Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label Wal-Mart. Show all posts
Showing posts with label Wal-Mart. Show all posts

Saturday, March 10, 2018

الرأسمالية والعولمة, سقوط الأقنعة

لم يكن هناك يوم في حياتي أسعد من اليوم الذي أقرأ أو أشاهد خبرا عن إغلاق مؤسسة من التي يطلق عليها الشركات العابرة للقارات أو العابرة للحدود(Trans National). اليوم هو أحد تلك الأيام حيث الأخبار والتقارير الصحفية تشير إلى أن شركة متاجر الألعاب تويز أر أص(Toys 'R' Us) سوف تتم تصفيتها الأسبوع المقبل وتغلق جميع متاجرها في الولايات المتحدة أبوابها وبالتالي بداية تصفية الشركة على مستوى العالم. وحتى نعي ونفهم حجم تشابك العلاقات والأعمال التجارية في عصر العولمة وإتفاقيات التجارة الحرة فيكفي أن نعلم أن شركة تويز أر أص(Toys 'R' Us) هي أخر شركات ترويح الألعاب العملاقة(Mega Store) أو لنكن أكثر وضوحا الإحتكارية وإحتمال تصفيتها الأسبوع المقبل قد أثر على أسهم عدد من شركات تصنيع الألعاب خصوصا شركتي Hasbro التي هبطت أسهمها 3.5% وشركة Mattel التي هبطت أسهمها 7%. وحتى شركات الألعاب الصغيرة كشركة Jakks Pacific الكندية هبطت قيمة أسهمها 5%. خسائر بعض شركات الألعاب كانت مضاعفة كشركة الألعاب العملاقة ليجو(Lego) والتي جائت تلك الأخبار في توقيت غير مناسب خصوصا مع معاناة الشركة في وقت مبكر من هاذا الأسبوع لأول هبوط في مبيعاتها خلال ثلاثة عشرة عاما.
هناك نقطة لا بد من المرور بها ولو سريعا وهي أن إغلاق شركة متاجر الألعاب تويز أر أص(Toys 'R' Us) ليس نهاية الرأسمالية أو إتفاقيات التجارة الحرة ولن ندفن العولمة مع أفول نجم الشركة كأضخم شركة متاجر للألعاب على مستوى العالم. فعالم الإقتصاد الأمريكي من أصول نمساوي جوزيف شومبيتر(Joseph Alois Schumpeter) قد تحدث عن الدورات الإقتصادية وأن الرأسمالية لا تموت بل تبعث من رماد الأزمات الإقتصادية  بهيئة جديدة وتبدأ فصول دورة إقتصادية جديدة, شركات اغلقت تحل مكانها شركات أخرى تفتتح أبوابها. ولكن أفول نجم أي شركة عابرة للحدود أو متعددة القوميات(Multinational) يعني أن فصلا من فصول المعاناة البشرية قد أغلق أبوابه ولو مؤقتا مع الأمل بأن الفصل الجديد القادم سوف يكون أكثر إشراقا. فما تركته لنا تلك الشركات من بقايا الحياة أو لأكون أكثر دقة من بقايا الإنسانية هو الأمل والحلم بغد أفضل.
شركة متاجر الألعاب تويز أر أص(Toys 'R' Us) هي شركة إحتكارية بكل ما تحمله الكلمة من معنى وهي تقوم على نفس الممارسات التي تتبعها شركات كوول مارت(Wal-Mart) حيث تضغط على المصنعين للإمتناع عن توريد بضائع معينة لشركات أخرى حتى تمنع المنافسة. هيئة التجارة الفيدرالية الأمريكية(FTC) أدانت في سيبتمبر 1997 شركة ويز أر أص(Toys 'R' Us) بإستخدام أساليب غير قانونية للضغط على المصنعين للإمتناع عن بيع ألعاب تلقى شعبية في أوساط المستهلكين لشركات أخرى. إن هيئة التجارة الفيدرالية الأمريكية قد تم تأسيسها منذ اكثر من مائة عام بهدف حماية المستهلك الأمريكي ومنع الممارسات الإحتكارية والتجارية التي تصنف بأنها غير قانونية. في الوطن العربي هناك هيئة حماية المستهلك والتي من المفترض أنها تقوم بنفس المهمة ولكن بشكل معكوس فمهمتها حماية الشركات والتجار والتغطية على ممارساتهم الغير قانونية. كما أنها لا تتحرك في قضية ما وتقوم بعملها إلا إذا تم إثارة القضة إعلاميا وتحولت إلى قضية رأي عام.
إن الشركات العابرة للحدود وحتى تتهرب من المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقوم بتوقيع عقود مع وكلاء تصنيع وشركات فرعية في بلدان تقدم تسهيلات تجارية وضريبية ضمن إتفاقيات التجارة الحرة كالجات والنافتا حيث تقام المصانع في المناطق الحرة او المخصصة للتصدير(EPZ) وأغلب العمل يعمل بأجور لا تزيد عن دولارين في اليوم الواحد وبدون أي تأمين طبي أو تأمين ضد العطالة أو حق تشكيل نقابة أو تقاضي زيادة عن وقت العمل الإضافي. بتاريخ 10\مايو\1993, وقعت حادثة حريق في مصنع  Kader Toy Factory في تايلاند وصفت بأنها أسوأ حادثة صناعية في تاريخ البشرية حيث قضى 188 شخص نحبهم وأصيب بجروح أكثر من 500 شخص, الوفيات والجرحى هم من موظفي المصنع أغلبهم من الفتيات القاصرات القادمات من أرياف تايلند الفقيرة بحثا عن عمل في المدن. أما السبب الذي يقف وراء عدد الضحايا الكبير هو عدم تمكن أي من موظفي المصنع من الخروج في بداية الحريق لأن إدارة المصنع كانت تغلق الأبواب في أغلب أوقات الدوام لإبقاء من يوصفون بأنهم نقابيون يحرضون العمال على المطالبة بحقوقهم. كما أن المصنع كان يفتقر لأبسط شروط السلامة العامة خصوصا مخارج الطوارئ وأنظمة إطفاء الحريق وممتلئ بالمواد السريعة الإشتعال المستخدمة في ألعاب الأطفال.
إن كارثة مصنع Kader Toy Factory ليست أول كارثة ولا أخر كارثة صناعية تحدث بهاذا الحجم الكارثي ولكنها حتى هذه اللحظة فمازالت الأضخم والأسوأ خصوصا من ناحية عدد الضحايا وأعمارهم التي لم تزد عن تسعة عشرة عاما وبلغت أربعة عشرة عاما لبعض العاملات. فبتاريخ 25\مارس\1911, وفي مدينة نيويورك, أدت حادثة حريق مصنع Triangle Shirtwaist Factory, والتي وصفت بأنها الأسوأ حنى تاريخه, إلى وفاة 146 موظف منهم 123 عاملة و23 عامل نتيجة الحريق أو إستنشاق غازات سامة أو القفز من نوافذ المصنع ملتحفين أغطية سميكة حتى يتم التعرف على جثامينهم من قبل ذويهم لدفنهم بمراسم لائقة. إن كلتا الحادثتين, في Kader Toy Factory و Triangle Shirtwaist Factory ورغم الفارق الزمني بينهما, فإنهما تحملان بصمة مشتركة تدل على عدم حدوث أي تغيرات لها علاقة بحقوق العمال في بيئة عمل أمنة وخالية من المخاطر حيث المصانع بدون أي أنظمة حماية من الحرائق أو إجرائات للسلامة العامة وبدون مخارج للطوارئ, وبل في الحالتين تبين أن مخارج الطوائ كانت وهمية. إن حادثة مصنع Kader Toy أثارت إهتماما مؤقتا من قبل منظمات حقوق العمال وحقوق الإنسان ومن صحفيين ومحطات تلفزيونية وإخبارية تسعى لمجرد تسجيل سبق صحفي بدون أي تعاطف إنساني أو أخلاقي أو مطالبة مستمرة بتغيير جذري في طريقة وألية عمل تلك المصانع أو الضغط على الشركة الأم أو وكلائها الفرعيين.
والسؤال هو إلى متى السكوت عن تلك الشركات العابرة للحدود وممارساتها الغير إنسانية بداية بالأجور التي تقل عن حد الكفاف مرورا بحرمان العاملين من حقوقهم وليس إنتهاء بإستخدام عمالة الأطفال والسجناء والإستغلال الجنسي للعاملات. هل من الممكن أن نتخيل أن درجة الوقاحة بتلك الشركات دفعتهم لإستغلال عمال داخل بلدان الشركات الأم في ظروف وصفت بأنها عبودية معاصرة! ففي مايو\1996, تم الكشف عن فضيحة لها علاقة بخط منتجات ملابس مملوك من قبل الكاتبة والمغنية الأمريكية Kathie Lee Gifford والذي يلقى رواجا ويباع حصريا من خلال متاجر عملاق البيع بالتجزئة وول مارت. الفضيحة والتي تحولت لقضية رأي عام بعد أن كشف ناشطون أن ملابس Kathie Lee Gifford يتم حياكتها في مصانع غير قانونية تفتقر إلى أبسط شروط السلامة العامة وفي ظروف أشبه بالعبودية المعاصرة فيما يعرف بمصانع(Sweatshops) وذالك في بلدين هما الهندوراس ويا للمفاجأة في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه كانت هناك فضيحة كشف عنها قسم العمل(The department Of Labour) في ولاية كاليفورنيا حيث تبين أن أحد المتعهدين الذي يعملون لصالح خط ملابس Guess jeans والذي تعمل لصالحه العارضة الألمانية الشهيرة كلوديا شيفر قد خالف القانون وبمعرفة الشركة حين قام بدفع أقل من الحد الأدنى من الأجور لعماله. وبتاريخ أغسطس\1995, وداخل الأراضي الأمريكية في مدينة ألمونتي(El Monte) في مدينة كاليفورنيا, وبعد أن قام قسم العمل في الحكومة الأمريكية(Department Of Labour) إثر ورود بلاغ عن إستغلال عمال بشكل غير قانوني بغارة على مجمع سكني في المدينة ليتبين إحتجاز 72 عامل ملابس من الجنسية التايلندية وذالك بالتعارض مع إرادتهم(قسريا) وفي ظروف عمل تمثل العبودية المعاصرة, بعضهم محتجر في المجمع منذ سبعة سنين. المصنع مملوك لأحد المتعاقدين الذي كان يقوم بصنع الملابس لصالح مجموعة من متاجر التجزئة الشهيرة كتارغيت(Target) ,سيرز(Sears) والتي اعلنت إفلاسها مؤخرا و Nordstrom.
إن قضية حقوق العمال وحقوق الإنسان بالمجمل وذالك بالنسبة للقيادات السياسية الغربية والأوروبية هي قضية إنتقائية تخضع لدوافع وإعتبارات سياسية وليس أخلاقية أو إنسانية. فلو كان حريق مصنع Kader Toy Factory وقع في بلد كالولايات المتحدة أو ألمانيا أو أيطاليا لملئت الأخبار الجرائد والصحف لشهور طويلة ولتناولته وسائل الإعلام بالتحليل والتدقيق والتمحيص ولتم فتح تحقيقات موسعة مع جميع المسؤولين عن تلك الكارثة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ولسقط نواب وسيناتورات في الإنتخابات ولأقيل مسؤولين ولسجن بعضهم بتهم مختلفة. سوف نقول ذالك إن كنا صريحين وواضحين مع بعضنا البعض والكلام موجه لمن هم مفتونين بدعاية جليسة الأطفال الغربية التي تهتم بطفل الأسرة العربية في غيابهم, الدول الغربية القلقة على الأوضاع في وطننا العربي وعلى حقوق الإنسان وعلى قمع الحريات وإلى أخر تلك الأجندات والبروباغندا التي ترافقها والتي تذكرني بفيلم صحارى(Sahara) الأمريكي حين أجاب القائد العسكري في جيش دولة مالي على مدير شركة دفن النفايات السامة الذي طالب بإيقاف العمل مؤقتا إثر تسرب أخبار للإعلام عن شركته: It is Africa, No body care about it Africa
روابط:

A Sweetheart Becomes Suspect;Looking Behind Those Kathie Lee Labels


Kathryn Lee Gifford

sweatshop

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Saturday, August 13, 2016

حقيقة العولمة, أولمبياد على أحلام الفقراء المحطمة

شاهدت مؤخرا صورة معبرة لفقراء العاصمة البرازيلية في حفل إفتتاح الألعاب الأولمبية على شرفة منزل في أحد الأحياء الفقيرة يشاهدون الألعاب النارية لحفل إفتتاح أولمبياد تم بنائها على أحلامهم المحطمة. كما أن إستمرار مأساة عمالة الأطفال تحت السن القانونية والعمل بدون إتخاذ إجرائات السلامة مشاكل لم تأخذ حقها من التغطية الإعلامية. في عالم العولمة فإن على أحدهم أن يدفع الثمن حيث هناك الكثير من بني الإنسان يعمل في ظروف تقترب من العبودية أو لنقل أنها نوع من العبودية التي تلقى إعجاب كبار مدراء الشركات والرأسماليين في ظل نظام بنيت عليه إمبراطورية إعلامية بمئات المليارات من الدولارات لتقنعنا بمحاسنه وأنه تم تصميمه لخير البشرية.
شركات مجال عملها قائم على عمالة الأطفال, السخرة, العبودية, الإبتزاز الجنسي وتساهم في زيادة مستوى الفقر على مستوى العالم وبلدان بأكملها يتم شرائها من خلال تعديل قوانين العمل لمصلحة تلك الشركات تحت مسى براق " العولمة " وتحرير التجارة ومرونة قوانين الإستثمار. إن أحد الوسائل التي تحاول تلك الشركات بواسطتها التملص من المسؤولية الأخلاقية هي تعاملها عبر طرف ثالث في بلد المنشأ للبضاعة التي تقوم بإستيرادها فيما بعد بأبخس الأثمان. ولعل الشركات التي يتركز مجال عملها في تصنيع المواد الغذائية خصوصا الشوكلاتة تعد من أكثر الشركات تعرضا للشبهات فيما يتعلق بإستغلاها عمالة الأطفال والعبودية الحديثة خصوصا شركات مثل نستلة(Nestle) ومارس(Mars) وجوديفا(Godiva). ولعل الإستغلال وصل بأحدها وهي شركة نستلة أن مديرها قد دعا في فيديو أثار ضجة عالمية إلى إعتبار مياه الشرب النظيفة ليس حق أساسيا من حقوق الإنسان ويجب ان تخضع لقانون العرض والطلب.
شركة أبل هي أحد أسوأ الشركات التي تقوم على إستغلال العمالة الرخيصة في مجموعة بلدان ورغم أن الفضيحة التي تفجرت مؤخرا بخصوص مصنع شركة تايوانية تعمل على تجميع مكونات أجهزة أيفون(IPhone) كان لها هدف سياسي وليست كما تدعي قناة البي بي سي البريطانية الهدف الحقيقي للفيلم الذي تم تصويره بشكل سري هو كشف الإنتهاكات التي يتعرض لها العمال فإن يلقي بعض الضوء على ظاهرة عالمية لا يخلو منها بلد من البلدان حتى في بلد المقر لشركة أبل وهي الولايات المتحدة.
إن ممارسات إبتزاز حقوق العمال والموظفين وصلت حتى لدول العالم المتقدم والدول الصناعية الكبرى ولكن الفرق أن قنوات مثل البي بي سي لن تقوم بعمل فيلم دعائي عنها كما أن الحكومات لا تتدخل فيها لأن القوانين التي فرضتها تلك الشركات تجعل دور الحكومات دور إشرافي, أو لنقل أن شاهد زور هي الكلمة الأكثر ملائمة وتعبيرا. ولعل شركات الأغذية السريعة(Fast Food) وشركات تقديم الحلويات المختلفة والمأكولات الخفيفة كتيم هورتنز(Tim Horton’s) وصب واي(Subway) وكنتاكي(KFC) تمارس الإبتزاز بإستخدام بند في قانون العمل الذي تعتمده أغلب البلدان التي توصف بأنها متقدمة يسمح بفصل الموظف قبل إنتهاء 90 يوما على بدء تاريخ عمله مع الشركة بدون منحه أي مهلة زمنية.
إنه من المعروف في حال مضي فترة زمنية تزيد عن 90 يوما من العمل لدى أي من تلك الشركات فإن ذالك يرتب على الشركة أو مالك الإمتياز تكاليف لها علاقة بتأمين صحي إلزامي وإجازات مدفوعة وزيادة في الأجور مجدولة زمنيا بعد فترة تقييم لأداء الموظف. الكثير من الشركات ترغب بالتنصل من تلك التكاليف ليس بسبب إنخفاض نسبة مبيعاتهم بل الجشع والأنانية فتقوم قبل مواسم الذروة بفترة زمنية بتوظيف عدد كبير من الأشخاص وفصلهم من أعمالهم قبل إنتهاء مهلة 90 يوما لتحولهم لموظفين دائمين. إن ذالك يعد من أساليب التدليس والغش وتقديم الوعود الزائفة التي تقدمها تلك الشركات لموظفيها حيث تقوم بفصل الموظف بحجة إنخفاض الإنتاجية او شكاوي من الزبائن أو تجاهل ظروف صحية مؤقته يمر بها. شركات أخرى تتحايل على القانون بتشغيل عمال بعقود مؤقته لمدة 90 يوما لكل عقد وبحد أقصى عقدين متتاليين حيث لاتكون في تلك الحالة ملزمة بتكاليف التوظيف من تأمين طبي وإجازات مدفوعة وغير ذالك من الإمتيازات.
إن أحد الجوانب السلبية لتلك الشركات التي تبحث عن الربح الفاحش هي ضررها على الإقتصاد في البلدان التي تنتشر فيها فروعها كما أنه هناك جانب أخر متعلق بترسيخ ثقافة إستهلاكية في تلك المجتمعات. إن تلك الشركات تقوم بمنح إمتياز علامة تجارية لمشغل معين أو مستثمر في أحد البلدان مقابل مبلغ سنوي يدفع تحت مسمى حقوق الملكية(Loyalties) حيث يكون ملزما بتحويل المبالغ التي يتوجب عليه دفعها للشركة الأم بالعملة الصعبة مما يؤدي إلى إستنزاف الإحتياطيات من العملات الأجنبية في بلدان قد تعاني من أزمة إقتصادية. وبالنسبة للبلدان التي تتمتع بمستوى دخل مرتفع وثقافة إستهلاكية متجذرة مجتمعيا فإن تلك الشركات لاتقدم أي مساهمة للإقتصاد المحلي سوف القيام بتوظيف عمالة أجنبية من المجدي إقتصاديا لها العمل مقابل تلك الأجور المتدنية بسبب فرق سعر صرف العملة في بلدانها الأصلية مما يسمح لها بتحويل جزء من راتبها الشهري لأسرها وأقاربها في بلدانها الأم. إن ذالك يؤدي لعزوف السكان المحليين خصوصا الشباب وممن يكونون في بداية حياتهم العملية من العمل في تلك الوظائف بسبب منافسة العمالة المحلية التي تقبل براتب شهري قد لايزيد عن 700 دولار بما يؤدي إلى زيادة نسبة البطالة.
شركة أخرى تعلن بإستمرار وتقوم بالترويج تحت شعار إدفع أقل كل يوم(Low Prices Everyday)  وهي الشركة الأشهر على مستوى العالم في مجال  البيع بالتجزئة, شركة وول مارت(Wal-Mart) حيث أثار فيلم وثائقي بعنوان  التكلفة العالية للأسعارالمنخفضة(The High Cost For low Price) الجدل حول الطريقة التي تعمل بها الشركة وتستغل موظفيها مع العلم انه هناك عشرات الأفلام الوثائقية التي تفضح الممارسات التي تقوم بها تلك الشركة وغيرها من الشركات في سبيل إستغلال الموظفين مقابل أجور زهيدة. الشركة تقوم على سبيل المثال بتوقيع الموظف على بوليصة تأمين على الحياة تجعل من متجر وول مارت الذي يعمل فيه الموظف هو المستفيد في حالة الوفاة. المشكلة أن الموظف لا يعلم ببوليصة التأمين تلك لأنه في الغالب يطلب منك وبشكل مستعجل التوقيع على مجموعة أوراق لايسمح له بإصطحابها للمنزل لقرائتها بتأني أو إستشارة محامي بشأنها بينما المسؤول يرمقه بنظرات حادة إن تأخر في التوقيع. أرملة أحد الأشخاص المتوفين ممن كان يعمل في الفترة السابقة لوقاته في أحد متاجر وول مارت تلقت زوجته بالصدفة ونتيجة خطأ من شركة التأمين تلك الرسالة الصادمة المتعلقة ببوليصة تأمين قام زوجها ومن غير علمه بالتوقيع عليها.
كما أن شركة وول مارت تعد مساهما رئيسيا في زيادة نسبة الفقر في المدن التي تقع فيها فروعها خصوصا في الولايات المتحدة وفي البلدان حيث يقع وكلاء وول مارت التجاريون ممن يقومون بتزويد الشركة بالبضائع حيث تضغط الشركة عليهم بإستمرار لخفض التكلفة حتى ولو على حساب الجودة أو على حساب تخفيض أجور عمالتهم بإستمرار. حتى داخل الولايات المتحدة فإن الحكومة الأمريكية تقوم وعلى حساب دافع الضرائب بتقديم دعم غير مباشر في تكاليف التشغيل لشركة وول مارت حيث أنه وبسبب الأجور المنخفضة وتكاليف المعيشة المرتفعة في كثير من المدن الأمريكية فإن نسبة كبيرة من موظفي وول مارت يتلقون مايسمى كوبونات الطعام(Food Stamps) ومايعرف بدعم الأجور(Wage subsidy) حتى يتمكنوا من شراء الطعام ودفع تكاليف مسكن.
إن الإستغلال القائم على الجشع والأنانية وحب المظاهر والثقافة الإستهلاكية تحول لأزمة مزمنة تهدد الإنسان والحيوان والبيئة وكوكب الأرض بحد ذاته. فوراء الألماس والحجارة الكريمة التي تملئ واجهات المحلات في مدينة أنتويرب البلجيكية إلى سبائك الذهب التي تعد الخيار المفضل للبنوك المركزية حول العالم, إلى خاتم خطبة ذهبي أو شبكة زفاف أو حتى حشوة سن ذهبية أو ساعة فاخرة, هناك تكمن أبشع مظاهر الإستغلال التي أصبحت مميزة للعصر الذي نعيش فيه, إنها العولمة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية.


Saturday, June 18, 2016

هل العولمة سبب رئيسي في تدمير المجتمعات وزيادة نسبة الفقر؟

الشركات ورؤوس الأموال العابرة للقارات والتي تشكل تحالفات مع القوى الإستغلالية والإقطاعية المحلية لشراء الأصول والشركات التي يفترض أنها متعثرة لايهمها إلا الربح على حساب جودة الخدمة وتوفيرها لأكبر قطاع من المستهلكين. فمن يملك ثمن إستهلاك المياه أو الكهرباء يستطيع الحصول على الخدمة وإلا فمصيره الموت عطشا والعيش في الظلام الدامس أو على ضوء الشموع إن كان قادرا حتى على شرائها.
هناك الكثير من الحجج التي يسوقها المناصرون لقضية العولمة ومنها أنها السبب الرئيسي لإنتشال مئات الملايين من البشر من فقرهم المدقع وزيادة نسبة الدخل وإنخفاض مستوى البطالة وذالك مردود عليهم لمجموعة أسباب. أول تلك الأسباب هي أن إتفاقيات التجارة الحرة قد أدت إلى إنتقال فرص العمل من الدول الغربية(Developed Country) حيث التكلفة المرتفعة إلى دول نامية(Developing Country) حيث الأجور منخفضة وبتطبيق نظرية الكم صفر(Sum Zero) فإن إنخفاض نسبة البطالة في الفلبين أو بنغلاديش أو المكسيك سوف يقابله إرتفاعها في الولايات المتحدة وأوروبا. ثاني تلك الأسباب أن الدول النامية سوف تبقى عاجزة عن القيام بأي إجرائات من شأنها الحد من تأثيرات العولمة السلبية خصوصا التشريعات المتعلقة بحماية العمال والمصادر الطبيعية من الإستغلال لأن أي دولة تقوم بذالك فسوف تكون التهمة جاهزة وهي الشيوعية كما في عصر الحرب الباردة أو يتم إشهار سلاح حقوق الإنسان لتبرير التدخل العسكري أو إحتلالها مباشرة أو إتهامها بالإرهاب كما حصل مع بعض الناشطين لحماية غابات الأمازون حيث تم إتهامهم بأنهم يتلقون السلاح والتدريب من متطرفين إسلاميين.
لست أفهم كيف ينظر المؤيدون للعولمة بنظرة إيجابية لأحياء الفقر والتهميش التي يسكنها العمال الفقراء في بنغلاديش وفيتنام وأندونيسيا والذين يعملون على صناعة أحذية وحقائب يد نسائية وألبسة جاهزة لصالح ماركات تجارية عالمية؟ كيف ينظرون لإرتفاع نسبة الجريمة وحوادث الإغتصاب والإستغلال الجنسي في المدن المكسيكية حيث تنتشر مصانع الألبسة والمنسوجات التي تعمل لصالح شركات أمريكية وأوروبية؟ كيف ينظرون لتلك الأماكن حيث لايتمتع العمال بأي حقوق أو إجازات مدفوعة وترتفع نسبة الفقر بسبب الأجور الزهيدة التي بالكاد تكفي لدفع تكلفة الطعام والسكن في أماكن تعتبر مكاره صحية وبيئية حيث يعاني العمال وأسرهم من الأمراض والأوبئة وترتفع نسبة وفيات المواليد الجدد؟
ولايكتفي أنصار العولمة بالدفاع عن وجهة نظرهم وهو دفاع فاشل بإمتياز بل يمتد إلى إنتقاد الدول الأخرى التي لاتطبق تلك المفاهيم بحذافيرها حيث يعتبرون منح العمال إجازات مدفوعة الأجر وإجازات ولادة أمورا غير مستحبة ويعدونها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن إنخفاض الإنتاجية بينما العكس هو الصحيح حيث تكفي نظرة معمقة لبلدان مثل فرنسا, إيطاليا, ألمانيا, فنلندا, السويد والدانيمرك خطأ وجهة نظرهم. في السويد لايتم إلقاء المرضى خارج المستشفيات لأنهم لايملكون ثمن العلاج. في الدانيمرك يتم منح الطلاب راتبا ماداموا منتظمين في دراستهم. في ألمانيا وإيطاليا يتم منح العاملين حتى في الشركات الخاصة إجازات سنوية مدفوعة الأجر وإجازات أمومة تعد مرتفعة نسبيا قياسا بدول غربية أخرى قد لا تزيد فيها إجازة الأمومة عن 5 أشهر. المدارس الفرنسية في المناطق الأكثر فقرا تعد وجبات طعام لطلابها أفضل من أفخم الفنادق في منطقة الشرق الأوسط والخدمة في تلك المدارس خمسة نجوم. فنلندا تتمتع بأحد أرقى الأنظمة التعليمية في العالم حيث تتفوق حتى على الولايات المتحدة بنظامها التعليمي.
حتى وسائل الإعلام أصابتها عدوى العولمة حيث يمتلك عدد صغير جدا من الشركات قد لايتعد ستة أو سبعة شركات أغلب الوسائل الإعلامية على إختلافها من الصحف والمجلات والإذاعات وشركات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني. تلك الشركات تدافع عن مصالحها بشراسة وتتعمد مهاجة الأطراف الأخرى, تضخيم السلبيات وإخفاء الإيجابيات والإنجازات والترويج لنموذج إقتصادي قائم على إستغلال الطبقات الأكثر فقرا وعوزا حتى يزدادو في الفقر ويزدادو هم وداعميهم ثراء ونفوذا وسطوة.
رموز العولمة كأشهر ماركات الساعات والأزياء والعطور ليست هي النموذج الوحيد على نجاح المفهوم من الناحية العملية بل هناك سلاسل مطاعم الوجبات السريعة وهي تختلف عن الفئة الأولى التي ذكرت أنها تستهدف الطبقة الوسطى بشكل رئيسي. إن وجود طبقة وسطى مؤثرة في أي مجتمع أو بلد لا على التعيين يعد دليلا على تجربة عولمة نموذجية ومثالية حيث أن تلك الطبقة قادرة على دعم وجود ماكدونالدز وكي. إف. سي وغيرها من شركات وجبات المطاعم السريعة.
تلك النظرة تعد قاصرة برأي لأنه في الكثير الدول التي تنتشر مطاعم الوجبات السريعة خصوصا ماكدونالدز وقوسها الذهبي المشهور ينتشر الفقر والجوع خصوصا المتسولين الذين قد ينتظرونك عند أحد تلك المطاعم يستجدون الزبائن والمارة. في الكثير من الدول الغربية وهي مليئة بمطاعم الوجبات السريعة ومقاهي شركات عالمية يتم بث إعلانات متلفزة حكومية تحذر من ظاهرة الفقر والجوع محليا وليس في أدغال أفريقيا وتحذر من إنتشار ظاهرة الإختيار بين سقف يؤوي الأسرة أو تناول ثلاثة وجبات في اليوم وتحث على التبرع لبنوك الطعام. كما أن شركات المطاعم السريعة لاتقدم أي مساهمة في تنمية الإقتصاد المحلي حيث يعيش نسبة كبيرة من موظفيها خصوصا في الدول الصناعية على كوبونات الطعام الحكومية والإعانة الإجتماعية على الرغم من حصولهم على عمل بدوام كامل وتعد عبئا بيئيا وصحيا خصوصا بسبب طريقة إعداد منتجاتها ومصدر تلك المنتجات من شركات تعتمد أسلوب الزراعة المكثفة والأغذية المعدلة وراثيا ومزارع الحيوانات التي تحقنها بهرمونات النمو والمضادات الحيوية بكثافة. محلات بيع التجزئة(وول مارت - Walmart) تعد أيضا نموذجا لتطبيق ونجاح مفهوم العولمة من الناحة النظرية ولكن بالتدقيق في سيرتها الذاتية نجد عدد كبيرا من موظفيها ممن يعملون بدوام كامل خصوصا في الولايات المتحدة يعيشون تحت خط الفقر بسبب أجورهم المنخفضة ويحصلون على إعانات ومساكن وكوبونات طعام حكومية.
كما أن ثورة الإتصالات والمواصلات وخصوصا الإنترنت قد تكون سببا في إقتراب حضارات وثقافات من بعضها البعض ونشوء صراع بينها للإستحواذ على مساحة ضيقة في العالم الذي تحول إلى قرية صغيرة تزداد ضيقا. هناك فترة طويلة جدا قد تقاس بالسنين الضوئية قبل أن يعم إستخدام الإنترنت خصوصا في البلدان النامية بحيث تكون عاملا إيجابيا وسببا في تضييق الفجوة الإقتصادية التي كانت العولمة سببها رئيسيا فيها.
النهاية

Friday, January 1, 2016

كيف تؤثر أسعار النفط المتذبذبة على التركيبة الديمغرافية والإقتصادية لأوروبا والعالم؟

هناك ظاهرة بدأت تنتشر في أوروبا والولايات المتحدة بشكل عام خصوصا في الفترة التي تلت أزمة الرهون العقارية سنة 2007\2008 حيث من الممكن ملاحظة إشغال الوظائف من من قبل من هم من المفترض أنهم في سن التقاعد حيث من المتوقع زيادة تلك الفئة بنسبة 85% في الولايات المتحدة خلال الفترة الممتدة بين 2006\2016 وذالك بحسب مكتب إحصاء القوى العاملة الأمريكي. في كندا فإن حكومة رئيس الوزراء الكندي السابق ستيفن هاربر قامت برفع سن التقاعد من 65 سنة إلى 67 سنة.
الدول الأوروبية كانت الأكثر تضررا من موضوع العامل الديمغرافي والذي يكون حاضرا وبقوة خصوصا خلال الأزمات الإقتصادية حيث من الشائع خصوصا في الوسائل الإعلامية إلقاء اللوم على العمالة الأجنبية. في السابق وفي عهود الرخاء الإقتصادي فإن الدول الأوروبية كانت دوما ترحب بالعمالة المهاجرة خصوصا العمالة الغير ماهرة في مجالات كالبناء والخدمات ولكن الوضع تغير في الفترة الأخيرة خصوصا مع موجات اللاجئين التي تعد بمئات الألوف وإزدياد نسبة البطالة ومشكلة الديون السيادية الأوروبية. نائبة في البرلمان الأوروبي سألت في أحد الجلسات المنعقدة عن مقدرة الدول الأوروبية التي تعاني من أزمة كساد إقتصادي ونسب بطالة تعد مرتفعة على توفير فرص عمل لذالك العدد من اللاجئين حيث من المتوقع أن تستقبل ألمانيا مليون لاجئ. الكثير من الدول الأوروبية بدأت في إعادة النظر في إتفاقيات الحدود المفتوحة مثل الشنغن والإتفاقيات المنظمة لإنتقال الأشخاص بين الدول الأوروبية وتحصين حدودها ببناء جدران شائكة وتحصينات لوقف تدفق اللاجئين ووقف الهجرة الغير شرعية.
لا أحد في دوائر صنع القرار الأوروبي والنخب السياسية الأوروبية وحتى المواطن الأوروبي الذي لايتعاطى السياسة عادة يستطيع أن ينفي القلق الذي يعتريهم بسبب المشكلة الديمغرافية لسببين رئيسيين. السبب الأول له علاقة بتاريخ أوروبا وظهور الحركات الفاشية والنازية والتي إرتبطت بتدني الوضع الإقتصادي وزيادة نسبة البطالة. السبب الثاني هو أن موجات اللجوء والهجرة الأخيرة تتشكل في أغلبها من المسلمين اليافعين. هناك من يخشى من ظهور الفاشية الإسلامية بسبب لجوء مئات الألاف من المسلمين إلى دول  أوروبا وإنتشار البطالة في صفوفهم وفشلهم في الإندماج مع المجتمعات الغربية مقابل ظهور الفاشية الغربية في أوساط الشباب الأوروبي الذي يعاني من البطالة والوضع الإقتصادي المتدهور. إن ذالك القلق لا يأتي من فراغ فهناك تصاعد في شعبية الأحزاب اليمينية في عدد من البلدان منها الدانيمرك حيث فازت حكومة لها أجندات معادية للهجرة واللاجئين وبدأت في التضييق عليهم بإصدار القوانين منها مصادرة ممتلكات اللاجئين الشخصية عند عبورهم الحدود لمساعدة الحكومة في نفقات اللاجئين.
لمحاولة إمتصاص الأزمة الإقتصادية والتخفيض من نسب البطالة فقد قامت الحكومة الألمانية على سبيل المثال بإخراج برنامج  (Kurzarbeit) لمشاركة الوظائف إلى حيز الوجود حيث بلغت ميزانيته سنة 2011 تقريبا 5 مليارات يورو ويتم إستخدامه خلال الأزمات الإقتصادية لإبقاء مستوى البطالة منخفضا ومساعدة الشركات على الحفاظ على عمالتها الماهرة والمدربة خلال فترات الكساد الإقتصادي. إن برنامج (Kurzarbeit) من المفترض أن يكون مؤقتا ولكنه بسبب الركود الإقتصادي فقد تحول إلى سمة دائمة من سمات الإقتصاد الألماني كما أن هناك عدد من البلدان تقوم بتطبيق نسخة ممثالة(Income Supplementation) وإن إختلفت التسميات أو بعض التفاصيل الثانوية.
هناك نقطة مهمة متعلقة بإنخفاض أو أرتفاع أسعار النفط وهي تهم الأسواق المحلية ومتعلقة مباشرة بها وهي هجرة فرصة العمل لأسواق خارجية أخرى أكثر جذبا بسبب عدة عوامل إقتصادية منها عمالة رخيصة وماهرة.
إن تلك النقطة تحديدا والمتعلقة بالعمالة الرخيصة تعد نقطة جذب لمئات الشركات التي قررت نقل أعمالها للصين والهند وبلدان أسيوية أخرى خصوصا في الفترة التي سبقت الأزمة الإقتصادية ٢٠٠٧ - ٢٠٠٨ والتي بدأت بإنهيار سوق الرهون العقارية في الولايات المتحدة.
بالطبع نستطيع تطبيق نفس مبدأ  الكمية صفر (Sum Zero) ولكن بنظرة واقعية فإن دخول الصين والهند إلى عالم الصناعة والخدمات قد حمى العالم من إرتفاع مستوى التضخم وأبقاه في حدوده المعقولة. إذا تجولت في أحد فروع أسواق وول مارت (Wal-Mart) في أي دولة في العالم فإنك سوف تتسائل إن كان وول مارت شركة مقرها الصين حيث أن أغلب البضائع تجد عليها عبارة صنع في الصين. وإذا إتصلت بقسم خدمة العملاء في مايكروسوفت أو أي شركة أخرى أو حتى البنك الذي تتعامل معه فسوف يجيبك شخص بالإنجليزية ولكن بلكنة أسيوية من الهند أو حتى من الفلبين.
ولكن هل يمكن الحفاظ على تلك المعادلة في ظل إرتفاع أسعار النفط وتخطيها حاجز ١٠٠ دولار للبرميل؟
إن الحاصل مؤخرا أنه ونتيجة لإرتفاع أسعار النفط فإن الأسواق المحلية تشهد عودة تلك الوظائف التي هاجرت للخارج بحثا عن عمالة رخيصة ومدربة. إن هجرة فرص العمل في ظل ٢٠ دولارا كسعر لبرميل النفط من الممكن أن يجعل نحقيق أرباح أمرا ممكنا ولكن في ظل إرتفاع سعر النفط وتخطيه حاجز ١٠٠ دولار فإن تكلفة أسعار نقل المواد الخام والإنتاج كفيلة بتقليص تلك الأرباح بل وتحويلها إلى خسائر.
هناك أيضا ترسانة قوانين في أمريكا وكندا وبلدان أوروبية أخرى مصصمة لجذب رؤوس الأموال المهاجرة وذالك بفرض ضرائب على أرباح الشركات حتى لو كانت تقوم بتصنيع منتجاتها أو تقديم خدماتها خارج أراضي البلد الأم.
إن عودة رؤوس الأموال المهاجرة إلى وطنها الأم هو أحد إيجابيات إرتفاع أسعار النفط وهناك إيجابية أخرى متعلقة بإرتفاع كلفة التنقل حتى داخل البلد نفسها مما سوف يؤدي إلى توزيع عادل للمشاريع والمصانع وعدم تركيزها في منطقة واحدة أو مدينة معينة كما في فورت ماكماري (Mcmurray) التي تقع في مقاطعة ألبرتا الكندية حيث أدى الفورة النفطية إلى تضخم غير مسبوق في أسعار العقارات وإيجارات المنازل والذي أدى بدوره إلى إبتلاع نسبة كبيرة من المداخيل الشهرية.
تأثير إرتفاع أسعار النفط لا يتوقف على رؤوس الأموال المهاجرة أو كلفة إيجارات المنازل أو أسعار بيعها أو شرائها بل يمتد ليشمل نواحي أخرى قد لا تخطر على بال من ينظرون للموضوع نظرة تقليدية.
إن إرتفاع أسعار النفط قد يؤثر على الوظائف المحلية بسبب الحاجة إلى تقليل النفقات لمواجهة إرتفاع أسعار الفاتورة النفطية وقد يكون التأثير المتوقع على ثلاثة محاور هي تقليص الإمتيازات والرواتب والحوافز الشهرية مع الإستغناء عن أقل عدد ممكن أو تقليص فرص العمل المتوفرة بشكل حاد مما يؤدي إلى إرتفاع مستوى البطالة أو اللجوء للشركات الخاصة. النقابات العمالية في الغرب تقاوم أي تقليص لفرص العمل أو الإمتيازات وتتسلح بترسانة قانونية تجعل فرض أي حل بدون موافقة النقابات أمرا صعبا حيث أنه ومع تزايد نزعة النقابات العمالية للتمسك بموقفها تجد الحكومات أنفسها مضطرة إلى اللجوء إلى الشركات الخاصة وإحالة مهام تقديم الخدمات إليها مما يؤدي إلى تقليص الأجور والإمتيازات بشكل حاد ولكن مع الإبقاء على أكبر عدد ممكن من فرص العمل. ولنأخذ مثالا مدينة تورنتو الواقعة في مقاطعة أونتاريو الكندية حيث وجد محافظ المدينة الجديد نفسه أمام مشكلة بعد الإنتخابات البلدية متعلقة بعقود عمال النظافة حيث كان هناك جدل إنتخابي بخصوص الإبقاء على عقود تمنحهم إجازة مرضية مدفوعة تبلغ ١٨ يوما سنويا أم تقليص تلك المدة أو حتى إلغائها أو قد يكون الحل الإستغناء عن الخدمة من أساسها وهو حل مستحيل وغير منطقي. مدينة تورنتو كانت تواجه أزمة ميزانية وأن يكون هناك بند في عقود عمال النظافة أن من حقهم قضاء ١٨ يوما مدفوعا في منازلهم بدون أي حاجة حقيقية هو رفاهية لا تستطيع ميزانية المدينة تحملها. محافظ المدينة الجديد قادم من الضواحي حيث خدمة جمع القمامة تم منح مهمة القيام بها لشركات خاصة منذ وقت طويل وهو يسعي لتطبيق ذالك داخل المدينة نفسها. النقابات التي تمثل العمال سوف تقاوم توجهات المحافظ الجديد ولكن في تلك الحالة فإن العمال سوف يواجهون خيارات صعبة تتخلص بالقبول بعقود عمل جديدة وواقعية تراعي الميزانية المحدودة أو خسارة أعمالهم لصالح شركات خاصة توظف عمالا لا يتم الدفع لهم لكي يلتزموا منازلهم ١٨ يوما في السنة بسبب أعذار مرضية وهمية.
إن دخول القطاع الخاص على خط الأزمة لن يكون محدودا بشركات جمع القمامة بل سوف يشمل الجامعات وتجديد رخص قيادة المركبات وحتى الجسور المتهالكة والطرق التي يتم تعهد تجديدها أو بناء المزيد منها من قبل الشركات الخاصة مقابل منحها إمتيازات تشغيلها مقابل رسوم لفترة زمنية قد تصل لخمسة وعشرين عاما تزيد أو تنقص بحسب بنود العقد. جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تعد أغنى جامعة في العالم أعلنت عن هبات وتبرعات قد بلغت أكثر من ٣٢ مليار دولار أمريكي. وبالنسبة لقطاع الإسكان فإنه من المتوقع أن يمتد التأثير أكثر من أسعار المنازل ليشمل أحجامها حيث سوق تقل نسبة المنازل ذات المساحة الضخمة والتي تستهلك كمية أكبر من الطاقة لصالح منازل ذات أحجام إقتصادية ومعقولة.
هناك نظرية إقتصادية تنسب لأحد الإقتصاديين الذين عاشوا في القرن التاسع عشر ثورستين قيبلين (Thorstein Veblen) وتدعى الإستهلاك الظاهري أو التظاهري (Conspicuous consumption). ملخص تلك النظرية هي أن ذالك النوع من الإنفاق مدفوع برغبة الأشخاص إلى إبراز الوضع الإجتماعي بدلا من شراء مايحتاجون إليه فعليا وإن كان ذالك بالمجمل قد لا يؤدي إلى زيادة الرضا عن لاذات ولا إلى زيادة سعادة الشخص. نظرية الإستهلاك الظاهري أو التظاهري مدعومة بإحصائيات تذكر أنه في الولايات المتحدة ورغم تضاعف الدخل الشخصي للفرد الواحد إلى أكثر من مرتين منذ الحرب العالمية الثانية فإن المواطنين هناك أقل سعادة بمقدار ١٩ مرة عن مواطني دولة مثل الدانيمرك والتي لا تقارن من ناحية الدخل والثروات الطبيعية والشخصية بالولايات المتحدة.
التأثير الذي سوف يحدثه إنخفاض أو إرتفاع أسعار النفط على الإقتصاد سوف يتجاوز المفهوم التقليدي لأسواق العمل والإنسيابية في حركة القوى العاملة حيث أن تعريف السن المناسب لتصنيف شخص ضمن القوى العاملة بين سن 15-65 عاما سوف يتغير خصوصا مع متوسط العمر المتوقع وتحسن أنظمة الرعاية الصحية مما يزيد قابلية الشخص للعمل رغم تقدمه في السن. إن الأزمة التي تعانيها صناديق التقاعد بسبب زيادة أعداد المتقاعدين وإرتفاع نسبة البطالة أدى إلى إعتمادها أكثر وأكثر على الدخل الناتج من إستثماراتها في أسواق المال والأسهم وهي معرضة لهزات إقتصادية حيث تعاني الكثير من صناديق التقاعد من عجز مزمن عن الوفاء بإلتزاماتها مما سوف يجعلها ملزمة بإجراء التعديلات على أنظمة معاشات التقاعد وإمتيازات المتقاعدين حيث سوف تجبر التخفيضات في الإمتيازات التقاعدية بسبب العامل الإقتصادي والمشكلة الديمغرافية المتقاعدين على البحث عن فرصة عمل حتى لو كانت بدوام جزئي مما سوف يزيد الضغط على سوق العمل الذي يعاني من إرتفاع مستوى البطالة وإزدياد نسبة العاطلين عن العمل.
إن كل ماسبق ذكره في هاذا الموضوع قد أدى تكون جيل جديد بفعل تلك الحركات والتيارات الإقتصادية خصوصا إثر إلغاء القرارات التي تمنع تداخل الأعمال بين البنوك التجارية والإستثمارية وتمنع البنوك التجارية من إمتلاك مكاتب مضاربة, جيل من الأبناء يختلف عن والديه, جيل يتخلى عن الرفاهيات لصالح حياة بسيطة وغير معقدة. جيل فقد الثقة برأسمالية منفلتة من عقالها وأصبح ينظر لشخص يلبس بدلة بربطة عنق ويرتدي ساعة رولكس ذهبية ليس على أنه مستثمر ناجح في وول ستريت أو في البورصات والأسهم بل كشخص يتطلع لأقرب فرصة كي يحتال على القانون لجمع ملايين الدولارات وترك أشخاص كثيرين في حالة خسارة وحزن لفقدان إستثماراتهم أو مدخرات تقاعدهم.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية