Flag Counter

Flag Counter

Wednesday, December 25, 2019

كلاكيت مرة ثانية, الصين ومشكلة المسلمين الإيغور

لعلها مجرد صدفة أن يتم إثارة الزوابع الإعلامية ضد الصين من زاوية بورما والمسلمين الإيغور في مقاطعة سنجان(شينجيانغ) حيث أغلبية السكان في تلك المقاطعة هم من الإيغور وإن كانوا يشكلون أقلية في دولة الصين مترامية الأطراف التي يزيد عدد سكانها عن مليار نسمة. كمية الضخ الإعلامي المتزامن على كافة الجبهات والأصعدة يؤكد أن هناك حملة إعلامية منظمة ضد الصين بدأت بالتصعيد مع تصاعد حدة الخلافات التجارية بين الولايات المتحدة والصين وتبادل فرض التعرفات الجمركية والتلويح بعصا العقوبات. برامج تلفزيونية وقنوات يوتيوب وصحف ووسائل إعلام ومواقع إنترنت تتحدث بشكل مستمر عن مشكلة الإيغور المسلمين في الصين. دعوات الى مقاطعة المنتجات الصينية. حتى أن مسألة الإيغور كانت حاضرة على مائدة النقاش في القمة الإسلامية المصغرة التي عقدت في العاصمة الماليزية كوالالمبور.
بداية, الصين دولة ذات مساحة شاسعة مترامية الأطراف وعدد سكان يتجاوز مليار نسمة. وبالتالي, فإن المشاكل التي تواجهها الصين توازي حجمها الجغرافي ودورها الجيوسياسي في العالم. يقال أن كرسي الحكم له شياطينه والصين ليست دولة فاضلة ولا يوجد مفهوم المدينة الفاضلة ولايمكن إستمرار أي نظام حكم لو حاول أن يجعل من دولته مدينة فاضلة لأنه لايمكن إرضاء جميع الناس. لايمكن للحكومة الصينية, والصين فيها 55 أقلية عرقية معترف بها, أن تمنح الحرية من أجل مطالبات انفصالية تحت مزاعم الإضطهاد أو أن تلك الأقلية تعتبر في منطقة ما من الصين أغلبية سكانية. من الصعب معرفة الحقيقة المطلقة فيما يتعلق بمشكلة الإيغور في الصين والروهينجا في بورما, وهي مشكلة يتم توجيه أصابع الاتهام الى الصين رغم بورما دولة مستقلة ذات سيادة ومشكلة الروهينجا مسألة داخلية.
قناة الجزيرة القطرية والتي تعتبر الذراع الإعلامي لتنظيم الإخوان المسلمين وأداة من الأدوات الإعلامية للولايات المتحدة في الوطن العربي عرضت مقابلة مع ناشط أيغوري يُزعَم أنه من الناجين من معسكرات الإعتقال المزعومة أجاز لزوجته وشقيقته الإنتحار بينما تم الترويج إعلاميا لدعوات أطلقها لاعب كرة القدم الألماني من أصل تركي مسعود أوزيل بمقاطعة المنتجات الصينية. دعوات مسعود أوزيل لقيت تأييدا من قناة الجزيرة خصوصا من لاعب كرة القدم المصري محمود أبو تريكة الهارب الى قطر والمتهم بدعم تنظيمات إرهابية. المطربة اللبنانية إليسا المشهورة بلقب مطربة الشرشف غرَّدت تأييدا للمسلمين الإيغور. وحتى وزير الخارجية الأمريكي  مايك بومبيو دخل على الخط وعبر عن تعاطفه مع مسلمين الإيغور في الصين في الوقت نفسه الذي تقوم بلاده بالتدخل في شؤون دول أخرى حيث يسقط آلاف الضحايا بسبب ذلك. بل هناك وسائل إعلامية مغرمة بأخبار الإثارة جعلت الأمر يبدو على أنه صراع نفوذ إسلامي-بوذي له طابع ديني وإقتصادي.
تلك النوعية من الحملات الإعلامية التي تحاول تضخيم مشكلة ما وإعطائها أبعادا أخرى خصوصا سياسية  أصبحت أمرا مألوفا ومكشوفة للجميع. مشكلة الفلسطينية إسراء غريب التي تعرضت للقتل على يد أفراد من أسرتها هي مثال على تلك النوعية من الحملات الإعلامية المنظمة والمنسقة والتي لايمكن أن تتخذ صفة العشوائية. فعلى الرغم من أن التحقيق في قضية إسراء الغريب قد إنتهى وأعلنت نتائجه علنا في مؤتمر صحفي وتم تحويل الفاعلين المجرمين الى القضاء إلا أن بعض اليوتيوبرز ممن يرغبون في المزيد من الشهرة والمغرمون بالأضواء وزيادة اللايكات والتعليقات على فيديوهاتهم, مازالوا مصرين على الحديث عن تلك القضية رغم أن 99% منهم لايقيمون في فلسطين أو في المدينة حيث وقعت تلك الجريمة النكراء. مثال آخر هو أقلية الروهينجا في بورما حيث كمية الهراء التي يتم ضخها في الإعلام وحجم التضليل الإعلامي حيث أن أغلبية الصورة التي تذرف عليها دموع التماسيح ويتم الترويج لها أنها جرئام ضد المسلمين في بورما ليس لها أي علاقة من بورما لا من قريب ولا من بعيد. مشكلة المسلمين الإيغور هي أحد الأمثلة على حملات إعلامية منسقة وممولة جيدا يتم استغلالها من أجل أهداف سياسية.
الحملة الإعلامية ضد الصين بسبب مشكلة الإيغور تذكرني بحملات إعلامية ضد سوريا تم إطلاقها مع إنطلاق أحداث ربيع الدجال ونتنياهو حيث يتم توجيه الاتهامات للحكومة السورية انها حكومة أقلية تضطهد أغلبية السكان من المسلمين السنة وتم إرسال آلاف المغفلين الى حتفهم وتم تجميع كل مرتزقة ومجرمي الكرة الأرضية من أجل نصرة المظلومين في سوريا. حتى أن دعوات الجهاد المزعوم في سوريا وصلت الى دولتي جزر القمر وجزر المالديف ونيجيريا. الحملة الإعلامية ضد سوريا يجمعها عامل مشترك مع تلك التي يتم توجيهها ضد الصين وهو اللعب على وتر العواطف الدينية والإبادة العرقية. حتى الأمريكية من أصول أفغانية  فيروزة عزيز والتي لم أسمه بإسمها من قبل قد أصبحت مشهورة بسبب فيديو عن مزاعم اضطهاد مسلمي الإيغور في الصين. كل من يريد أن يستحم بأضواء الإعلام وينال نصيبه من الشهرة أصبح يتحدث عن مسلمي الإيغور في الصين كأنه شاهد عيان رغم أنه يعيش على بعد آلاف الأميال. ولكن لا أحد يتحدث عن الأعمال الإرهابية التي قام ومازال يقوم بها بعض من مسلمي الإيغور حيث يروعون السكان الآمنين ويستهدفون الحكومة الصينية. وقد تكون بعض الروايات حول ما يتعرض له الإيغور في الصين صحيحة ولكنها مشكلات لايخلو منها أي بلد حتى لو كان بلدا غربيا مثل الولايات المتحدة التي فيها أكبر نسبة سجناء مقارنة بعدد السكان من دولتي الصين وروسيا مجتمعتين. مايك بومبيو لم يتضامن مع ضحايا الإرهابيين في سوريا وضحايا الإحتلال الصهيوني في فلسطين وهو عامل مشترك مع مسعود أوزيل ومحمد أبو تريكة الذين لم يتضامنوا ولم يذكروا ضحايا التنظيمات الإرهابية في سوريا وكأنها لاوجود لها. مسعود أوزيل أو محطة الجزيرة يخفون الحقيقة أن القوات الحكومية في بورما تواجه تمردا مسلحا من مسلمي الروهينغا منذ سنة 1947 وكذلك من أقلية الكارين المسيحية.
لايمكن قبول وجهات نظر مزدوجة أو انتقائية على أنها تمثل الحقيقة فيما يتعلق بمسألتي الإيغور في الصين والروهينجا في بورما. منظمات حقوق الإنسان التي أدانت الصين فيما يتعلق بمسألة الإيغور أو تقديمها الدعم الى حكومة بورما هي نفسها التي تتغاضى عن جرائم دولة الاحتلال الصهيوني في حق الفلسطينيين والجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العالم ومازالت. تقارير دعائية لا تستند الى معلومات موثقة ذات مصداقية حول إغتصاب النساء في معسكرات إعادة التأهيل أو كما تزعم وسائل إعلام غربية وعربية أنها معسكرات إعتقال على الطريقة النازية ليس إلا تقارير مضللة لها سوابق في الماضي في دول أخرى. وأنا هنا أستحضر على سبيل المثال قضية الليبية إيمان العبيدي التي زعمت أن أفرادا من كتائب القذافي إغتصبوها جماعيا ليتبين فيما بعد أنها كاذبة وأنها إمرأة ذات سمعة مشبوهة وأنها قد تلقت المال مقابل قيامها بتمثيليتها الشهيرة أمام الصحفيين الأجانب في فندق ريكسوس في العاصمة الليبية طرابلس. حتى كوريا الشمالية تتعرض الى حملات إعلامية يتم خلالها تزييف الحقائق بل تأليف كتب كاملة تعتمد على شهادات غير موثقة وأدلة تنقصها المصداقية. الصحافة الغربية اعترفت على استحياء أن كتاب "المعسكر 14" اعتمد على بعض المعلومات الغير حقيقية أو المبالغ فيها, ولكن الحقيقة أنه كتاب مكذوب من بدايته الى نهايته. وسائل الإعلام الفرنسية خصوص فرانس-24 تتهم الصين بأنها تقدم الدعم الى الحكومة البورمية للحفاظ على مصالحها الإقتصادية. ولكن في الوقت نفسه لا توضح تلك الوسيلة الإعلامية الحكومية سبب تواجد قوات فرنسية في دولة مالي ومن كانت الجهة التي تلقت الدعم من فرنسا في جمهورية إفريقيا الوسطى.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والمعرفة

النهاية

Sunday, December 22, 2019

أذناب الولايات المتحدة في الوطن العربي ودعوات الى مقاطعة بضائع الصين

انتهت بحمد الله ومنته وبفضل الإعلام القطري والسعودي الدعوات العربية الى مقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني ومقاطعة منتجاته وبضائعه, ولم نعد نسمع دعوات الى مقاطعة المنتجات الأمريكية خصوصا بيبسي, كوكاكولا وماكدونالدز خصوصا لأنهم يتبرعون بسخاء الى دولة الكيان الصهيوني. في عصر تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل الإجتماعي انتقلت دعوات المقاطعة الى مقاطعة العرب منتجات بعضهم البعض ومقاطعة المنتجات الإيرانية والأهم مقاطعة منتجات الصين بسبب دعوات التمييز ضد الأقلية المسلمة من الإيغور وجرائم الحكومة البورمية المزعومة في بورما.
أفلام كوارث من جميع أنحاء العالم وصور الكوارث الطبيعية وأحداث العنف في أفريقيا ودول آسيوية أخرى تم إعادة ترسيمها الى بورما واستغلال ذلك لأهداف سياسية في تكرار لسيناريو التضليل الإعلامي حول سوريا حيث تم ترسيم صور من زلزال الصين واليابان على أنهم ضحايا قصف الطيران الحربي الحكومي في سوريا. عاجل الصحفي إسلام أسد الله نشر فيديو من إفريقيا الوسطى ونسبه الى بورما مع العلم أن الفيديو واضح ولكن أمثال أولئك الموتورين لا يهتمون بأن يكذبوا من أجل تحقيق أهداف سياسية. حتى فيلم عن تمرد سجناء برازيليون تم استعارة صور منه على أن مئات من أقلية الروهينجا ينتظرون الإعدام الجماعي.  إسلام أسد الله هو صحفي حر يدافع عن المظلومين في جميع أنحاء العالم ولا مانع من الكذب الوقح حتى ينصر الله الدين ويثبت إيمان المسلمين في بورما.
الدعوات الى مقاطعة الصين والمنتجات الصينية هي دعوات مشبوهة ولا تصدر إلا عن أتباع السلفية وأحزاب الإسلام السياسي والمشتغلين بأوهام الربيع العربي بنظام الدوام الكامل وهم جميعهم وبلا مبالغة حمير للأمريكي. المصري نبيل نعيم وهو أحد قادة تنظيم الجهاد المصري قد صرح في أكثر من مناسبة أن الحكومات العربية شجعت آلاف من مواطنيها على السفر الى أفغانستان من أجل محاربة الإتحاد السوفياتي ومن ثم زجَّتهم في السجون عند عودتهم تحت مسمى العائدون من افغانستان. نبيل نعيم نفسه لم يخرج من السجن لولا أحداث الربيع العربي حيث كان مسجونا منذ سنة 1991.
وهناك فيديوهات مجهولة المكان والأشخاص الذين يظهرون فيها غير معروفين وهي لما يقال أنهم مجاهدون باكستانيون في بورما يشنون الهجمات ضد قوات حكومية. تلك الفيديوهات لا يظهر فيها إلا أشخاص يطلقون النار هنا وهناك بدون تصوير الهدف أو ضحايا تلك الهجمات الجهادية المزعومة. بروباغندا إعلامية كاذبة وفبركات إعلامية. ويقال أن هيلاري كلينتون قامت بتهديد الصين حين كانت تشغل منصب وزير الخارجية بأن الولايات المتحدة سوف تقوم بتصدير التكفيريين الجهاديين الى الصين بسبب موقف الصين المشرِّف من الأزمة السورية ومخالفتها الإرادة الأمريكية في ذلك وتصويتها في مجلس الأمن بالفيتو ضد القرارات الأمريكية والأوروبية حول سوريا. القضية ليس لها أي علاقة بصرخات الحرية وحقوق الإنسان وذلك يشمل قضية الروهينجا في بورما والمسلمين الإيغور في الصين. المشكلة الرئيسية هي أن الولايات المتحدة ترغب في حصار الصين بريا وبحريا وقطع خطوط المواصلات التي يعتمد عليها مايسمى طريق الحرير وخطوط نقل النفط والغاز حيث يمر أحدها في بورما.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, December 15, 2019

لغز إنجيل القديس مرقس السرِّي

لم يترك يسوع تعاليم مكتوبة عن مولده, حياته التبشيرية أو هروب العائلة إلى مصر والفترة الزمنية التي عاشها هناك. وقد تلقت المجموعات المسيحية الأولى تعاليم يسوع المسيح ووصاياه من خلال الرسل الاثني عشر وتلاميذهم. حتى بولس الذي كتب رسائله قبل سنوات عديدة من كتابة الأناجيل، لم يخبرنا الكثير عن المسيح. في الواقع ، لم يقابل أو يلتقي بولس بالمسيح ، لكنه تعرَّضَ الى حادثة, فقدان مؤقت للبصر ورؤيا يسوع المسيح وذلك في طريقه من القدس إلى دمشق من أجل تنفيذ مهمة إعتقال بعض أتباع يسوع المسيح الأوائل بتهمة مخالفة التعاليم اليهودية حيث لم تكن المسيحية ديانة رسمية معترف بها.
هناك إجماع اليوم بين الباحثين في كتاب العهد الجديد على أن إنجيل مرقس هو الأقدم بين الأناجيل وأنه قد تم كتابته سنة 70 م ، أي بعد حوالي أربعين عامًا من وفاة يسوع ، يليها إنجيل متى ولوقا بين 80-100 م ، وأخيراً إنجيل يوحنا ، الذي كتب بين 100-110 م. ومع ذلك ، فقد خالف إينوك باول في كتابه "تطور الإنجيل" ذلك الإجماع وتناقض مع تلك الآراء المهيمنة على التيار المسيحي الرئيسي برأي مختلف مفاده أن إنجيل القديس متى، وليس مرقس ، هو الأقدم بين الأناجيل القانونية الأربعة.
أوجدت هذه الأصالة التي يتمتع بها إنجيل مرقس باعتباره الأقدم بين الأناجيل الأربعة ، ميلًا بين العديد من الباحثين إلى تبنيه مصدرا أكثر موثوقية ، أقرب إلى الواقع عندما تختلف روايات الأناجيل فيما بينها. مشكلة رواية إنجيل مرقس التي تعترف بها  الكنائس المختلفة وحتى طبعات الكتاب المقدس هي فقرات تم إضافتها الى نهاية الإنجيل (مرقس 8-16) في فترة لاحقة ، وهي غير موجودة في أقدم مخطوطات الكتاب المقدس مثل المخطوطة السينائية و المخطوطة الفاتيكانية. علاوة على ذلك ، ذكرت رسالة كتبها كليمنت الإسكندرية ، أحد آباء الكنيسة الأوائل ، موجهة إلى ثيودور فلسطين أن هناك نسخة سرية من إنجيل مرقس.
هناك فقرتين رئيسيتين مذكورتين في الإنجيل السري وليس في إنجيل مرقس المتداول حيث ذكر كليمنت ذلك في رسالته: الأولى كانت فقرة أضيفت في الفصل 10 ، الفقرات 34-35 ، والثانية أضيفت في الفصل 10 ، الفقرة 46. موضوع الفقرة 34-35 هو قيام يسوع المسيح بإحياء لعازر من قبره والتي ذكرت حصريا في إنجيل القديس يوحنا وفقدت من الأناجيل القانونية الأخرى. في حين أن الفقرة الثانية عبارة عن إضافة الى الإصحاح 10:46 بعد قدوم المسيح الى مدينة أريحا حيث رفض استقبال النساء اللواتي قُمن بهن للترحيب به ، أخت التلميذ الذي أحب يسوع ، والدة يسوع المسيح ، وسالومة. لكن شخصية سالومة ليست غريبة على الكتاب المقدس حيث أنها مذكورة  في مرقس (15:40) ولوقا (16:1). وبالمثل ، فإن حادثة عدم استقبال المسيح والدته وأشقائه مذكورة في أكثر من نص في الأناجيل ، حتى في إنجيل مرقس هذا في أيدينا ، مع اختلاف في بعض التفاصيل ، مرقس(3: 31-35) ، متى(12: 46-50) ولوقا(8: 19-21).  
ولكن لماذا كانت رواية إنجيل القديس يوحنا حول قيام المسيح بإحياء لعازر من الموت متفردة بين الأناجيل الأخرى التي تجاهلت تلك الحادثة المهمة؟ ربما يكون الدافع لإخفاء القصة من إنجيل القديس مرقس هو نفسه الذي جعل كاتب إنجيل القديس يوحنا يذكرها مع تعديل في التفاصيل، مع ملاحظة أن القصة لم يرد ذكرها في إنجيل القديس متى ولوقا مع الأخذ في الإعتبار أن إنجيل القديس مرقس كان مصدرًا رئيسيًا للروايات التي ذكرت في إنجيلي متى ولوقا على الرغم من أن إنجيل القديس يوحنا يختلف في المحتوى اختلافا جذريا في رواياته عن إنجيل القديس مرقس. يمكن تلخيص هذه الاختلافات على النحو التالي: أولاً ، لا يذكر إنجيل مرقس السري اسم الصبي الذي أحياه يسوع المسيح من الموت بينما يوحنا يذكر اسمه أنه لعازر. ثانياً ، يتحدث إنجيل مرقس السري عن أخت واحدة لم يذكرها بينما ذكر يوحنا شقيقتين هما: مارثا ومريم. ثالثًا ، في إنجيل مرقس السري ، يُطلق على يسوع المسيح اسم "ابن داود" بينما تنادي الشقيقتان في إنجيل يوحنا يسوع المسيح "السيِّد - Lord". رابعا ، في إنجيل مرقس السري, يقوم يسوع المسيح بتحريك الحجر الذي كان يغطي مدخل القبر بنفسه بينما في إنجيل يوحنا يطلب من الناس في المكان أن يفعلوا ذلك. خامساً ، اقتراب المسيح من القبر في إنجيل مرقس السري معجزة ، حيث صرخ بصوت مرتفع مناديا لعازر ، ويمد المسيح يده إليه ويخرجه ، بينما في إنجيل يوحنا ، يكتفي بالنداء عليه حيث يخرج لعازر من قبره مربوطا بالأقماط ووجهه ملفوف بمنديل. وعلى الرغم من الاختلاف في بعض التفاصيل التي كانت نتيجة لمحاولة كاتب إنجيل يوحنا سرد تلك الحادثة بطريقة تجعلها بعيدًة عن التفسير الخاطئ للطوائف الغنوصية البدائية ، هناك نقاط مشتركة بين رواية إنجيل مرقس السرِّي وإنجيل القديس يوحنا وهي أن موقع الحادث هو قرية بيت عنيا,  هناك امرأة مات شقيقها وطلبت من يسوع إحيائه وأن هناك شخصًا مات ، لكنه خرج من القبر.
حذف إنجيل القديس مرقس السري قصة إحياء يسوع المسيح لعازر شقيق مارثا ومريم وذلك حتى لا يساء استخدامها من قبل بعض الطوائف المسيحية المهرطقة، كما ذكر كليمنت في رسالته إلى القس ثيودور ردا على سؤال الأخير حول بعض التعاليم التي انتشرت في المنطقة وتعزى إلى التقاليد المذكورة في إنجيل القديس مرقس. لكن سر إنجيل القديس مرقس ليس هو اللغز الوحيد في الأناجيل الذي يثير العديد من الأسئلة ، ولكن هناك العديد من الألغاز التي سأتحدث عنها في الموضوعات القادمة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, November 24, 2019

بينما يبقى الفاعل الحقيقي متواريا عن الأنظار

رئيس شركة هاليبرتون ديك تشيني كان مهتما بالنفط أكثر من إهتمامه بالاستقرار السياسي في دول الشرق الأوسط وآسيا, المهم هو السيطرة على منابع الطاقة العالمية وخطوط نقلها. السياسة الأمريكية الكانت منع ظهور قوة منافسة خصوصا في القارة الأوراسية. ذرع بذور التفرقة بين الصين وروسيا كان أحد أهداف النخب السياسية الأمريكية التي كانت مهتمة بمنع ظهور قوة منافسة خصوصا في تلك المنطقة الحيوية من العالم. وقد تم تنفيذ تلك السياسات بطرق مختلفة مثل الغزو العسكري المباشر وتشجيع الثورات الملونة. كولن باول الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية خلال عهد بوش-تشيني أعلن فور تنصيبه أن إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين أولوية للولايات المتحدة. العراق يمتلك ثاني أكبر احتياطي من النفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية. بل وتشير بعض التقديرات الى أنه ربما يشغل الدولة المرتبة الأولى متفوقا على المملكة العربية السعودية.
الولايات المتحدة قامت بغزو العراق عسكريا سنة 2003 بعد فشل العقوبات الإقتصادية ومواجهتها ضغوطات المجتمع الدولي من أجل الغائها. الإدارة الأمريكية فتشت في جعبتها عن ذريعة مناسبة ولكنها كانت تفشل في ذلك مرة تلو الأخرى. في البداية حاولت توريط العراق بخصوص أحداث سبتمبر/11 ومن ثم القضية الكردية حتى وجدت في أسلحة الدمار الشامل ذريعة مناسبة معتمدة على تقارير كاذبة وشهادات لمواطنين عراقيين لاجئين إخترعوا الأكاذيب في سبيل قبول طلبات لجوئهم في أوروبا والولايات المتحدة. دول غربية مثل فرنسا والولايات المتحدة قامت ببيع العراق أسلحة كيميائية خلال فترة الثمانينيات ولكن العراق لم يكن يملك تكنولوجيا لإنتاجها.
شركات النفط الأمريكية ولوبيات الضغط والمصالح المرتبطة بها لم تكن تنظر بعين الرضا الى سيطرة شركات من فرنسا, الإتحاد السوفياتي والصين على نفط العراق وتزايد نفوذها السياسي فيه. وخلال مرحلة لاحقة في الفترة التي سبقت سنة 2003, بدأ العراق بقبول عملات أخرى مثل اليورو ثمنا مقابل النفط الذي كان يبيعه الى دول أوروبية. النفط العراقي كان من النوع الخام الخفيف وسهل التكرير ويكلف إستخراج البرميل أقل من دولار واحد. كما أن العراق قد منع الشركات الأمريكية والبريطانية من العمل في إستخراج النفط العراقي منذ تأميم حقوله النفطية سنة 1972. بتاريخ أكتوبر/2002, صدر تقرير أمريكية من 500 صفحة حول السياسات التي يتوجب إتباعها من أجل السيطرة على نفط العراق بعد الغزو, وزارة النفط العراقية كانت أول مبنى تسيطر عليه القوات الأمريكية حتى قبل أن تكتمل عملية السيطرة على بغداد عسكريا. نائب وزير الدفاع الأمريكي بول وولفويتز كان قد صرَّح بأن غزو العراق كان بهدف السيطرة على النفط ولم يكن له أي علاقة بالحرب على الإرهاب. وولفويتز صرَّحَ خلال مؤتمر في سنغافورا عقد بتاريخ يونيو/2003 بأن الفرق بين كوريا الشمالية والعراق كان أنَّ العراق يعوم على بحر من النفط. سنة 2009, بعد ستة سنين من غزو العراق الذي تحول الى إحتلال, مازال إنتاج النفط لم يصل الى مستوياته قبل الغزو. الشركات الأمريكية والبريطانية لم تكن مهتمة بعودة إنتاج العراق من النفط الى كامل مستواه وانخفاض سعر النفط نتيجة زيادة مستوى المعروض عن الطلب.
حتى في سوريا التي كان من المفترض أن يمر من خلالها خط أنابيب لنقل النفط والغاز, المشروع الذي حاولت قطر إقناع القيادة السورية بالموافقة عليه, كانت ضحية نسخة من الثورات الملونة عرفت بإسم الربيع العربي حيث تدفق الى سوريا وبدعم أمريكي, بريطاني وفرنسي عشرات الآلاف من الأصوليين ممن قاتلوا في أفغانستان وفي بقاع ساخنة أخرى حول العالم.
زيغينو بريجينسكي, مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق وعراب تنظيم القاعدة وأسامة إبن لادن, كشف سنة 1997 عن الإستراتيجية الأمريكية العالمية بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي والتي تتلخص في منع تحدي الهيمنة الأمريكية من منافسين في المنطقة الأوراسية. تحالف الصين وروسيا في المنطقة الأوراسية قد يشكل ضربة قوية تضعف من الهيمنة الأمريكية على العالم. الغزو العسكري المباشر هي إحدى الوسائل التي استخدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا لتحقيق الهدف المتمثل بالسيطرة على منابع الطاقة وخطوط نقلها. تنفيذ عمليات اغتيال انتقائية بواسطة طائرات من دون طيار هي وسيلة أخرى. بينما الوسيلة الأكثر شيوعا حاليا هي مايسمى الثورات الملونة مثل تلك التي في جورجيا, أوكرانيا والربيع العربي. تنفيذ عمليات إنقلاب بإسم القوى المدنية والحرية وحقوق الإنسان تحقق الأهداف الأمريكية في تنصيب أنظمة موالية لمصالح شركات النفط الأمريكية والبريطانية بشكل رئيسي بينما يبقى الفاعل الحقيقي متواريا عن الأنظار.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

زلماي خليل زاده وزيغينو بريجينسكي, وجهان لعملة واحدة

خلال الفترة التي تلت انتهاء الحرب الباردة وانهيار جدار برلين, برز على الساحة الدولية عدوان مستقبليان للولايات المتحدة, روسيا والصين. أي تحالف بين الدولتين في المنطقة الأوراسية سوف يعرض الهيمنة الأمريكية على العالم للخطر. الإستراتيجية الأمريكية كانت تعتمد على مبدأ بريطاني قديم وهو التحالف مع العدو الضعيف ضد العدو الأكثر قوة وخطرا, الولايات المتحدة تحالفت مع الصين ضد روسيا. الولايات المتحدة استغلت حالة التنافس الصيني-الروسي منذ أيام الإتحاد السوفياتي والحرب الباردة خصوصا في أفغانستان حيث ساهمت الصين في هزيمة القوات السوفياتية وبالتالي إنهيار الإتحاد السوفياتي. في إحدى حلقات برنامج رحلة في الذاكرة الذي يقدمه على قناة روسيا اليوم الإعلامي خالد الرشد حيث صرَّح ضيف البرنامج رئيس هيئة الأركان السوفياتية السابق الجنرال نورات تير-غريغوريانس بأن الهدف الحقيقي من دخول قوات الإتحاد السوفياتي الى أفغانستان كان من أجل صد عدوان صيني محتمل يستخدم الحدود بين تركستان الشرقية وأفغانستان نقطة إنطلاق بإعتبارها خاصرة رخوة على حدود الإتحاد السوفياتي.
الولايات المتحدة حاولت استمالة الصين منذ نهاية الثمانينيات حيث تم إفتتاح مصنع شركة كوكا-كولا الأمريكية سنة 1978 وبدأت الشركات الأمريكية مستفيدة من العمالة الرخيصة بنقل أعمالها الى الصين حيث تم إفتتاح عدد من المصانع التي تتبع شركات أمريكية كبرى. إن العلاقة بين الصين والاتحاد السوفياتي خلال تلك الفترة لم تكن على مايرام خصوصا أن المسؤولين عن السياسة الخارجية في الصين كانوا ينظرون الى الإتحاد السوفياتي على أنه عدو يتوجب عليهم هزيمته. ولكن كل ذلك تغير منذ بداية الألفية الجديدة حيث بدأت الإدارة الأمريكية تشعر بالتحدي الذي تمثله الصين للمصالح الأمريكية بدرجة أكبر من روسيا التي كانت تواجه بداية سنة 1998 أزمة ديون سيادية تهددها بإعلان الإفلاس والعجز عن الوفاء بالتزاماتها.
الحرب على الإرهاب التي أعلنها الرئيس جورج بوش الابن خلال الفترة التي تلت أحداث 11/سبتمبر كانت فرصة لاتعوض للإدارة الأمريكية من أجل إستخدامها في تحقيق تقدم جيو-سياسي على خصومها خصوصا الصين. النخب السياسية ومعاهد الأبحاث الصينية كانت تشكِّكُ في الدوافع التي من أجلها قامت الولايات المتحدة بغزو العراق حيث ألغت حكومة الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر عقود التنقيب عن النفط التي كانت ممنوحة في السابق الى شركات من الصين وروسيا وإستولت شركات أمريكية وبريطانية على كامل الثروة النفطية العراقية. القيادة السياسية الصينية كانت ترى أن غزو العراق بالمخالفة لقرارات الأمم المتحدة هي ضربة مباشرة موجهة الى الصين وخطوة في طريق فرض حصار عليها خصوصا في مجال إمدادات الطاقة حيث مازالت مقولة وزير الخارجية الأمريكي السابق "من يسيطر على النفط, يسيطر على العالم," حاضرة بقوة في أذهانهم.
فريق العمل في مجال الطاقة الذي شكله الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن برئاسة نائبه ديك تشيني نشر تقريرا في يونيو/2001 قبل 5 أشهر من أحداث 11/سبتمبر وسنتين من غزو العراق ملخصه التالي: دول آسيا تحتوي على 5% من احتياطي النفط العالمي, 10% من حجم الإنتاج و30% من الإستهلاك. إن واردات دول حوض الباسيفيكي من النفط سوف تزيد 43% خلال الفترة 1997-2020 وسوف تبقى معتمدة على واردات النفط من الشرق الأوسط(70%). استهلاك الصين من النفط, إحدى الدول التي أشار إليها التقرير, سوف يزداد من مليون برميل/يوم الى 5-8 ملايين برميل/يوم. الصين في منتصف التسعينيات تحولت من مصدِّر الى مستورد للنفط وتعتمد بشكل رئيسي على النفط المستورد من دول شرق أوسطية.
الولايات المتحدة ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية تتواجد عسكريا في 700 موقع حول العالم خصوصا في الشرق الأوسط وأفريقيا حيث حقول النفط والثروات المعدنية. سنة 2000, القوات الجوية الأمريكية طلبت من معهد راند للأبحاث التابع لليمين المحافظ إعداد تقرير حول سياسات الصين في مجال الطاقة وصولا الى سنة 2020 وذلك في الوقت نفسه الذي كان نائب الرئيس ديك تشيني يروج من خلال (PNAC) لإسقاط النظام العراقي. المسؤول عن إعداد التقرير في مركز راند للأبحاث لم يكن إلا زلماي خليل زاده. التقرير الذي أصدره معهد راند إحتوى على تحليل حول شعور القيادة الصينية بالقلق من تحول الصين من مصدِّر الى مستورد للنفط ومن أن الولايات المتحدة في موقع يمكِّنها من تهديد واردات الصين من الطاقة.
إن زلماي خليل زاده ليس غريبا عن دوائر صنع القرار والنخب السياسية الأمريكية فهو أحد مهندسي الحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان. زلماي خليل زاده مواطن أمريكي من أصول أفغانية مقرب من البيت الأبيض ونائب الرئيس ديك تشيني حيث شارك في تأسيس (PNAC). كما أنه عمل مع زيغينو بريجينسكي في جامعة كولومبيا وفي إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان. زيغينو بريجينسكي و زلماي خليل زاده هما من أخرج فكرة إستخدام الأصولية الإسلامية ضد الإتحاد السوفياتي في أفغانستان من القمقم حيث تم تمويل وتدريب وتسليح عشرات الآلاف من العرب والمسلمين من بلدان مختلفة بإسم الجهاد المقدس ضد الشيوعية الملحدة. وخلال الفترة التي سبقت إنضمامه الى إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن, فقد عمل زلماي خليل زاده مع أحد عملاء الحكومة الأمريكية حامد كرزاي  الذي أصبح فيما بعد رئيسا لأفغانستان, وذلك بالنيابة عن شركة النفط الأمريكية يونوكال(Unocal) من أجل التفاوض مع حركة طالبان على مرور خط أنابيب لنقل النفط من خلال الأراضي الأفغانية.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

الفوضى الخلاقة والثورات الملونة حيث تفوح رائحة الدولار الأمريكي

النخب السياسية الأمريكية والبريطانية كانت دائما تبحث عن وسائل لتنفيذ مخططاتها تحقيق السيطرة على ثروات الوطن العربي وشمال أفريقيا بدون تدخل عسكري مباشر ومخاطرة بخسارة أرواح مئات من الجنود مما قد يشكِّلُ ضغطا سياسيا شعبيا كما حصل خلال حرب فيتنام. وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس كانت تروِّج للفوضى الخلاقة(Creative Choas) وذلك في حديث لصحيفة الواشنطون بوست بداية عام 2005. الهدف من نشر الفوضى الخلاقة هو إعادة تشكيل خريطة الوطن العربي وفق الأهواء الأمريكي أو مايعرف "الشرق الأوسط الجديد." الديمقراطية وفق المفهوم الأمريكي هي أن تنصاع القيادة السياسية في بلد ما الى الإرادة الأمريكية وإلا سوف يتم ضمها الى دول محور الشر ويتم إطلاق مؤسسات حقوق الإنسان وغيرها من المؤسسات التي تخضع أهداف عملها للأجندات السياسية للدول الكبرى. 
بتاريخ 4/يونيو/2009, القى الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطبة في جامعة القاهرة كانت يراد منها أن تفهم على أنها خطوة تتخذها الولايات المتحدة في محاولة لتلميع صورتها في العالم العربي التي علقت فيها الكثير من الشوائب خلال فترة حكم الرئيس السابق جورج بوش الإبن. الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك لم يحضر الخطاب مما أثار الكثير من اللغط حيث قيل أنه رفض حضوره بعد رفع تقارير اليه أن الولايات المتحدة تعمل على تغيير نظام الحكم في مصر وقيل أن باراك أوباما  رفض حضوره مما جعل محمد حسني مبارك يشعر بالتوتر ويصرح لكبار مساعديه وأعضاء حزبه في إجتماع مغلق:"فيه حاجة هتحصل، بس إمتى مش عارف." باراك أوباما لم يكن مختلفا عن سابقه في التزامه بنشر الفوضى الخلاقة وخريطة الشرق الأوسط الجديد, إلا أنه كان يختلف عنه في أسلوب التنفيذ, حروب الجيل الرابع وعمليات غزو عسكري غير مباشرة عبر عملاء على الأرض, عمليات طائرات بدون طيار وإستخدام تنظيمات الإسلام السياسي هي الأدوات التي كان يفضل باراك أوباما إستخدامها بعكس سلفه الذي كان يفضل الغزو العسكري المباشر.
إن أحداث الربيع العربي ليست ثورات أشخاص لهم مطالب معيشية وسياسية يمكن تلخيصها بالحياة الكريمة وحرية الرأي والمشاركة السياسية, بل سلسلة من الأحداث المتلاحقة في أكثر من بلد عربي تم التخطيط لها منذ عدة سنين في معاهد الأبحاث الأمريكية والبريطانية وكانت تنتظر اللحظة المناسبة للتنفيذ. وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية الرئيسية مثل نيويورك تايمز, سي إن إن وبي بي سي بدأت منذ أكتوبر/2010 الترويج للثورات الديمقراطية أو ديمقراطية الشعوب التي بدأت تنتشر في الشرق الأوسط بداية من ثورة الياسمين في تونس حيث امتدت الى مصر وفي مرحلة لاحقة الى ليبيا وسوريا وحتى في سلطنة عمان. التسمية ليس مهمة, ربيع عربي, ثورة ياسمين, ثورات ملونة برتقالية أو صفراء أو ثورات بلون قوس قزح, الهدف هو إحداث تغيير في أنظمة الحكم السياسية تقبل بالهيمنة الأمريكية المطلقة وتراعي مصالح الولايات المتحدة. إن المنظمات الغير حكومية(NGO) التي لعبت دورا فاعلا في أحداث الربيع العربي لم تكن إلا غطاء لعمل أجهزة أمنية غربية وعملائها حتى يتحكموا في مسار الأحداث و يتابعونها أولا بأول. أولئك العملاء ليس بالضرورة أن يكون أجانب خصوصا أن الكثير من الشباب المصري, التونسي, الليبي والسوري قد تلقى تدريبات في الخارج ودورات على قلب أنظمة الحكم بإستخدام اللاعنف حيث تم تمويل تلك الدورات من المنظمات اللاحكومية مثل منظمة كانفاس الصربية ومنظمة فريدوم هاوس التي تتبع جورج سوروس وغيرها من منظمات المجتمع المدني.
بتاريخ 7/10/2010, أحرق بائع تونسي متجول نفسه أمام دار البلدية في مدينة سيدي بوزيد بعد جدال مع شرطية البلدية ومصادرة بضاعته فاشتعلت تونس بالمظاهرات وكانت بداية الربيع العربي ما يسمى "ثورة الياسمين." شرطية البلدية لم تعتدي على البوعزيز ولم تصفعه على وجهه ولكنها كانت تقوم على تطبيق القانون الذي يمنع البيع على عربة متجولة إلا في أماكن محددة بترخيص من البلدية. وفي مصر, انتقلت عدوى المظاهرات التي عرفت 25/يناير حيث لعب مدير غوغل في الشرق الأوسط وإفريقيا, وائل غنيم, دورا رئيسا فيها من خلال صفحة كلنا خالد سعيد التي كان مسؤولا عنها. خالد سعيد هو النسخة المصرية من البوعزيزي في تونس, تاجر مخدرات(ديلر) لاحقته الشرطة المصرية وتوفي اختناقا بلفافة حشيش حاول ابتلاعها في محاولة لإخفاء دليل إدانته. وائل غنيم إستغل صورا تم تسريبها لخالد سعيد بعد تشريح جثته أصولا وبدأ بنشر مزاعم أنه توفي نتيجة تعذيب الشرطة المصرية. البداية هي نفسها في كل بلد مع إختلاف بسيط في التفاصيل, بائع متجول ينتحر أو موزع مخدرات توفي نتيجة التعذيب أو طفل إعتقلته قوات الأمن.
جوليان أسانج, مؤسس موقع ويكيليكس والذي يَنسِبُ الفضل الى نفسه في  إشعال شرارة الربيع العربي, نشر وثائق تم تسريبها حول عشاء جمع بين السفير الأمريكي في ليبيا وصهر الرئيس التونسي زين العابدين بن علي. المعارضة التونسية التي نظرت الى التقرير المسرب على أنه إشارة من الإدارة الأمريكية عن عدم رضاها عن نظام الرئيس التونسي قد بدأت بإستغلال ذلك في الدعاية ضد نظام الحكم في تونس. ولكن جوليان أسانج هو شخص حامت حوله وموقعه الكثير من الشبهات. فقد كان الكثيرون ينظرون اليه على أنه مجرد عميل يقوم بتسريب معلومات أو وثائق سرية وفق خطة مدروسة والهدف محدد. كميات هائلة من الوثائق والبرقيات السرية التي يستحيل أن يكون تسريبها عشوائي أو بسبب الإهمال. ولقد تم إلصاق التهمة بجندي كان يخدم في القوات الأمريكية في العراق وتم اعتقاله ومحاكمته وسجنه ولكن الوثائق المصنفة سرية استمرت بالظهور. أمل علم الدين أو التي اشتهرت بإسم أمل كلوني بعد زواجها من نجم هوليود الشهير هي محامية جوليان أسانج وهي معروفة بأنها من مؤيدي منظمات المجتمع المدني. كما أنها صديقة مقربة لجاريد كوهين من كبار الموظفين في شركة غوغل والمعروف بتأييده للثورات الملونة. الممثل الهوليودي الشهير جورج كلوني هو أيضا مؤيد للثورات الملونة ومنظمات المجتمع المدني. وقد ساهم في شراء صور أقمار صناعية من شركة خاصة لتحركات الجيش السوداني وإرسالها الى المتمردين الجنوبيين.
إن ماحدث في تونس ليس له أي علاقة بثورة ياسمين وديمقراطية الشعوب بل إنقلاب أبيض قام به الجيش بدعم أمريكي. وزير الدفاع التونسي رضا قريرة الذي كان قد عاد من زيارة ناجحة الى الولايات المتحدة في مايو/2010 حتى إستقبل في تونس رئيس القيادة الأمريكية-الأفريقية(أفريكوم-AFRICOM) الجنرال وليام وورد. الجيش التونسي كان يمسك بخيوط اللعبة من خلف الستار حيث أبلغوا زين العابدين بن علي بأن الجيش لايمكن أن يقدم له الدعم وأن عليه المغادرة وذلك ماكان. نجاح ثورة الياسمين في تونس كان عاملا مشجعا في دول أخرى على قيام ثورات مماثلة في مصر, ليبيا, سوريا والجزائر. حتى أن صحيفة نيويورك تايمز قد بدأت تنشر مقالات بداية سنة 2011 تحرض على ثورة ياسمين في الصين
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

الربيع الليبي برعاية مؤسسة راند, فريدوم هاوس وتمويل جورج سوروس

إن مؤسسة فريدوم هاوس, منظمة غير حكومية, والهيئة الوطنية لنشر الديمقراطية(NED-National Endowment for Democracy), مؤسسة يتم تمويلها حكوميا لعبتا دورا حيويا و مركزيا في لعبة الربيع العربي التي هدفت في الظاهر الى نشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان بينما هدفها الغير معلن هو إعادة رسم خارطة المنطقة أو مايعرف بإسم (سايكس-بيكو 2). ليبيا كانت الهدف القادم لعمليات التدخل الغربي بإسم حقوق الإنسان. ولكن إزاحة معمر القذافي من الحكم لم تكن بسهولة تونس أو مصر. معمر القذافي كان مستمرا في الحكم 42 سنة حيث كانت هناك الكثير من الإنجازات في ليبيا:
1- أقل نسبة أمية في القارة الأفريقية لا تزيد عن 10% بينما كانت تبلغ 90% في نهاية العهد الملكي السابق.
2- أعلى معدل عمر للمواطن الليبي في أفريقيا.
3- أقل من 5% من السكان يعانون من سوء التغذية, نسبة أقل من الولايات المتحدة.
4- نسبة أقل من الليبيين كانت تعيش تحت خط الفقر من دولة مثل هولندا.
5- معمر القذافي ألغى كافة الضرائب على المواد الغذائية والمحاصيل الزراعية التي زادت أسعارها خصوصا بداية سنة 2007/2008.
6- الخدمات الصحية والتعليمية كانت مدعومة حكوميا. كما أن وقود السيارات كانت الأرخص في القارة.
دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة, بريطانيا, فرنسا وإيطاليا على وجه الخصوص لم تكن راضية عن نظام الرئيس معمر القذافي بسبب إحكام السيطرة على الثروة النفطية وحرمان الشركات الغربية منها. كما أن مشاركة الصين شركة النفط الوطنية الليبية في التنقيب عن النفط واستخراجه كان أمرا جعل التخلص من الرئيس الليبي أمرا له أولوية في أجندات النخب السياسية الغربية ولوبيات الضغط التي تتبع شركات النفط. كما أن هناك سببا رئيسيا جعل الولايات المتحدة تشعر بالقلق من نظام الحكم الليبي وهو أن معمر القذافي كان يستخدم نفوذه في دول إفريقية حتى يحرضها على الإمتناع عن بيع النفط والثروات الطبيعية الأخرى إلا مقابل الدينار الذهبي الإفريقي. الولايات المتحدة دعمت في السر أمين عام جامعة الدول العربي عمرو موسى في مسعاه لرئاسة مصر خلفا لمحمد حسني مبارك مقابل استصدار إجماع في جامعة الدول العربية للموافقة على تدخل دول غربية عسكريا في ليبيا وتقديم الدعم العسكري الى مرتزقة وأفراد من المعارضة الليبية لإسقاط نظام حكم معمر القذافي بالقوة المسلحة.
إن عملية التدخل العسكري لإسقاط نظام حكم دولة ذات سيادة وبدون نقاش كافي حول صحة المزاعم التي تم استخدامها لتبرير عملية التدخل قد سجل سابقة خطيرة في تاريخ الأمم المتحدة. الرئيس الليبي لم يخرق أي قانون من قوانين الأمم المتحدة والمزاعم عن قصف المدنيين بالطائرات الحربية هي مزاعم كاذبة و بروباغندا مضللة. الحرب في ليبيا التي تم الترويج لها أنها لأسباب إنسانية قد كانت مسؤولة عن تدمير مدن ليبية مثل مدينة سرت على رؤوس أهلها وتهجير مئات الآلاف من الليبيين وحملة تطهير وتصفية حسابات قتل خلالها عشرات الآلاف من الليبيين. عملية التدخل العسكري الغربي في ليبيا قتلت من الليبيين أكثر من الذي يزعم الإعلام الغربي أن معمر القذافي كان مسؤولا عن وفاتهم طوال 42 هي فترة حكمه ليبيا. المسؤولية لتقديم الحماية(Responsibility to Protect) هو المبدأ الذي تم إستخدامه لتبرير التدخل العسكري الغربي في ليبيا كما تم إنشاء المركز العالمي للمسؤولية عن الحماية(The Global Center for the Responsibility to Protect) بمشاركة مؤسسات مثل هيئة حقوق الإنسان وأوكسفام الدولية ومؤسسات أخرى جميعها تتلقى التمويل من دائرة صغيرة من المتبرعين.
النهاية