم الشمولية الأوروبية والتي تنص على الحكم بالحق الإلهي هي مايقلق معاهد الأبحاث الغربية ودوائر صنع القرار. تلك الفاشية الإسلامية تقوم على إستبعاد الأخر وعدم إستيعابه وترفض أي مشاركة بالسلطة ولا تمانع من إستخدام العنف ضد خصومها وتستلهم بشكل رئيسي مبادئ حزب الإخوان المسلمين ومنظرهم سيد قطب حيث كانت ميليشيات إخوانية تعرف بإسم التنظيم الخاص تقوم وبأوامر من حسن البنا  بإغتيال خصوم الإخوان المسلمين في مصر خصوصا من القضاة والسياسيين.
في سنة 2001 قام مهاجر مغاربي مسلم يدعى عزيدين بركاني(Azedine Berkane) بمحاولة إغتيال أول عمدة مثلي الجنس يتم إنتخابه لرئاسة بلدية باريس وذالك خلال أمسية إحتفالية مفتوحة في منشئات باريس ورموزها الثقافية كمتحف اللوفر وحتى دار البلدية بدون حواجز تفتيش أو إجرائات امن.
الحادث لم يتم تصنيفه على أنه إرهابي بل مجرد مسلم يكره مثليي الجنس كما في حوادث إطلاق نار في المدارس والجامعات والمنشئات العامة خصوصا في الولايات المتحدة والتي يرتكبها أشخاص من غير المسلمين ولا يتم تصنيفها على أنها جرائم إرتكبها مسيحيون مثلا أو أنها إرهاب بل يتم تصنيفها على أن جرائم جنائية, إزدواجية الخطاب الإعلامي من ذالك النوع الذي يزيد الإحتقان ولا تساهم بتقديم أي حلول.
الحكومة الفرنسية قامت بإستشارة رجال دين مصريين بخصوص قرار منع الحجاب في المدارس في تصرف أثار إستنكارا في فرنسا لتداخل ذالك مع علمانية الدولة وكون القرار شمل منع جميع الرموز الدينية للمسلمين والمسيحيين واليهود في جميع مدارس الجمهورية الفرنسية ممايعني أنه لا يستهدف المسلمين وليس تمييزا ضدهم.
الصراع حاليا بين مايطلق عليه الأوروبيون (طريقتنا في الحياة-Our way of life) وبين مايطلق عليه المسلمون (قيمنا-Our Value) وهو صراع له عناوين كثيرة في الفترة المقبلة سوف تحدد ليس مستقبل أوروبا أو بضعة دول مسلمة بل مستقبل العالم كله.
يتسائل الغربيون من المختصين بتاريخ المنطقة إن كانت موجات الهجرة الإسلامية قد حققت ماعجزت عنه جيوش عبد الرحمن الغافقي في معركة بلاط الشهداء-بواتييه؟
إن تلك المعركة مازالت تشكل كابوسا وعناوين للإسلاموفوبيا وأسلمة أوروبا حيث لاينفك مؤرخون غربيون ومعاهد أبحاث وباحثون على تمجيد شارلمان كقائد عسكري أوقف الزحف الإسلامي وسقوط أوروبا بيد الجيوش الإسلامية. برأي أن التفكير لايجب أن يكون في نجاح الغزو الإسلامي لفرنسا من عدمه في حال إنتصارهم بعد معركة بواتيه ولكن عن قدرتهم على الإحتفاظ بها وتأسيس حكم مستقر وثابت.
في العاصمة البلجيكية بروكسل ينصح رجال الشرطة بعد تناول الطعام أو الشراب بشكل علني في رمضان وفي مدينة مالمو السويدية حيث نسبة كبيرة من المسلمين تصاحب سيارة الإسعاف مرافقة من الشرطة بسبب تفشي العنف في المدينة. في مدينة ليلي(Lille) الفرنسية قامت مارتن أوربي(Martine Aubry) وهي مرشح للإنتخابات الرئاسية الفرنسية في مرحلة مابعد جاك شيراك بعقد لقاء مع أحد الأئمة على حدود مدينة(Roubaix) بناء على طلب الإمام بالإلتقاء به خارج حدود سلطة منطقته والتي كانت كفرنسية ممنوعة من دخولها لانها منطقة تم إعلانها إسلامية. كما أن عمدة مدينة باريس الإشتراكية(Anne Hidalgo) قد هددت بمقاضاة قناة فوكس نيوز لوصفها مناطق(No Go zones) محظور على غير المسلمين دخولها ليس من قبل السلطات الفرنسية بل من قبل المسلمين أنفسهم الذين يسيرون دوريات تفرض أحكاما قراقوشية على سكان المنطقة.
النخب الأوروبية يعتريها القلق على حرية الرأي والتعبير, التمييز الذي يمارسه المسلمون ضد المرأة ونظرتهم لمفهوم الديمقراطية حيث يجاهر رجال دين مسلمون ممن يعيشون من أموال دافع الضرائب الأوروبي بعدائهم لمفهوم الحضارة ونمط الحياة الأوروبي بشكل عام مما دفع عدد من الأوروبيين من المثقفين ومراكز الأبحاث إلى وصف ماتتعرض له أوروبا بالحرب الأهلية.
الأحزاب اليمينية وأنصارها على غاضبون من موجات اللجوء الإسلامية والخطر الذي يتهدد مجتمعاتهم والتعاطف الذي يحصده أولئك اللاجئون وحملات جمع التبرعات لصالح اللاجئين على الرغم من وجود فقراء ومشردين ومواطنين تحت خط الفقر لم ينالوا من قبل ذالك الحظ من التعاطف على الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشون فيها.
إن فترة الربع قرن القادمة 2015-2040 سوف تعد حاسمة في تقرير مصير أوروبا والطريق التي سوف تسلكه تلك القارة العجوز والتي تشيخ بسرعة متزايدة, أوروبا الحريات وحقوق الإنسان والعلمانية أم أوروبا العصور الوسطى المظلمة؟ هل سوف ينتصر تيار فصل الدين عن الدولة أم سوف يقرر أشخاص ظلاميون مثل أنجيم تشاودري المعتقل بتهمة الإرهاب وأمثاله مصير أوروبا؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية









Sunday, January 3, 2016

الفاشية الإسلامية أم العلمانية الأوروبية؟ المعركة القادمة للسيطرة على أوروبا

الأحداث الإرهابية التي ضربت بريطانيا سنة 2005 أحدثت عددا من ردود الفعل في دول مختلفة من العالم حيث إختلفت ردة الفعل بإختلاف الدولة. بعض الدول قامت بتعديل قوانين مكافحة الإرهاب بينما دول أخرى قامت بتعديل قوانين التاشيرة والإقامة أو قررت زيادة المراقبة على عدد من المساجد أو حتى إغلاق بعضها أو تسريع وتيرة محاكمة عناصر إرهابية معتقلة لديها وفي بعض الدول كانت ردود الفعل غير مفهومة مثل فرنسا التي رفض أحد وزراء داخليتها منح الجنسية الفرنسية لمهاجر من المغرب العربي لأن زوجته الفرنسية المسلمة لاتذهب لحمامات السباحة المختلطة أو لأنه يرفض مصافحة النساء. في ألمانيا تم تقديم إقتراح بالإعتراف بالعطل الإسلامية وفي بريطانيا هناك محاكم إسلامية تمارس سلطات كاملة حيث سوف نقرأ في القريب العاجل أحكاما بتفريق زوجين بناء على عدم تكافئ النسب. الحكومات الأوروبية وبدلا من تقليم أظافر الجمعيات الدينية المتطرفة وقصقصة أجنحة التيارات المتشددة قامت بعكس ذالك بل يتم منح اللجوء لأشخاص من المشهور عنهم أن لديهم أجندات عنفية لأن حكوماتهم تضطهدهم وتلاحقهم بدون وجه حق وهم بذالك يظنون أن أولئك المتطرفون سوف لن يقوموا بعض اليد التي إمتدت إليهم بإحسان.
أحد أشهر الفضائح التي إنفجرت في بريطانيا سنة 2014 حيث تعرض 1400 طفل مسلم أغلبهم باكستانيون للتحرش الجنسي في الفترة الممتدة 1997-2013 في بلدة روثرهام(Rotherham) ومن قبل أشخاص من التابعية الباكستانية منهم رجال دين وأئمة مساجد وقادة في الجالية المسلمة في المدينة وأصحاب سوابق قاموا بتكوين مايشبه مافيا إسلامية لإغتصاب الأطفال. المحققون البريطانيون كانوا مترددين في تصنيف تلك الجريمة على أساس عرقي حتى لا يتم إتهامهم بالعنصرية.
أحد الأسر البريطانية المسلمة أمنت على أطفالها الثلاثة لأحد رجال الدين من التابعية الأسيوية(Suleman Maknojioa) لتدريس اطفالها القرأن واللغة العربية فتحرش جنسيا بالطفلة وعمرها 11 عاما أثناء إعطائه دروسا دينية. الأسرة قامت بمقاضاته ولكن المحكمة قامت ورغم إدانته قامت بقبول دفاع محاميه(مسلم) بأنه العائل الوحيد لأسرته وأطفاله الستة وزوجته لاتتقن اللغة الإنجليزية وحكمت عليه مع وقف التنفيذ وهو الأن يستلم مخصصات كاملة من الرعاية الإجتماعية مع منزل حكومي لأنه غير قادرعلى العمل في تدريس القرأن واللغة العربية بسبب تلك الفضيحة.
أحد الأئمة المسلمين في بريطانيا (Mohammed Hanif Khan) ويبلغ من العمر 42 عاما وسبق أن تم تكريمه من قبل الأسرة الحاكمة في بريطانيا قد أدين بالتحرش بطفلين أحدهما همره 12 عاما والأخر 15 عاما.
أحد المواطنين البريطانيين تم إبلاغه من قبل طفله بالتحرش به من قبل إمام المسجد الذي يقوم بتدريسه ومجموعة أطفال أخرين القرأن واللغة العربية فما كان من الأب إلا أن قام بواجبه وأبلغ الجهات المختصة فتلقى تهديدات من الجمعية الإسلامية التي يتبع لها المسجد مما إضطره للإنتقال من المنطقة.
الشعوب الأوروبية ترفض التخلي عن نظام الرفاه الإجتماعي الذي تتمتع به على الرغم من إستحالة إستمراره ضمن معدل الولادات الحالي. في ألمانيا على سبيل المثال فإن 30% من الألمانيات هم بدون أطفال وترتفع تلك النسبة إلى 40% بين الألمانيات ممن يحملن شهادة جامعية. وعلى الرغم من ذالك فإن 70% من المواطنين الألمان يعارضون أي تعديلات إضافية على أنظمة الرعاية الإجتماعية وساعات العمل وتأمينات التقاعد ويفضلون فرض المزيد من الضرائب على الأغنياء ولكن 45% من الألمان في الوقت نفسه يوافقون على كون التنافسية أساسية وضرورية للنمو الإقتصادي وذالك تناقض فكيف تكون التنافسية في ظل نظام رفاهية إجتماعية لايقبل التعديل.
إن أغلب المشاكل التي تعاني منها الدول الأوروبية والمتعلقة بالهجرة ومعاشات التقاعد الحكومية على سبيل المثال لها أصل مشترك وهو تناقص عدد المواليد. تخيلوا أنه في المناطق الريفية في شرق ألمانيا هناك مشكلة متعلقة بنظام المجاري من قلة الإستخدام بسبب تناقص عدد السكان حيث يتطلب إجراء التعديلات عليها مبالغ مالية طائلة.
أنظمة المعاشات التقاعدية المتهالكة في أوروبا من الممكن الإستعانة بها كمثال على حالة الإنحدار بسبب المشكلة الديمغرافية حيث أنه في سنة 2050 سوف تشكل 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة مقارنة بألمانيا 16.9%, إسبانيا 17.3%, 24.8% في اليونان.
ألمانيا وهي تعد أكبر قوة صناعية أوروبية والمحرك الأساسي للإتحاد الأوروبي والقوة الإقتصادية التي تقف وراء اليورو تواجه كارثة ديمغرافية وإقتصادية مستقبلية لأنه في المتوسط فإن الألماني يعمل عدد ساعات أقل 22% من نظيره الأمريكي حيث ان أسبوع العمل في الولايات المتحدة يعد 40 ساعة أسبوعيا وقس على ذالك باقي الدول الأوروبية التي يصل أسبوع العمل في بعضها إلى 33 ساعة أسبوعيا.
إن الظروف التي مرت بها الدول الأوروبية في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية وتطبيق مشروع مارشال حيث تكفل التواجد العسكري الأمريكي الدائم في تلك الدول بسبب مايسمى الحرب الباردة بتحرير الميزانية في تلك الدول من الأعباء الأمنية وتحويلها لمايسمى أنظمة الرعاية الإجتماعية والرفاه الإجتماعي. إن من النتائج التي يعدها البعض سلبية لنظام الرفاه الإجتماعي ومايطلق عليه سياسة الضمير والحساسية الثقافية هو معدل بطالة مرتفع وأسلمة المدن الأوروبية. الأوروبيون يعلمون بكل ذالك علم اليقين ولكنهم غير مستعدين في سبيل محاولة تصحيح الأوضاع عن برامج الرعاية الإجتماعية, أسبوع العمل القصير, الإجازات القصيرة والوظيفة المضمونة مدى الحياة.
الصحافية والناشطة اليسارية ستايسي دولي(Stacey Dooley) وفي فيلم وثائقي بعنوان (My Hometown Fanatics) توضح وبالتفصيل كيف قام مجموعة من المتطرفين الإسلاميين بالإستيلاء تدريجيا على بلدتها والتي تدعى لوتون(Luton) وهي تعد بلدة متوسطة حيث بدئوا بالتكاثر والتناسل وفرض شريعتهم التلمودية وقاموا ببناء 30 مسجدا لجالية مسلمة يبلغ تعدادها تقريبا 30 ألف شخص. تلك الفئات الطفيلية والتي يعيش أغلبها على أموال الضمان الإجتماعي ويهتفون في مظاهراتهم ضد بريطانيا التي أوتهم من جوع وأمنتهم من خوف حيث تقوم سياستهم بالزحف على البلدات الصغيرة فالمتوسطة ثم يبدأون في إستهداف المدن الكبيرة وخصوصا العاصمة. أهدافهم فرض هويتهم الثقافية حتى لو بإستخدام العنف حيث يقومون بتخريب اللوحات الإعلانية التي يعتبرونها تخالف تفكيرهم الأعمى ونشر ملصقات في الشوارع أن هذه منطقة إسلامية تطبق أحكام الشريعة وتسيير دوريات دينية خصوصا في مناطق من العاصمة البريطانية. تلك الدوريات أشبه بالعصابات وأعضائها أغلبهم من أصحاب السوابق وممن أمضوا أحكاما بالسجن. كما أن هناك تزايدا في حالات الإغتصاب الجماعي والإبتزاز الجنسي في المملكة المتحدة من قبل تلك النوعية من العصابات والتي تختار ضحاياها خصوصا من القاصرات الذي يلقيهم حظهم العاثر أو يجبرهم على المرور في مناطق تقوم فيه تلك العصابات بالتسكع. كما أن الكثير من تلك العصابات ترسل عملاء لها لإصطياد الضحايا القاصرات في المدارس بعد إنتهاء الدوام المدرسي حيث يتتبع العميل ويكون سنه في الأغلب مماثلا لسن الفتاة الضحية حيث يتبعها ويحاول إعتراض طريقها كأنها صدفة وعقد صداقة معها وإستدراجها لإقامة علاقة ثم إبتزازها لتشغيلها في الدعارة أو حتى إقامة علاقات جنسية مع أصدقائه.
المشكلة في الحساسية الزائدة من التعامل مع تلك النوعية من المشاكل في الدول الغربية. في ألمانيا مأساة أسرة ألمانية كان العالم كله شاهدا عليها بسبب أولئك المختلين عقليا الذين حاولوا إقناع أختين قاصرتين بالإسلام فنجحوا في إقناع واحدة عمرها 17 عاما بينما تمكنت الأخرى من الهروب من عمليات غسيل الدماغ التي يقومون بها لضحاياهم. أقنعوا الفتاة الضحية بالزواج من أحدهم في مسجد محلي بدون إخبار أهلها أو حتى عدم الكلام معهم لأنهم على غير الملة التلمودية التي يؤمن بها أولئك السفهاء والأم المكلومة شاهدت زفاف إبنتها على اليوتيوب. الحكومة الألمانية لم تحرك ساكنا على الرغم من كون الفتاتين تحت السن القانونية حيث العقوبة القانونية تكون في تلك الحالة أو من المفترض أن تكون مغلظة كما يجب أن تعالج المشكلة من الجذور. هناك أشخاص ليس لديهم أي مشكلة في إنتهاك أعراض الفتيات الأوروبيات لأنهم سافرات أو متبرجات وهناك من تم حشي دماغه بفكر متخلف بأنهم سبايا. كما أن هناك من يؤمن بأن الزواج من فتاة عمرها 10 سنين أو 11 سنة هو حق إلهي وأنه لايقوم بأي فعل خاطئ. إن جذور المشكلة هي التي يجب أن يتم تصنيفها في إطارها الصحيح والتعاطي معها وفقا لذالك من قبل الحكومات الأوروبية والجهات المسؤولة عن إندماج المهاجرين حيث بدأت بعض الدول في تشديد شروط الحصول على الجنسبة وتطبيق الهجرة الإنتقائية وتوقيع الراغب بالحصول على الجنسية على أوراق قانونية لها علاقة بإحترامه قوانين وقيم البلد العلمانية وإلا فسحب الجنسية أو الطرد.
هناك من يتعاطى مع الأحداث على أنها حرب على الإسلام من قبل الغرب وهناك من يقول مؤامرة وهناك من يقول بأنها أفعال المسلمين أنفسهم التي جعلت الكثير من الغربيين ينظرون لكل مسلم كمشتبه به حتى تثبت برائته.
لماذا يلوم المسلمون الغرب ولا يلومون أنفسهم؟ لماذا لايعترف رجال الدين بأن الحرب على الإسلام يقوم بها المسلمون أنفسهم بدلا من لوم الغرب والغربيين؟ ألا يعلم أولئك الأوربيون الطيبون هوية القادمين مشيا على الأقدام تلك المسافات الطويلة؟ هل المواطنون الأوروبيون الذين خرجوا لإستقبال اللاجئين المسلمين بكل مايحتاجونه في محاولة لتخفيف الألم الناتج عن رحلة اللجوء الطويلة وركوب المخاطر يشنون بذالك حربا على الإسلام؟ ولكن السؤال الحقيق الأن كيف سوف يرد أولئك اللاجئون المعروف لليد التي إمتدت لهم بإحسان ومعروف؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Friday, January 1, 2016

كيف تؤثر أسعار النفط المتذبذبة على التركيبة الديمغرافية والإقتصادية لأوروبا والعالم؟

هناك ظاهرة بدأت تنتشر في أوروبا والولايات المتحدة بشكل عام خصوصا في الفترة التي تلت أزمة الرهون العقارية سنة 2007\2008 حيث من الممكن ملاحظة إشغال الوظائف من من قبل من هم من المفترض أنهم في سن التقاعد حيث من المتوقع زيادة تلك الفئة بنسبة 85% في الولايات المتحدة خلال الفترة الممتدة بين 2006\2016 وذالك بحسب مكتب إحصاء القوى العاملة الأمريكي. في كندا فإن حكومة رئيس الوزراء الكندي السابق ستيفن هاربر قامت برفع سن التقاعد من 65 سنة إلى 67 سنة.
الدول الأوروبية كانت الأكثر تضررا من موضوع العامل الديمغرافي والذي يكون حاضرا وبقوة خصوصا خلال الأزمات الإقتصادية حيث من الشائع خصوصا في الوسائل الإعلامية إلقاء اللوم على العمالة الأجنبية. في السابق وفي عهود الرخاء الإقتصادي فإن الدول الأوروبية كانت دوما ترحب بالعمالة المهاجرة خصوصا العمالة الغير ماهرة في مجالات كالبناء والخدمات ولكن الوضع تغير في الفترة الأخيرة خصوصا مع موجات اللاجئين التي تعد بمئات الألوف وإزدياد نسبة البطالة ومشكلة الديون السيادية الأوروبية. نائبة في البرلمان الأوروبي سألت في أحد الجلسات المنعقدة عن مقدرة الدول الأوروبية التي تعاني من أزمة كساد إقتصادي ونسب بطالة تعد مرتفعة على توفير فرص عمل لذالك العدد من اللاجئين حيث من المتوقع أن تستقبل ألمانيا مليون لاجئ. الكثير من الدول الأوروبية بدأت في إعادة النظر في إتفاقيات الحدود المفتوحة مثل الشنغن والإتفاقيات المنظمة لإنتقال الأشخاص بين الدول الأوروبية وتحصين حدودها ببناء جدران شائكة وتحصينات لوقف تدفق اللاجئين ووقف الهجرة الغير شرعية.
لا أحد في دوائر صنع القرار الأوروبي والنخب السياسية الأوروبية وحتى المواطن الأوروبي الذي لايتعاطى السياسة عادة يستطيع أن ينفي القلق الذي يعتريهم بسبب المشكلة الديمغرافية لسببين رئيسيين. السبب الأول له علاقة بتاريخ أوروبا وظهور الحركات الفاشية والنازية والتي إرتبطت بتدني الوضع الإقتصادي وزيادة نسبة البطالة. السبب الثاني هو أن موجات اللجوء والهجرة الأخيرة تتشكل في أغلبها من المسلمين اليافعين. هناك من يخشى من ظهور الفاشية الإسلامية بسبب لجوء مئات الألاف من المسلمين إلى دول  أوروبا وإنتشار البطالة في صفوفهم وفشلهم في الإندماج مع المجتمعات الغربية مقابل ظهور الفاشية الغربية في أوساط الشباب الأوروبي الذي يعاني من البطالة والوضع الإقتصادي المتدهور. إن ذالك القلق لا يأتي من فراغ فهناك تصاعد في شعبية الأحزاب اليمينية في عدد من البلدان منها الدانيمرك حيث فازت حكومة لها أجندات معادية للهجرة واللاجئين وبدأت في التضييق عليهم بإصدار القوانين منها مصادرة ممتلكات اللاجئين الشخصية عند عبورهم الحدود لمساعدة الحكومة في نفقات اللاجئين.
لمحاولة إمتصاص الأزمة الإقتصادية والتخفيض من نسب البطالة فقد قامت الحكومة الألمانية على سبيل المثال بإخراج برنامج  (Kurzarbeit) لمشاركة الوظائف إلى حيز الوجود حيث بلغت ميزانيته سنة 2011 تقريبا 5 مليارات يورو ويتم إستخدامه خلال الأزمات الإقتصادية لإبقاء مستوى البطالة منخفضا ومساعدة الشركات على الحفاظ على عمالتها الماهرة والمدربة خلال فترات الكساد الإقتصادي. إن برنامج (Kurzarbeit) من المفترض أن يكون مؤقتا ولكنه بسبب الركود الإقتصادي فقد تحول إلى سمة دائمة من سمات الإقتصاد الألماني كما أن هناك عدد من البلدان تقوم بتطبيق نسخة ممثالة(Income Supplementation) وإن إختلفت التسميات أو بعض التفاصيل الثانوية.
هناك نقطة مهمة متعلقة بإنخفاض أو أرتفاع أسعار النفط وهي تهم الأسواق المحلية ومتعلقة مباشرة بها وهي هجرة فرصة العمل لأسواق خارجية أخرى أكثر جذبا بسبب عدة عوامل إقتصادية منها عمالة رخيصة وماهرة.
إن تلك النقطة تحديدا والمتعلقة بالعمالة الرخيصة تعد نقطة جذب لمئات الشركات التي قررت نقل أعمالها للصين والهند وبلدان أسيوية أخرى خصوصا في الفترة التي سبقت الأزمة الإقتصادية ٢٠٠٧ - ٢٠٠٨ والتي بدأت بإنهيار سوق الرهون العقارية في الولايات المتحدة.
بالطبع نستطيع تطبيق نفس مبدأ  الكمية صفر (Sum Zero) ولكن بنظرة واقعية فإن دخول الصين والهند إلى عالم الصناعة والخدمات قد حمى العالم من إرتفاع مستوى التضخم وأبقاه في حدوده المعقولة. إذا تجولت في أحد فروع أسواق وول مارت (Wal-Mart) في أي دولة في العالم فإنك سوف تتسائل إن كان وول مارت شركة مقرها الصين حيث أن أغلب البضائع تجد عليها عبارة صنع في الصين. وإذا إتصلت بقسم خدمة العملاء في مايكروسوفت أو أي شركة أخرى أو حتى البنك الذي تتعامل معه فسوف يجيبك شخص بالإنجليزية ولكن بلكنة أسيوية من الهند أو حتى من الفلبين.
ولكن هل يمكن الحفاظ على تلك المعادلة في ظل إرتفاع أسعار النفط وتخطيها حاجز ١٠٠ دولار للبرميل؟
إن الحاصل مؤخرا أنه ونتيجة لإرتفاع أسعار النفط فإن الأسواق المحلية تشهد عودة تلك الوظائف التي هاجرت للخارج بحثا عن عمالة رخيصة ومدربة. إن هجرة فرص العمل في ظل ٢٠ دولارا كسعر لبرميل النفط من الممكن أن يجعل نحقيق أرباح أمرا ممكنا ولكن في ظل إرتفاع سعر النفط وتخطيه حاجز ١٠٠ دولار فإن تكلفة أسعار نقل المواد الخام والإنتاج كفيلة بتقليص تلك الأرباح بل وتحويلها إلى خسائر.
هناك أيضا ترسانة قوانين في أمريكا وكندا وبلدان أوروبية أخرى مصصمة لجذب رؤوس الأموال المهاجرة وذالك بفرض ضرائب على أرباح الشركات حتى لو كانت تقوم بتصنيع منتجاتها أو تقديم خدماتها خارج أراضي البلد الأم.
إن عودة رؤوس الأموال المهاجرة إلى وطنها الأم هو أحد إيجابيات إرتفاع أسعار النفط وهناك إيجابية أخرى متعلقة بإرتفاع كلفة التنقل حتى داخل البلد نفسها مما سوف يؤدي إلى توزيع عادل للمشاريع والمصانع وعدم تركيزها في منطقة واحدة أو مدينة معينة كما في فورت ماكماري (Mcmurray) التي تقع في مقاطعة ألبرتا الكندية حيث أدى الفورة النفطية إلى تضخم غير مسبوق في أسعار العقارات وإيجارات المنازل والذي أدى بدوره إلى إبتلاع نسبة كبيرة من المداخيل الشهرية.
تأثير إرتفاع أسعار النفط لا يتوقف على رؤوس الأموال المهاجرة أو كلفة إيجارات المنازل أو أسعار بيعها أو شرائها بل يمتد ليشمل نواحي أخرى قد لا تخطر على بال من ينظرون للموضوع نظرة تقليدية.
إن إرتفاع أسعار النفط قد يؤثر على الوظائف المحلية بسبب الحاجة إلى تقليل النفقات لمواجهة إرتفاع أسعار الفاتورة النفطية وقد يكون التأثير المتوقع على ثلاثة محاور هي تقليص الإمتيازات والرواتب والحوافز الشهرية مع الإستغناء عن أقل عدد ممكن أو تقليص فرص العمل المتوفرة بشكل حاد مما يؤدي إلى إرتفاع مستوى البطالة أو اللجوء للشركات الخاصة. النقابات العمالية في الغرب تقاوم أي تقليص لفرص العمل أو الإمتيازات وتتسلح بترسانة قانونية تجعل فرض أي حل بدون موافقة النقابات أمرا صعبا حيث أنه ومع تزايد نزعة النقابات العمالية للتمسك بموقفها تجد الحكومات أنفسها مضطرة إلى اللجوء إلى الشركات الخاصة وإحالة مهام تقديم الخدمات إليها مما يؤدي إلى تقليص الأجور والإمتيازات بشكل حاد ولكن مع الإبقاء على أكبر عدد ممكن من فرص العمل. ولنأخذ مثالا مدينة تورنتو الواقعة في مقاطعة أونتاريو الكندية حيث وجد محافظ المدينة الجديد نفسه أمام مشكلة بعد الإنتخابات البلدية متعلقة بعقود عمال النظافة حيث كان هناك جدل إنتخابي بخصوص الإبقاء على عقود تمنحهم إجازة مرضية مدفوعة تبلغ ١٨ يوما سنويا أم تقليص تلك المدة أو حتى إلغائها أو قد يكون الحل الإستغناء عن الخدمة من أساسها وهو حل مستحيل وغير منطقي. مدينة تورنتو كانت تواجه أزمة ميزانية وأن يكون هناك بند في عقود عمال النظافة أن من حقهم قضاء ١٨ يوما مدفوعا في منازلهم بدون أي حاجة حقيقية هو رفاهية لا تستطيع ميزانية المدينة تحملها. محافظ المدينة الجديد قادم من الضواحي حيث خدمة جمع القمامة تم منح مهمة القيام بها لشركات خاصة منذ وقت طويل وهو يسعي لتطبيق ذالك داخل المدينة نفسها. النقابات التي تمثل العمال سوف تقاوم توجهات المحافظ الجديد ولكن في تلك الحالة فإن العمال سوف يواجهون خيارات صعبة تتخلص بالقبول بعقود عمل جديدة وواقعية تراعي الميزانية المحدودة أو خسارة أعمالهم لصالح شركات خاصة توظف عمالا لا يتم الدفع لهم لكي يلتزموا منازلهم ١٨ يوما في السنة بسبب أعذار مرضية وهمية.
إن دخول القطاع الخاص على خط الأزمة لن يكون محدودا بشركات جمع القمامة بل سوف يشمل الجامعات وتجديد رخص قيادة المركبات وحتى الجسور المتهالكة والطرق التي يتم تعهد تجديدها أو بناء المزيد منها من قبل الشركات الخاصة مقابل منحها إمتيازات تشغيلها مقابل رسوم لفترة زمنية قد تصل لخمسة وعشرين عاما تزيد أو تنقص بحسب بنود العقد. جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تعد أغنى جامعة في العالم أعلنت عن هبات وتبرعات قد بلغت أكثر من ٣٢ مليار دولار أمريكي. وبالنسبة لقطاع الإسكان فإنه من المتوقع أن يمتد التأثير أكثر من أسعار المنازل ليشمل أحجامها حيث سوق تقل نسبة المنازل ذات المساحة الضخمة والتي تستهلك كمية أكبر من الطاقة لصالح منازل ذات أحجام إقتصادية ومعقولة.
هناك نظرية إقتصادية تنسب لأحد الإقتصاديين الذين عاشوا في القرن التاسع عشر ثورستين قيبلين (Thorstein Veblen) وتدعى الإستهلاك الظاهري أو التظاهري (Conspicuous consumption). ملخص تلك النظرية هي أن ذالك النوع من الإنفاق مدفوع برغبة الأشخاص إلى إبراز الوضع الإجتماعي بدلا من شراء مايحتاجون إليه فعليا وإن كان ذالك بالمجمل قد لا يؤدي إلى زيادة الرضا عن لاذات ولا إلى زيادة سعادة الشخص. نظرية الإستهلاك الظاهري أو التظاهري مدعومة بإحصائيات تذكر أنه في الولايات المتحدة ورغم تضاعف الدخل الشخصي للفرد الواحد إلى أكثر من مرتين منذ الحرب العالمية الثانية فإن المواطنين هناك أقل سعادة بمقدار ١٩ مرة عن مواطني دولة مثل الدانيمرك والتي لا تقارن من ناحية الدخل والثروات الطبيعية والشخصية بالولايات المتحدة.
التأثير الذي سوف يحدثه إنخفاض أو إرتفاع أسعار النفط على الإقتصاد سوف يتجاوز المفهوم التقليدي لأسواق العمل والإنسيابية في حركة القوى العاملة حيث أن تعريف السن المناسب لتصنيف شخص ضمن القوى العاملة بين سن 15-65 عاما سوف يتغير خصوصا مع متوسط العمر المتوقع وتحسن أنظمة الرعاية الصحية مما يزيد قابلية الشخص للعمل رغم تقدمه في السن. إن الأزمة التي تعانيها صناديق التقاعد بسبب زيادة أعداد المتقاعدين وإرتفاع نسبة البطالة أدى إلى إعتمادها أكثر وأكثر على الدخل الناتج من إستثماراتها في أسواق المال والأسهم وهي معرضة لهزات إقتصادية حيث تعاني الكثير من صناديق التقاعد من عجز مزمن عن الوفاء بإلتزاماتها مما سوف يجعلها ملزمة بإجراء التعديلات على أنظمة معاشات التقاعد وإمتيازات المتقاعدين حيث سوف تجبر التخفيضات في الإمتيازات التقاعدية بسبب العامل الإقتصادي والمشكلة الديمغرافية المتقاعدين على البحث عن فرصة عمل حتى لو كانت بدوام جزئي مما سوف يزيد الضغط على سوق العمل الذي يعاني من إرتفاع مستوى البطالة وإزدياد نسبة العاطلين عن العمل.
إن كل ماسبق ذكره في هاذا الموضوع قد أدى تكون جيل جديد بفعل تلك الحركات والتيارات الإقتصادية خصوصا إثر إلغاء القرارات التي تمنع تداخل الأعمال بين البنوك التجارية والإستثمارية وتمنع البنوك التجارية من إمتلاك مكاتب مضاربة, جيل من الأبناء يختلف عن والديه, جيل يتخلى عن الرفاهيات لصالح حياة بسيطة وغير معقدة. جيل فقد الثقة برأسمالية منفلتة من عقالها وأصبح ينظر لشخص يلبس بدلة بربطة عنق ويرتدي ساعة رولكس ذهبية ليس على أنه مستثمر ناجح في وول ستريت أو في البورصات والأسهم بل كشخص يتطلع لأقرب فرصة كي يحتال على القانون لجمع ملايين الدولارات وترك أشخاص كثيرين في حالة خسارة وحزن لفقدان إستثماراتهم أو مدخرات تقاعدهم.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية