Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label بارت إيرمان. Show all posts
Showing posts with label بارت إيرمان. Show all posts

Tuesday, May 27, 2025

تاريخ المسيحية في العصور المبكرة(٢)

المسيحيون المتعصبون والملحدون مصرين على أن يرفضوا أسباب قيام الخليفة العثماني الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه حرق المصاحف. المزاعم التي يروجونها لها علاقة بإتهامات تحريف القرآن وأن الخليفة الثالث حاول إخفاء ذلك. الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه أحرق المصاحف التي كتبت بغير لسان قريش كما أوصى رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم أن يكتب القرآن ويقرأ بلسان قريش. مصاحف أو قرآن اليمن قصتها معروفة وينشر أولئك المتعصبون والملحدون مزاعم أنها دليل أخر على تحريف القرآن. المثير للسخرية أنهم ينسخون إتهامات من أشخاص لا يعرفون العربية ولو كانوا يعرفونها فإنهم لم يطلعوا على المخطوطات التي تم إكتشافها في اليمن وليسوا خبراء خطوط أو مؤرخين متخصصين في مثل تلك الدراسات حتى يصدروا أحكامهم. القرآن الكريم يكتب ويقرأ بلسان قريش والترجمات المختلفة ليس لها أي قدسية وإنما مجرد نص أدبي. ولكن بالنسبة الى المسيحية فهناك عشرات الترجمات للإنجيل التي تختلف عن بعضها وتعتبر مقبولة للقراءة والتعبد في الكنائس بلغات مختلفة. الإسلام دين عالمي للجميع والقرآن هو الوحي الإلهي والعربية هي اللغة العالمية التي يمكن قراءة القرآن والتعبد به من خلالها. دين واحد, قرآن واحد, لغة واحدة وذلك أمر يزعج الأخر الذي يشاهد الدين الإسلامي واللغة العربية تنتشر في بلادهم وتهدد حضارتهم الغربية المزعومة.


الكتاب المقدس الذي يعتبر أكثر الكتب مبيعا وتوزيعها في تاريخ المسيحية والغرب يواجه الإنتقادات وذلك يعود الى مجموعة أسباب. السبب الأول هو ضياع النصوص الأصلية. إن أقدم المخطوطات الكاملة للكتاب المقدس تعود الى القرن الرابع والخامس الميلاديين, المخطوطة السينائية والفاتيكانية. هناك نصوص نجع حمادي التي اكتشفت في مصر سنة ١٩٤٥م وهي نصوص غنوصية لا تعترف بها الكنائس المسيحية. كما أنه هناك نصوص قمران أو مخطوطات قمران التي اكتشفها بالصدفة أحد الرعاة خلال الفترة التي سبقت ١٩٦٧م في كهوف تقع على مقربة من البحر الميت. مخطوطات قمران تتعلق ربما بطائفة الأسينيين المنعزلة وتحتوي على كتب من العهد القديم حصريا. إن غياب كتابات العهد الجديد من قائمة مخطوطات قمران أمر يسعى المؤرخون الى تفسيره وربما هناك سببان. الأول أن جماعة الأسينيين ظهرت واختفت خلال الفترة التي سبقت ظهور يسوع المسيح وكتب الأناجيل و العهد الجديد. السبب الثاني أنها لا تعترف بتلك النصوص لأن أول حديث عن كتب العهد الجديد كانت في منتصف القرن الثاني ميلادي ولم تكن معروفة قبل ذلك.


هناك صراع في تاريخ المسيحية المبكرة أثر على محتوى النصوص التي كتبت خلال تلك الفترة الزمنية العصيبة, القرون الأربعة الأولى. الصراع كان طرفه الأول بولس الرسول أو شاول الطرسوسي سابقا الذي كانت مهمته ملاحقة المؤمنين بالمسيح والقبض عليهم و طرفه الثاني شيوخ كنيسة القدس خصوصا يعقوب شقيق المسيح وبطرس أحد الحواريين وصخرة الكنيسة كما وصفه المسيح. النقد النصي والكتابي للكتاب المقدس يظهر الاختلافات النصية واللغوية في الترجمات المختلفة وبين آلاف مخطوطات الكتاب المقدس. هناك على سبيل المثال نهاية إنجيل مرقس التي في النسخ المعاصرة هناك ملاحظة أنها ليست موجودة في أقدم المخطوطات التي تحتوي أناجيل العهد الجديد من الكتاب المقدس. الإختلاف وصل الى أقدمية الأناجيل تاريخ كتابتها حيث يرى أغلب المؤرخون أن مرقس هو أقدم الأناجيل كتابة يليه متى ثم لوقا ويجعلون يوحنا آخرها. بينما هناك رأي أخر أن إنجيل القديس متى هو أقدمها وأن إنجيل القديس مرقس وإنجيل القديس لوقا يحتويان على إقتباسات من إنجيل القديس متى. هناك رأي أن رواية ميلاد المسيح في إنجيل القديس لوقا أقرب الى الصحة وأكثر دقة من تلك المكتوبة في إنجيل القديس متى.


الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول كان وثنيا وأشرف على عقد مجمع نيقية ومحاولة توحيد النصوص والعقيدة المسيحية لأن ذلك يعتبر عامل إستقرار مهم في إمبراطوريته الواسعة. إن جميع النصوص التي لم يقع عليها الاختيار في وصفها نصوصا قانونية أحرقت وكان إمتلاكها نسخة منها يعتبر جريمة قد يعاقب عليها بالموت حرقا. المسيحيون المتعصبون يشاركون الملاحدة في رفضهم الإعتراف بذلك لأنه يكشف تناقضهم مع أنفسهم في قضية حرق عثمان رضي الله عنه المصاحف. عشرات المجامع المسكونية والمحلية عقد بهدف النقاش حول العقائد المسيحية و قائمة الأسفار القانونية وطبيعة المسيح وعبادة مريم وغيرها. الخلاف وصل الى مستوى الحروب والحملات الصليبية. الحملة الصليبية الرابعة توجهت الى القسطنطينية ونهبها. بينما كان أغلب الحروب الأوروبية خلفيتها خلافات دينية بين الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية حيث تبادل الطرفان المجازر والقتل. المسيحية ساهمت في نشر الجهل والتخلف وكانت ضد العلم حيث حظرت الكنيسة إمتلاك عامة الشعب نسخة من الكتاب المقدس ومعاقبة المخالفين بأشد العقوبات. ولكن الأمر أصبح خارج سيطرتها منذ الانشقاق الكنسي الذي قاده الراهب الألماني مارتن لوثر واختراع أول مطبعة في القرن السادس عشر, حدثان نجحا في تغيير التاريخ البشرية.


دمتم بخير وعافية


عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة


الوطن أو الموت


النهاية


تاريخ المسيحية في العصور المبكرة(١)

هناك حالة مستمرة من النقاش مستمرة بين المؤرخين والمتخصصين في دراسة تاريخ المسيحية المبكرة حول المسيح, شخصية حقيقة تاريخية أم مجرد أسطورة من الأساطير. الإيمان المسيحي بأكمله في خطر بسبب التشكيك في وجود المسيح وأصالة نصوص الكتاب المقدس وحتى في المسيحية نفسها. لدينا وجهة نظر تقليدية بأن المسيح كان موجودا وأنه شخصية تاريخية حقيقية وأن ذلك يمكن إثباته بالأدلة والحقائق من خلال مصادر مسيحية مثل نصوص الأناجيل وكتابات آباء الكنيسة الأوائل ومصادر غير مسيحية. بينما الطرف الأخر الذي يعتقد أن المسألة برمتها عبارة عن فبركات, أسطورة من الأساطير التي كانت منتشرة منذ أيام اليونانيين القدماء والرومان وأنه ليس هناك أساس تاريخي يمكن البناء عليه أن المسيح شخصية حقيقية عاشت في القرن الأول ميلادي.


المؤرخون يواجهون صعوبات في إثبات حقيقة وجود شخصية تاريخية تدعى يسوع المسيح ولكن ذلك لا يعني أنه غير موجود أو شخصية وهمية. المسيح لم يترك كتابات تنسب إليه ونصوص الأناجيل الأصلية مفقودة. كما أنه ليس هناك ادلة ملموسة مثل ملابس أو أدوات تدل على وجوده. هناك صعوبات أخرى يواجهها المؤرخون وهي عدم عثورهم على نصوص مكتوبة غير مسيحية(محايدة) تتحدث عن يسوع المسيح في القرن الأول ميلادي أو عدم العثور على نصوص كتبها شهود عيان على حياة المسيح و رحلته التبشيرية وصولا الى حادثة الصلب والقيامة. هناك نصوص كتبها أشخاص غير مسيحيين تتحدث عن يسوع المسيح مثل بليني الصغير الذي كان حاكم أحد المقاطعات الرومانية في آسيا الصغرى(تركيا حاليا), سويتونيوس مؤرخ روماني(٦٩م-١٢٦م) وتاسيتوس(٥٥م-١٢٠م) مؤرخ لاتيني. كما أنه هناك مصادر يهودية مثل المؤرخ فلافيوس جوزيفوس. اليهود في التلمود تحدثوا عن المسيح و وصفوه بأنه إبن زنا نتيجة علاقة غير شرعية بين مريم و جندي روماني يدعى بانديرا. كما أن ذلك موجود في نصوص الأناجيل في المحادثة بين يسوع والكهنة حين أخبروه أنهم أبناء إبراهيم وليس أبناء زنا.


المثير للإهتمام في دراسة تاريخ المسيحية المبكر أن الكتاب المقدس والعهد الجديد حتى أكون أكثر تحديدا ودقة وصل إلينا من خلال المجامع الكنسية وأنه من بداية تاريخ المسيحية لم يكن نصا موحدا متفقا عليه بين الطوائف المسيحية. البروتستانت لديهم نسخة ولا يعترفون بالنسخة الكاثوليكية التي تحتوي على كتب إضافية يطلقون عليها أبوكريفا. بينما المسيحية الأرثودكسية لديها أيضا نسختها من الكتاب المقدس. الكنيسة المسيحية في أثيوبيا لديهم نسخة مختلفة من الكتاب المقدس عن البروتستانت والكاثوليك والأرثودكس. المسيحيون بالإضافة الى اختلافهم على نسخ الكتاب المقدس فإنهم مختلفون أيضا على مسائل مثل عبادة مريم والأسرار الكنسية مثل الإعتراف وأمور أخرى.


أول قائمة قانونية للكتاب المقدس أشرف عليها الإمبراطور الوثني قسطنطين الأول في أول مجمع مسكوني(عالمي) عقد في نيقية سنة ٣٢٥م. إن جميع الأناجيل التي قبلها المجتمعين في نيقية تتحدث عن يسوع الإله المتجسد أو هكذا كان يعتقدون بينما رفضت جميع الأناجيل التي تشير الى يسوع الإنسان أو يسوع الإله بوصف ذلك حالة منفصلة و وحيدة تعبر عن المسيح. إن ذلك هو السبب في قبول تلك النصوص في كتب العهد الجديد والذي مع مرور الوقت وتطور العقيدة الكريستولوجية تعرض الى تغيرات طفيفة وليس رئيسية مثل رسالة الراعي هرماس التي كانت مقبولة وتقرأ في الكنائس ولكنها لم يتم قبولها في قائمة الأسفار القانونية النهائية. رسالة بولس الى العبرانيين تعتبر منحولة كما يعتبر ذلك يوسابيوس القيصري في كتاب تاريخ الكنيسة وخبراء في تاريخ المسيحية المبكر مثل البروفيسور بارت إيرمان ولكنها على الرغم من ذلك تعتبر نافعة للإيمان وموجودة في قائمة الأسفار القانونية في العهد الجديد من الكتاب المقدس.


دمتم بخير وعافية


عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة


الوطن أو الموت


النهاية



Tuesday, August 29, 2023

بطلان عقيدة التثليث, هل المسيح هو الله أو إبن الله؟

يتسائل عالم مقارنات الأديان الأكثر شهرة البروفيسور بارت إيرمان في كتابه "هل المسيح موجود؟" عن إدعاء المسيح الألوهية:"هل ادعى المسيح أنه هو الله؟."

سؤال حائر يبحث عن إجابة حيث أنه ليس هناك نص واحد في الأناجيل الإزائية من الممكن الإعتماد عليه في مزاعم إدعاء يسوع المسيح الألوهية. ولكن إنجيل القديس يوحنا يقف متفردا عن باقي الأناجيل الثلاثة(متى,مرقس,لوقا) في تلك النقطة الهامة للغاية.

الحقيقة أن إنجيل القديس يوحنا يقف متفردا بعدد من الخصائص الهامة التي تميزه عن باقي الأناجيل الثلاثة الإزائية وهي روايته قصصا ليست موجودة في باقي الأناجيل الأخرى مثل قصة تحويل الماء الى خمر(يو2: ١-١٢), قصة المرأة الزانية(يو٧) والتي حذفت طبعات الأناجيل الجديدة ذلك النص مع إشارة عابرة اليه في الهامش أو الفهرس. كما أن إنجيل القديس يوحنا يقف وحيدا متفردا في النصوص التي يستعين بها المبشرون من أجل إثبات ألوهية المسيح وأنه هو الله.

المسيح لم يؤسس ديانة جديدة أو يدعو الى تأسيس ديانة جديدة تسمى المسيحية. كما أن جماعات المسيحيين الأوائل استمروا في إعتبار أنفسهم يهودا وذلك خلال مرور ثلاثين سنة على صلب وقيامة المسيح كما هو مذكور في روايات الأناجيل. إنَّ نصوص العهد القديم التي تؤكد على بطلان عقيدة التثليث خصوصا أن يسوع المسيح هو الله متعدِّدَة ومنها:

تثنية ٣٩:٤(فَاعْلمِ اليَوْمَ وَرَدِّدْ فِي قَلبِكَ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الإِلهُ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَعَلى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ. ليْسَ سِوَاهُ)

إشعياء ١٨:٤٥(لأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «خَالِقُ السَّمَاوَاتِ هُوَ اللَّهُ. مُصَوِّرُ الأَرْضِ وَصَانِعُهَا. هُوَ قَرَّرَهَا. لَمْ يَخْلُقْهَا بَاطِلاً. لِلسَّكَنِ صَوَّرَهَا. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ)

إشعياء ٦:٤٤(هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَفَادِيهِ رَبُّ الْجُنُودِ: «أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ وَلاَ إِلَهَ غَيْرِي)

إشعياء ٦:٤٥(لِيَعْلَمُوا مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَمِنْ مَغْرِبِهَا أَنْ لَيْسَ غَيْرِي. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ)

إشعياء ٤٣: ١٠(أَنْتُمْ شُهُودِي يَقُولُ الرَّبُّ وَعَبْدِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا بِي وَتَفْهَمُوا أَنِّي أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلَهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ), ١١( أَنَا أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ)

أبناء الله في الكتاب المقدس كثيرون ومنهم اليهود جميعهم أبناء الله هو هوشع ١٠:١( لَكِنْ يَكُونُ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُكَالُ وَلاَ يُعَدُّ وَيَكُونُ عِوَضاً عَنْ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: لَسْتُمْ شَعْبِي يُقَالُ لَهُمْ: أَبْنَاءُ اللَّهِ الْحَيِّ)

من يصنعون السلام هم أبناء الله, مت ٩:٥(طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ يُدْعَوْنَ)

الرسالة الى رومية ١٤:٨(لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ)

يو ١: ١٢-١٣(١٢)وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ, (١٣) اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ بَلْ مِنَ اللَّهِ

يعقوب هو إبن الله

خر ٢٢:٤( فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: اسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ)

سليمان هو إبن الله, ٢صم ١٤:١٣ (١٣)هُوَ يَبْنِي بَيْتاً لاِسْمِي، وَأَنَا أُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِ إِلَى الأَبَدِ, (١٤) أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً. إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ النَّاسِ وَبِضَرَبَاتِ بَنِي آدَمَ

ولو أضفنا الى كل ذلك أنَّ النص الذي يستخدم من أجل إثبات عقيدة التثليث من رسالة يوحنا الأولى (٧:٥) هو نص تم إضافته لاحقا كما صرَّحَ الدكتور وليام كيلبي وهو من أبرز مفسري الكتاب المقدس, بارت إيرمان بروفيسور مقارنات الأديان الأكثر شهرة, سوف يجد أدعياء الوهية المسيح وعقيدة التثليث أنفسهم أمام مشكلة في إثبات مزاعمهم.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Monday, May 15, 2023

لماذا نقل المسلمين القرآن بأمانة ولم يفعل المسيحيون الأمر نفسه؟

الخليفة عثمان رضي الله عنه أحرق المصاحف التي كتبت بغير لسان قريش والسبب توسع الإسلام وإنتشاره في بلدان غلبت العجمة على لسان أهلها وكلامهم. ولكن المسيحيين المتعصبين والملاحدة مازالوا يردِّدون النقاش حول تلك المسألة مثل الغريق الذي يتمسك بقشة.

ليس هناك كما أعلم وقد أكون مخطئاً مخطوطات أصلية للقرآن الكريم تعود الى زمن حياة الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم أو الفترة الزمنية التي سبقت خلافة عثمان رضي الله عنه ولكن ذلك يعود الى عدة أسباب. أول تلك الأسباب هو نسبة الأمية المرتفعة حيث كان عدد قليل يعرف القراءة والكتابة والشاهد هو أنَّ الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم كان يطلق سراح أسرى المشركين في معركة بدر بشرط أن يعلموا عشرة من المسلمين القراءة والكتابة. السبب الثاني عدم انتشار أدوات الكتابة وارتفاع ثمنها وندرتها. السبب الثالث هو أنَّ العرب كانوا يمتلكون ذاكرة قوية وكانوا حفاظا يحفظون أبيات الشعر والمعلقات والقصائد بالغة الطول وبالتالي لم يكن لديهم أي مشكلة في أن يحفظوا القرآن كاملا.

ولكن أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد شعر بقلق بالغ من وفاة عدد كبير من حفاظ القرآن في معركة اليمامة وغيرها من معارك حروب الردَّة وجمع القرآن مرتبا في صحائف على وفق ترتيب الآيات خلال حياة الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم ثم قام عثمان رضي الله عنه بنسخ تلك الصحائف في عدد من النسخ التي وزعها على مختلف الأمصار(البلدان) وأمر بحرق ما سواها وكان ذلك عمل في غاية الحكمة لأنه منع المسلمين من أن يختلفوا في كتابهم اختلاف اليهود والنصارى.

ولكن المسيحيين كما ذكر بروفيسور الدراسات الدينية بارت إيرمان لم ينقلوا كتبهم بامانة كما فعل المسلمون واليهود. كما أنه هناك اختلافات رئيسية بين القرآن والإنجيل تجعل من موضوعية تطابق مخطوطات الأخير أمرا مستحيلا. الأول هو أنَّ المسلمين لديهم سلطة دينية مركزية جامعة هي التي تقرر نسخ وطباعة القرآن وهي غير خاضعة الى السلطة السياسية كما هو في الكتاب المقدس. هناك آيات أضيفت وأخرى حذفت من مخطوطات الكتاب المقدس لأسباب الصراع الديني بين الطوائف الدينية المسيحية أو لإثبات مسائل مثل الثالوث أو غير ذلك. الثاني هو أن قراءة القرآن والتعبد به لا يمكن قبولها بغير اللغة العربية ولسان قريش التي نزل به القرآن ولا تقبل الترجمات بوصفها كتب مقدسة ولا تعامل كذلك. بينما يتم التعبد بالكتاب المقدس وطباعته بلغات وألسن مختلفة. السبب الثالث هو ضياع النسخ الأصلية وأقرب نسخة كاملة للكتاب المقدس هي المخطوطة الفاتيكانية والسينمائية تعودان الى القرن الرابع والخامس ميلادي. بينما مصحف عثمان رضي الله عنه الذي كان يقرأ منه يوم مقتله وعليه قطرات من دمه مازال موجودا ومحفوظا ويمكن الإطلاع عليه.

هناك أمر مهم على كل من يطَّلع على تاريخ العصور المسيحية القديمة أن يفهمه هو أنَّ الصراعات التي مرَّ بها المسيحيون قد أثَّرت على الإيمان المسيحي وعلى مصداقية الكتاب المقدس ونقله وحفظه. كما أن الانشقاق العظيم سنة ١٠٥٤م و الانقسام الكنسي سنة ١٥٢٠ قد أثر كل منهما على العقائد المسيحية بدرجة كبيرة. على الجانب الأخر, الصراعات التي عاني ومازال المسلمون يعانون منها لم تؤثر على سلامة نقل وحفظ القرآن الكريم حتى عند الشيعة رغم الكلام الكثير والقيل والقال حول مصاحف مختلفة ولكن لن يجرأ أحد أن يظهرها الى العلن حتى لو كانت موجودة.

ولكن على الرغم من كل ذلك, يحاول المستشرقون والملاحدة من الغربيين وبعض العرب من كتابة مصاحف بديلة أو تبديل آيات في بعض المصاحف التي يقومون بتوزيعها بهدف العبث مع المسلمين والطعن في عقيدتهم. إن تلك الجهود يقودها الفيلسوف الفرنسي الصهيوني برنارد هنري ليفي وفلاسفة عرب ملحدين وقد ظهر في الفعل بعض تلك المصاحف في دولة الكويت وفي دول أخرى تنتشر فيها الأمية والجهل. 

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, May 14, 2023

بارت إيرمان وتاريخ المسيحية, عرض ونقد

بارت إيرمان أستاذ الدراسات الدينية في جامعة كارولاينا الشمالية-تشابيل هيل وهو غني عن التعريف في مجال مقارنات الأديان ولديه أكثر من عشرين كتاب في ذلك المجال لعل أهمها "Jesus Interrupted" و "Misquoting Jesus" وكتب أخرى بعضها أكاديمي يتم تدريسه في أقسام الدراسات الدينية في الجامعات الأمريكية.

هناك الكثير من التساؤلات التي يطرحها بارت إيرمان في كتبه حول العهد الجديد خصوصا الأناجيل وتاريخ المسيحية.أحد تلك الأسئلة هو من هم المؤلفون الحقيقيون للأناجيل؟ أو هل هناك رسائل منحولة تنسب الى بولس الرسول أو الى رسل آخرين أو تلاميذ المسيح؟ هل من الاحتمال ان هناك اختلافات في الأناجيل لا يمكن التوفيق بينها أو تناقضات لايمكن تفسيرها؟

من دحرج الحجر؟ يمثل أحد الإختلافات بين الأناجيل التي يصعب التوفيق بينها. إنجيل متى(٢٨: ١-٤) يروي لنا أنَّ ملاكا منظره كالبرق ولباسه أبيض مثل الثلج هو من دحرج الحجر وأنَّ الشهود على تلك الحادثة هم مريم المجدلية ومريم(الأخرى). بينما في إنجيل مرقس(١٦: ١-٨) الشهود هم مريم المجدلية, مريم أم يعقوب وسالومة هم الشهود ولم يذكر من دحرج الحجر ولكن عندما دخلت النسوة الثلاثة الى القبر فقد شاهدن شاباً جالسا على اليمين يرتدي حلة بيضاء. إنجيل لوقا(٥٥:٢٣, ٤:٢٤) ذكر أنَّ نساءً كنَّ قد أتين معه من الجليل هم الشهود على الحادثة وأنَّ الحجر كان قد دحرج وأن رجلين بثياب براقة ظهرا للنسوة. بينما إنجيل يوحنا(١:٢٠) أن مريم المجدلية هي أول من زارة القبر وأنها وجد الحجر قد تمت دحرجته ولم يذكر هوية من دحرج الحجر.

من دحرج الحجر؟ ومن هم الشهود على تلك الحادثة؟

إنَّ التناقضات كما ذكر الدكتور بارت إيرمان في كتاب "Jesus Interrupted" يمكن العثور عليها حتى داخل الأناجيل نفسها. على سبيل المثال فإن معجزة تحويل الماء الى خمر (يوحنا: ١٢-٢) هي أول معجزات المسيح ولكنه في (يوحنا ٢٣:٢) قد صنع عدة معجزات في أورشليم. بينما في يوحنا(٤: ٤٦-٥٤) قد شفى إبن خادم الملك الذي كان مريضا. ويتساءل الدكتور ايرمان ساخرا:" Huh? One sign, many signs, and then the second sign?"

إن ما قام به المسيح حين قلب طاولات الصيارفة وطرد باعة الحمام من الهيكل والتي ورد ذكرها في إنجيل مرقس(١١) خلال الأسبوع الذي يسبق الوفاة, و إنجيل يوحنا(٢) في بداية رحلته التبشيرية التي استمرت ثلاث سنين, تمثل تناقضا غير مباشر(إختلاف) ولكنه يبقى دون تفسير معقول يجعل من التوفيق بين الروايتين أمرا ممكنا.

ولكن بارت إيرمان يذكر اختلاف آخر بين إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا لا يمكن التوفيق بينهما وهي وفاة المسيح على الصليب. المسيح صلب وتوفي في إنجيل يوحنا(١٤:١٩) خلال اليوم الذي يتم الإستعداد فيه من أجل عشاء الفصح, بينما في إنجيل مرقس(١٤), صلب المسيح صباح يوم عيد الفصح وليس في اليوم الذي يسبِقه. والسؤال الذي يطرح نفسه هو, هل تناول المسيح عشاء الفصح مع تلاميذه(مرقس ١٤) أم لم يتناول(يوحنا ١٩)؟

هناك إختلاف في رواية ميلاد المسيح كما ذُكِرَ في إنجيل متى وإنجيل لوقا وهي اختلافات لا يمكن التوفيق بينها بأي حال من الأحوال خصوصا في الجانب التاريخي.

إنجيل متى (١٧:١)" فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً" المشكلة هي من نص إنجيل متى نفسه لأن عدد الأجيال من سبي بابل الى المسيح هو ثلاثة عشر جيلا وليس أربعة عشر.

إنجيل متى وهو كما يصف المؤرخون هوية مؤلفه اليهودية يسعى الى إثبات نسب المسيح الى داود تحقيقا للنبوءة التوراتية أن المسيح مخلص بني إسرائيل يكون من نسل داود ابن سليمان. بينما يجعل لوقا(٣: ٢٣-٣٣) نسب المسيح الى آدم وليس داوود ربما تأكيدا على رسالته العالمية وأنها لا تقتصر على اليهود.

إن الإحصاء المسكوني الذي ورد على ذكره لوقا(٢: ١-٧) ولكن ليس هناك مصدر تاريخي مستقل ومحايد يؤكد ذلك. كما أن السجلات الرومانية خلال فترة حكم الإمبراطور أوغسطس قيصر لا تحتوي على أي إشارة الى إحصاء مسكوني(عالمي) على الرغم من أن هناك عددا لا بأس به من الوثائق التي تعود الى تلك الحقبة التاريخية قد تم العثور عليه. هناك خطأ تاريخي آخر تحدث عنه بارت إيرمان وهو أن ولادة يسوع كما ذكر لوقا كانت في فترة حكم اليهودية الملك هيرودس بينما كان كِيرِينِيُوس هو والي سوريا. ولكن كِيرِينِيُوس حكم سوريا(٦ ب.م) بعد عشرة سنين على وفاة هيرودس.

هناك الكثير من التفاصيل التي لم أذكرها وتركتها للقارئ حتى يتوسع فيها ويزيد من معرفته في مجال مقارنات الأديان. ولكن خلاصة القول أن الأناجيل تحتوي على الكثير من التناقضات الغير قابلة للتوفيق فيما بينها وحتى أن بعض الأناجيل تحتوي على تناقضات ومعلومات مغلوطة داخل صفحات الإنجيل نفسه.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Sunday, December 15, 2019

لغز إنجيل القديس مرقس السرِّي

لم يترك يسوع تعاليم مكتوبة عن مولده, حياته التبشيرية أو هروب العائلة إلى مصر والفترة الزمنية التي عاشها هناك. وقد تلقت المجموعات المسيحية الأولى تعاليم يسوع المسيح ووصاياه من خلال الرسل الاثني عشر وتلاميذهم. حتى بولس الذي كتب رسائله قبل سنوات عديدة من كتابة الأناجيل، لم يخبرنا الكثير عن المسيح. في الواقع ، لم يقابل أو يلتقي بولس بالمسيح ، لكنه تعرَّضَ الى حادثة, فقدان مؤقت للبصر ورؤيا يسوع المسيح وذلك في طريقه من القدس إلى دمشق من أجل تنفيذ مهمة إعتقال بعض أتباع يسوع المسيح الأوائل بتهمة مخالفة التعاليم اليهودية حيث لم تكن المسيحية ديانة رسمية معترف بها.
هناك إجماع اليوم بين الباحثين في كتاب العهد الجديد على أن إنجيل مرقس هو الأقدم بين الأناجيل وأنه قد تم كتابته سنة 70 م ، أي بعد حوالي أربعين عامًا من وفاة يسوع ، يليها إنجيل متى ولوقا بين 80-100 م ، وأخيراً إنجيل يوحنا ، الذي كتب بين 100-110 م. ومع ذلك ، فقد خالف إينوك باول في كتابه "تطور الإنجيل" ذلك الإجماع وتناقض مع تلك الآراء المهيمنة على التيار المسيحي الرئيسي برأي مختلف مفاده أن إنجيل القديس متى، وليس مرقس ، هو الأقدم بين الأناجيل القانونية الأربعة.
أوجدت هذه الأصالة التي يتمتع بها إنجيل مرقس باعتباره الأقدم بين الأناجيل الأربعة ، ميلًا بين العديد من الباحثين إلى تبنيه مصدرا أكثر موثوقية ، أقرب إلى الواقع عندما تختلف روايات الأناجيل فيما بينها. مشكلة رواية إنجيل مرقس التي تعترف بها  الكنائس المختلفة وحتى طبعات الكتاب المقدس هي فقرات تم إضافتها الى نهاية الإنجيل (مرقس 8-16) في فترة لاحقة ، وهي غير موجودة في أقدم مخطوطات الكتاب المقدس مثل المخطوطة السينائية و المخطوطة الفاتيكانية. علاوة على ذلك ، ذكرت رسالة كتبها كليمنت الإسكندرية ، أحد آباء الكنيسة الأوائل ، موجهة إلى ثيودور فلسطين أن هناك نسخة سرية من إنجيل مرقس.
هناك فقرتين رئيسيتين مذكورتين في الإنجيل السري وليس في إنجيل مرقس المتداول حيث ذكر كليمنت ذلك في رسالته: الأولى كانت فقرة أضيفت في الفصل 10 ، الفقرات 34-35 ، والثانية أضيفت في الفصل 10 ، الفقرة 46. موضوع الفقرة 34-35 هو قيام يسوع المسيح بإحياء لعازر من قبره والتي ذكرت حصريا في إنجيل القديس يوحنا وفقدت من الأناجيل القانونية الأخرى. في حين أن الفقرة الثانية عبارة عن إضافة الى الإصحاح 10:46 بعد قدوم المسيح الى مدينة أريحا حيث رفض استقبال النساء اللواتي قُمن بهن للترحيب به ، أخت التلميذ الذي أحب يسوع ، والدة يسوع المسيح ، وسالومة. لكن شخصية سالومة ليست غريبة على الكتاب المقدس حيث أنها مذكورة  في مرقس (15:40) ولوقا (16:1). وبالمثل ، فإن حادثة عدم استقبال المسيح والدته وأشقائه مذكورة في أكثر من نص في الأناجيل ، حتى في إنجيل مرقس هذا في أيدينا ، مع اختلاف في بعض التفاصيل ، مرقس(3: 31-35) ، متى(12: 46-50) ولوقا(8: 19-21).  
ولكن لماذا كانت رواية إنجيل القديس يوحنا حول قيام المسيح بإحياء لعازر من الموت متفردة بين الأناجيل الأخرى التي تجاهلت تلك الحادثة المهمة؟ ربما يكون الدافع لإخفاء القصة من إنجيل القديس مرقس هو نفسه الذي جعل كاتب إنجيل القديس يوحنا يذكرها مع تعديل في التفاصيل، مع ملاحظة أن القصة لم يرد ذكرها في إنجيل القديس متى ولوقا مع الأخذ في الإعتبار أن إنجيل القديس مرقس كان مصدرًا رئيسيًا للروايات التي ذكرت في إنجيلي متى ولوقا على الرغم من أن إنجيل القديس يوحنا يختلف في المحتوى اختلافا جذريا في رواياته عن إنجيل القديس مرقس. يمكن تلخيص هذه الاختلافات على النحو التالي: أولاً ، لا يذكر إنجيل مرقس السري اسم الصبي الذي أحياه يسوع المسيح من الموت بينما يوحنا يذكر اسمه أنه لعازر. ثانياً ، يتحدث إنجيل مرقس السري عن أخت واحدة لم يذكرها بينما ذكر يوحنا شقيقتين هما: مارثا ومريم. ثالثًا ، في إنجيل مرقس السري ، يُطلق على يسوع المسيح اسم "ابن داود" بينما تنادي الشقيقتان في إنجيل يوحنا يسوع المسيح "السيِّد - Lord". رابعا ، في إنجيل مرقس السري, يقوم يسوع المسيح بتحريك الحجر الذي كان يغطي مدخل القبر بنفسه بينما في إنجيل يوحنا يطلب من الناس في المكان أن يفعلوا ذلك. خامساً ، اقتراب المسيح من القبر في إنجيل مرقس السري معجزة ، حيث صرخ بصوت مرتفع مناديا لعازر ، ويمد المسيح يده إليه ويخرجه ، بينما في إنجيل يوحنا ، يكتفي بالنداء عليه حيث يخرج لعازر من قبره مربوطا بالأقماط ووجهه ملفوف بمنديل. وعلى الرغم من الاختلاف في بعض التفاصيل التي كانت نتيجة لمحاولة كاتب إنجيل يوحنا سرد تلك الحادثة بطريقة تجعلها بعيدًة عن التفسير الخاطئ للطوائف الغنوصية البدائية ، هناك نقاط مشتركة بين رواية إنجيل مرقس السرِّي وإنجيل القديس يوحنا وهي أن موقع الحادث هو قرية بيت عنيا,  هناك امرأة مات شقيقها وطلبت من يسوع إحيائه وأن هناك شخصًا مات ، لكنه خرج من القبر.
حذف إنجيل القديس مرقس السري قصة إحياء يسوع المسيح لعازر شقيق مارثا ومريم وذلك حتى لا يساء استخدامها من قبل بعض الطوائف المسيحية المهرطقة، كما ذكر كليمنت في رسالته إلى القس ثيودور ردا على سؤال الأخير حول بعض التعاليم التي انتشرت في المنطقة وتعزى إلى التقاليد المذكورة في إنجيل القديس مرقس. لكن سر إنجيل القديس مرقس ليس هو اللغز الوحيد في الأناجيل الذي يثير العديد من الأسئلة ، ولكن هناك العديد من الألغاز التي سأتحدث عنها في الموضوعات القادمة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Friday, January 4, 2019

الأديان وأزمة تقديس النصوص المكتوبة

إن أحد أكثر المسائل تعقيدا التي تعاني منها الأديان بشكل عام هي تقديس النصوص المكتوبة بوصفها وحيا وإلهاما إلهيا. وتلك المشكلة تعاني منها جميع الأديان وخصوصا الأديان الثلاثة الرئيسية: اليهودية باعتبارها أقدمها, المسيحية بإعتبارها الأكثر إثارة للجدل والإسلام باعتباره خاتم الأديان على الأقل بالنسبة لأتباعه. إن صراع أتباع تلك الأديان ونقاشاتهم الفكرية وحوارتهم تنصب أغلبها حول صحة ودقة النصوص الدينية وتحتل العقائد بشكل عام مرتبة ثانوية في الحوار والنقاش إذا عليك إثبات صحة النص ومصداقيته أولا قبل النقاش حول محتواه. بروفيسور مقارنات الأديان والعهد الجديد في جامعة شمال كارولاينا بارت إيرمان ذكر في إحدى المقابلات أن اليهود والمسلمين نقلوا نصوص كتبهم المقدسة بأمانة بينما المسيحيون لم يفعلوا. كما ذكر أنه لا يوجد الكثير من البحث العلمي في مجال النقد النصي لمخطوطات القرآن(الكريم) بسبب تطابقها. الدكتور إيرمان تحدث عن أمانة النقل وأن المجهود البشرية قادر على إنتاج نسخ متماثلة من مخطوطات الكتب المقدسة ونصوصها ولكنه لم يتحدث في تلك المقابلة عن محتوى النصوص, التوراة والإنجيل, ونقده لما تحتويه من تناقضات واختلافات فتلك مسألة فصلها في عدد كبير من الكتب التي أصدرها وتمت ترجمة بعضها للغة العربية.
مشكلة المسلمين مع نصوصهم المكتوبة لا تكمن في القرآن الكريم فهو كتاب غير قابل للتعديل والتحريف تكفل الله بحفظه ومتفق على نصه في جميع الدول العربية والإسلامية. ولكن المشكلة تكمن في كتب الأحاديث التي يصفها الكثير من المسلمين بأنها من كتب الصحاح ويقدسونها ويرفعونها لمكانة القرآن الكريم خصوصا كتابي صحيح البخاري وصحيح مسلم. إن درجة التقديس وصلت لتكفير وإصدار الحكم بردة من ينكر حديثا ورد ذكره في أحد الكتابين باعتباره ينكر وحيا إليها وذالك مستوى كارثي من تصعيد درجة الصراع مع المخالفين في الرأي. والسبب أن كتب في الصحاح في النهاية وصلت إلينا بفضل مجهود بشري سوف يرتكب من الأخطاء قليلها أو كثيرها ولكنه ليس معصوما. كما أن علوم الحديث مثل علم الجرح والتعديل وغيرها من المباحث المتعلقة بتدقيق الحديث سندا ومتنا ليست إلا من أعمال البشر وليس الوحي. أحد المشاكل التي يعاني منها المسلمون ليست محصورة في تقديس كتب الصحاح بل في النظرة المزدوجة عند نقاشهم مع أتباع الأديان الأخرى خصوصا المسيحية واليهودية حول صحة كتبهم المقدسة ومطالبتهم بالمخطوطات الأصلية بيد المؤلفين أنفسهم على الرغم من عدم وجود المخطوطات الأصلية بخط يد المؤلف في حالة كتابي صحيح البخاري ومسلم وغيرها من كاتب الصحاح.
أما بالنسبة لمشكلة المسيحيين مع كتبهم المقدسة تكمن في حجم التناقضات والأخطاء في النصوص المتوفرة بين أيدينا مما يصيب الكثير منهم بالحرج والحيرة الذي تنتقل إلى قساوستهم وكنائسهم العاجزين عن تقديم إجابات واضحة لأتباعهم. وأنا هنا أتحدث عن النصوص المكتوبة مثل إنجيل الملك جيمس والنسخة الدولية الجديدة(NIV) ولا أتحدث عن المخطوطات التي تعتبر دراستها ومقارنتها بما فيها من اختلافات علما قائما بحد ذاته. ويكمن الفرق بين القرآن والإنجيل بشكل رئيسي في طريقة النقل حيث لا يمكن توفر صفة التواتر وصحة السند في الحالة الثانية لأن العهد الجديد بشكل عام والأناجيل الأربعة بشكل خاص لم يتم تدوينها  إلا في عصور متأخرة عن التاريخ الأصلي المفترض لتأليفها أو بعد فترة ليست بسيطة من تناقلها كتراث شفوي لا سند له إلا من الذاكرة. بينما القرآن كان يتم كتابته مباشرة كلمة بكلمة وآية بآية مباشرة بعد تنزله على الرسول عليه الصلاة والسلام وذلك من قبل ما يعرفون بكتاب الوحي وكانت تتم مراجعة ما تتم تدوينه أولا بأول. ولكن كتب الحديث التي يصفها المسلمون بالصحاح يجري في حكمها ما يجري في حكم كتاب الأناجيل والكتاب المقدس بشكل عام حيث لم يبدأ تدوينها إلى بعد فترة طويلة جدا من وفاة الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم وتم تناقلها بين المسلمين باعتبارها تراثا شفويا أخذوه إذا ماوافق القرآن وتركوه في حال مخالفته. ولم تبدأ مرحلة تقديس تلك الأحاديث بإعتبار صحتها ودقتها أمرا من المسلَمات إلى حين تم تدوينها في كتب سميت بأسماء أصحابها مع إعتبار البخاري ومسلم ادقها وأكثر مصداقية.
إن في النصوص المكتوبة التي قام أتباع الأديان بإسباغ صفة القداسة عليها مع مرور الوقت أوصافا مخجلة للذات الإلهية والأنبياء ونصوصا لا يقبلها العلم نولا المنطق. في كتب البخاري ومسلم هناك حديث موسى والحجر وهناك نصوص تتناقض مع القرآن الكريم كما ذكر الدكتور عدنان إبراهيم في إحدى خطبه. وفي التوراة هناك نصوص مثل إشعياء 7:20 حيث يحلق الرب شعره بموس مستأجرة(فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَحْلِقُ السَّيِّدُ بِمُوسَى مُسْتَأْجَرَةٍ فِي عَبْرِ النَّهْرِ، بِمَلِكِ أَشُّورَ، الرَّأْسَ وَشَعْرَ الرِّجْلَيْنِ، وَتَنْزِعُ اللِّحْيَةَ أَيْضًا.) وفي إنجيل القديس لوقا 19:27, يأمر يسوع المسيح بذبح جميع أعدائه الذين لا يؤمنون به قدامه(أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي.) إن نص لوقا 19:27 هو أحد النصوص التي يتهرب الكتاب والمؤرخون والمسيحيون اليمينيون المحافظون ممن ينتقدون العنف في الإسلام من الإجابة عليها. ولكن ذالك النص ليس هو النص الوحيد الذي يحرض على العنف والقتل وسفك الدماء في الكتاب المقدس وعدم إقتباس تلك النصوص من قبل أولئك المسيحيين اليمينيين له علاقة بمحاولة إخفاء جذور العنف في عقيدتهم المتطرفة, فهناك مئات النصوص والتي في ختام الموضوع سوف أذكر بعضها: نص هوشع 13:16, يأمر الرب بعقاب مدينة السامرة التي تمردت عليه وذالك بقتل الأطفال وشق بطون النساء الحوامل(تُجَازَى السَّامِرَةُ لأَنَّهَا قَدْ تَمَرَّدَتْ عَلَى إِلهِهَا. بِالسَّيْفِ يَسْقُطُونَ. تُحَطَّمُ أَطْفَالُهُمْ، وَالْحَوَامِلُ تُشَقُّ,) وفي سفر التثنية, يأمر الرب بالإبادة الجماعية لسبعة شعوب كاملة(تثنية 7: 2-1) وبعدم إبقاء نسمة ما منها(تثنية 20: 17-16) وبإستباحة المدن التي تقوم بالتسليم وإستعباد أهلها(تثنية 20:11). لا يمكن مقارنة تلك النصوص بتلك التي في القرآن الكريم ولا بوصايا الرسول عليه الصلاة والسلام لقادة جيوشه وسراياه وكذلك وصية أبو بكر لجيوش المسلمين بقتال المحاربين وعدم التخريب وقطع الشجر والتعرض لمن يعملون في أرضهم وفي حقولهم وأماكن العبادة مثل صوامع النساك والزهاد.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية