Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label المسيح. Show all posts
Showing posts with label المسيح. Show all posts

Sunday, June 1, 2025

تاريخ المسيحية في العصور المبكرة(٣)

هناك ٢٧ كتابا في العهد الجديد من الكتاب المقدس وذلك بإجماع الكنائس الرئيسية الثلاثة الكاثوليكية, البروتستانتية و الأرثودكسية. العهد الجديد يتألف من ٤ أناجيل, سفر أعمال الرسل, رسائل بولس, سبعة رسائل للتلاميذ وسفر رؤيا يوحنا.


إن رسائل بولس تعتبر الأقدم في تاريخ كتابتها أقدم من جميع كتب العهد الجديد ويعود تاريخها الى ٥٠م وربما أقدم من ذلك. الأناجيل الأربعة أو اي كتابات مسيحية أخرى من العهد الجديد غائبة تماما عن رسائل بولس وهي أربعة عشرة رسالة. الرسالة الى العبرانيين تم إضافتها رغم اتفاق الخبراء و حتى الكنائس من أيام العصور المسيحية المبكرة أنها منحولة. الرسالة الثانية الى أهل تسالونيكي, الرسالة الى أهل أفسس, الرسالة الى أهل كولوسي, الرسالة الى تيطس, الرسالة الى تيموثي (١) و (٢) تعتبر أيضا منحولة كما صرح خبير المسيحية المبكرة البروفيسور بارت إيرمان في كتاب تحريف أقوال المسيح(Jesus Interrupted). 


الأناجيل الأربعة(متى, مرقس,لوقا ويوحنا) تعاني من عدة مشاكل نقدية لعل أهمها أن المؤلفين مجهولين والنسخ الأصلية مفقودة. إن أقدم مخطوطات الكتاب المقدس الكاملة تعود الى القرن الرابع ميلادي(المخطوطة السينائية) والقرن الخامس ميلادي(المخطوطة الفاتيكانية). المخطوطات الأصلية مفقود لأن يوسابيوس القيصري في كتاب تاريخ الكنيسة نقلا عن أسقف الكنيسة بابياس(١٢٠م-١٣٠م) أن متى أحد الحواريين كتب إنجيله باللغة العبرية وأن مرقس مرافق بطرس قد أعاد تنظيم وترتيب رواية وأقوال بطرس في يسوع المسيح, تعاليمه و رحلته التبشيرية في إنجيل. ولكن على الرغم من ذلك فإن أسماء مؤلفي الأناجيل لم تظهر على نسخ أو مخطوطات حتى سنة ١٨٠م تقريبا. 


الرسائل السبعة الأخرى التي يطلقون عليها الرسائل الكاثوليكية جميعها منحولة وسفر الرؤيا من الصعوبة إثبات أن كاتبه يوحنا الحواري تلميذ المسيح. إنجيل القديس يوحنا الرابع في ترتيب الأناجيل من تأليف التلميذ الذي كان يسوع يحبه والذي يعتقد الكثيرون أنه يوحنا ابن زبدي. ولكن يوحنا الحواري كان صائد أسماك أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولم يكن قادرا على الكتابة بتلك اللغة الأدبية الرفيعة اليونانية وهي لغة إنجيل يوحنا, الرسائل الثلاثة و سفر الرؤيا. كما أن خبراء الدراسات المسيحية المبكرة اتفقوا على العموم أن إنجيل القديس يوحنا من تأليف شخصين أو ثلاثة أشخاص وليس شخصا واحدا. كما أنه هناك نقطة أخرى مهمة وهي أن التلميذ الذي كان يحبه يسوع والذي م المفترض أنه كاتب إنجيل يوحنا ربما يكون اليعازر شقيق مرثا ومريم من قرية بيت عنيا.


تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية


عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة


الوطن أو الموت


النهاية


Saturday, May 31, 2025

لا تصدقوا الكهنة ورجال الدين

يسوع المسيح غضب من الصيارفة وباعة الحمام في الهيكل وطردهم وصرخ فيهم "مكتوب: بيتي بيت الصلاة يدعى. وأنتم جعلتموه مغارة لصوص!" رجال الدين والكهنة أكثر من يستفيد من الأزمات التي يشعلونها بأنفسهم يتبعهم الرعاع والهمج وقاع المجتمع. مظاهرات الربيع العربي كانت تنطلق من المساجد وليس الجامعات وانتهت الى ما إنتهت عليه من تخريب الدول وإسقاط الأنظمة فيها خدمة للولايات المتحدة والغرب ودولة الكيان الصهيوني. مئات الملايين من الدولارات جمعت بإسم سوريا واللاجئين السوريين والأزمة السورية ولا أحد يعلم مصيرها. تبرعات جمعها رجال دين وهيئات ومؤسسات تكفي لإعادة إعمار سوريا عدة مرات ولكن أزمة اللاجئين استمرت وفقرهم إستمر ومخيمات اللاجئين كانت تغرق كل شتاء بالأمطار والمعارضة ورجال الدين وأسرهم تقيم في المنازل الفخمة وفنادق خمسة نجوم.


المعارضون السوريون ليسوا أفضل حالا حيث أقاموا مشاريع في تركيا و دول أوروبية رغم أنهم كانوا سابقا لا يملكون ثمن وجبة غداء. المعارضات العربية على العموم كلهم في الهم شرق ومقارنة بسيطة قبل وبعد أحداث الربيع العربي سوف تكشف عن الفرق. إن رجال الدين والكهنة من جميع الطوائف والأديان عبارة عن دجالون ومشعوذون يجعلون أنفسهم وسيط بين العبد و ربه وأنهم يملكون مفتاح الجنة رغم أن النصوص الدينية في القرآن والكتاب المقدس واضحة في مخالفة ذلك. رجال الدين بدون السذج من أتباعهم سوف يموتون من الجوع ولن يكونوا قادرين على امتلاك القصور والمنازل والسيارات الفارهة. وفي الحقيقة وعلى أرض الواقع فإننا لو بحثنا عن مساهمة رجال الدين في الحضارة البشرية, النتيجة سوف تكون أقل من الصفر, سالب. 


رجال الدين المسلمين, المسيحيين واليهود ساهموا في إعاقة جهود الحضارة البشرية وتقدم الإنسانية عدة مئات من السنين. الكنيسة الكاثوليكية نشرت الجهل والتخلف وحاكمت العلماء بتهمة الهرطقة وأحرقت النساء بتهمة ممارسة الشعوذة والسحر الأسود. وقد كان إمتلاك نسخة من الكتاب المقدس أو قطة سوداء كافيا حتى يحاكم الشخص بتهمة الهرطقة ويحكم عليه بالموت حرقا. علماء مسلمون تم تكفيرهم ولعب إبن تيمية والغزالي دورا مهما في إصدار فتاوى التكفير ضد كل من يخالفهم الرأي. رجال دين يحرمون دراسة اللغة الإنجليزية لأنها لغة الكفار وأخرين يحرمون تعليم الفتيات كما في طالبان أفغانستان التي تحرم تعليم الفتيات وعمل المرأة وعلى الرغم من ذلك هناك من يطبل ويهلل ويحاول تلميع صورتهم. 


القاعدة وتنظيم أبو مصعب الزرقاوي في العراق وداعش خرجت من رحم فتاوى ابن تيمية والتكفير وتفسيرات غامضة للنصوص الدينية ويهوديات يعلم الجميع كيف وجدت طريقها الى الفقه الإسلامي. محمد ابن عبد الوهاب في السعودية كان يقتل كل من يخالفه الرأي من السنة أنفسهم وبالتأكيد الشيعة والإسماعيلية وغيرهم من الطوائف والمذاهب. السلفية والوهابية والإسلام السياسي عقائد يهودية قام بتأسيسها أشخاص تحوم حولهم الكثير من التساؤلات. قرأت عن محمد ابن عبد الوهاب أنه كان يقرأ ويتحدث ويكتب العبرية أفضل من العربية وأنه بعض شيوخه كانوا من اليهود وأن تلميذ جمال الدين الأفغاني, محمد عبده  مؤسس التيار السلفي في مصر كان عميلا إنجليزيا وربما ماسونيا لأن معلمه الأفغاني كان ماسونيا وعضوا في عدد من المحافل الماسونية أشهرها محفل الشرق. 


تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية


عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة


الوطن أو الموت


النهاية


Saturday, November 30, 2024

هل الكتاب المقدس وحي من الله؟

بداية الموضوع سوف تكون تعريف الوحي في المسيحية من الكتاب المقدس "كل الكتاب هو مُوحى به من الله"(٢تيموساوس ١٦:٣) سوف نضع ذلك التعريف موضع الإختبار ونطبقه على جميع نصوص الكتاب المقدس.


رسالة بولس الى رومية(١٦: ١-٢٧) توصف بأنها سفر السلامات والتحيات حيث يرسل بولس سلامته بوحي من الروح القدس الى عدد من الأشخاص. ولكن بولس الرسول الذي لديه ذاكرة حديدية حتى يتذكر كل تلك الأسماء ويرسل إليها السلامات نسي الروح القدس أن تذكره بردائه وكتبه. بولس نسي نفسه في الرسالة الثانية الى تيموثاوس(١٣:٤)[اَلرِّدَاءَ الَّذِي تَرَكْتُهُ فِي تَرُواسَ عِنْدَ كَارْبُسَ، أَحْضِرْهُ مَتَى جِئْتَ، وَالْكُتُبَ أَيْضًا وَلاَ سِيَّمَا الرُّقُوقَ.]


بولس الرسول مؤسس المسيحية الحقيقي يعترف في الرسالة الثانية الى تيموثاوس(١٦:٣) بأن كل الكتاب موحى به من الله ولكن عن أي كتاب يتحدث بولس؟ [كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ] ولكن بولس في ذلك الكتاب الموحى به يعترف بأنه غبي في رسالة كورنثوس الثانية(١١:١٢)[قَدْ صِرْتُ غَبِيًّا وَأَنَا أَفْتَخِرُ.]


بولس الرسول الذي كتب ١٤ رسالة من كتب العهد الجديد في الكتاب المقدس الذي يحتوي على ٢٧ كتابا يعترف بأنه منافق وكذاب. 


الرسالة الأولى الى كورنثوس(٩: ١٩-٢٣)

(١٩)فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. (٢٠)فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. (٢١)وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ - مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ للهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ - لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. (٢٢)صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا. (٢٣)وَهذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ، لأَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ. (٢٤)أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا. (٢٥)وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلًا يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلًا لاَ يَفْنَى. (٢٦)إِذًا، أَنَا أَرْكُضُ هكَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ غَيْرِ يَقِينٍ. هكَذَا أُضَارِبُ كَأَنِّي لاَ أَضْرِبُ الْهَوَاءَ. (٢٧)بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا.


بولس لا يكتفي بأن يعترف بأنه غبي وكذاب ولكنه يجدف ضد الذات الإلهية ويشتم الله. الرسالة الى رومية(٧:٣)[فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟] وفي الرسالة الأولى الى كورنثوس(١-٢٥)[لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ!]


الكتاب المقدس ليس وحيا وليس من تأليف شهود عيان. لوقا مؤلف الإنجيل الثالث المفترض يعترف بأنه كان يؤلف قصة. لوقا(١:١)[إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا.] إن مؤلفي الكتاب المقدس مجاهيل وليس هناك دليل واحد ولا نسخة أصلية واحدة تثبت أسماء المؤلفين الحقيقية. أقدم نسخ الكتاب المقدس هم عبارة عن المخطوطة السينائية التي تعود الى القرن الرابع ميلادي والمخطوطة الفاتيكانية التي تعود الى القرن الخامس ميلادي وهناك اختلافات بسيطة بينهما ولكنها المخطوطات الوحيدة الكاملة للكتاب المقدس وليس هناك مخطوطة واحد كاملة قبل ذلك التاريخ. أول قائمة تضم كتب الكتاب المقدس لم تظهر إلا ردا على بدعة ماركيون في القرن الثاني ميلادي سنة ١٨٠م ولم تكتمل تلك القائمة وتصبح قانونية إلا في القرن الرابع ميلادي. القديس جوستين خلال منتصف القرن الميلادي الثاني كان يتحدث عن مذكرات الرسل ولكن ليس هناك ما يؤكد أنها الأناجيل الأربعة.


مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية


النهاية






Tuesday, November 26, 2024

تاريخ المسيحية في العصورة القديمة(٢)

الخمسة قرون الأولى منذ وفاة يسوع المسيح هي التي تحدد تاريخ المسيحية من خلال  المجامع الكنسية المسكونية التي أصدرت المراسيم المتعلقة بتلك العقائد وناقشت الخلافات بين الطوائف المسيحية المختلفة. هناك خمسة مراحل يمكن من خلال تقسيم أول ٥٠٠ سنة من تاريخ المسيحية في العصور القديمة: المرحلة الأولى منذ وفاة يسوع المسيح الى ٢٥٠م وبداية عصر الإضطهاد, المرحلة الثانية ٢٥٠م - ٣١١م, المرحلة الثالثة ٣١١م - ٣٢٥م, المرحلة الرابعة ٣٢٥م - ٣٩٢م, المرحلة الخامسة ٣٩٢م - نهاية القرن الخامس ميلادي.


المرحلة الأولى: بداية عصر الإضطهاد

كانت السلطات الرومانية تفرض على المواطنين والمقيمين أداء طقوس الولاء للإمبراطور الروماني من خلال التضحيات والقرابين أو طقس بسيط عبارة عن حرق البخور أمام تمثال الإمبراطور. وقد كان هناك استثناء اليهود من ذلك الطقس وكانت المسيحية في بدايتها ينظر إليها على أنها مذهب من مذاهب اليهودية ويسوع المسيح كان يهوديا. ولكن مع تحول المسيحية الى دعوة منفصلة عن اليهودية من خلال بولس الرسول, بدأت الدولة الرومانية في تغيير وجهة نظرها والطلب من المسيحيين تقديم طقوس الولاء للإمبراطور الروماني وهو وكانوا يرفضونه. إن طقوس العبادة في الديانة المسيحية كانت تقدم الى الله وليس الى أشخاص أو تماثيل أشخاص.

السلطات الرومانية كانت تحاكم المسيحيين بتهمة الخيانة وأنهم يرفضون الإعتراف بالإمبراطور الروماني.كما أنه تم اتهام المسيحيين بأنهم مصاصي دماء وآكلي لحوم البشر بسبب طقوس الأفخارستيا التي تتضمن عبارات مثل تناول قطع من جسد المسيح وشرب دمائه وهي عبارات رمزية ولكن المواطن الروماني في القرن الميلادي الأول كان محدود الثقافة والتفكير مما أدى الى إنتشار صورة نمطية عن المسيحيين آكلي لحوم البشر وملاحقة السلطات الرومانية لأتباع الديانة المسيحية وكان ذلك بداية عصر الإضطهاد.


المرحلة الثانية: عصر الإضطهاد الممنهج

أول مرسوم حكومي ضد أتباع الديانة المسيحية كان سنة ٢٤٩م خلال فترة حكم الإمبراطور تراجان ديسيوس(ديكيوس) حيث أصبح تقديم فروض الطاعة الى الإمبراطور إجباريا والحصول على شهادة من السلطات الحاكمة وبدونها يتعرض الشخص الى العقوبة التي قد تصل الى الموت. الإمبراطور ديسيوس توفي سنة ٢٥١م وتولى الحكم خلفه الإمبراطور  فاليريان الذي عانى المسيحيون خلال فترة حكمه من إضطهاد ولكن أقل قسوة من سابقه. ولكن عصر الإضطهاد الممنهج لم يعد الى سابق عهده إلا بعد ٤٠ عاما خلال فترة حكم الإمبراطور ديوكلتيانوس وكان أخر فترات الاضطهاد وأكثرها قسوة وعنفا وعرف بإسم اضطهاد ديوكلتيانوس. الإمبراطور الروماني غاليريوس(٣٠٥م-٣١١م) استمر في ممارسة الاضطهاد ضد أتباع الديانة المسيحية حتى سنة ٣١١م وهناك عدد من التفسيرات, أحدها أنه كان مريضا ويعتقد في قدرة الصلوات المسيحية على شفائه وتفسير أخر أنه كان يحاول استمالة جنود الجيش الذين إعتنقوا المسيحية حتى يكسب ولاءهم في صراعه ضد منافسيه على الحكم الذي كان أحدهم قسطنطين الأول الذي عقد سنة ٣٢٥م خلال حكمه مجمع نيقية.


المرحلة الثالثة, صعود قسطنطين

قسطنطين الأول(٢٧٢م-٣٣٧م) والذي كان لقبه العظيم هو أحد أكثر الشخصيات أهمية في تاريخ المسيحية في العصور القديمة.  قسطنطين كان معتادا على بلاط الحكم في روما حيث عمل خلال فترة حكم الإمبراطور ديوكلتيانوس كما عمل مع الجيش الروماني في بريطانيا. سنة ٣٠٦م وصل قسطنطين الى كرسي الحكم بعد صراع عنيف ودموي مع خصومه. معركة  جسر ميلفيو الحاسمة سنة ٣١٢م كان معركة فاصلة إستخدم خلالها قسطنطين راية قواته مرسوم عليها الصليب رغم أنه كان خلال تلك الفترة وثنيا ولم يكن تحول الى المسيحية.

سنة ٣١٣م أصدر قسطنطين مرسوم ميلان الذي عامل المسيحية بوصفها أحد الأديان المعترف فيها في الإمبراطورية الرومانية. كما أن مؤتمر نيقية عقد تحت إشراف الإمبراطور قسطنطين سنة ٣٢٥م وهو أول مؤتمر مسكوني(عالمي) في تاريخ المسيحية. ولكن قسطنطين نفسه كان وثنيا ولم يتعمد إلا قبل وفاته مباشرة وكان قبوله المسيحية مرهونا بحسابات سياسية لها علاقة باستقرار الإمبراطورية الرومانية ووحدة أراضيها.


المرحلة الرابعة: انتصار المسيحية الإمبراطورية

دخلت المسيحية مرحلة جديدة من تاريخها مع تولي الإمبراطور قسطنطين الأول(العظيم) الحكم وإصدار مرسوم ميلان سنة ٣١٣م الذي منح المسيحية صفة قانونية وأصبحت أحد الأديان المعترف بها في الإمبراطورية الرومانية. الإمبراطور الروماني جوليان(المرتد) حاول إعادة الوثنية الى الإمبراطورية الرومانية والقضاء على المسيحية ولكنه فشل وكانت فترة حكمه قصيرة نوعا ما (٣٦٠م-٣٦٣م). ثيودوسيوس الأول(٣٤٧م-٣٩٥م) أصدر مرسوما بأن المسيحية هي الدين الرسمي الوحيد المعترف به في الإمبراطورية الرومانية ومنع الوثنية وأصبح تدريس الهرطقات جريمة يعاقب عليها القانون.


المرحلة الخامسة: تقسيم الإمبراطورية الرومانية

الإمبراطورية الرومانية خلال فترة حكم ثيودوسيوس الأول(٣٤٧م-٣٩٥م) كانت على أرض الواقع مقسمة وغير متجانسة حيث امتدت على مساحة رقعة واسعة من الأرض.  أسباب الإنقسام كانت لغوية ودينية حيث القسم الشرقي من الإمبراطورية  يضم اليونان, سوريا, تركيا, فلسطين, وشرق البحر الأبيض المتوسط, عاصمتها القسطنطينية ولغتها اليونانية, بينما القسم الغربي يضم إيطاليا, إفريقيا الشمالية, بلاد الغال(فرنسا), ألمانيا, إسبانيا وبريطانيا, العاصمة روما واللغة اللاتينية. 

الإنقسام أصبح بارزا خلال القرن الخامس ميلادي بسبب الغزوات التي تعرضت إليها أوروبا الغربية من قبائل جرمانية(القوط, الوندال) والتي كان بعضها اسميا يعتنق الديانة المسيحية. كما تعرضت أوروبا الى غزو قبائل الهون البربرية بقيادة أتيلا وأصبحت الإمبراطورية الرومانية الغربية في حالة من الضعف حتى أن العاصمة روما سقطت مرتين وتعرضت الى النهب والسلب. الضعف الذي أصاب الإمبراطورية المسيحية الغربية كانت نتيجته تقوية مركز البابا في روما مقابل ضعف الملوك والأمراء الأوروبيين.

هناك أمر مهم أنه اعتبارا من منتصف القرن الخامس الميلادي لم يعد ممكنا تجاهل سلطة ونفوذ بابا الفاتيكان في روما خصوصا ليو الأول(متوفى ٤٦١م) الذي كان لقبه ليو(العظيم) حيث وصلت الكنيسة الى مستوى غير مسبوق من السلطة والثروة والنفوذ.

الإمبراطورية الرومانية الشرقية كانت تعيش ظروفا مختلفة حيث أنه بإستثناء غزوات متفرقة من القوط, فقد كانت أغلب غزوات القبائل البربرية تتوقف قرب الحدود اليونانية إما بهزيمتهم أو استنفاذ قوة إندفاعهم. الحضارة واللغة اليونانية والكنيسة الأرثودكسية الشرقية عاشوا عصورا غير مسبوقة من الازدهار. ولقد أصبح الخلاف الديني الرئيسي بين الكنيسة الشرقية والغربية ليس عقيدة التثليث لأن ذلك الخلاف تمت تسويته سنة ٣٨٠م, ولكن حول طبيعة يسوع المسيح. السؤال الرئيسي هو كيف حصل الإندماج بين الطبيعة البشرية والإلهية من خلال يسوع الناصري؟ الخلاف كان حادا للغاية حتى أنه عقد المجمع المسكوني الرابع في خلقيدونية سنة ٤٥١م من أجل حل ذلك الخلاف.


مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية


…….يتبع


Monday, December 18, 2023

ماهي أسباب إختيار الأناجيل الأربعة في العهد الجديد من الكتاب المقدس؟

إنَّ أحد أهم الأسئلة حول تاريخ المسيحية القديمة والتي لايوجد عليها إجابة واضحة: ماهو سبب إختيار الأناجيل الأربعة حصريا حتى تكون ضمن كتب العهد الجديد من الكتاب المقدس والذي يتألف من ٢٧ كتابا؟

في البداية فإنَّ كلمة إنجيل تعني البشارة, أربعة أناجيل وأربعة بشائر: متى, مرقس, لوقا ويوحنا. متى ويوحنا هما فقط من حواريي يسوع المسيح بينما مرقس كما في التقليد الكنسي كان مرافق الحواري بطرس ولوقا(الطبيب) كان من المقربين من شاول الطرسوسي(بولس) و مرافقا له في أسفاره. الأناجيل الثلاثة (متى,مرقس,لوقا) يطلق عليها الأناجيل الإزائية بسبب الروايات المشتركة المتشابهة حيث يمكن مقارنتها بسهولة بينما يقف إنجيل القديس يوحنا منفردا من خلال بعض الروايات والمعجزات التي لم يرد ذكرها في الأناجيل الإزائية.

وقد يرى بعض المختصين في الكتاب المقدس وتاريخ المسيحية القديمة أنَّه ليس هناك سبب واضح في إختيار الأناجيل الأربعة من بين مئات من الكتب الأخرى إلا أن يكون التقليد الكنسي. إن أول مناسبة ورد خلالها أسماء الأناجيل الأربعة كانت سنة ١٤٠م حيث كانت المخطوطات تحتوي على الأناجيل بدون فواصل أو أسماء المؤلفين وأول قائمة قانونية ضمت كتب العهد الجديد كانت سنة 180م وذلك ردا على بدعة مرقيون وكان عددها 27 كتابا.

ولكن لماذا انتظرت الكنيسة أو المسيحيين أو آباء الكنيسة الأوائل كل تلك السنين حتى تظهر أسماء مؤلفي الأناجيل أو يضعوا قائمة قانونية بأسمائها؟

هناك أمر مهم آخر لابد من التحدث عنه وهو هل الإختلافات بين الأناجيل أو التناقضات كما يصفها البعض يمكن إعتبارها عملية تطور تاريخية طبيعية للعقائد المسيحية؟ وأين موقع مؤلف إنجيل القديس يوحنا من ذلك؟

أما بالنسبة الى إجابة السؤال فهي قد تكون أنَّ إنتشار الأمية حيث كان عدد قليل من الأشخاص يعرفون القرائة والكتابة وعدد أقل لديهم الإطلاع والمعرفة الأدبية من أجل كتابة الأناجيل وهي بلا شك مؤلفات أدبية رفيعة مكتوبة بأسلوب ولغة لايمكن إلا أن يكون المؤلف شخص ذو تعليم عالي ومعرفة باللغات والأداب اليونانية. إنَّ حواريي المسيح كانوا أشخاصا من أشباه الأميين حيث كانوا يعملون في مهن بسيطة ومتواضعة مثل صيد الأسماك أو موظفين حكوميين يجمعون الضرائب وهي كانت مهنة القديس متى أو لاوي بن حلفي مؤلف إنجيل بإسمه ولكن ذلك موضع شكوك متعدِّدَة. وحتى لو افترضنا كتابة حواريي المسيح الأناجيل(متى, يوحنا) سوف يكون السؤال: من أين لهم العلم والمعرفة التي تجعل من الممكن كتابة لتلك الأناجيل؟ أين نسخة إنجيل القديس متى التي كتبت باللغة العبرية؟ وماهو مصدر قصة الميلاد العذري في إنجيل القدس يوحنا؟

المسيح بدأ في دعوته بإعلانها حصريا في بني قومه اليهود وأخبر تلاميذه أنه لم يرسل إلا الى خراف بني إسرائيل الضالة(مت ٢٤:١٥) وأن لا يدخلوا الى مدن السامريين(مت ٥:١٠) ولكنه في مواقع أخرى طالبهم بأن يبلغوا الإنجيل الى الخليقة كلها والى جميع الأمم(مر ١٥:١٦) و (مت ١٩:٢٨). إن ذلك أحد المسائل الإشكالية التي تتطلب تفسيرا حيث أنه لو افترضنا أن تاريخ كتابة إنجيل القديس مرقس هو سابق إنجيل القديس متى, كيف نفسر ذلك التناقض؟ ولو كان العكس صحيحا, كيف يمكن أيضا تفسيره في إطار ذلك؟ هل من المعقول أن المسيح أرسل تلاميذه من أجل تبشير جميع الأمم ثم لم يستجيبوا فانكفأ في دعوته الى اليهود أو الخراف الضالة كما أطلق عليهم؟ أم أن الأدق والأكثر صحَّةً أنَّ اليهود لم يستجيبوا وعندها أوصى تلاميذه بأن يكرزوا بالإنجيل في جميع الأمم؟

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Tuesday, August 29, 2023

بطلان عقيدة التثليث, هل المسيح هو الله أو إبن الله؟

يتسائل عالم مقارنات الأديان الأكثر شهرة البروفيسور بارت إيرمان في كتابه "هل المسيح موجود؟" عن إدعاء المسيح الألوهية:"هل ادعى المسيح أنه هو الله؟."

سؤال حائر يبحث عن إجابة حيث أنه ليس هناك نص واحد في الأناجيل الإزائية من الممكن الإعتماد عليه في مزاعم إدعاء يسوع المسيح الألوهية. ولكن إنجيل القديس يوحنا يقف متفردا عن باقي الأناجيل الثلاثة(متى,مرقس,لوقا) في تلك النقطة الهامة للغاية.

الحقيقة أن إنجيل القديس يوحنا يقف متفردا بعدد من الخصائص الهامة التي تميزه عن باقي الأناجيل الثلاثة الإزائية وهي روايته قصصا ليست موجودة في باقي الأناجيل الأخرى مثل قصة تحويل الماء الى خمر(يو2: ١-١٢), قصة المرأة الزانية(يو٧) والتي حذفت طبعات الأناجيل الجديدة ذلك النص مع إشارة عابرة اليه في الهامش أو الفهرس. كما أن إنجيل القديس يوحنا يقف وحيدا متفردا في النصوص التي يستعين بها المبشرون من أجل إثبات ألوهية المسيح وأنه هو الله.

المسيح لم يؤسس ديانة جديدة أو يدعو الى تأسيس ديانة جديدة تسمى المسيحية. كما أن جماعات المسيحيين الأوائل استمروا في إعتبار أنفسهم يهودا وذلك خلال مرور ثلاثين سنة على صلب وقيامة المسيح كما هو مذكور في روايات الأناجيل. إنَّ نصوص العهد القديم التي تؤكد على بطلان عقيدة التثليث خصوصا أن يسوع المسيح هو الله متعدِّدَة ومنها:

تثنية ٣٩:٤(فَاعْلمِ اليَوْمَ وَرَدِّدْ فِي قَلبِكَ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الإِلهُ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَعَلى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ. ليْسَ سِوَاهُ)

إشعياء ١٨:٤٥(لأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «خَالِقُ السَّمَاوَاتِ هُوَ اللَّهُ. مُصَوِّرُ الأَرْضِ وَصَانِعُهَا. هُوَ قَرَّرَهَا. لَمْ يَخْلُقْهَا بَاطِلاً. لِلسَّكَنِ صَوَّرَهَا. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ)

إشعياء ٦:٤٤(هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَفَادِيهِ رَبُّ الْجُنُودِ: «أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ وَلاَ إِلَهَ غَيْرِي)

إشعياء ٦:٤٥(لِيَعْلَمُوا مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَمِنْ مَغْرِبِهَا أَنْ لَيْسَ غَيْرِي. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ)

إشعياء ٤٣: ١٠(أَنْتُمْ شُهُودِي يَقُولُ الرَّبُّ وَعَبْدِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا بِي وَتَفْهَمُوا أَنِّي أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلَهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ), ١١( أَنَا أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ)

أبناء الله في الكتاب المقدس كثيرون ومنهم اليهود جميعهم أبناء الله هو هوشع ١٠:١( لَكِنْ يَكُونُ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُكَالُ وَلاَ يُعَدُّ وَيَكُونُ عِوَضاً عَنْ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: لَسْتُمْ شَعْبِي يُقَالُ لَهُمْ: أَبْنَاءُ اللَّهِ الْحَيِّ)

من يصنعون السلام هم أبناء الله, مت ٩:٥(طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ يُدْعَوْنَ)

الرسالة الى رومية ١٤:٨(لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ)

يو ١: ١٢-١٣(١٢)وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ, (١٣) اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ بَلْ مِنَ اللَّهِ

يعقوب هو إبن الله

خر ٢٢:٤( فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: اسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ)

سليمان هو إبن الله, ٢صم ١٤:١٣ (١٣)هُوَ يَبْنِي بَيْتاً لاِسْمِي، وَأَنَا أُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِ إِلَى الأَبَدِ, (١٤) أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً. إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ النَّاسِ وَبِضَرَبَاتِ بَنِي آدَمَ

ولو أضفنا الى كل ذلك أنَّ النص الذي يستخدم من أجل إثبات عقيدة التثليث من رسالة يوحنا الأولى (٧:٥) هو نص تم إضافته لاحقا كما صرَّحَ الدكتور وليام كيلبي وهو من أبرز مفسري الكتاب المقدس, بارت إيرمان بروفيسور مقارنات الأديان الأكثر شهرة, سوف يجد أدعياء الوهية المسيح وعقيدة التثليث أنفسهم أمام مشكلة في إثبات مزاعمهم.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Monday, August 21, 2023

هل هناك أدلة على تحريف الكتاب المقدس

"إنَّ نسبة أسفار التوراة الى موسى لا تتضمن حتمية الإعتقاد بأن موسى كتب بيده أو أملى على أمناء سرِّه نصوص هذه الأسفار...
وإنَّ الكتب الخمسة المذكورة قد تعدَّلت نصوصها مع مرور الزمان, بحيث أضيفت مثلا نصوص كتبها كاتب بعد وفاة موسى, وزيدت تفسيرات, وتحولت تعابير قديمة الى تعابير مستحدثة, وأنَّ هناك أخطاءً إقترفها النساخون..."!!

"قرار اللجنة الحبرية التوراتية" الصادر عن الفاتيكان في ٢٧/٦/١٩٠٦

التحريف في الكتاب المقدس موجود وثابت وعليه أدلة متعددة سوف أمر عليها سريعا من دون الدخول في التفاصيل ويمكن الرجوع الى عدة مراجع سوف أكرها في نهاية الموضوع للإطلاع عليها.

الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس(أسفار موسى) لم يكتبها موسى أو أي من تلاميذه أو أتباعه المقربين. سفر التكوين من تأليف أكثر من شخص وفيه الكثير من التناقضات والأخطاء.

هناك أسفار مفقودة من الكتاب المقدس مثل سفر ياشر وسفر حروب الرب. أين هي تلك الأسفار إن كانت أقدم مخطوطات الكتاب المقدس, مخطوطات قمران, المخطوطة الفاتيكانية والسينائية لا تحتوي على تلك الأسفار.

اليهود عملوا على تحريف وتغيير أسفار الكتاب المقدس إما بالإضافة أو الحذف وجميع الأخبار أن مخطوطات قمران تتطابق مع الكتاب المقدس الذي بين أيدينا عبارة عن أكاذيب لأن من يرددها لم يقرأ مخطوطات قمران والذي من المفترض أن يكون يعرف اللغات القديمة, اليونانية, الآرامية, العبرية والقبطية. اليهود وهم قتلة الأنبياء ولكن النبي الوحيد الذي وصلت الينا قصة مقتله هو يوحنا المعمدان.

الكتاب المقدس الذي تعترف به الطائفة الكاثوليكية يختلف عن ذلك الذي تعترف به الطائفة البروتستانتية لأنه يضم أسفار الأبوكريفا وهي على التوالي: طوبيا, يهوديت, أستير, المكابيين الأول, المكابيين الثاني, الحكمة, يشوع بن سيراخ, سفر باروك وإضافات الى سفر أستير و دانيال. كل طائفة مسيحية لها كتاب مقدس يختلف عن الأخرى وجميعها موحى بها من عند الله وتعتبر نصوصا مقدسة.

إن وجود أربعة صور لنفس القصة عن يسوع المسيح مع الإختلافات والتناقضات التي بينها كان مربكا للغاية بالنسبة الى المسيحيين الأوائل وبسبب ذلك حاول بعضهم أن يتعامل مع تلك المشكلة من خلال دمج الأناجيل الأربعة بعضها مع بعض في نصر واحد. إن ماقام به بعض المسيحيين الأوائل في أنهم شعروا بأنهم أحرار في فعل مايريدون دليل على أنهم لم يكونوا يرفعون تلك النصوص الى مرتبة القداسة. أحد أولئك العلماء هو معلم غنوصي سوري يدعى تاتيان أنهى في سنة ١٧٠م تأليف ذلك الإنجيل الذي إختفى ولم يصلنا منه شيئ فقد أعلن أساقفة في المنطقة أن تاتيان هرطوقي وأمروا الكنائس بإستخدام ترجمات أخرى للأناجيل.

إن الأناجيل الأربعة لم تكن معروفة قبل سنة ١٤٠م وأول قائمة لأسفار العهد الجديد لم تظهر إلا سنة ١٧٠م-١٨٠م وذلك ردا على بدعة ماركيون. أحد آباء الكنيسة الأوائل أوريجانوس في القرن الثالث ميلادي أعد قائمة من ثلاثة أجزاء لأسفار العهد الجديد وهي: القائمة الأولى وتضم الأسفار المقبولة في الكنائس(الأناجيل الأربعة, رسائل بولس الثلاثة عشر, أعمال الرسل, رسالة بطرس الأولى, رسالة يوحنا الأولى وسفر رؤيا يوحنا), القائمة الثانية هي الأسفار المتنازع عليها(العبرانيين,يعقوب,بطرس الثانية, يوحنا الثانية والثالثة, يهوذا), القائمة الثالثة هي الأسفار الغير موثوق فيها(إنجيل توما, إنجيل المصريين, إنجيل ماتياس). الأسقف المصري أثناسيوس هو أول من ذكر قائمة تضم أسفار العهد الجديد كما نعرفها اليوم وذلك في خطاب عيد القيامة سنة ٣٦٧م.

سفر راعي هرماس كتب سنة ١٥٠م وكان منتشرا في القرن الثاني والثالث قبل أن يحذفه الأسقف أثناسيوس من قائمة الكتب القانونية للعهد الجديد ولكنه أوصى المؤمنين الجدد بقرائته. كما أن عددا من آباء الكنيسة الأوائل كانوا يعتبرون سفر راعي هرماس نصا مقدسا ومنهم ترتليان, كليمنت الإسكندري, إيرناسيوس و أوريجانوس. المخطوطة السينائية التي يعود تاريخ كتابتها الى القرن الرابع ميلادي كانت تضم سفر راعي هرماس بعد رؤيا يوحنا ورسالة برنابا التي كتبت ربما سنة ٧٠م وكان معترفا بأنها نصوص مقدسة من كليمنت الإسكندري, أوريجانوس وجيروم.

أحد أهم آباء الكنيسة الأسقف أوريجانوس يصف تحريف اليهود للكتاب المقدس في تعليقه على نص إنجيل القديس متى(٢٩: ٢٣-٣٩) في رسالته الى يوليوس الأفريقي:"فلننظر الآن, ألسنا في هذا الحالة ملزمين أن نصل إلي استنتاج وهو إن المخلص يعطينا قصة حقيقية عن اليهود بينما لا نجد أي نص من الكتاب المقدس يؤكد قول يسوع , فإن الذين يبنون قبور الأنبياء ويزينون مدافن الصديقين ويدينون جرائم آبائهم يقولون لو كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء."

هناك الكثير من الأخطاء والتناقضات في الكتاب المقدس(العهد القديم, العهد الجديد) والتي لايمكن تفصيلها في هذا الموضوع. تناقضات بين الأناجيل وتناقضات أخرى حتى داخل نصوص الأناجيل نفسها. هناك على سبيل المثال تناقضات بين سفر لوقا وأعمال الرسل وكلاهما من المفترض أنهما من تأليف نفس الشخص الذي أعترف في مقدمة إنجيله بأنه كان يكتب قصة وليس وحيا ملهما من الروح القدس.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

رابط الموضوع على مدونة علوم وثقافة ومعرفة

الرجاء التكرم الضغط على رابط الموضوع بعد الإنتهاء من قرائته لتسجيل زيارة للمدونة

النهاية

Tuesday, May 16, 2023

من قتل المسيح؟

إنجيل متى (٢٤:٢٧) يخبرنا أن بيلاطس البنطي الحاكم المعين من قبل الدولة الرومانية على ولاية اليهودية قد غسل يديه وأعلن للجماهير المتجمعة أمام دار الولاية أنه بريء من دم يسوع فكان جوابهم كما سجله لنا متى (٢٥:٢٧) من نفس الإنجيل فاجاب جميع الشعب بأنَّ دمه علينا وعلى اولادنا.

كانت تلك الكلمات طوال قرون عديدة هي الوقود الذي غذت نار الحقد ضد اليهود وتسببت بأكبر موجة عداء ضد السامية في طول أوروبا وعرضها مما أدى الى مجازر وتطهير عرقي يستهدف كل المخالفين لإيمان الكنيسة الكاثوليكية(العالمي) بشكل عام من مسلمين وبروتستانت وكل الطوائف المسيحية المخالفة ولكن اليهود كانت لهم معاملة خاصة من محاكم التفتيش الكنسية ونصيب وافر من التمييز والاضطهاد باعتبارهم قتلة يسوع له المجد مما أدى الى أكبر موجة نزوح من أوروبا وخصوصا في إسبانيا حيث كانت وجهتهم بلاد المغرب العربي وخصوصا المغرب وتونس حيث استوطنوا الى جانب أحفاد المهاجرين الأصليين لتلك البلاد الذين تركوا إسبانيا لنفس السبب.

وقد استمرت تلك الموجة من العداء للسامية والتي تجذرت في الإيمان المسيحي حتى قامت الكنيسة الكاثوليكية بإعلان براءة اليهود من دم يسوع وذلك في المجمع الفاتيكاني الثاني سنة ١٩٦٥ مستندة في ذلك على نص من العهد القديم في الكتاب المقدس وذلك استنادا الى نص سفر الخروج (٥:٢٠)[ أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضيَّ] و(٧:٢٤)[ ولكنه لن يبرئ ابراء مفتقد اثم الآباء في الأبناء وفي أبناء الأبناء في الجيل الثالث].

ولكن لكي نتحرى الدقة والموضوعية في الإجابة عمن قتل يسوع, يجب علينا البحث عمن يقف خلف عملية الصلب ومن كانت له المصلحة في ذلك؟

في حالة قمنا باتهام اليهود و فرضية صحة ذلك الاتهام استنادا الى الروايات التي قدمها كتبة الأناجيل لحياة يسوع له المجد, محاكمته, صلبه وقيامته, فإنه هل يجوز تعميم تلك التهمة على كل اليهود؟ حيث علينا أن نأخذ في الحسبان عند دراستنا لتلك الجزئية المتعلقة بنصوص سفر الخروج (٥:٢٠) و (٧:٢٤) أنها تتعارض مع نص سفر إرميا (٣٠:٣١) [بل كل واحد يموت بذنبه كل إنسان ياكل الحصرم تضرس اسنانه] ونص سفر حزقيال (٢:١٨) [ما لكم انتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل قائلين الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ضرَِسَت].

وماذا عن دور الدولة الرومانية ممثلة بحاكم اليهودية الروماني بيلاطس البنطي المعروف بشدته وقسوته كما كتب في الإنجيل بحسب القديس لوقا (١:١٣)[ وكان حاضرا في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم]؟ حيث أنه من الصعب تحقيق الأحداث من الناحية التاريخية والموضوعية و بحيادية ونزاهة دون أن نأخذ في حسباننا طبيعة الأسباب التي دفعت مؤلفي الأناجيل الى تدوينها بعد أن أصبح المسيحيون مؤمنين بقيامة يسوع من بين الأموات وأن هذه الجزئية قد دمغت الإيمان المسيحي بل هي نفسها الإيمان كله كما قال بولس الرسول في 1كورنثوس(١٤:١٥)[ وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل ايضا ايمانكم].

من المهم لدقة تحقيق المعلومات المتوافرة تاريخيا ونصوص الأناجيل المتوفرة بين أيدينا أن يقوم الباحثون بدراستها بكل دقة وموضوعية لإزالة اللبس والأفكار الخاطئة التي إنتشرت حول هذا الموضوع لقرون طويلة.

لدينا نصوص تاريخية متوفرة من خارج الكتاب المقدس بخصوص صلب يسوع له المجد وهي إن اختلف عليها وعلى مدى دقتها وصحتها فإنها تبقى مرجعا يمكن الإستفادة منه في رسم مسار تاريخي لعملية صلب يسوع له المجد ومسبباتها ومن المستفيد منها. روايات المؤرخ اليهودي فلافيوس جوزيف(٣٧م-١٠٠م) و المؤرخ الروماني تاسيتوس(٥٥م-١٢٠م) في حوليته التي كتبها سنة ١١٧ ميلادية على وجه التقريب.

سوف نبدأ أولا بالمؤرخ اليهودي فلافيوس جوزيف الذي هناك شكوك قوية حول النص الذي ذكر فيه يسوع والموجود في كتابه آثار اليهود والذي ألفه عن تاريخ اليهود من سفر التكوين حتى حرب اليهود مع الرومان التي بدأت سنة ٦٦م وانتهت سنة ٧٠م بدخول الجيش الروماني الى أورشليم وتهديم الهيكل ومساواة أبنيته بالأرض.هذا النص ليس حاسما فيما يتعلق بعملية الصلب والقيامة للأسباب التالية حيث أنه الكثير من العلماء أجمعوا على أنه غير أصلي وهو إضافة الحقة حيث أنه ليس موجودا ضمن أقدم النسخ لكتاب آثار اليهود, تعصب فلافيوس جوزيف لفريسته بل ومشاركته في الحرب ضد الرومان حتى القبض عليه كما يقال في حصار حصن الماسادا سنة ٧٣م, الجزء الذي أضفت فيه لا يتفق وسياق الكلام, عدم وجود تناسق في صياغة النص المنسوخ عن الترجمة اليونانية التي قام بها فلافيوس جوزيف لكتاب آثار اليهود ووجود خلل بنيوي واضح بين الفصول السابقة أو اللاحقة للفصل الذي جاء فيه ذكر يسوع مما قد يدل على تلاعب بالنص تم على أيدي النساخ المسيحيين.

أما بالنسبة للمؤرخ الروماني تاسيتوس فقد ذكر أن إسم المسيحيين مشتق من المسيح الذي حكم عليه بالموت من قبل الحاكم الروماني لمقاطعة اليهود بيلاطس البنطي وذلك في أيام حكم الإمبراطور الروماني طيباريوس ولم يذكر أي شيء عن قيامته من بين الأموات أو أي شيئ من الحاصل بخصوص تلك الحوادث المذكورة في الإنجيل بحسب القديس متى مثل الزلزال العظيم وتشقق الهيكل وقيامة الأموات من القبور. ومن العلل الأخرى التي تعتري هذا النص وتشكك في مصداقيته هي أن أقدم نسخة تعود للقرن الحادي عشر ولم تعرف على نطاق واسع, أي دخلت المكتبات حتى أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر ميلادية.

على كل حال فإن حادثتي الصلب والقيامة من الممكن الرجوع إليهما بشيئ من التفصيل فقط في الأناجيل الأربعة وليس خارجها. وعند قراءة تلك الأناجيل الأربعة, فأنه علينا أن تكون مدركين للصعوبات الجمة التي اعترت العمل الدعوي و التبشيري الذي كان تلاميذ يسوع وأتباعه الأوائل وتلاميذهم وذلك لتوصيل رسالة يسوع وتعاليمه. كانت رسالتهم في الحقيقة أن إبن اهلو, المسيا الذي وبالرجوع إلى النصوص المتوفرة بين أيدينا(الأناجيل الأربعة) قد ظهر وارتفع جالسا على يمين الله تحقيقا لنبوءة الإنجيل بحسب القديس متى المذكورة في (٢٤:٢٦) وأنه قد أعدم على يد السلطات الرومانية بطريقة كانت مخصصة للعبيد والمجرمين حيث نستطيع القول وببساطة, يعني باللغة العامية أنه كان من أصحاب السوابق. وبناء على ما سبق وذكرته فإنه من المتوقع وجود محاولات لتبرئة السلطات الرومانية الحاكمة من دم يسوع وهذا ماسوف نلاحظه عند قراءتنا للأناجيل ورواياتها بخصوص القبض على يسوع ومحاكمته وصلبه.

ولكن السؤال هو عن أسباب تلك المحاولات لتبرئة السلطات الرومانية من تهمة قتل يسوع وإلصاقها باليهود ومن هو المستفيد؟

الجواب هو موجود في روما والفاتيكان حيث شكل تصاعد نفوذ بابا روما وبداية تحول روما الى مركز ثقل الديانة المسيحية وخصوصا مع بداية تبني سياسات متسامحة من قبل الأباطرة الرومان مما ساعد على إنتشار المسيحية وبالتالي المحاولات المستميتة لإبعاد الدولة الرومانية عن تلك التهمة ومحاولة إلصاقها باليهود.

وبالمقارنة بين الروايات التي تقدمها لنا الأناجيل المختلفة فإننا نجد أن القديس متى قد إتبع القديس مرقس بدرجة كبيرة حيث تتشابه العديد من الروايات بينها ولكن متى أضاف قصة حلم زوجة بيلاطس وأن يسوع رجل صالح (١٩:٢٧)[ واذ كان جالسا على كرسي الولاية ارسلت اليه امرأته قائلة اياك وذلك البار.لاني تألمت اليوم كثيرا في حلم من اجله].

لوقا تفرد بذكر الرواية بخصوص إرسال يسوع الى هيرودس أنتيباس, الحاكم المحلي للجليل لأن يسوع كان من تلك المنطقة والذي أعاد إرساله الى بيلاطس. المثير أن الاثنين اتفقا انه غير مذنب وأنهما لم يجدا فيه علة واحدة. وفي نهاية رواية القديس لوقا لعملية صلب يسوع, فقد أعلن قائد المائة الذين تم توكيلهم بحراسة موقع الصلب أن يسوع بريء(رجل بار) بدلا من تثبيت التهمة عليه بأن زعم أنه إبن الله. وطبعا علينا أن لا ننسى رواية القديس يوحنا في إنجيله الذي انفرد بجزيئات غير مذكورة في باقي الأناجيل منها موقف العسكر الذي كانوا يحرسون موقع الصلب وبعض الأحداث التي جرت هناك.

وهل هكذا كان الرومان يفعلون؟ مجرد التصديق على حكم أصدرته السلطة الدينية اليهودية. من المهم هنا أن نلاحظ الروايات المختلفة. في الإنجيل بحسب القديس متى والقديس مرقس فإنه كانت هناك محاكمة ليلية أمام قيافا, الكتبة والشيوخ حيث كانت هناك تهمتان متزامنتان وجهتا ليسوع المسيح هما التنبؤ ضد المعبد (تم إسقاطها لاحقا لتضارب الأدلة) والإدعاء بأنه المسيح(مسيا) وتم الحكم عليه بالموت على الرغم من أن ادعائه بكونه المسيا لم يلعب دورا أبعد. لقد تمت السخرية منه بوصفه رسولا.

في الإنجيل بحسب القديس لوقا فقد تمت إستجواب يسوع المسيح من قبل المجلس اليهودي في الصباح, ولكن هذا لم يكن محاكمة رسمية وقد يظن البعض أن هذا كان هو السبب الرئيسي في استنكار بيلاطس. وفي الإنجيل بحسب القديس يوحنا, تم إستجواب يسوع المسيح من قبل حنان قبل أن يتم إرساله الى قيافا والذي كان رئيس الكهنة في تلك السنة. قراء الأناجيل يعرفون أن قيافا كانت له غاية في موت المسيح حيث ينسب إليه في يوحنا (٥٠:١١) ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها.

إن موقف الشعب من يسوع المسيح هو أيضا متفاوت بحسب الإنجيل الذي نقرأه. ففي الإنجيل بحسب القديس متى والإنجيل بحسب القديس مرقس فإنهم كانوا معادين له, ومن الواضح تأثرهم بالأرستقراطية المحلية. في الإنجيل بحسب القديس لوقا, الجماهير طالبت بصلبه ولكن قسما كبيرا منهم تبعه الى موقع إعدامه بالنياح. وفي الإنجيل بحسب القديس يوحنا فإن موقف الجماهير من يسوع هو غير واضح.

الأداة المتوفرة لدينا من المصادر معقدة ومثيرة للارتباك. في كل المناسبات, وعلى الرغم من أنه متفق بشكل عام على أن اليهود ليسوا مخولين تنفيذ حكم الإعدام بأنفسهم, ولا هو من الواضح أن التهمة الموجهة ليسوع المسيح تحتمل إصدار مثل هذا الحكم. يسوع المسيح تمت إدانته بموجب القانون الروماني وأن الملاحظة التي تم وضعها على الصليب هي " يسوع الناصري ملك اليهود" تمت صياغتها من وجهة نظر رومانية.

ولكن لماذا صلب يسوع المسيح؟

على الأرجح, يبدو من الواضح أن قدومه من الريف إلى القدس جعله يشعر بالكراهية تجاه طبقة النبلاء(الأرستقراطية) التي كانت عن معنية عن كثب بإدارة شؤون المعبد, بالإضافة الى السلطات الرومانية. وقد تكلم متنبأ ضد المعيد وقام بعمل بسيط ورمزي كناية عن تطهير المعبد, بالإضافة الى تكلم به عن المملكة والذي قد يكون تم فهمه كنوع من التحدي السياسي. كان هناك عدد من الأنبياء من المعاصرين للزمن الذي عاش فيه يسوع المسيح والذين نجحوا في كسب أتباع وكانت نهايتهم دموية. من هؤلاء يهوذا الجليلي 6ب.م, نبي من السامرة ٣٦ب.م بالإضافة الى شخص يدعى ثوداس 44-46 ب.م. يهوذا و ثوداس مذكوران في سفر أعمال الرسل (٥: ٣٦-٣٧). ويبدو أن يسوع المسيح قد لاقى حتفه بنفس الطريقة.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, May 14, 2023

بارت إيرمان وتاريخ المسيحية, عرض ونقد

بارت إيرمان أستاذ الدراسات الدينية في جامعة كارولاينا الشمالية-تشابيل هيل وهو غني عن التعريف في مجال مقارنات الأديان ولديه أكثر من عشرين كتاب في ذلك المجال لعل أهمها "Jesus Interrupted" و "Misquoting Jesus" وكتب أخرى بعضها أكاديمي يتم تدريسه في أقسام الدراسات الدينية في الجامعات الأمريكية.

هناك الكثير من التساؤلات التي يطرحها بارت إيرمان في كتبه حول العهد الجديد خصوصا الأناجيل وتاريخ المسيحية.أحد تلك الأسئلة هو من هم المؤلفون الحقيقيون للأناجيل؟ أو هل هناك رسائل منحولة تنسب الى بولس الرسول أو الى رسل آخرين أو تلاميذ المسيح؟ هل من الاحتمال ان هناك اختلافات في الأناجيل لا يمكن التوفيق بينها أو تناقضات لايمكن تفسيرها؟

من دحرج الحجر؟ يمثل أحد الإختلافات بين الأناجيل التي يصعب التوفيق بينها. إنجيل متى(٢٨: ١-٤) يروي لنا أنَّ ملاكا منظره كالبرق ولباسه أبيض مثل الثلج هو من دحرج الحجر وأنَّ الشهود على تلك الحادثة هم مريم المجدلية ومريم(الأخرى). بينما في إنجيل مرقس(١٦: ١-٨) الشهود هم مريم المجدلية, مريم أم يعقوب وسالومة هم الشهود ولم يذكر من دحرج الحجر ولكن عندما دخلت النسوة الثلاثة الى القبر فقد شاهدن شاباً جالسا على اليمين يرتدي حلة بيضاء. إنجيل لوقا(٥٥:٢٣, ٤:٢٤) ذكر أنَّ نساءً كنَّ قد أتين معه من الجليل هم الشهود على الحادثة وأنَّ الحجر كان قد دحرج وأن رجلين بثياب براقة ظهرا للنسوة. بينما إنجيل يوحنا(١:٢٠) أن مريم المجدلية هي أول من زارة القبر وأنها وجد الحجر قد تمت دحرجته ولم يذكر هوية من دحرج الحجر.

من دحرج الحجر؟ ومن هم الشهود على تلك الحادثة؟

إنَّ التناقضات كما ذكر الدكتور بارت إيرمان في كتاب "Jesus Interrupted" يمكن العثور عليها حتى داخل الأناجيل نفسها. على سبيل المثال فإن معجزة تحويل الماء الى خمر (يوحنا: ١٢-٢) هي أول معجزات المسيح ولكنه في (يوحنا ٢٣:٢) قد صنع عدة معجزات في أورشليم. بينما في يوحنا(٤: ٤٦-٥٤) قد شفى إبن خادم الملك الذي كان مريضا. ويتساءل الدكتور ايرمان ساخرا:" Huh? One sign, many signs, and then the second sign?"

إن ما قام به المسيح حين قلب طاولات الصيارفة وطرد باعة الحمام من الهيكل والتي ورد ذكرها في إنجيل مرقس(١١) خلال الأسبوع الذي يسبق الوفاة, و إنجيل يوحنا(٢) في بداية رحلته التبشيرية التي استمرت ثلاث سنين, تمثل تناقضا غير مباشر(إختلاف) ولكنه يبقى دون تفسير معقول يجعل من التوفيق بين الروايتين أمرا ممكنا.

ولكن بارت إيرمان يذكر اختلاف آخر بين إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا لا يمكن التوفيق بينهما وهي وفاة المسيح على الصليب. المسيح صلب وتوفي في إنجيل يوحنا(١٤:١٩) خلال اليوم الذي يتم الإستعداد فيه من أجل عشاء الفصح, بينما في إنجيل مرقس(١٤), صلب المسيح صباح يوم عيد الفصح وليس في اليوم الذي يسبِقه. والسؤال الذي يطرح نفسه هو, هل تناول المسيح عشاء الفصح مع تلاميذه(مرقس ١٤) أم لم يتناول(يوحنا ١٩)؟

هناك إختلاف في رواية ميلاد المسيح كما ذُكِرَ في إنجيل متى وإنجيل لوقا وهي اختلافات لا يمكن التوفيق بينها بأي حال من الأحوال خصوصا في الجانب التاريخي.

إنجيل متى (١٧:١)" فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً" المشكلة هي من نص إنجيل متى نفسه لأن عدد الأجيال من سبي بابل الى المسيح هو ثلاثة عشر جيلا وليس أربعة عشر.

إنجيل متى وهو كما يصف المؤرخون هوية مؤلفه اليهودية يسعى الى إثبات نسب المسيح الى داود تحقيقا للنبوءة التوراتية أن المسيح مخلص بني إسرائيل يكون من نسل داود ابن سليمان. بينما يجعل لوقا(٣: ٢٣-٣٣) نسب المسيح الى آدم وليس داوود ربما تأكيدا على رسالته العالمية وأنها لا تقتصر على اليهود.

إن الإحصاء المسكوني الذي ورد على ذكره لوقا(٢: ١-٧) ولكن ليس هناك مصدر تاريخي مستقل ومحايد يؤكد ذلك. كما أن السجلات الرومانية خلال فترة حكم الإمبراطور أوغسطس قيصر لا تحتوي على أي إشارة الى إحصاء مسكوني(عالمي) على الرغم من أن هناك عددا لا بأس به من الوثائق التي تعود الى تلك الحقبة التاريخية قد تم العثور عليه. هناك خطأ تاريخي آخر تحدث عنه بارت إيرمان وهو أن ولادة يسوع كما ذكر لوقا كانت في فترة حكم اليهودية الملك هيرودس بينما كان كِيرِينِيُوس هو والي سوريا. ولكن كِيرِينِيُوس حكم سوريا(٦ ب.م) بعد عشرة سنين على وفاة هيرودس.

هناك الكثير من التفاصيل التي لم أذكرها وتركتها للقارئ حتى يتوسع فيها ويزيد من معرفته في مجال مقارنات الأديان. ولكن خلاصة القول أن الأناجيل تحتوي على الكثير من التناقضات الغير قابلة للتوفيق فيما بينها وحتى أن بعض الأناجيل تحتوي على تناقضات ومعلومات مغلوطة داخل صفحات الإنجيل نفسه.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Saturday, October 29, 2022

ماهي أسباب الحرب ضد الإسلام؟

هناك أمر مهم للغاية في تاريخ العلاقة بين مختلف الأديان والغرب أو كما يطلقون عليها الحضارة الغربية. إن ذلك الأمر هو تحريم الربا, الإقراض مقابل الفائدة. يسوع المسيح طرد الصيارفة وباعة الحمام من الهيكل بعد أن قلب طاولاتهم و زجرهم قائلا:"مكتوب: إن بيتي بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مغارة لصوص!"(لوقا ٤٦:١٩). الرسول محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم حرَّم الربا تحريما قطعيا بنصوص قرآنية واضحة لا تقبل التأويل. كلاهما من أكثر الشخصيات التي يكرهها اليهود في تاريخهم لو أضفنا اليهم الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر, سوف يكتمل العدد إلى ثلاثة.

إنَّ الإسلام بنظام قيمه التقليدي الأخلاقي والإقتصادي لايمكن أن يقبل الإندماج في إطار النظام العالمي الجديد الذي تجري إقامته حاليا. تحدَّثتُ في الفقرة السابقة عن تحريم الربا في المسيحية والإسلام. الرأسمالية هي منظومةإقتصادية متكاملة تنظِّمُ حياة البشر ضمن إطار الإقتصاد والمفاهيم الإقتصادية القائمة على العولمة وإتفاقيات التجارة الحرَّة, أي أنها ذات طبيعة إستغلالية ويعتبر الربا(الفائدة) جزأً رئيسيا منها. ومن الممكن أن نقول أنه بدون الفائدة والديون الإئتمانية, لن يكون هناك نظام اقتصادي رأسمالي.

ليس من الواضح الأسباب التي تقف خلف قيام يسوع بقلب طاولات الصيارفة وباعة الحمام في الهيكل و وصفهم بأنهم لصوص وهناك من يشكِّكُ ربما في الرواية بأكملها. السبب قد يكون الإستغلال والمبالغة في الأسعار أو إستغلال الهيكل وهو مكان عبادة في ممارسة التجارة. ولكن موقف الإسلام من الربا هو أنه من أكثر الممارسات الغير مرغوب فيها. المسلمون كانوا لا يحتاجون الى الربا والفائدة لأنَّ أساس تعاملاتهم المصرفية كان العملات الذهبية وليس الورقية تتم طباعتها من الهواء.

هناك دعوات من أنه بما أن الإسلام لا يتكامل مع المجتمع الغربي, إذا ليس هناك سوى طريق واحد, الإصلاح أو لابد من القضاء عليه. بابا الفاتيكان السابق بنديكت السادس عشر دعا إلى إصلاح الإسلام ومن لا يقبل ذلك من المسلمين سوف يكون متطرفا. الكنيسة الكاثوليكية كانت دائما مناصرة ومؤيدة للقيم الرأسمالية وقامت بدور فعال في الدعاية ضد الشيوعية خصوصا في بلدان أوروبا الغربية والآن تقوم بالدور نفسه ضد الإسلام حيث تبحث عن كل مسلم ليبرالي التفكير من أجل ما يطلقون عليه حوار الأديان.

ولكن الكنيسة الكاثوليكية لم تكن في السابق على هذه الحالة بل كانت تتهم بأنها معادية للسامية, أي أنها ضد اليهود قتلة يسوع المسيح. ولكن ذلك تغيَّر مع تولي البابا يوحنا الثالث والعشرون الذي قام سنة ١٩٦٥م بتبرئة اليهود من دم المسيح مستندا إلى نص في العهد القديم من الكتاب المقدس في سفر العدد ١٨:١٤(بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع). اليهود نجحوا في التغلغل في الكنيسة الكاثوليكية ونجحوا في إحداث الانقسام الكنسي الشهير في القرن السادس عشر حيث تفرَّق أتباع الكنيسة الى كاثوليك وبروتستانت وإشتعلت الحروب الدينية في أوروبا التي أكلت الأخضر واليابس وكان الصيارفة اليهود يمولون جميع أطراف الصراع ويقدِّمون لهم القروض الربوية.

أوروبا في حاجة إلى الأيدي العاملة الرخيصة وبسبب انخفاض نسبة المواليد وتأثر الأوروبيين بالأفكار عن تحديد النسل, إذا من الواضح أن المكان الوحيد الذي يتوفر على فائض بشري يمكن التعامل معه هو البلدان الإسلامية. ولكن لماذا ليس الصين أو الهند على سبيل المثال؟ لأن الإسلام يوفِّر منظومة متكاملة يمكن من خلالها تحويل العلاقة مع الغرب المسيحي الى حالة من العداء الأيدولوجي. إن ذلك يتم من خلال الدعاية والبروباغندا حيث تتم شيطنة الإسلام واستخدام مصطلح الإرهاب الإسلامي والمتطرفين الإسلاميين وتأسيسي منظمات إرهابية تقوم بأعمال القتل الدموية و تبثها من خلال مختلف الوسائل الإعلامية إلى العالم بأكمله حتى يشاهد المسلمين المتوحشين.

إن صاموئيل هنتنغتون ليس أول من استخدم مصطلح صراع الحضارات ولكنه المستشرق الأمريكي من أصول بريطانية برنارد هنري لويس الذي عمل في مكتب المخابرات الخارجية البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية وفي القسم العربي في وزارة الخارجية البريطانية. لاحقا, إنتقل برنارد لويس الى الولايات المتحدة وعمل بشكل وثيق مع مستشار الأمن القومي الأمريكي زيغينو بريجنسكي الذي كان مقربا من الإرهابي أسامة بن لادن وهو صاحب فكرة إستخدام المسلمين ضد الإتحاد السوفياتي في أفغانستان.

إنَّ نظرية صراع الحضارات التي يعتبرها الكثير من المختصين والمحللين أنها جزء رئيسي من التفكير و السياسة الأمريكية في عدائها ضد الإسلام والعمل على محاربته والقضاء عليه ليس إلا مصطلح براق أخر يتم إستخدامه لأهداف الدعاية والبروباغندا بينما الحقيقة أنها حرب من أجل الهيمنة على إقتصاد العالم وثرواته. نظام الرأسمالية المصرفية في وول ستريت وإنجلترا وسويسرا يسرق العالم من خلال طباعة نقود ورقية ومن خلال الديون الإئتمانية والإسلام يعارض كل ذلك. 

صخر الماجري, صهر الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي, كان يخطِّطُ من أجل إنشاء منطقة مالية أشبه بتلك التي في مانهاتن في الولايات المتحدة ولكنها سوف تكون معتمدة على الإقتصاد الإسلامي وبالتالي سوف تجذب الإستثمارات من كافة أنحاء العالم الإسلامي مما قد يحرم البنوك الربوية من عوائد مالية ضخمة.

ومن خلال الأحداث التاريخية يمكن أن نستفيد الكثير من أجل فهم الأسباب الحقيقية للحرب ضد الإسلام. حركة الكشوفات الجغرافية كان الهدف منها القضاء على سيطرة المسلمين المماليك على طرق التجارة خصوصا تجارة التوابل ولو تم إستبدال المسلمين بدولة أوروبية لكان السيناريو هو نفسه والأحداث هي نفسها مع تغيير في الأسماء. الحروب الصليبية كانت تخفي غايات وأهداف اقتصادية, ثروات الشرق التي تتحدث عنها الأساطير ويسيل لها اللعاب. الدول الأوروبية خاضت حروبا وصراعات دموية على المستعمرات وعلى السيطرة والتحكم في الطرق التجارية. الحرب العالمية الأولى بين ألمانيا وبريطانيا كانت تعبيرا عن شعور الأخيرة بالقلق من نمو قوة البحرية الألمانية التي أصبحت تعتمد في سفنها على النفط بدلا من الفحم وبالتالي تهدد طرق التجارة البحرية و المستعمرة البريطانية في الهند.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية