Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label دين سيادي. Show all posts
Showing posts with label دين سيادي. Show all posts

Friday, July 16, 2021

مشكلة الديون الأمريكية قنبلة موقوتة تهدد الاقتصاد العالمي

هناك قاعدة اقتصادية معروفة وهي أنه لا يمكن لأي دولة أن تستمر في الاستدانة الى ما لا نهاية وإلا سوف ينهار إقتصادها تحت وطأة الديون حتى لو كانت الولايات المتحدة. وبالرجوع الى ساعة الدين القومي الأمريكي, يبلغ الدين السيادي الأمريكي ما يزيد عن 28 تريليون دولار. وذلك يعني أن نصيب كل طفل أمريكي منذ يوم ولادته من الدين يبلغ 85 ألف دولار تقريبا ونصيب كل مواطن أمريكي يدفع الضرائب هو 226 ألف دولار. وتبلغ الميزانية الفيدرالية 6.8 تريليون دولار بينما يبلغ عجز الموازنة 3.3 تريليون دولار وعائدات الضرائب 3.5 تريليون دولار. كما أن نسبة الدين الفيدرالي الى الناتج الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 128%. هناك الكثير من الأرقام المفزعة التي تخبرنا بها ساعة الدين القومي منها أن ضرائب الشركات بلغت 264 مليار دولار فقط.

الولايات المتحدة هي دولة مدنية وليست دائنة مثل الصين التي يبلغ حجم دينها القومي ما يزيد عن 8 تريليون دولار. ولكن الصين في الوقت نفسه تمتلك أصولا في سندات الدين لدول أخرى تبلغ 3 تريليون دولار منها 1.5 تريليون دولار هي حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية. المشكلة ليست في الأرقام التي نراها على ساعة الدين القومي أو عندما نتحدث عن ديون الصين أو مشكلة الديون بشكل عام, بل المشكلة هي في أن الأرقام الحقيقية على أرض الواقع. في الولايات المتحدة هناك سندات تصدرها حكومات الولايات والبلديات والشركات مثل جنرال موتورز وجنرال اليكتريك ديون الرهن العقاري والبطاقات الإئتمانية والطالب الجامعي. كما أنه هناك ديون مستحقة على الحكومة الأمريكية لصالح صناديق التقاعد والرعاية الطبية. ولو جمعنا كل تلك الأرقام لوجدنا أن رقم 28 تريليون دولار يعتبر رقما متواضعا. 

إذا نحن أمام قنبلة حقيقة لأنه لا يوجد بنك في أي دولة في العالم أو رجل أعمال من الأثرياء أو صندوق تحوط إلا أن يكون قام بشراء سندات دين أمريكي أو أدوات مالية مدعومة برهانات الديون على إختلاف أنواعها مثل ديون الرهن العقاري منخفض الجودة(Subprime Mortgage) والتي كانت السبب في الأزمة الإقتصادية 2007-2008 والكساد الاقتصادي الذي مازال العالم يعاني منه حتى يومنا هذا. ولايوجد أي ضمان لذلك الجبل من الديون سوى كلمة ثقة من الحكومة الأمريكية. ولكن علينا أن لا ننسى أن الولايات المتحدة تعرضت الى تخفيض تصنيفها الائتماني لأول مرة في تاريخها سنة 2011 من وكالة ستاندرد اند بورز وذلك من AAA الى AA+ مما يعني عدم ثقة الوكالة في نجاح الإدارة الأمريكية تجاوز أزمة عجز الموازنة الفيدرالية وهو ماتم في نهاية الأمر بشق الأنفس.

والسؤال هو ماذا لو رفضت الولايات المتحدة دفع ديونها أو الفوائد أو حتى أعلنت إفلاسها؟

للإجابة على ذلك السؤال هناك نقطة أخرى مهمة لا بد من ذكرها وهي أن الولايات المتحدة تحتفظ بكميات ضخمة من الذهب في بنوكها خصوصا بنك الإحتياطي الفيدرالي, وزارة الخزانة الأمريكية وقاعدة فورت نوكس العسكرية وكمية كبيرة من ذلك الذهب يعود الى دول أوروبية قامت بإرسال إحتياطي الذهب الى الولايات المتحدة خلال فترة الحرب العالمية الثانية حتى لا تستولي عليه القوات النازية. كما أن هناك كميات ذهب مودعة تعود الى دول في أمريكا اللاتينية منها فنزويلا.  الولايات المتحدة سوف تصادر تلك الكميات من الذهب وترفع سعر الأونصة وتدفع الى الدول بدلا عن ذهبها دولارات مطبوعة حديثا. وقد يصل سعر الأونصة من الذهب بين 10 آلاف و 50 ألف دولار حيث يعتمد ذلك على المعايير التي يتم بواسطتها تحديد كمية الكتلة النقدية. كما سوف تقوم الولايات المتحدة بالعودة الى صيغة ما من معيار الذهب وإصدار الدولار الذهبي الأمريكي الذي سوف يصبح العملة الاحتياطية العالمية الجديدة. 

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Sunday, January 10, 2016

الفوضى وسيناريوهات الإنهيار الإقتصادي القادم

في حال فشل جميع السيناريوهات التي يقترحها المختصون لإنقاذ الوضع الكارثي الذي وصل إليه الإقتصاد العالمي فسوف يكون الحل هو فوضى إقتصادية ومالية سوف تتجاوز جميع الإنهيارات الإقتصادية السابقة. وكما أن حادثة إحراق البوعزيزي نفسه في تونس كانت الشرارة التي تم إستغلالها لإخفاء مايسمى الربيع العربي الذي إنتشرت شرارته من تونس إلى مجموعة بلدان أخرى, وكما كانت حادثة إنهيار بنك ليمان برثرز الشرارة التي شهدت أسوأ إنهيار إقتصادي كان الأسواء حتى تاريخه, فما هو العامل المحفز الذي سوف يكون السبب في الإنهيار الإقتصادي القادم الذي سوف يكون له تأثير كارثي سوف يجعل كافة الإنهيارات السابقة عبر التاريخ في حجمها مقارنة بالإنهيار القادم تكاد لا تذكر.
قد يكون العامل المحفز لإنهيار الدولار مثلا إمتناع الصين والتي تعد أكبر مستثمر في سندات الدين التي تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية عن المشاركة في مزاد يقام لشراء تلك السندات مما قد يعني فقدان الثقة بالدولار من أكبر دولة تعد مستثمرة فيه.
هناك سيناريو أخر قد يكون قرار بنك الإحتياطي الفيدراليي الأمريكي برفع مستوى الفائدة مما يعني إرتفاع كلفة خدمة الدين في الولايات المتحدة وكساد إقتصادي عالمي بسبب إنخفاض مستوى السيولة اللازمة لتمويل المشاريع على مستوى العالم.
هناك سيناريو مماثل ولكنه هذه المرة سوف يكون مسرحه أوروبيا مثل فشل مزاد على سندات الدين في بلد مثل إسبانيا أو حتى اليونان حيث سوف تقوم الحكومة اليونانية بطرح سندات دين حكومية لن تجد قبولا بين المستثمرين والممولين الدوليين الذي سوف يفقدون الثقة بقدرة اليونان على السداد وبقدرة الإتحاد الأوروبي على إنتشال اليونان من براثن إرتفاع مستوى دينها الحكومي السيادي. دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا سوف تحاول إنقاذ سمعة اليورو بحزمة إنقاذ إقتصادية مقابل شروط قاسية تفرضها على اليونان أو إسبانيا أو أي بلد أخر بأمس الحاجة للسيولة. تلك الإجرائات والشروط القاسية والتي قد تشمل تسريح أعداد كبيرة من الموظفين الحكوميين وزيادة الضرائب وخصوصا على الحسابات البنكية التي تزيد المبالغ المودعة فيها عن مبلغ محدد كما حصل في قبرص وتقليص معاشات التقاعد وإمتيازات المتقاعدين مما سوف يتسبب بإضطرابات لن تقتصر على بلد واحد بل سوف تشمل القارة الأوروبية.
إنسحاب بريطانيا من الإتحاد الأوروبي قد يكون عامل إرتكاز للأزمة القادمة حيث يشير الكثير من المختصين إلى إعتبار بريطانيا حصان طروادة في الإتحاد الأوروبي حيث قد يؤدي إنسحاب أي بلد منه كبريطانيا أو طردها منه كاليونان إلى بداية أزمة وإنهيار للعملة الأوروبية الموحدة(اليورو) والذي سوف يكون كنطفة الثلج التي سوف تتسبب ببداية إنهيار ثلجي على مستوى كبير سوف يجرف كل مافي طريقه.
الرئيس الأمريكي سوف يتخذ قرارات عاجلة مماثلة لتلك التي إتخذها الرئيس السابق ريتشارد نيكسون سنة 1971 وهي فرض ضريبة 10% على كافة الواردات الأجنبية للولايات المتحدة ومصادرة الذهب العائد للبلدان الأجنبية والذي تم إيداعه في حوزة الحكومة الأمريكية بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى والثانية والتعويض لتلك البلدان بدولارات مطبوعة حديثا وبسعر تحدده الحكومة الأمريكية للأونصة. السعر المقترح هو في مدى 3500 دولار - 7500 دولار للأونصة من الذهب للتغطية على الكتلة المالية المتضخمة للدولار في الأسواق العالمية. هناك دول عديدة بالفعل قد بدأت منذ فترة ليست بالبسيطة في المطالبة بذهبها المودع لدى الحكومة الأمريكية وخصوصا فنزويلا وفرنسا التي إستردت كميات معتبرة من سبائكها الذهبية.
الرئيس الأمريكي قد يقوم بتفعيل قانون (IEEPA - International Economy Emergency Economic Powers Act) وهو القانون الذي أصدره الرئيس الأمريكي جيمي كارتر سنة 1977 لمواجهة إحدى أسوأ الأزمات الإقتصادية التي عانى منها الإقتصاد الأمريكي وهو مماثل لقانون أصدره سنة 1917 الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت وهو قانون(Trading with the Enemy Act) ويفرض فيه عقوبات على الهيئات والمؤسسات والأشخاص الذي يتاجرون مع دول تعتبر عدوة للولايات المتحدة خصوصا ألمانيا القيصرية.
هناك شرطين أساسيين من الواجب توفرهما لتفعيل قانون (IEEPA). الشرط الأول هو تهديد خارجي تتعرض له الولايات المتحدة والثاني هو موافقة الكونجرس الأمريكي على الرغم من أنها تعد موافقة شكلية حيث يمتلك الرئيس الأمريكي صلاحيات تكاد تكون مطلقة للتصرف في مثل تلك الحالات.
الرئيس الأمريكي سوف يطل من خلال القنوات التلفزيون في أوقات الذروة حيث تتم إذاعة برنامج تلفزيوني شهير حيث سوف يتم قطع بث البرنامج بطريقة دراماتيكية ليطل الرئيس الأمريكي ليعلن عن إتخاذ مجموعة من الإجرائات بشكل عاجل وفوري. تلك الإجرائات سوف تشمل التالي:
  • تعيين لجنة مؤلفة من كبار مساعدي الرئيس الأمريكي المختصين بالشؤون الإقتصادية والمالية ومن كبار رجال المال والأعمال في وول ستريت وكبار مدراء البنوك للنظر في حلول للأزمة الإقتصادية ومحاولة إنقاذ الإقتصاد مايمكن إنقاذه.
  • مصادرة جميع الإحتياطيات الذهبية المملوكة من قبل بنوك وحكومات أجنبية ونقلها لحوزة وزارة الخزانة الأمريكية على أن يتم تعويض أصحابها في وقت لاحق ووفق معايير تقررها حكومة الولايات المتحدة.
  • سوف يتم تعليق جميع المدفوعات المترتبة على حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لجهات أجنبية والمحفوظة من قبل بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي في سجلاته الإلكترونية ويتم منح الجهات المالكة لتلك المدفوعات عائدات عبارة عن فوائد يتم تقريرها من قبل اللجان المسؤولة التي يعينها الرئيس الأمريكي.
  • يتم إلزام جميع الجهات مثل صناديق الإحتياط والبنوك المركزية والممولين والمستثمرين المالكة لسندات الدين الحكومية التي تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية بالإحتفاظ بسجل بتلك الإستحقاقات بقيمتها عند إعلان الرئيس الأمريكي حتى موعد إستحقاقها.
  • المؤسسات المالية والإقتصادية الأمريكية سوف تقوم وبالتنسيق مع بنلك الإحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة بشراء جميع إصدارات سندات الدين الحكومية الأمريكية لضمان توفير السيولة ومحاولة إنقاذ الوضع الإقتصادي المنهار.
  • أسواق البورصات والأسهم سوف يتم إغلاقها ولن يعاد إفتتاحها حتى إتخاذ قرار من اللجنة المختصة والتي شكلها الرئيس الأمريكي إثر خطابه التلفزيوني.
  • جميع صادرات الذهب من الولايات المتحدة سوف يتم تعليقها حتى إشعار أخر.
  • سوف يتم منع المؤسسات والأشخاص في الولايات المتحدة من الإحتفاظ بأي كمية من الذهب تتجاوز الكمية التي يتم الإعلان عنها مع بعض الإستثنائات مثل أطباء الأسنان ومن تتطلب طبيعة عملهم التعامل بكميات معينة من الذهب بشكل يومي كأطباء الأسنان. إن القرار التنفيذي رقم 6102 الذي أصدره الرئيس الأمريكي فرنكلين روزفلت سنة 1933 ويحظر على الأفراد والمؤسسات تحت طائلة عقوبات مشددة إختزال أي كمية من الذهب تتجاوز 5 أونصات بما يعادل 100 دولار بسعر 20 دولار للأونصة في ذالك الوقت يعد الأقرب لما سوف يصدر إلى الإنهيار الإقتصادي القادم.

إن تلك الإجرائات الإقتصادية التي سوف يتم إتخاذها بشكل عاجل قد تنجح في وقف الإنهيار بشكل مؤقت ولكنها لن تمنعه إن لم يتم إتخاذ حزمة إجرائات أخرى أحدها متعلق بتفعيل قانون(جلاس-سيجال) والذي أصدره الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت سنة 1933 إثر أزمة الكساد العظيم والمتعلق بالفصل بين البنوك التجارية والإستثمارية والذي تم إلغائه في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون. إن تنظيم الأدوات المالية كالعقود المستقبلية والمشتقات والتجارة الإلكترونية في البورصات والأسهم سوف يكون أحد تلك الإجرائات الواجب إتخاذها ضمن أجندات إصلاح النظام المالي والإقتصادي في الولايات المتحدة الذي تضخم لدرجة أن أي ضعف يصيبه فلن يقتصر التأثير على الولايات المتحدة بل على العالم بأجمعه فكيف إذا كان إنهيارا إقتصاديا يتجاوز في حجمه وخسائره المالية أي كارثة إقتصادية ومالية سبقته؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Thursday, July 16, 2015

أزمة الديون السيادية الأمريكية وتأثيرها على التصنيف الإئتماني للولايات المتحدة

ينقل عن الكاتب الروائي الأمريكي الأشهر أرنست همينغوي في روايته "الشمس تشرق أيضا" حوار بين شخصين هما بيل ومايك حيث يسأل الأول الثاني عن كيفية إعلان إفلاسه فيجيبه: بالتدريج, بالتدريج ثم فجأة. السؤال الذي يطرح نفسه هذه الأيام وهو بطل النقاشات بلا منازع عن الدولار الأمريكي وإنهياره وبالتالي إنهيار الولايات المتحدة من الناحية الإقتصادية وإنتهاء عهد السيطرة والهيمنة الأمريكية على العالم.
من الناحية الإقتصادية فالولايات المتحدة سوف لن تنهار إقتصاديا بالطريقة التي يتخيلها البعض حتى وإن إنهارت عملتها وفقدت قيمتها فالدولار فقد 98% من قيمته منذ بداية تداوله أيام الرئيس الأمريكي السابق إبراهام لينكولين وهو الأن في إرتفاع بسبب عدة عوامل منها هبوط أسعار النفط. الولايات المتحدة سوف تصاب بما أسميه "زكام إقتصادي" عبارة عن ضعف ووهن إقتصادي ولكن بدون أن تفقد سطوتها العسكرية حتى بظهور منافسين. الحرب العالمية الثالثة سوف تكون عبارة عن معارك جانبية أو حروب بالوكالة هنا وهناك وضربات أمنية متبادلة والجزء الأكبر منها سوف تكون ساحته أسواق البورصات والأسهم والسندات وسوف يتم فيها إستخدام أدوات إقتصادية مثل العقود الإشتقاقية والعقود المستقبلية وهي إن لم يخيبني ظني فإن التلاعب بها(العقود المستقبلية) هو الذي تسببت مؤخرا بهبوط أسعار النفط. في اللحظة التي سوف تشعر الولايات المتحدة بفقدان هيمنتها العسكرية على العالم فإن ذالك قد يعني حربا نووية وإن كنت أستبعد ذالك الإحتمال لأن حصوله معناه فناء الجنس البشري بكل ماتحمله الكلمة من معنى وهي حقيقة تعرفها الولايات المتحدة قبل منافسيها.
سنة 2007-2008 كان سبب الإنهيار الإقتصادي والكساد هو إنفجار الفقاعة العقارية في الولايات المتحدة وبالتالي إنهيار الأدوات الإقتصادية المرتبطة بها مثل (Subprime Mortgage Loans) و (Collateral damage obligation) حيث تعددت الأسباب وتشعبت ولم تقتصر أضراره على الولايات المتحدة بل كانت أزمة عالمية. الإنهيار الإقتصادي القادم يمكن تلخيصه بسبب واحد أزمة سندات الدين السيادي الأمريكي والتي لايوجد دولة او مؤسسة مالية في العالم غير متورطة فيها بشكل أو بأخر حيث كان من الشائع القول أن الإستثمار في تلك السندات هو من أفضل الإستثمارات في العالم من ناحية الأمان إن لم يكن أفضلها وكل ذالك بسبب الثقة بحكومة الولايات المتحدة ووفائها بإلتزاماتها. وقبل أن نبدأ في تحليل الأسباب التي سوف تؤدي إلى ذالك الإنهيار أو الزكام الإقتصادي, علينا أن نضع تحت كلمة الثقة مليون خط ونركز عليها لأنها الكلمة المحورية التي سوف تدور حولها كل نقاط الموضوع.
في أوغسطس 2011 قامت وكالة التصنيف الإئتماني ستاندرز أند بورز(S&P) بتخفيض التصنيف الإئتماني للولايات المتحدة من درجة(AAA) إلى درجة(AA) وذالك للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة. في ذالك التاريخ فإن حجم سندات الدين السيادي الذي تصدره وزارة الخزانة الأمريكية بلغ 16 مليار دولار وذالك بدون حساب ديون الحكومات والمحلية والبلديات والقروض الدراسية التي تصدر لتغطية تكاليف الدراسة الجامعية.
رابط من موقع شركة (S&P) لإعلان ذالك التخفيض في التصنيف الإئتماني للولايات المتحدة وأسبابه:
http://www.standardandpoors.com/ratings/articles/en/us/?assetID=1245316529563
ماذا يعني إنخفاض التصنيف الإئتماني لأي دولة سواء كانت بحجم الولايات المتحدة أو بحجم أيسلندا؟ وماذا تعني درجة تصنيف إئتماني AA؟
يتم تقسيم التصنيفات الإئتمانية إلى مجموعة درجات, يمكن الإطلاع عليها على رابط الويكيبيديا التالي:
مايهمني هو درجة التصنيف (AAA) ودرجة التصنيف (AA) وهي تنقسم إلى:
AAA: أفضل نوعية المقترضين، موثوقة ومستقرة (وكثير منها الحكومات)
AA: مقترضين ذو جودة، ومخاطر أكبر قليلاً من AAA. ويشمل:
+AA: أي ما يعادل Aa1 في تصنيف موديز. (جودة عالية ومخاطر ائتمانية منخفضة جدا، ولكن التعرض للمخاطر على المدى الطويل تبدو أعلى نوعا ما).
AA: أي ما يعادل Aa2‏.
-AA: أي ما يعادل Aa3‏.
A: نوعية المقترضين الذين يمكن أن يتأثر استقرارهم المالي ببعض الأوضاع الاقتصادية
+A: أي ما يعادل A1‏.
A: أي ما يعادل A2‏.
مؤسسة موديز التي وردت في تصنيف (AA+) هي مؤسسة أخرى من مؤسسات التصنيف الإئتماني والتي لعبت دورا أساسيا بالإشتراك مع مؤسسة ستاندرز أند بورز(S&P) وغيرها من مؤسسات التصنيف الإئتماني في الأزمة المالية سنة 2007-2008 حيث قامت بتجاوز المعايير ومنح درجات تصنيفات إئتمانية مرتفعة لأدوات مالية بشكل مبالغ فيه مما أدى إلى إفلاس مؤسسات مالية أو وضعها تحت وصاية بنك الإحتياط الفيدرالي الأمريكي.
درجة التصنيف (AAA) هي التي كانت تتمتع بها سندات الدين التي تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية وهي درجة التصنيف الإئتماني الأعلى والتي تتمتع بها الولايات المتحدة بشكل عام. تخفيضها في أوغسطس 2011 من قبل وكالة التصنيف الإئتماني ستاندرز أند بورز(S&P) إلى درجة (AA) وتحديدا (AA+) والتي تعني جودة عالية ومخاطر منحفضة ولكن على المدى القصير بينما ترتفع نسبة المخاطرة كلما زادت المدة. وهنا علينا أن نمر على نقطة نسبية مهمة(تختلف الأراء حولها) وهي أن سندات الدين السيادية يطلق عليها(Fixed income investment) لأن نسبة الفائدة فيها ثابتة لا ترتبط بنسبة التضخم ممايعني تأكل القيمة المالية بزيادة الزمنية التي يتم إصدار السند بموجبها. ولكن هناك أيضا سندات دين سيادية وخصوصا في الولايات المتحدة يتم إصدارها وتكون مرتبطة بنسبة التضخم حتى لا تتأكل عوائد الإستثمار ويؤدي ذالك لعزوف المستثمرين عن شرائها. من المعروف أن الإستثمار في الأسهم(Variable income investment) يجلب عوائد أعلى على المدى الطويل حتى في حال ظهور ملامح ضعف في بداية فترة الإستثمار بينما تقل العوائد مع قصر فترة الإحتفاظ بالأسهم في مايعرف بالمحفظة الإستثمارية(Portfolio) ولذالك يفضل بعض المستثمرين تلك النوعية من الإستثمارات عن شراء سندات الديون السيادية. وحتى تلجأ الحكومات وخصوصا الولايات المتحدة لزيادة جذب الإستثمارات في إتجاه سندات الدين السيادية فإنها تقوم برفع نسبة الفائدة وخصوصا على المدى الطويل بما يحقق الغاية من زيادة نسبة الإقبال وتقليل نسبة السيولة المالية في الأسواق بما يؤدي إلى تخفيض نسبة التضخم.
سوف نعود مرة أخرى لكلمة (الثقة) وقلت لكم أن تضعوا تحتها مليون خط فهي المفتاح الأول والأخير لفهم أسباب المشكلة وأي حلول مقترحة. النشرات التي تصدرها وكالات التصنيفات الإئتمانية تخضع لمتابعة مستمرة من قبل كبار المسؤولين عن صناديق التحوط وصناديق الإستثمار السيادية والمؤسسات المالية والإستثمارية وتخفيض التصنيف الإئتماني للولايات المتحدة حتى لو درجة واحدة يعني إهتزاز (الثقة) بالوضع المالي والإقتصادي للحكومة الأمريكية وإنخفاض قيمة عملتها بسبب ضعف الطلب عليها وذالك مبدأ إقتصادي معروف, مبدأ العرض والطلب.
الولايات المتحدة وفي مواجهة ذالك سوف تتخذ مجموعة إجرائات مالية وإقتصادية قد تشمل إصدار قوانين إصلاح مالية والحد من النفقات الحكومية وقوانين إصلاح متعلقة بأسواق الأسهم والسندات ولكن الأهم هو رفع نسبة الفائدة مما يعني زيادة أرباح المستثمرين في سندات الدين السيادية على المدى البعيد بمدة إحتفاظ تتجاوز 10 سنين على سبيل المثال. إن تلك الإجرائات سوف تؤدي إلى زيادة الإقبال على تلك السندات ولكن في المقابل سوف تؤدي إلى إرتفاع تكاليف خدمة الدين السيادي مما يؤدي إلى زيادة تكاليف الإقتراض للمشاريع والأعمال وشح السيولة من الأسواق. إن الأثار الجانية لذالك الزكام الإقتصادي سوف تتجاوز كل التوقعات ويكفي نظرة سريعة على موقع ساعة الدين القومي الأمريكي على الموقع التالي(http://www.usdebtclock.org/) لإستنتاج مجموعة حقائق مع ملاحظة تقريب الأرقام:
- الدين القومي الأمريكي 18 تريليون دولار
- حجم الإنفاق الحكومي الأمريكي 3.5 تريليون دولار سنويا
- حجم العجز في الإنفاق 475 مليار دولار حتى لحظة كتابة الموضوع
- حجم خدمة الدين السيادي 250 مليار دولار حتى لحظة كتابة الموضوع
- حجم الناتج المحلي الإجمالي(GDP) بلغ 17.5 تريليون
- نسبة الدين السيادي لحجم الناتج الإجمالي المحلي بلغ نسبة 103%
نصيب كل مواطن أمريكي منذ لحظة ولادته من الدين السيادي هو 56 ألف دولار تقريبا بينما ترتفع تلك النسبة إذا كان عاملا ويدفع ضريبة دخل إلى 154 ألف دولار. في تلك الإحصائيات إستثنيت حجم الديون الشخصية ونصيب الفرد الأمريكي منها وإستثنيت إحصائيات أخرى تستطيعون أن تجدونها كاملا وبشكل مباشر على الموقع المذكور.
الدين السيادي للولايات المتحدة كان 14 تريليون دولار سنة 2011 وإرتفع إلى 16 تريليون دولار في نهاية السنة التي تليها 2012 ويرتفع سنويا بمعدل تريليون دولار على الأقل وتلك أرقام مهولة بكل المعايير حيث أن الولايات المتحدة إستغرقت الفترة الزمنية بين 1776-1982 لتسجيل عجز في الميزانية بلغ تريليون دولار بينما حاليا ذالك المستوى في عجز الميزانية يمكن بلوغه في سنة واحدة أو حتى أقل من سنة.
سنة 2011 قامت الولايات المتحدة بإنفاق 188 مليون دولار كل ساعة من الأموال التي يتم تسجيلها على خانة عجز الميزانية, أي أموال ليس في حوزتها الخزينة الحكومية ويجب تغطيتها بإصدار سندات دين سيادية من قبل وزارة الخزانة.
في خطابه السنوي(State of the Union Speech)  سنة 2012, الرئيس الأمريكي طالب بإصلاحات ضريبية تحقق المساواة في توزيع العبئ الضريبي والعدالة بين الشرائح الضريبية المحتلفة وذكر أنه يتوجب على الملياديرات الأمريكيين دفع نسبة ضرائب تكون مساوية لما يدفعه مدراء مكاتبهم.
تلك النقطة تشغل حيزا واسعا في النقاشات حول قوانين الإصلاحات الضريبية والتي أصبحت تمنح إعفائات ضريبية للشركات العملاقة والأغنياء لتشجيعهم على إستثمار أموالهم وخلق فرص عمل بينما يتم تحميل العبئ الضريبي لأصحاب الدخل المحدود والطبقة الوسطى. المشكلة أن تلك الإمتيازات يتم منحها بضغط من اللوبيات وأصحاب النفوذ من رجال الأعمال ومدراء الشركات الكبيرة والمؤثرة والذين يضغطون هذه الأيام لحجب قوانين متعلقة برفع الحد الأدنى للأجور في الولايات المتحدة إلى 15 دولار\الساعة بينما قد لاتزيد في بعض الولايات عن 8 دولار\الساعة. تلك الشركات تقوم بإستغلال تلك الإعفائات الضريبية وترسل الأموال إلى بنوك خارج سيطرة القوانين الضريبية الأمريكية فيما أصبح سعرف بجنة ضريبية(Offshore Bank Accounts) أو قد تقوم بتسجيل مكاتب تجارية في تلك البلدان بينما في الحقيقة تقوم بممارسة نشاطها التجاري داخل الولايات المتحدة.
وارن بافيت قد يكون أحد المعنيين بخطاب الرئيس الأمريكي حيث يشاع على نطاق واسع أنه يقوم بدفع معدل ضرائب أقل بكثير مما يدفعه سكرتيره الشخصي. وبالإستعانة ببعض الإحصائيات فأن وارن بافيت
كان يعد أغنى شخص في العالم سنة 2009 بمبلغ 40 مليار دولار ومتوسط دخله السنوي 3 مليار دولار قبل إحتساب الضرائب وهو مبلغ تستدينه الحكومة الأمريكية لتغطية عجز الميزانية في فترة زمنية 17 ساعة. وبحسبة بسيطة فإن عجز الميزانية المسجل سنة 2011 بعد التعديل بحساب نسبة التضخم بلغ تريليون وأربعمائة مليار دولار(1400000000000) يحتاج دفعه كاملا إلى فترة زمنية 466 سنة تقريبا بمعدل أرباح وارن بافيت السنوية. تلك الفترة(466) سنة قد تكون كافية لإقناع أغنى 400 شخص على قائمة فوربس للهجرة بأموالهم للولايات المتحدة وإستخدام ثرواتهم في سداد عجز الميزانية الحكومية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل هناك عدد كافي من الملياديرات والذي تكون أرباحهم السنوية كافية لو تم وضع اليد عليها بكاملها كضرائب أو حتى وضع اليد على ثرواتهم بكاملها لسداد عجز الميزانية الحكومية للولايات المتحدة المتراكم والبالغ حتى لحظة الإنتهاء من كتابة الموضوع مبلغ 17600141960220(سبعة عشرة تريليون وستمائة مليار ومائة وواحد وأربعون مليون وتسعمائة وستون ألف ومائتان وعشرون دولار) فقط لا غير؟
مع بالغ تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Thursday, October 16, 2014

هل كانت معاهدة فرساي سببا في التمهيد للحرب العالمية الثانية؟

على عكس الشائع تاريخيا فإن الحرب العالمية الأولى لم تنتهي بهزيمة أحد الأطراف أو إنتصار عسكري كاسح لطرف أخر بل إنتهت بمعاهدة سلام في مؤتمر باريس وتبعها مفاوضات متعلقة بالتعويضات المالية للحرب في مؤتمر فرساي.
بحلول عام ١٩١٨ لم يبدو لتلك الحرب أي نهاية حيث كان هناك عدد من معاهدات السلام التي تم قبل ذالك نقضها وكانت الحاجة لمعاهدة دائمة وثابته شيئا ضروريا حيث أن أي طرف من أطراف الحرب لم يكن مستعدا لمواصلة القتال, وقد كان ذالك هو الهدف من وراء مؤتمر باريس سنة ١٩١٩. السبب الرئيسي وراء إستنزاف القوى المتصارعة كان إقتصاديا بحتا حيث أن فرنسا وبريطانيا كانتا تعلمان أن الفاتور الإقتصادية للحرب إقترب موعد التباحث فيها. فرنسا وبريطانيا قامتا بإقراض روسيا مبالغ مالية كبيرة ولكن روسيا أعلنت إفلاسها مع سيطرة الشيوعيين على الحكم. بريطانيا كانت مدينة للولايات المتحدة بمبلغ ٤.٧ مليار دولار وفرنسا كانت مدينة للولايات المتحدة بمبلغ ٤ مليار دولار وكانت مدينة لبريطانيا بمبلغ ٣ مليار دولار. إيطاليا كانت عاجزة عن دفع ديونها. وبإختصار لم تكن أي من الأمم المشاركة في الحرب قادرة على دفع أي دين وكانت حركة المال والتجارة متوقفة.
كانت بريطانيا وفرنسا تريان فرصة في مؤتمر باريس للسلام فرصة لفرض إتفاقية على ألمانيا والنمسا تشمل تعويضات ضخمة, وهي مسألة كانت تعد الأكثر تعقيدا والمتعلقة بالمؤتمر. ألمانيا كانت مطالبة بالتنازل عن أراضي ومقدرات صناعية مما كان يجعل مهمة دفعها للتعويضات المطلوبة أكثر صعوبة. كما أن فرنسا كانت تضع نصب أعينها الإستيلاء على إحتياطي ألمانيا من الذهب والذي كان يقدر ٨٧٦ طن متري ويعد رابع أكبر إحتياطي في العالم بعد الولايات المتحدة, روسيا وفرنسا نفسها.
كانت هناك حاجة لتحريك عجلة الإقتصاد والتجارة والتي كانت متوقفة بسبب مشكلة الدين بين الدول المختلفة. الإتجاه الأكثر تفائلا كان بأن تقوم الولايات المتحدة بإقراض بريطانيا وفرنسا والدول الأوروبية بينما كان هناك إتجاه أخر إلى أن تسامح الدول بعضها بالديون وتبدأ فصلا جديدا من الإزدهار الإقتصادي الغير مقيد بالدين والفوائد. لم يتحقق أي شيئ مما سبق ذكره فلا الولايات المتحدة قامت بإقراض أورويا ولا تنازلت عن ديونها ولا الدول الأوروبية سامحت بعضها بالديون وقامت فرنسا وبريطانيا بفرض شروط صلح وتسويات مالية على المانيا بطريقة من المستحيل الوفاء بها حيث تسببت تلك الشروط بصعود النازية وقيام حرب عالمية ثانية.
كان هناك أيضا إختلاف على طريقة التعويضات حيث كانت فرنسا وبلجيكا تفضل تسلم التعويضات بناء على حجم الدمار الفعلي في المباني والممتلكات بينما تفضل بريطانيا تقديرها بناء على رواتب جنودها وحجم تعويضات التقاعد وإصابات الحرب ولكن في النهاية لم يتم تقدير حجم معين للتعويضات في معاهدة فرساي. حساب تلك التعويضات كان مستحيلا من الناحية التقنية كما أن الإتفاق عليها كانت تعوقه عقبات سياسية.
بحلول سنة ١٩٢١ كان المسرح معدا لحرب إقتصادية من نوع مختلف متعلقة بأسعار صرف العملات عليها والمضاربة فمشكلة الديون والتوترات حول تعويضات الحرب التي لم يتم التوصل إلى تسوية نهائية بخصوصها أصبحت تشكل عائقا أمام حركة التجارة وتدفق رأس المال حول العالم. المعيار الذهبي لم يكن هو المهيمن في تلك الفترة وإن كانت هناك محاولات لإعادته إلى واجهة الأحداث حيث كانت هناك حالة ثبات إقتصادي وإنتعاش تجاري في الفترة التي كان الذهب هو المهيمن فيها على المعاملات التجارية ومتحكما بسعر صرف العملات.
إنشاء بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي ساهم في تقديم الولايات المتحدة كطرف مهمين على المسرح المالي والنقدي العالمي. ومع حلول عام ١٩٢٠ فقد كان الحنين إلى العصر الذهبي الكلاسيكي, التوتر الناجم عن إتفاقيات مابعد الحرب وخصوصا التعويضات بالإضافة إلى الشكوك التي حامت حول القوة المالية التي يتمتع بها بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي, كلها عوامل ساهمت في إشعال فتيل للحرب الإقتصادية الأولى من نوعها على مستوى العالم والتي بدورها كانت تمهيدا لتهيئة مسرح الأحداث للحرب العالمية الثانية.
في الختام أحب أن أنوه إلى أن ماجرى في الخفاء والمتعلق بالحرب العالمية الأولى والثانية والأسباب الممهدة لتلك الحروب هو أشمل وأوسع من أن تشرحه سطور موضوع مخصص لتوضيح هدف معين أو نقطة معينة. ولعلي في مواضيع قادمة إن شاء الله أشرح بإسهاب أكثر كيف تم التأمر على ألمانيا وكيف تم التمهيد لصعود النازية فيها والفاشية في إيطاليا وكيف حاول هتلر تجنب الحرب والأسباب التي دفعت بريطانيا للإصرار عليها.

النهاية
مع تمنياتي للجميع بالتمتع بالصحة والعافية

Monday, October 6, 2014

ماهو مستقبل الإتحاد الأوروبي في ظل أزمة ديون سيادية عالمية؟

إن إرتفاع أسعار النفط بتلك الطريقة الجنونية يزيد من مشاكل دول الإتحاد الأوروبي على وجه الخصوص حيث أنه في إيطاليا والتي إتبعت حكومتها سياسة تقشفية أهملت الجانب التاريخي والثقافي حيث إضمحلت آثار عريقة بسبب نقص الصيانة لإنعدام الميزانية المخصصة لذالك. اليونان والتي يبلغ عدد سكانها ١١ مليون نسمة بلغ نصيب الفرد منهم من المديونية ٣٠ ألف يورو. تلك المديونية التي راكمتها الحكومات اليونانية سنة بعد سنة لكي تقوم بتمويل جهاز حكومي متضخم برواتبه وإمتيازاته ويوم دوام قصير وكذالك إمتيازات التقاعد الخيالية.
سوف نتكلم بإختصار عن مجموعة دول أوروبية وكذالك أمريكا لنرى كم بلغ حجم المشكلة. إيرلندا نسبة العجز مقارنة بالناتج الإجمالي المحلي ثلث الناتج ٣٣.٣%, إسبانيا ٦%, اليونان ١٥% في سنة ٢٠٠٩ وإنخفضت إلى ٦.٦% سنة ٢٠١٢ وقس على ذالك بلدان أخرى في أوروبا. المشكلة أن الإتحاد الأوروبي وضع من شروط العضوية أن لا تزيد نسبة العجز مقارنة بالناتج الإجمالي المحلي عن ٣% مما يعني أن أغلبية دول الإتحاد الأوروبي مخالفة لذالك الشرط.
في دولة متقدمة وصناعية مثل اليابان فإن الدين العام يبلغ أكثر من ضعفي الناتج المحلي الإجمالي بينما يتوقع أنه في نهاية سنة ٢٠١٣ فسوف يبلغ ما نسبته ١٩٠% بالنسبة لدولة مثل اليونان بينما إيطاليا إقتربت أو تكاد من وصول مستوى الدين العام إلى مجموع  ضعفي الناتج المحلي الإجمالي. إن من شروط إنضمام الدول للإتحاد الأوروبي هو أن لا تبلغ نسبة الدين العامة أكثر من ٦٠% من الناتج الإجمالي المحلي وهاذا يخلق مشكلة لأغلب دول الإتحاد الأوروبي.
حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما تواجه عجزا أكثر من تريليون دولار ونسبة الدين العام التي وصلت إلى ٧٠% من الناتج الإجمالي المحلي حيث أصبحت ضعف ماكانت عليه في سنوات سابقة.
إن خدمة الدين العام قد تتطلب الكثير من الجهد والقرارات الصعبة. وقد يظن البعض أن المسألة لن تمس حياة المواطن العادي ولذالك لا يلقي الكثير من المواطنين في الدول التي تعاني من مشكلة الدين العام بالا للبيانات التي تتحدث عن المشكلة وكذالك للبرامج والأخبار الإقتصادية ومحاولة توعية أنفسهم وتثقيفها من تلك الناحية. وبالمرور على بعض البلدان التي تعاني من تلك المشكلة المتفاقمة فسوف نجد أن الآثار المترتبة على خدمة الدين العام تمس حياة المواطن العادي بشكل أو بأخر حيث أنه في أمريكا فإن ذالك قد يعني إقتطاعات من ميزانية البرنامج الصحي أو أموالا أقل من الحكومة الفيدرالية يتم إرسالها إلى الولايات مما يعني إقتطاعات جراحية ومؤلمة لقطاعات حيوية مثل التعليم وخدمات البلدية مثل النظافة وإزالة الثلوج في فصل الشتاء وكذالك أعداد دوريات الشرطة وأعداد أفراد القوات الشرطية والأمنية. في بريطانيا فإن خدمة الدين العام قد تعني رفع رسوم الجامعات الحكومية مما قد تسبب في أسوأ الإضطرابات التي كان وقودها الطلاب المحتجون على تلك القرارات. في بلدان عديد تسببت الأزمة الناتجة عن إرتفاع الدين العام وخدمته إلى سقوط حكومات فمثلا رئيس الوزراء الإيطالي المعروف ليس بإنجازاته الإقتصادية بل بعلاقاته النسائية سيلفيو بيرلسكوني قد إستقال سنة ٢٠١١ لعجزه عن مواجهة تلك الأزمة وهو الذي كان مسيطرا بقوة على الحياة السياسية الإيطالية لمدة ١٧ عاما ولم تنجح عشرات الفضائح الأخلاقية والمالية وشبهات حول علاقته مع المافيا في إزاحته من كرسي الحكم.
كل ذالك له علاقة بإرتفاع وإنخفاض أسعار النفط حيث أنه في حال كون الفاتورة النفطية العالمية لا تزيد عن ٨٠٠ مليار دولار فإن إقتصاد الدول المستوردة للنفط يكون في إنتعاش بينما يعاني إقتصاد الدول المصدرة التي يكون إعتمادها أو دخلها الرئيسي متأتي من تصدير النفط وليس عندها قاعدة دخل متنوعة تسمح لها بمواجهة التقلبات السعرية في أسواق النفط. المشكلة أن الفاتورة النفطية العالمية الآن تبلغ حوالي ٣ تريليون دولار وهي مرشحة للإزدياد يوما بعد يوم.
الحكومات سوف تلجأ في حال ظهور عجز في الميزانية لإستخدام أدوات مالية منها إصدار سندات حكومية بفائدة تتراوح نسبتها معتمدة على مجموعة عوامل وتكون تلك السندات مستحقة بعد ٥ سنين أو ١٠ سنين أو ٣٠ سنة. إن من يشتري تلك السندات يكون واضعا ثقته في إمكانية تحقيق تلك الدولة لنمو إقتصادي يمكنها من دفع المستحقات التي عليها وهي في تلك الحالة تمثل قيمة تلك السندات. المشكلة هي أن إستمرار أسعار النفط في الإرتفاع من غير بادرة أمل بإنخفاضها إلى مستويات معقولة فإن ذالك سوف يكون مؤثرا بشكل كبير على النمو الإقتصادي في بلد لا على التعيين مما يؤدي مع تراكم ذالك التباطئ إلى ظهور فجوات إقتصادية مما يعني صعوبة إيفاء الدولة بإلتزاماتها المالية وقد تصل الأمور إلى العجز وإعلان الإفلاس.
إن لجوء الحكومات للإقتراض وإصدار السندات كأحد الأدوات المالية لمواجهة عجز الميزانية وإرتفاع أقساط خدمة الدين العام مرتبط إرتباط وثيق بإنخفاض أو إرتفاع نسبة الدين العام مقارنة بالناتج الإجمالي المحلي فكلما إنخفض فرق النسبة بين الدين العام والناتج الإجمالي المحلي في دولة معينة, إنخفض سعر الفائدة على القروض التي تطلبها تلك الدولة والسندات التي تصدرها وذالك لإرتفاع ثقة المقرضين بتلك الدولة ومتانة إقتصادها. إن ذالك بالمفاهيم الإقتصادية يسمى التصنيف الإئتماني والذي يعني بالإنجليزية(Credit Rating) وتصدره مؤسسات متخصصة ولكن قراراتها قد لا تكون بعيدة عن حسابات سياسية ولكي نعرف مدى حساسية تخفيض التصنيف الإئتماني لدولة معينة مثل أمريكا فوف يكلفها ذالك عشرات المليارات من الدولارات لإرتفاع تكلفة الإقتراض نتيجة إرتفاع مستوى الفائدة على القروض والسندات الحكومية.
لنأخذ سيناريو لدولة مثل فنزويلا ليس على علاقة ودية مع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية حيث يكفي تخفيض التصنيف الإئتماني من قبل تلك المؤسسات إلى رفع كلفة الإقتراض نتيجة رفع سعر الفائدة وإنخفاض الثقة بالسندات الحكومية التي تصدرها الدولة مما يؤدي إلى التأثير على مشاريع التنمية والبنية التحتية والخدمات الإجتماعية نتيجة تخصيص نسبة أكبر من عائدات الدولة لخدمة الدين العام.
فيما سبق وقبل إنضمام أي دولة للإتحاد الأوروبي فإن كيفية التصرف في تلك الحالات كانت بتعويم سعر العملة مما يعني خفض قيمتها وبالتالي تشجيع قطاعات مهمة مثل السياحة والتي تعد مصدرا رئيسيا للعملة الصعبة لدولة مثل اليونان وتعني أيضا تشجيع التصدير والذي يعني أيضا مصدرا للعملة الصعبة مما يساعد على التعافي الإقتصادي. الصين مثلا متهمة بالتلاعب بسعر اليوان من أجل إبقاء قيمته منخفضة (تعويم اليوان) لكونها بلدا مصدرا ومن مصلحتها المحافظة على قيمة منخفضة نوعا ما لعملتها الوطنية (اليوان).
بالنسبة للدول التي تشكل الإتحاد الأوروبي فإن ذالك الخيار لا يمكن التفكير فيه لأنها تخلت عن عملتها الوطنية مقابل قوة اليورو الإقتصادية أو هكذا كان يظن والحل في تلك الحالة قد يكون بإشهار إفلاسها (Default) وهو ما يسعى الإتحاد الأوروبي لمحاولة منعه بشتى الوسائل من تقديم المساعدات الإقتصادية وحزمات لإنعاش الإقتصاد وقروض في دول مثل اليونان والتي لها عشرات السوابق في إعلان إفلاسها على مدى أكثر من ٢٠٠ سنة, هي تمثل خاصرة ضعيفة نوعا ما بالنسبة للإتحاد الأوروبي وعبئ على دوله مثل ألمانيا التي يمثل إقتصادها محركا رئيسيا لدول الإتحاد وهاذا الجانب السلبي ولكن هناك أيضا جانب إيجابي فعلينا أن لا ننسى أن إقتصاد ألمانيا قائم على الصناعة والتصدير وإبقاء قيمة صرف اليورو تحت السيطرة يعد من مصلحة ألمانيا. إن هناك تماثل بين ألمانيا والصين من ناحية الأسباب التي تدفع البلدين للحفاظ على قيمة سعر صرف العملة تحت السيطرة, البلدان يعتمدان على الصناعة والتصدير. إن الحالة اليونانية داخل الإتحاد الأوروبي ينطبق عليها ما ينطبق على أي مشكلة إقتصادية من ناحية أن لها جانب سلبي وجانب إيجابي. جانبها السلبي يتمثل في مساعدات إقتصادية من أموال دافع الضرائب الألماني بينما جانبها الإيجابي أن نفس دافع الضرائب الألماني يمكنه قضاء إجازة رخيصة في اليونان ويمكن ضمان إستمراره في عمله لوجود طلب على تصدير المنتجات الألمانية.
المشاعر والعواطف ليس لها وجود في السياسة وألمانيا ودول الإتحاد الأوروبي الأقدر إقتصاديا على مساعدة غيرها لا تفعل شيئا بدون أن تكون متأكدة من أنه يعود عليها بالنفع والإهتمام بموضوع اليونان ومحاولة مساعدة إقتصادها المتعثر والحيلولة دون إعلان إفلاسها وإنسحابها بالتالي من الإتحاد الأوروبي له علاقة بأن إنسحاب اليونان سوف يترك تأثيرا كحجر الدومينو وسوف تتبع اليونان دول أخرى مثل البرتغال وبالتالي ينهار الإتحاد الأوروبي ويصبح على دول بعينها تحمل التبعات المالية والإقتصادية لذالك الإنهيار.
إن إنسحاب البرتغال من الإتحاد الأوروبي يعني أنها سوف تستعيد التعامل بعملتها الوطنية (الأسكودو) وبالتالي تستطيع التحكم فيها وتعويمها مما سوف يؤثر بالإيجاب على السياحة حيث يتأتى نسبة كبيرة من دخل الدولة. وعلى فكرة فإن تعويم سعر العملة لدولة معينة هو من ضمن شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في حال تقديم قروض لدولة معينة وهو له نواحي إيجابية كما ذكرت سابقا وأيضا له نواحي سلبية منها في هذه الحالة تأثر حركة الإستيراد بالسلب في حال كون تلك الدولة لا تمتلك قاعدة صناعية قوية وتعتمد على الإستيراد وأيضا بيع أصول الدولة وشركاتها الخاسرة بل وأحيانا في تصرف لا أجد له تفسيرا بيع أصول الدولة الرابحة والتي دخل للدولة ملايين الدولارات سنويا, وذالك بأبخس الأسعار كون سعر العملة الوطنية منخفض مقارنة بأسعار عملات الدول التي تتأتى منها الشركات المشترية للأصول والشركات المعروضة للبيع بموجب قانون الخصخصة.
إذا قررنا وضع نقطة على السطر بعد كل ذالك الكم من المعلومات والتوقف قليلا لنناقش سؤالا ملخصه: وهل سوف يتم السماح للدول المنسحبة من الإتحاد الأوروبي بالبقاء ضمن منطقة التجارة الحرة؟
في حالة إنسحاب اليونان من الإتحاد الأووبي والعودة لتداول عملتها الوطنية (الدراخما) وتعويم سعر صرفها كحل لمشاكلها الإقتصادية ومحاولة خلق فرص عمل حيث بلغت نسبة البطالة مستويات قياسية وأصبت هناك مخاوف من ضياع جيل كامل من الشباب اليوناني, فإن سعر صرف الدراخما سوف يكون منخفضا ٤٠% مقارنة باليورو وهي نسبة لن تسمح لليونان بالبقاء ضمن منطقة التجار الحرة لأنه في تلك الحالة سوف تستقبل المصانع اليونانية طلبات من شركات في ألمانيا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى مما يعني خلق فرص عمل في اليونان على حساب تلك الدول وزيادة نسبة البطالة فيها مقابل إنخفاضها في اليونان وهو شيئ لن تسمح به بالتأكيد دول مثل ألمانيا تعاني أصلا من مستويات بطالة تزداد إرتفاعا.
قد يظن البعض أنه في حال إعلان اليونان لإفلاسها فإن القطاع المصرفي الألماني هو فقط المتضرر أو القطاع المصرفي الفرنسي الذي يملك حصصا مؤثرة في بنوك يونانية. إن تداخل الأنظمة المصرفية مع بعضها البعض سوف يرسل موجات إرتدادية في حال إنهيار أحدها مما سوف يؤثر على الآخرين بطريقة أو بأخرى تماما كأزمة إنهيار سوق قروض الرهن العقاري في أمريكا ٢٠٠٧/٢٠٠٨. إن البنوك الفرنسية هي الأكثر غرقا في مستنقع اليونان ومشاكلها المالية ولكن التداخل والتشابك في الأنظمة المالية والمصرفية يستحيل معه أن لا تتأثر البنوك الألمانية والتي وإن كانت لا تمتلك حصصا مؤثرة في القطاع المصرفي اليوناني فإنها تمتلك علاقات عمل وحصصا في بنوك ومؤسسات مالية ومصرفية فرنسية.
وإلى الأن مازال السجال مستمرا بين دول عديدة بخصوص مستقبل الإتحاد الأوروبي وإستمراريته في ظل إرتفاع الديون السيادية لدول عديدة وأداء إقتصادي ضعيف لدول أخرى. بريطانيا مثلا حافظت على حالة خاصة بها داخل الإتحاد الأوروبي حيث مازالت محتفظة بالجنيه الإسترليني ولم تتبنى اليورو كبقية دول الإتحاد بالإضافة إلى عدم تبنيها للكثير من سياسات الإتحاد خصوصا في مجال الهجرة وإقتراب موسم الإنتخابات حيث هناك أصوات تنادى بالإنفصال عن الإتحاد الأوروبي أو تبني سياسات هلامية من قبل الحكومة في حال بقائها داخل الإتحاد.
النهاية وشكرا لوقتكم وتفاعلكم