Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label متى. Show all posts
Showing posts with label متى. Show all posts

Wednesday, October 9, 2024

من كتب الأناجيل ورسائل العهد الجديد؟

المفكر العربي فراس السواح يخبرنا في كتاب "ألغاز الإنجيل" أن يسوع المسيح لم يترك أثرا مكتوبا ولكن تعاليم شفوية وصلت الينا من أتباعه وتلاميذه والأشخاص الذي عاصروه. وقد برزت الحاجة الى تدوين تلك الأقوال وتفاصيل حياة يسوع المسيح و رحلته التبشيرية عند وفاة جميع أفراد الجيل الأول خصوصا الحواريين الإثني عشر وتلاميذهم المباشرين. 

يتألف العهد الجديد من ٢٧ كتابا هي على التوالي: الأناجيل الأربعة(متى, مرقس, لوقا, يوحنا), سفر أعمال الرسل, رسائل بولس(رومية, كورنثوس الأولى, كورنثوس الثانية, غلاطية, أفسس, فيلبي, كولوسي, تسالونيكي الأولى, تسالونيكي الثانية, تيموثاوس الأولى, تيموثاوس الثانية, تيطس, فيلمون, العبرانيين), رسالة يعقوب الرسول, رسالة بطرس الأولى, رسالة بطرس الثانية, رسالة يوحنا الأولى, رسالة يوحنا الثانية, رسالة يوحنا الثالثة, رسالة يهوذا, سفر رؤيا يوحنا.)

إن الهوية الحقيقية للأشخاص الذين قاموا بتأليف الأناجيل مجهولة ولكنها في التقليد الكنسي تنسب أربعة قديسين هم متى, مرقس, لوقا و يوحنا والأخير لديه أيضا ثلاثة رسائل في العهد الجديد منسوبة إليه بينما ينسب سفر أعمال الرسل الى لوقا. النصوص الأصلية للأناجيل مفقود وحتى تلك التي نسخت مباشرة منها(الطبعة الأولى) أيضا مفقودة وما حصلنا عليه أجزاء من مخطوطات وأقدم المخطوطات الكاملة هي السينائية والفاتيكانية التي تعود الى القرن الرابع ميلادي. ولكن قبل سنة ١٤٠م, لم يكن هناك أي شهادة تثبت بأن الناس كانوا يعرفون مجموعة من النصوص المكتوبة المنسوبة الى أسماء مؤلفي الأناجيل الأربعة. إن أول من ذكر مجموعة من الكتب التي ألفها الرسل كان أحد آباء الكنيسة الأوائل جستن الشهيد سنة ١٦٥م ولكنه لم يذكر الأناجيل الأربعة صراحة.  أول قائمة قانونية للكتب المؤلفة العهد الجديد لم تظهر إلا (١٧٠م-١٨٠م) رداً على بدعة مرقيون ولكنها لم تصبح معتمدة كما وصلت إلينا إلا في القرن الرابع ميلادي وتعرف بقائمة القديس أثناسيوس سنة ٣٦٧م وهي التي تضم كتب العهد القديم والجديد.

إن المشكلة التي تواجه المدافعين عن مصداقية الأناجيل وصحة نسبتها تاريخيا الى مؤلفيها يصطدمون بالحقيقة المرة حول جهل وأمية الحواريين وتلاميذ المسيح. فقد كانت الأمية منتشرة بين نسبة كبيرة من السكان خلال تلك الفترة وكان التعليم مقصورا على الأثرياء وبعض عبيدهم وخدمهم. كما أن الأناجيل التي بين أيدينا مكتوبة باللغة اليونانية القديمة وبأسلوب أدبي رفيع بينما أشخاص مثل القديس يوحنا وبطرس كانوا صيادي أسماك ومتى جابي ضرائب ولغتهم الأم كانت الآرامية. هناك الكثير من الإشاعات عن إكتشاف نسخة من إنجيل متى باللغة الآرامية أو العبرية. يوسابيوس القيصري في كتاب "تاريخ الكنيسة" ذكر أن القديس متى كتب إنجيله باللغة العبرية والموسوعة البريطانية نقلا عن بابياس, أحد آباء الكنيسة المتوفى سنة ١٣٠م ذكرت أن القديس متى كتب إنجيله باللغة العبرية.

هناك آثار أو بقايا الآرامية والعبرية في الأناجيل مثل عبارة (" إيلي إيلي لما شبقتني ؟! أي إلهي إلهي لماذا تركتني ؟!)(مت ٤٩:٢٧), (" وأمسك بيد الصبية وقال لها : " طليثا ، قومي ! " الذي تفسيره : يا صبية ، لك أقول : قومي !)(مر ٤١:٥), (" قال لها يسوع : " يا مريم " فالتفتت تلك وقالت له : " رَبُّونِي " ، الذي تفسيره : يا معلم ")(يو ١٧:٢٠). هناك أيضا المحاورة بين يسوع المسيح ونيقوديموس حيث كان الأخير رئيس لليهود وربما رئيس فرقة وعلى الرغم من ذلك لم يفهم حديث المسيح رغم أن لغة الحوار المفترضة كانت العبرية أو الآرامية. جون شلبي كبير قساوسة الكنيسة الأسقفية في نيوارك, الولايات المتحدة قام بتأليف كتاب عن إنجيل القديس يوحنا ذكر فيه خمسة نقاط مهمة لعل أهمها أن هناك ثلاثة أشخاص كتبوا الإنجيل الرابع خلال ٢٥-٣٠ سنة و أنه ليس هناك دليل تاريخي على أن القديس يوحنا هو كاتب الإنجيل.

هناك الكثير من الأخبار المتداولة عن إكتشاف إنجيل هنا أو إنجيل هناك مكتوب باللغة العبرية أو إكتشاف إنجيل متى باللغة العبرية في تركيا أو إنجيل برنابا وأن الكنيسة سارعت الى إخفاء أو العمل على إخفاء تلك النسخ من الأناجيل لأنها تفضح حقيقة تحريف الكتاب المقدس. إنَّ ذلك يذكرني بإكتشاف مخطوطات صنعاء والتي يتم إستغلالها في محاولة إضفاء مصداقية على مزاعم تحريف القرآن نقلا عن مستشرقين لا يتحدث بعضهم العربية إلا بصعوبة وكثير من الأشخاص يرددون مزاعم يقرأون عنها هناك او هناك وحتى في صحف عالمية من المفترض أن لديها مصداقية ولكنهم ينسخون اقوال تلك الصحف والمواقع بدون تدقيق أو إطلاع على المخطوطات والنصوص الأصلية مع إفتراض أن لديهم المعرفة الكافية باللغة الآرامية واليونانية القديمة والعبرية وغيرها من لغات العالم القديم. إنجيل برنابا السري أو إنجيل القديس متى المكتوب باللغة العبرية هي أساطير لم يشاهدها أو يطلع عليها أحد وليس مسموحا للعامة الإطلاع عليها مع الافتراض أنها موجودة وأن أخبار إكتشافها صحيحة وغير ملفقة بهدف ملء مساحات صحفية فارغة.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Monday, December 18, 2023

ماهي أسباب إختيار الأناجيل الأربعة في العهد الجديد من الكتاب المقدس؟

إنَّ أحد أهم الأسئلة حول تاريخ المسيحية القديمة والتي لايوجد عليها إجابة واضحة: ماهو سبب إختيار الأناجيل الأربعة حصريا حتى تكون ضمن كتب العهد الجديد من الكتاب المقدس والذي يتألف من ٢٧ كتابا؟

في البداية فإنَّ كلمة إنجيل تعني البشارة, أربعة أناجيل وأربعة بشائر: متى, مرقس, لوقا ويوحنا. متى ويوحنا هما فقط من حواريي يسوع المسيح بينما مرقس كما في التقليد الكنسي كان مرافق الحواري بطرس ولوقا(الطبيب) كان من المقربين من شاول الطرسوسي(بولس) و مرافقا له في أسفاره. الأناجيل الثلاثة (متى,مرقس,لوقا) يطلق عليها الأناجيل الإزائية بسبب الروايات المشتركة المتشابهة حيث يمكن مقارنتها بسهولة بينما يقف إنجيل القديس يوحنا منفردا من خلال بعض الروايات والمعجزات التي لم يرد ذكرها في الأناجيل الإزائية.

وقد يرى بعض المختصين في الكتاب المقدس وتاريخ المسيحية القديمة أنَّه ليس هناك سبب واضح في إختيار الأناجيل الأربعة من بين مئات من الكتب الأخرى إلا أن يكون التقليد الكنسي. إن أول مناسبة ورد خلالها أسماء الأناجيل الأربعة كانت سنة ١٤٠م حيث كانت المخطوطات تحتوي على الأناجيل بدون فواصل أو أسماء المؤلفين وأول قائمة قانونية ضمت كتب العهد الجديد كانت سنة 180م وذلك ردا على بدعة مرقيون وكان عددها 27 كتابا.

ولكن لماذا انتظرت الكنيسة أو المسيحيين أو آباء الكنيسة الأوائل كل تلك السنين حتى تظهر أسماء مؤلفي الأناجيل أو يضعوا قائمة قانونية بأسمائها؟

هناك أمر مهم آخر لابد من التحدث عنه وهو هل الإختلافات بين الأناجيل أو التناقضات كما يصفها البعض يمكن إعتبارها عملية تطور تاريخية طبيعية للعقائد المسيحية؟ وأين موقع مؤلف إنجيل القديس يوحنا من ذلك؟

أما بالنسبة الى إجابة السؤال فهي قد تكون أنَّ إنتشار الأمية حيث كان عدد قليل من الأشخاص يعرفون القرائة والكتابة وعدد أقل لديهم الإطلاع والمعرفة الأدبية من أجل كتابة الأناجيل وهي بلا شك مؤلفات أدبية رفيعة مكتوبة بأسلوب ولغة لايمكن إلا أن يكون المؤلف شخص ذو تعليم عالي ومعرفة باللغات والأداب اليونانية. إنَّ حواريي المسيح كانوا أشخاصا من أشباه الأميين حيث كانوا يعملون في مهن بسيطة ومتواضعة مثل صيد الأسماك أو موظفين حكوميين يجمعون الضرائب وهي كانت مهنة القديس متى أو لاوي بن حلفي مؤلف إنجيل بإسمه ولكن ذلك موضع شكوك متعدِّدَة. وحتى لو افترضنا كتابة حواريي المسيح الأناجيل(متى, يوحنا) سوف يكون السؤال: من أين لهم العلم والمعرفة التي تجعل من الممكن كتابة لتلك الأناجيل؟ أين نسخة إنجيل القديس متى التي كتبت باللغة العبرية؟ وماهو مصدر قصة الميلاد العذري في إنجيل القدس يوحنا؟

المسيح بدأ في دعوته بإعلانها حصريا في بني قومه اليهود وأخبر تلاميذه أنه لم يرسل إلا الى خراف بني إسرائيل الضالة(مت ٢٤:١٥) وأن لا يدخلوا الى مدن السامريين(مت ٥:١٠) ولكنه في مواقع أخرى طالبهم بأن يبلغوا الإنجيل الى الخليقة كلها والى جميع الأمم(مر ١٥:١٦) و (مت ١٩:٢٨). إن ذلك أحد المسائل الإشكالية التي تتطلب تفسيرا حيث أنه لو افترضنا أن تاريخ كتابة إنجيل القديس مرقس هو سابق إنجيل القديس متى, كيف نفسر ذلك التناقض؟ ولو كان العكس صحيحا, كيف يمكن أيضا تفسيره في إطار ذلك؟ هل من المعقول أن المسيح أرسل تلاميذه من أجل تبشير جميع الأمم ثم لم يستجيبوا فانكفأ في دعوته الى اليهود أو الخراف الضالة كما أطلق عليهم؟ أم أن الأدق والأكثر صحَّةً أنَّ اليهود لم يستجيبوا وعندها أوصى تلاميذه بأن يكرزوا بالإنجيل في جميع الأمم؟

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Thursday, August 31, 2023

تحريف أقوال يسوع

هناك عدة مشاكل تواجه من يسعى الى إثبات مصداقية الأناجيل والكتاب المقدس بشكل عام. أحد أهم تلك المشاكل هي ضياع النسخ الأصلية لمخطوطات الكتاب المقدس(العهد القديم والجديد). أقدم نسخ المخطوطات الموجودة هي السينائية والفاتيكانية وتعودان الى القرنين الرابع ميلادي والخامس ميلادي على التوالي. هناك أسفار ضائعة من الكتاب المقدس مثل سفر ياشر(عدد ١٤:٢١), سفر ياشر(يشوع ١٣:١٠), سفر مراثي أرميا(١أخ ٢٥:٣٥) وغيرها الكثير من الأسفار الضائعة التي ذكرتها نصوص من الكتاب المقدس.

أحد أشهر النصوص التي تمت إضافتها الى العهد الجديد هي نهاية إنجيل القديس مرقس, نص قيامة المسيح, وذلك النص غير موجود في أقدم المخطوطات وهو إضافة لاحقة. الأب متى المسكين من الكنيسة القبطية المصري يتحدث في تفسيره إنجيل القدس مرقس صفحة ٦٣٣ عن الجزء الضائع من من الإنجيل. هناك نص أخر مشهور في إنجيل القديس يوحنا(٧) يعتبر إضافة لاحقة وهو غير موجود في أقدم المخطوطات وحتى تطبيقات الكتاب المقدس والطبعات الحديثة وهو نص "المرأة الزانية."

هناك أخطاء في الكتاب المقدس(العهد الجديد) والتي لا يمكن إيجاد أي حلول توفيقية لها. على سبيل المثال, مر(٢٥:٢) كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللَّهِ فِي أَيَّامِ أَبِيَاثَارَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لاَ يَحِلُّ أَكْلُهُ إلاَّ لِلْكَهَنَةِ وَأَعْطَى الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَيْضاً؟» إنَّ مشكلة ذلك النص أنه بالرجوع الى العهد القديم ١صم ٢١: ١-٦, سوف نجد أنَّ إسم الكاهن كان أَخِيمَالِكَ وليس أَبِيَاثَارَ. يسوع المسيح(الرب) في العقيدة المسيحية يخطئ في مر ٣١:٤ ويصف حبة الخردل بأنها أصغر البذور التي على الأرض ولكنها ليست كذلك. الرب في المسيحية يخطئ ولكن الكنائس وجدت الحل في عقيدة التثليث من خلال الأقانيم الثلاثة وهي عقيدة غير مفهومة وغامضة ولها جذور في الديانات الوثنية القديمة.

هناك المزيد والمزيد من التناقضات والأخطاء في الكتاب المقدس كما يرى بارت إيرمان في كتابه "تحريف أقوال يسوع-Misquoting Jesus). بارت إيرمان بروفيسور في مجال الإنجيل ودراسات المسيحية المبكرة في جامعة تشابل هيل, ولاية كارولاينا الشمالية وهو خبير في اللغات القديمة(اليونانية, العبرية, الآرامية والقبطية) حيث يقوم بدراسة المخطوطات بلغاتها الأصلية.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية

Thursday, August 17, 2023

هل المسيح موجود؟

هناك الكثير من الأسئلة حول العقيدة المسيحية التي بقيت حتى يومنا هذا من دون إجابة واضحة مثل "هل الإنجيل محرف؟", "هل قام يسوع المسيح من الموت؟" أو "هل المسيح هو الله؟". كما أنه هناك أسئلة أقل أهمية أو تداولا بين المهتمين بتاريخ العقيدة المسيحية, على سبيل المثال "من دحرج الحجر؟" أو "من هو التلميذ الذي كان يحبه يسوع, يوحنا أم العازر؟."

وقد بقيت تلك الأسئلة بدون إجابة حاسمة لأن هناك ثغرات واسعة في العقيدة المسيحية التي لم تظهر هكذا فجأة بين يوم وليلة ولكنها كانت نتيجة الحروب, الإضطهاد والمجامع الكنسية مما يؤدي الى تغيرات جذرية ورئيسية على فترة زمنية تقدَّرُ بعدة قرون.

ولكن السؤال عن يسوع المسيح وهل هو موجود سؤال على درجة من الاهمية إن لم يكن أهم سؤال في تاريخ الديانة والعقيدة المسيحية لأنه سؤال يطرحه الملحدون و يهدفون من خلاله الى إثبات أن المسيح ليس إلا أسطورة مختلقة وبالتالي فإن الديانة المسيحية هي بدورها مختلفة وبدون جذور تاريخية.

هناك كتاب من تأليف البروفيسور بارت إيرمان بعنوان "هل المسيح موجود؟ حوار تاريخي حول يسوع الناصري" والذي  سوف أناقشه وأناقش أفكاره في موضوع منفصل في مدونة مائة كاتب وكتاب ولكن في هذا الموضوع سوف نستعرض باختصار الخطوط الرئيسية وأناقش بعض الأفكار حول وجود يسوع المسيح أو يسوع الناصري من الناحية التاريخية والأسباب التي قد تدفع بعضهم الى إنكار ذلك.

 هناك صعوبة في إثبات شخصية يسوع المسيحي تاريخيا وذلك يعود الى عدة أسباب. أقدم نصوص العهد الجديد وهي رسائل بولس الرسول لا تقدم لنا أي معلومات عن يسوع المسيح سوى ما ذكره بولس عن ظهور المسيح له وهو في طريقه الى دمشق من أجل القبض على تلاميذ الرب(أع ١:٩) وسمع صوتا قائلا له "شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟"(أع ٤:٩) وفي رسالته الى رومية حيث أشار الى المسيح أنه من نسل داوود من جهة الجسد(رومية ٣:١) ولكنه بذلك يناقض الأناجيل كما في متى و لوقا أن يسوع المسيح هو بذرة زرعها الرب مباشرة في رحم مريم.

الأناجيل الأربعة وهي المصدر الرئيسي عن حياة يسوع المسيح تعاني من عدة مشاكل نقدية تجعل من تكوين فكرة محددة وتاريخية عن يسوع المسيح مهمة غير واضحة المعالم. هناك سؤال عن الهوية الحقيقية لمن كتب الأناجيل وفقدان النسخ الأصلية و فجوة زمنية بين تاريخ صلب المسيح وكتابة أول الأناجيل وحتى هذه الأخيرة إختلف عليها بعض علماء تاريخ المسيحية المبكرة, هل هو إنجيل القديس متى أو إنجيل القديس مرقس.

ولكن على الرغم من ذلك فإنَّ الأناجيل الأربعة هي مصدر رئيسي لإثبات أنَّ يسوع المسيح شخصية حقيقية. كما أنه هناك عدد من الأناجيل التي لم تعترف بها الكنيسة ولم يتم ضمها الى قائمة الأسفار القانونية يتحدث مؤلفوها عن يسوع المسيح. انجيل توما الابوكريفي يتحدث على سبيل المثال عن رواية نفخ الطين الى طائر وهي رواية تتقارب مع رواية القرآن الكريم. الأناجيل الأربعة تقدِّم مجموعة من المعلومات المتقاطعة التي تتم روايتها مستقلة عن بعضها البعض والتي تثبت بما لايدع مجالا للشك أن يسوع المسيح هو شخصية تاريخية حقيقية كانت موجودة خلال القرن الأول الميلادي.

هناك نقطة هامة للغاية وهي أن يسوع المسيح كان شخصية مغمورة في حياته ودعوته وعدد أتباعه ولم يكن بذلك الصيت الذي يجعل من رسالته في مراحلها الأولى رسالة عالمية. كان أحد الأشخاص الذين خالفوا قوانين الهيكل والحاكم الروماني وتم عقابهم بأن صلبوا حتى الموت. يسوع المسيح لم يكن ابن الله وصانع المعجزات الوحيد خلال تلك الفترة الزمنية وحادثة صلبه لم تكن حادثة نادرة بل أمرا متكرِّرأ في تلك الفترة الزمنية المضطربة. إن ذلك أدى الى غياب الحديث عن يسوع المسيح في مؤلفات عدد من المؤرخين القدامى سواء كانوا يهود, وثنيين أو رومانيين.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Friday, June 9, 2023

من كتب الأناجيل؟

المسيحيون الإنجيليون يؤمنون أن الكتاب المقدس(العهد القديم والجديد) موحى به من الله كلمة كلمة أو كما يقولون, من الغلاف الى الغلاف. ولكن هناك تطور أدوات البحث والتحقيق في النصوص الدينية مثل علم النقد النصي ودراسة اللغات القديمة مثل اليونانية, العبرية والآرامية قد أدى تطورات مثيرة للانتباه فيما يتعلق بالايمان المسيحي الذي تحول الى الإعتقاد بأن سلامة النصوص الدينية من التحريف والتبديل ليست شرطا للإيمان وأن ذلك لايؤثر على سلامة المعتقدات الدينية وقوانين الإيمان المسيحي.

إنَّ الكتاب العهد الجديد من الكتاب المقدس الذي يتألف من ٢٧ سفرا(كتابا) لم يصل إلينا إلا من خلال عملية تطوير وتحديث استمرت مئات السنين تخللتها صراعات دموية ومؤتمرات مسكونية ومحاكمات وحرمان كنسي. إن قائمة الكتب في العهد الجديد لم تتخذ شكلها الحالي إلا خلال الفترة التي أعقبت مؤتمر نيقية سنة ٣٢٥م, المؤتمر المسكوني الأول الذي أصدر الأوامر انعقاده الإمبراطور الروماني(الوثني) قسطنطين من اجل الوصول الى قرار حول بدعة آريوس ومسائل خلافية أخرى أدت الى انقسامات حادة في الإمبراطورية الرومانية. الإمبراطور قسطنطين أصدر أوامره بحرق جميع الكتب والرسائل والأناجيل التي خالفت قانون الإيمان المسيحي الذي أصدره مجمع نيقية وأصدر قائمة قانونية للكتب التي تم قبولها في العهد الجديد وضمها الى الكتاب المقدس.

إن الأناجيل الأربعة(متى, مرقس, لوقا, يوحنا) قد تم قبولها في مجمع نيقية في محاولة قام بها الإمبراطور قسطنطين من أجل تحقيق التوافق بين مختلف التيارات المسيحية الرئيسية التي كانت سائدة خلال تلك الفترة وذلك على الرغم من اختلافات رئيسية وتناقضات بين تلك الأناجيل عند مقارنتها بعضها ببعض وحتى في الأناجيل نفسها.

كتاب رؤيا يوحنا كان مرفوضا بسبب إحتوائه على تعاليم مضللة ولكن تم قبوله لاحقا في القائمة القانونية للأناجيل بين ما تم رفض كتاب رؤيا بطرس رغم أنه كان مقبولا في عدة كنائس. إنجيل بطرس أيضا كان مقبولا بين الكنائس المختلفة ولكن لم يكن مقبولا في القائمة القانونية التي صدرت عن مجمع نيقية. إنجيل يوحنا كان ضمن قائمة الأناجيل القانونية ولكن كان مرفوضا من كنائس مختلفة. إنجيل توماس والرسائل الرعوية الثلاثة(الرسالة الأولى و الثانية الى تيموثاوس, الرسالة الى تيطس) كان تلقى القبول من جماعات مسيحية بينما ترفضها جماعات أخرى رغم ان الرسائل الرعوية الثلاثة كانت ضمن أسفار العهد الجديد القانونية.

إن موثوقية ومصداقية الأناجيل تواجه عدة مشاكل رئيسية لا يمكن إغفالها من الباحثين والمتخصصين في النقد النصي ومقارنات الأديان.

النصوص الأصلية للأناجيل مفقودة وأقدم نص كامل موجود في المخطوطة السينائية والفاتيكانية التي يعود تاريخها الى القرن الرابع والخامس ميلادي. هناك آلاف الإختلافات والتناقضات بين مخطوطات الأناجيل المختلفة التي يصل عددها الى عدة آلاف, بينما يمكن اعتبار بعضها مجرد أخطاء في الكتابة والنسخ بينما البعض الأخر غير موجود أقدم النسخ أو أجزاء من المخطوطات التي وصلت إلينا. مؤلفو الأناجيل مجهولون لم يكونوا شهود عيان على الحوادث التي كتبوا عنها ولم يعاصروا المسيح وكانوا يجهلون جغرافية المنطقة التي ولد وعاش فيها المسيح. الحواريون وتلاميذ المسيح كانوا أشخاصا بسطاء يتكلمون العبرية والآرامية ولم يكونوا على مستوى من التعليم يسمح لهم بأن يؤلفوا كتابات أدبية على ذلك المستوى من الإتقان والنظرة الفلسفية العميقة بينما الأناجيل كتبت باللغة اليونانية القديمة.

إن ما ذكرته في الفقرات السابقة كان بضعة أمثلة قد اكتفيت بها اختصارا ولكن هناك عدة رسائل أخرى وأنا جيل وكتب مثل رسالة الراعي الى هرماس تم تلقيها بالقبول أو الرفض في عصور زمنية مختلفة من تاريخ المسيحية. النقاش حول شخصية وكتاب الأناجيل الحقيقة مازال مستمرا في المؤتمرات والندوات والمناظرات والكتب ولم ولن يتوصل الباحثون الى توافق حولها في القريب العاجل أو حتى الآجل.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Tuesday, May 16, 2023

من قتل المسيح؟

إنجيل متى (٢٤:٢٧) يخبرنا أن بيلاطس البنطي الحاكم المعين من قبل الدولة الرومانية على ولاية اليهودية قد غسل يديه وأعلن للجماهير المتجمعة أمام دار الولاية أنه بريء من دم يسوع فكان جوابهم كما سجله لنا متى (٢٥:٢٧) من نفس الإنجيل فاجاب جميع الشعب بأنَّ دمه علينا وعلى اولادنا.

كانت تلك الكلمات طوال قرون عديدة هي الوقود الذي غذت نار الحقد ضد اليهود وتسببت بأكبر موجة عداء ضد السامية في طول أوروبا وعرضها مما أدى الى مجازر وتطهير عرقي يستهدف كل المخالفين لإيمان الكنيسة الكاثوليكية(العالمي) بشكل عام من مسلمين وبروتستانت وكل الطوائف المسيحية المخالفة ولكن اليهود كانت لهم معاملة خاصة من محاكم التفتيش الكنسية ونصيب وافر من التمييز والاضطهاد باعتبارهم قتلة يسوع له المجد مما أدى الى أكبر موجة نزوح من أوروبا وخصوصا في إسبانيا حيث كانت وجهتهم بلاد المغرب العربي وخصوصا المغرب وتونس حيث استوطنوا الى جانب أحفاد المهاجرين الأصليين لتلك البلاد الذين تركوا إسبانيا لنفس السبب.

وقد استمرت تلك الموجة من العداء للسامية والتي تجذرت في الإيمان المسيحي حتى قامت الكنيسة الكاثوليكية بإعلان براءة اليهود من دم يسوع وذلك في المجمع الفاتيكاني الثاني سنة ١٩٦٥ مستندة في ذلك على نص من العهد القديم في الكتاب المقدس وذلك استنادا الى نص سفر الخروج (٥:٢٠)[ أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضيَّ] و(٧:٢٤)[ ولكنه لن يبرئ ابراء مفتقد اثم الآباء في الأبناء وفي أبناء الأبناء في الجيل الثالث].

ولكن لكي نتحرى الدقة والموضوعية في الإجابة عمن قتل يسوع, يجب علينا البحث عمن يقف خلف عملية الصلب ومن كانت له المصلحة في ذلك؟

في حالة قمنا باتهام اليهود و فرضية صحة ذلك الاتهام استنادا الى الروايات التي قدمها كتبة الأناجيل لحياة يسوع له المجد, محاكمته, صلبه وقيامته, فإنه هل يجوز تعميم تلك التهمة على كل اليهود؟ حيث علينا أن نأخذ في الحسبان عند دراستنا لتلك الجزئية المتعلقة بنصوص سفر الخروج (٥:٢٠) و (٧:٢٤) أنها تتعارض مع نص سفر إرميا (٣٠:٣١) [بل كل واحد يموت بذنبه كل إنسان ياكل الحصرم تضرس اسنانه] ونص سفر حزقيال (٢:١٨) [ما لكم انتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل قائلين الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ضرَِسَت].

وماذا عن دور الدولة الرومانية ممثلة بحاكم اليهودية الروماني بيلاطس البنطي المعروف بشدته وقسوته كما كتب في الإنجيل بحسب القديس لوقا (١:١٣)[ وكان حاضرا في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم]؟ حيث أنه من الصعب تحقيق الأحداث من الناحية التاريخية والموضوعية و بحيادية ونزاهة دون أن نأخذ في حسباننا طبيعة الأسباب التي دفعت مؤلفي الأناجيل الى تدوينها بعد أن أصبح المسيحيون مؤمنين بقيامة يسوع من بين الأموات وأن هذه الجزئية قد دمغت الإيمان المسيحي بل هي نفسها الإيمان كله كما قال بولس الرسول في 1كورنثوس(١٤:١٥)[ وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل ايضا ايمانكم].

من المهم لدقة تحقيق المعلومات المتوافرة تاريخيا ونصوص الأناجيل المتوفرة بين أيدينا أن يقوم الباحثون بدراستها بكل دقة وموضوعية لإزالة اللبس والأفكار الخاطئة التي إنتشرت حول هذا الموضوع لقرون طويلة.

لدينا نصوص تاريخية متوفرة من خارج الكتاب المقدس بخصوص صلب يسوع له المجد وهي إن اختلف عليها وعلى مدى دقتها وصحتها فإنها تبقى مرجعا يمكن الإستفادة منه في رسم مسار تاريخي لعملية صلب يسوع له المجد ومسبباتها ومن المستفيد منها. روايات المؤرخ اليهودي فلافيوس جوزيف(٣٧م-١٠٠م) و المؤرخ الروماني تاسيتوس(٥٥م-١٢٠م) في حوليته التي كتبها سنة ١١٧ ميلادية على وجه التقريب.

سوف نبدأ أولا بالمؤرخ اليهودي فلافيوس جوزيف الذي هناك شكوك قوية حول النص الذي ذكر فيه يسوع والموجود في كتابه آثار اليهود والذي ألفه عن تاريخ اليهود من سفر التكوين حتى حرب اليهود مع الرومان التي بدأت سنة ٦٦م وانتهت سنة ٧٠م بدخول الجيش الروماني الى أورشليم وتهديم الهيكل ومساواة أبنيته بالأرض.هذا النص ليس حاسما فيما يتعلق بعملية الصلب والقيامة للأسباب التالية حيث أنه الكثير من العلماء أجمعوا على أنه غير أصلي وهو إضافة الحقة حيث أنه ليس موجودا ضمن أقدم النسخ لكتاب آثار اليهود, تعصب فلافيوس جوزيف لفريسته بل ومشاركته في الحرب ضد الرومان حتى القبض عليه كما يقال في حصار حصن الماسادا سنة ٧٣م, الجزء الذي أضفت فيه لا يتفق وسياق الكلام, عدم وجود تناسق في صياغة النص المنسوخ عن الترجمة اليونانية التي قام بها فلافيوس جوزيف لكتاب آثار اليهود ووجود خلل بنيوي واضح بين الفصول السابقة أو اللاحقة للفصل الذي جاء فيه ذكر يسوع مما قد يدل على تلاعب بالنص تم على أيدي النساخ المسيحيين.

أما بالنسبة للمؤرخ الروماني تاسيتوس فقد ذكر أن إسم المسيحيين مشتق من المسيح الذي حكم عليه بالموت من قبل الحاكم الروماني لمقاطعة اليهود بيلاطس البنطي وذلك في أيام حكم الإمبراطور الروماني طيباريوس ولم يذكر أي شيء عن قيامته من بين الأموات أو أي شيئ من الحاصل بخصوص تلك الحوادث المذكورة في الإنجيل بحسب القديس متى مثل الزلزال العظيم وتشقق الهيكل وقيامة الأموات من القبور. ومن العلل الأخرى التي تعتري هذا النص وتشكك في مصداقيته هي أن أقدم نسخة تعود للقرن الحادي عشر ولم تعرف على نطاق واسع, أي دخلت المكتبات حتى أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر ميلادية.

على كل حال فإن حادثتي الصلب والقيامة من الممكن الرجوع إليهما بشيئ من التفصيل فقط في الأناجيل الأربعة وليس خارجها. وعند قراءة تلك الأناجيل الأربعة, فأنه علينا أن تكون مدركين للصعوبات الجمة التي اعترت العمل الدعوي و التبشيري الذي كان تلاميذ يسوع وأتباعه الأوائل وتلاميذهم وذلك لتوصيل رسالة يسوع وتعاليمه. كانت رسالتهم في الحقيقة أن إبن اهلو, المسيا الذي وبالرجوع إلى النصوص المتوفرة بين أيدينا(الأناجيل الأربعة) قد ظهر وارتفع جالسا على يمين الله تحقيقا لنبوءة الإنجيل بحسب القديس متى المذكورة في (٢٤:٢٦) وأنه قد أعدم على يد السلطات الرومانية بطريقة كانت مخصصة للعبيد والمجرمين حيث نستطيع القول وببساطة, يعني باللغة العامية أنه كان من أصحاب السوابق. وبناء على ما سبق وذكرته فإنه من المتوقع وجود محاولات لتبرئة السلطات الرومانية الحاكمة من دم يسوع وهذا ماسوف نلاحظه عند قراءتنا للأناجيل ورواياتها بخصوص القبض على يسوع ومحاكمته وصلبه.

ولكن السؤال هو عن أسباب تلك المحاولات لتبرئة السلطات الرومانية من تهمة قتل يسوع وإلصاقها باليهود ومن هو المستفيد؟

الجواب هو موجود في روما والفاتيكان حيث شكل تصاعد نفوذ بابا روما وبداية تحول روما الى مركز ثقل الديانة المسيحية وخصوصا مع بداية تبني سياسات متسامحة من قبل الأباطرة الرومان مما ساعد على إنتشار المسيحية وبالتالي المحاولات المستميتة لإبعاد الدولة الرومانية عن تلك التهمة ومحاولة إلصاقها باليهود.

وبالمقارنة بين الروايات التي تقدمها لنا الأناجيل المختلفة فإننا نجد أن القديس متى قد إتبع القديس مرقس بدرجة كبيرة حيث تتشابه العديد من الروايات بينها ولكن متى أضاف قصة حلم زوجة بيلاطس وأن يسوع رجل صالح (١٩:٢٧)[ واذ كان جالسا على كرسي الولاية ارسلت اليه امرأته قائلة اياك وذلك البار.لاني تألمت اليوم كثيرا في حلم من اجله].

لوقا تفرد بذكر الرواية بخصوص إرسال يسوع الى هيرودس أنتيباس, الحاكم المحلي للجليل لأن يسوع كان من تلك المنطقة والذي أعاد إرساله الى بيلاطس. المثير أن الاثنين اتفقا انه غير مذنب وأنهما لم يجدا فيه علة واحدة. وفي نهاية رواية القديس لوقا لعملية صلب يسوع, فقد أعلن قائد المائة الذين تم توكيلهم بحراسة موقع الصلب أن يسوع بريء(رجل بار) بدلا من تثبيت التهمة عليه بأن زعم أنه إبن الله. وطبعا علينا أن لا ننسى رواية القديس يوحنا في إنجيله الذي انفرد بجزيئات غير مذكورة في باقي الأناجيل منها موقف العسكر الذي كانوا يحرسون موقع الصلب وبعض الأحداث التي جرت هناك.

وهل هكذا كان الرومان يفعلون؟ مجرد التصديق على حكم أصدرته السلطة الدينية اليهودية. من المهم هنا أن نلاحظ الروايات المختلفة. في الإنجيل بحسب القديس متى والقديس مرقس فإنه كانت هناك محاكمة ليلية أمام قيافا, الكتبة والشيوخ حيث كانت هناك تهمتان متزامنتان وجهتا ليسوع المسيح هما التنبؤ ضد المعبد (تم إسقاطها لاحقا لتضارب الأدلة) والإدعاء بأنه المسيح(مسيا) وتم الحكم عليه بالموت على الرغم من أن ادعائه بكونه المسيا لم يلعب دورا أبعد. لقد تمت السخرية منه بوصفه رسولا.

في الإنجيل بحسب القديس لوقا فقد تمت إستجواب يسوع المسيح من قبل المجلس اليهودي في الصباح, ولكن هذا لم يكن محاكمة رسمية وقد يظن البعض أن هذا كان هو السبب الرئيسي في استنكار بيلاطس. وفي الإنجيل بحسب القديس يوحنا, تم إستجواب يسوع المسيح من قبل حنان قبل أن يتم إرساله الى قيافا والذي كان رئيس الكهنة في تلك السنة. قراء الأناجيل يعرفون أن قيافا كانت له غاية في موت المسيح حيث ينسب إليه في يوحنا (٥٠:١١) ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها.

إن موقف الشعب من يسوع المسيح هو أيضا متفاوت بحسب الإنجيل الذي نقرأه. ففي الإنجيل بحسب القديس متى والإنجيل بحسب القديس مرقس فإنهم كانوا معادين له, ومن الواضح تأثرهم بالأرستقراطية المحلية. في الإنجيل بحسب القديس لوقا, الجماهير طالبت بصلبه ولكن قسما كبيرا منهم تبعه الى موقع إعدامه بالنياح. وفي الإنجيل بحسب القديس يوحنا فإن موقف الجماهير من يسوع هو غير واضح.

الأداة المتوفرة لدينا من المصادر معقدة ومثيرة للارتباك. في كل المناسبات, وعلى الرغم من أنه متفق بشكل عام على أن اليهود ليسوا مخولين تنفيذ حكم الإعدام بأنفسهم, ولا هو من الواضح أن التهمة الموجهة ليسوع المسيح تحتمل إصدار مثل هذا الحكم. يسوع المسيح تمت إدانته بموجب القانون الروماني وأن الملاحظة التي تم وضعها على الصليب هي " يسوع الناصري ملك اليهود" تمت صياغتها من وجهة نظر رومانية.

ولكن لماذا صلب يسوع المسيح؟

على الأرجح, يبدو من الواضح أن قدومه من الريف إلى القدس جعله يشعر بالكراهية تجاه طبقة النبلاء(الأرستقراطية) التي كانت عن معنية عن كثب بإدارة شؤون المعبد, بالإضافة الى السلطات الرومانية. وقد تكلم متنبأ ضد المعيد وقام بعمل بسيط ورمزي كناية عن تطهير المعبد, بالإضافة الى تكلم به عن المملكة والذي قد يكون تم فهمه كنوع من التحدي السياسي. كان هناك عدد من الأنبياء من المعاصرين للزمن الذي عاش فيه يسوع المسيح والذين نجحوا في كسب أتباع وكانت نهايتهم دموية. من هؤلاء يهوذا الجليلي 6ب.م, نبي من السامرة ٣٦ب.م بالإضافة الى شخص يدعى ثوداس 44-46 ب.م. يهوذا و ثوداس مذكوران في سفر أعمال الرسل (٥: ٣٦-٣٧). ويبدو أن يسوع المسيح قد لاقى حتفه بنفس الطريقة.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, May 14, 2023

بارت إيرمان وتاريخ المسيحية, عرض ونقد

بارت إيرمان أستاذ الدراسات الدينية في جامعة كارولاينا الشمالية-تشابيل هيل وهو غني عن التعريف في مجال مقارنات الأديان ولديه أكثر من عشرين كتاب في ذلك المجال لعل أهمها "Jesus Interrupted" و "Misquoting Jesus" وكتب أخرى بعضها أكاديمي يتم تدريسه في أقسام الدراسات الدينية في الجامعات الأمريكية.

هناك الكثير من التساؤلات التي يطرحها بارت إيرمان في كتبه حول العهد الجديد خصوصا الأناجيل وتاريخ المسيحية.أحد تلك الأسئلة هو من هم المؤلفون الحقيقيون للأناجيل؟ أو هل هناك رسائل منحولة تنسب الى بولس الرسول أو الى رسل آخرين أو تلاميذ المسيح؟ هل من الاحتمال ان هناك اختلافات في الأناجيل لا يمكن التوفيق بينها أو تناقضات لايمكن تفسيرها؟

من دحرج الحجر؟ يمثل أحد الإختلافات بين الأناجيل التي يصعب التوفيق بينها. إنجيل متى(٢٨: ١-٤) يروي لنا أنَّ ملاكا منظره كالبرق ولباسه أبيض مثل الثلج هو من دحرج الحجر وأنَّ الشهود على تلك الحادثة هم مريم المجدلية ومريم(الأخرى). بينما في إنجيل مرقس(١٦: ١-٨) الشهود هم مريم المجدلية, مريم أم يعقوب وسالومة هم الشهود ولم يذكر من دحرج الحجر ولكن عندما دخلت النسوة الثلاثة الى القبر فقد شاهدن شاباً جالسا على اليمين يرتدي حلة بيضاء. إنجيل لوقا(٥٥:٢٣, ٤:٢٤) ذكر أنَّ نساءً كنَّ قد أتين معه من الجليل هم الشهود على الحادثة وأنَّ الحجر كان قد دحرج وأن رجلين بثياب براقة ظهرا للنسوة. بينما إنجيل يوحنا(١:٢٠) أن مريم المجدلية هي أول من زارة القبر وأنها وجد الحجر قد تمت دحرجته ولم يذكر هوية من دحرج الحجر.

من دحرج الحجر؟ ومن هم الشهود على تلك الحادثة؟

إنَّ التناقضات كما ذكر الدكتور بارت إيرمان في كتاب "Jesus Interrupted" يمكن العثور عليها حتى داخل الأناجيل نفسها. على سبيل المثال فإن معجزة تحويل الماء الى خمر (يوحنا: ١٢-٢) هي أول معجزات المسيح ولكنه في (يوحنا ٢٣:٢) قد صنع عدة معجزات في أورشليم. بينما في يوحنا(٤: ٤٦-٥٤) قد شفى إبن خادم الملك الذي كان مريضا. ويتساءل الدكتور ايرمان ساخرا:" Huh? One sign, many signs, and then the second sign?"

إن ما قام به المسيح حين قلب طاولات الصيارفة وطرد باعة الحمام من الهيكل والتي ورد ذكرها في إنجيل مرقس(١١) خلال الأسبوع الذي يسبق الوفاة, و إنجيل يوحنا(٢) في بداية رحلته التبشيرية التي استمرت ثلاث سنين, تمثل تناقضا غير مباشر(إختلاف) ولكنه يبقى دون تفسير معقول يجعل من التوفيق بين الروايتين أمرا ممكنا.

ولكن بارت إيرمان يذكر اختلاف آخر بين إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا لا يمكن التوفيق بينهما وهي وفاة المسيح على الصليب. المسيح صلب وتوفي في إنجيل يوحنا(١٤:١٩) خلال اليوم الذي يتم الإستعداد فيه من أجل عشاء الفصح, بينما في إنجيل مرقس(١٤), صلب المسيح صباح يوم عيد الفصح وليس في اليوم الذي يسبِقه. والسؤال الذي يطرح نفسه هو, هل تناول المسيح عشاء الفصح مع تلاميذه(مرقس ١٤) أم لم يتناول(يوحنا ١٩)؟

هناك إختلاف في رواية ميلاد المسيح كما ذُكِرَ في إنجيل متى وإنجيل لوقا وهي اختلافات لا يمكن التوفيق بينها بأي حال من الأحوال خصوصا في الجانب التاريخي.

إنجيل متى (١٧:١)" فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً" المشكلة هي من نص إنجيل متى نفسه لأن عدد الأجيال من سبي بابل الى المسيح هو ثلاثة عشر جيلا وليس أربعة عشر.

إنجيل متى وهو كما يصف المؤرخون هوية مؤلفه اليهودية يسعى الى إثبات نسب المسيح الى داود تحقيقا للنبوءة التوراتية أن المسيح مخلص بني إسرائيل يكون من نسل داود ابن سليمان. بينما يجعل لوقا(٣: ٢٣-٣٣) نسب المسيح الى آدم وليس داوود ربما تأكيدا على رسالته العالمية وأنها لا تقتصر على اليهود.

إن الإحصاء المسكوني الذي ورد على ذكره لوقا(٢: ١-٧) ولكن ليس هناك مصدر تاريخي مستقل ومحايد يؤكد ذلك. كما أن السجلات الرومانية خلال فترة حكم الإمبراطور أوغسطس قيصر لا تحتوي على أي إشارة الى إحصاء مسكوني(عالمي) على الرغم من أن هناك عددا لا بأس به من الوثائق التي تعود الى تلك الحقبة التاريخية قد تم العثور عليه. هناك خطأ تاريخي آخر تحدث عنه بارت إيرمان وهو أن ولادة يسوع كما ذكر لوقا كانت في فترة حكم اليهودية الملك هيرودس بينما كان كِيرِينِيُوس هو والي سوريا. ولكن كِيرِينِيُوس حكم سوريا(٦ ب.م) بعد عشرة سنين على وفاة هيرودس.

هناك الكثير من التفاصيل التي لم أذكرها وتركتها للقارئ حتى يتوسع فيها ويزيد من معرفته في مجال مقارنات الأديان. ولكن خلاصة القول أن الأناجيل تحتوي على الكثير من التناقضات الغير قابلة للتوفيق فيما بينها وحتى أن بعض الأناجيل تحتوي على تناقضات ومعلومات مغلوطة داخل صفحات الإنجيل نفسه.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Thursday, May 4, 2023

هل كان المسيح يؤمن بأنه هو الإله؟

هناك حالة جدلية مستمرة الى يومنا هذا بخصوص تلك النقطة المهمة والحساسة في تاريخ المسيحية وهي ألوهية المسيح, هل كان المسيح يعتقد بأنه الإله أو الرب؟ وماهي الأسباب التي أدَّت الى تطور عقيدة الإيمان بالمسيح(كريستولوجي) من شخص كان يعمل نجاراً الى يسوع المسيح ومن ثم الإله(الرب)؟ إن النقاش حول هذه المسألة في التاريخ المسيحي قد أدى الى عقد مجمعات كنسية وانشقاقات في الكنيسة الكاثوليكية(القويمة) ومذابح دموية وحروب راح ضحيتها ملايين من الأبرياء.

الإجابة على ذلك السؤال هي أن المسيح لم يدعو نفسه بلقب الألوهية في العهد الجديد من الكتاب المقدس باستثناء إنجيل القديس يوحنا الذي يختلف عن باقي الأناجيل الثلاثة(الإزائية) حيث ذكر مجموعة من القصص التي لم يرد ذكرها في الأناجيل الثلاثة الأخرى منها قصة تحويل الماء الى خمر والمرأة الزانية.

إنَّ الحصول على إجابة ذلك السؤال ليست عملية بسيطة من الناحية التاريخية لأننا في حاجة الى مصادر يمكن أن نتبعها الى الفترة الزمنية التي عاش فيها يسوع المسيح. أما بالنسبة الى الاناجيل و روايات العهد الجديد الأخرى فهي تنتمي الى التراث المسيحي الذي تم تناقله شفويا وليس هناك أي سجل مكتوب للأناجيل حتى سنة ١٨٠م بعد وفاة المسيح وأقدم نسخة كاملة من العهد الجديد كانت ضمن المخطوطة السينائية والفاتيكانية حيث يعود تاريخ المخطوطتين الى القرن الرابع والخامس ميلادي.

إنَّ رسائل بولس الرسول في العهد الجديد من الكتاب المقدس هي أقدم مصدر مكتوب عن التراث المسيحي حيث يعود تاريخ كتابتها الى ثلاثين سنة بعد وفاة يسوع المسيح على الصليب. وقد يكون هناك رسائل أو كتابات أخرى أقدم من ذلك ولكن لم يصل الينا منها شيئ يذكر, على الأقل حتى وقتنا الحالي. رسائل بولس لا تعطينا الكثير من التفاصيل عن حياة يسوع المسيح ورحلاته و نشاطه التبشيري ودعوته الى ملكوت الرب ومملكة السماء ولا تذكر أنه المسيح كان يؤمن بأنه هو الإله. كما أن بولس لم يشاهد يسوع المسيح لكنه عاصر التلاميذ الحواريين الإثني عشر وكان بينه وبينهم خلافات حادة موضوعها مسائل مثل الختان وهل دخول الجنة يكون بالإيمان أو العمل أم بكليهما وليس سبب الخلاف كان النقاش حول الألوهية.

المصدر الأخر الذي يمكن الإستعانة به هو الأناجيل الأربعة وهي أفضل مصدر تاريخي يمكن أن نحصل عليه لأنه الأقدم الذي تحدث عن حياة يسوع المسيح وتفاصيل دعوته التبشيرية ومعجزاته. ولكن على الرغم من ذلك, هناك عدة مشكلات تتعلق بالأناجيل تعترض طريقنا. 

المشكلة الأولى هي أنَّ مؤلفي الأناجيل ليسوا شهود عيان على الأحداث لأنهم جميعهم تركوا المسيح وهربوا عند القبض عليه في بستان جثسيماني (متى ٥٦:٢٦) و (مرقس ٥٠:١٤) وكانوا خائفين ومختبئين في العِليَّة بعد هروبهم من البستان ولم يشهدوا على واقعة الصلب(يوحنا ١٩:٢٠). تلاميذ المسيح كانوا أميين أو بالكاد يعرفون القرائة والكتابة باللغة الآرامية و مؤلفي الأناجيل هم أشخاص من المتعلمين ولديهم معرفة باللغة والآداب اليونانية.

المشكلة الثانية ان تاريخ كتابة الأناجيل يعود الى عدة عقود بعد وفاة يسوع المسيح. إنجيل مرقس كتب سنة (٦٥ ب.م - ٧٠ ب.م), متى و لوقا (٨٠ ب.م - ٨٥ ب.م), يوحنا (٩٠ ب.م - ٩٥ ب.م) وتلك فترة زمنية طويلة قد تؤثر على المصداقية وعلى سلامة النص المكتوب. ولكن هناك آراء أخرى ترى من وجهة نظرها أن إنجيل متى هو أقدم الأناجيل وتلك آراء من أشخاص خبراء في اللغة العبرية واليونانية القديمة ولهم وزنهم العلمي والبحثي.

المؤلفون المفترضين للأناجيل لم يكونوا شهود عيان على الوقائع التي كتبوا عنها, يتحدثون اللغة اليونانية وليس الآرامية الشائعة في فلسطين حيث ينتشر الجهل والأمِّيَة وبالتالي من أين حصلوا على الأخبار والحوادث التي كتبوا عنها؟

إن الإجابة على السؤال عنوان الموضوع في هذه الفقرة وهو أنَّ تلاميذ المسيح كانوا يبشرون وينشرون الأخبار عنه من خلال رواية القصص والحكايات عن حياته ومعجزاته وعلى وجه الخصوص قيامة المسيح من الموت وهي مركزية وفي غاية الأهمية في العقيدة المسيحية وأهم معجزة من معجزات يسوع المسيح. ولو أننا أخذنا في إعتبارنا الظروف التاريخية والدينية العامة في فلسطين وفي البلدان التي بشَّر فيها التلاميذ وتلاميذهم حيث كانت الأخبار عن أنبياء أخرين ومعجزاتهم منتشرة, فقد برزت الحاجة الى الإيمان بالمسيح الإله وقيامته من الأموات وأنَّ من يؤمن بذلك سوف ينال الحياة الأبدية ويدخل ملكوت المسيح ومملكة السماء. وقد كان ذلك كما ذكرت من أنَّ يسوع المسيح لم يدعي الألوهية إلا في إنجيل يوحنا وليس في الأناجيل الإزائية الثلاثة أو رسائل بولس.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Sunday, October 30, 2022

المرابون الدوليون وعبادة المال, قراءة تاريخية

المرابون الدوليون هو مصطلح يطلق على المصرفيين الذين يقترضون الأموال الى الأفراد والدول وذلك مقابل نسبة فائدة يتفق عليها. إن البشرية كانت منذ بداية الخليقة أمام خيارين, إما عبادة الله او عبادة المال حيث لا يمكن الجمع بين الأمرين. الإنجيل كان واضحا في تلك المسألة حيث أخبر يسوع المسيح تلاميذه في إحدى عظاته أن دخول الجمل في ثقب إبرة أسهل من دخول شخص ثري الى ملكوت الله[١]. كما أنه طالب تلاميذه وأتباعه بأن يتخلوا عن كنوزهم الأرضية(ثرواتهم) ويشتروا كنزا في السماء[٢].

الأديان جميعها حرَّمت الفائدة بما فيها اليهودية ولكن هناك التباس في أنَّ اليهودية لا تحرِّم على اليهودي إقراض شخص مقابل الفائدة لو كان غير يهودي أو من الأمم الخرى(الأغيار) و مصدر الالتباس هو نصوص وردت في سفرالتثنية[٣]. إن يسوع المسيح لم يؤسِّس أي ديانة مسيحية ولم يترك أي تعليمات الى أتباعه بتأسيس تلك الديانة. يسوع المسيح ولد وعاش ومات يهوديا كما ورد ذلك في نصوص الإنجيل. وقد كان غاضبا من ممارسات المرابين وجشع التجار حيث دخل عليهم في الهيكل وقلب طاولاتهم ووصفهم بأنهم لصوص[٤]. 

ولكن الذي سيطر على كتابة التاريخ في مرحلة لاحقة هو المرابون وأتباعهم ممن إختاروا منذ قديم الأزل عبادة المال و صنعوا العجل الذهبي وعبدوه من دون الله.اليهودية التلمودية هي التي كتبت التاريخ اليهودي  من خلال العهد القديم من الكتاب المقدس الذي قام بتأليفه وتجميع نصوصه الكاهن عزرا العائد مع مجموعة من اليهود من السبي البابلي. وهناك في المنفى كان اليهود يمارسون العمل المصرفي, الإقراض مقابل الفائدة, بسبب منعهم من ممارسة الأعمال الأخرى. 

اليهودية التلمودية نجحت في اختراق الكنيسة الكاثوليكية[٥] خلال القرن الحادي عشر حيث كان أولئك المرابون هم المحرضون على الحملات الصليبية التي باركتها كنيسة روما حيث سحر الشرق وكنوزه التي عادت بها تلك الحملات. وقد وصف بعض المؤرخين أن غنائم الحملات الصليبية من الذهب والفضة هي عملية التراكم الأولي في الرأسمالية وأنها قد فاقت ماتم نهبه من كنوز أمريكا اللاتينية التي حطَّ كريستوفر كولومبوس رحاله على شواطئها سنة ١٤٩٢م.

إنَّ عملية التراكم الأولي من ثروات الشرق والتي كانت السبب الرئيسي في الحملات الصليبية هي المرحلة الأولى في تأسيس النظام الرأسمالي عدة قرون قبل من أن يضع مبادئه عالم الإقتصاد الإسكتلندي آدم سميث في كتابه "ثروة الأمم," ومن ثم تم تأسيس المصارف الكاثوليكية في فلورنسا, جنوه والبندقية وهي تعتبر نواة البنوك المركزية المعاصرة.

المرحلة الثانية كانت من خلال إعطاء شرعية دينية للثروة و مراكمة رأس المال والذي قامت به الحركة الإصلاحية المسيحية أو حركة الانشقاق الكنسي التي قام بها مارتن لوثر في القرن السادس عشر. الكاهن كالفن وهو أحد أتباع مارتن لوثر اعتبر أن المسيحي المخلص إنما يخدم الله من خلال جمع الثروة وأنها ذلك هو الحالة الطبيعية على الرغم من تعارض ذلك مع نصوص الكتاب المقدس وأقوال يسوع المسيح كما ذكرت في فقرة سابقة.وفي ذلك الإطار تم تشريع الفائدة دينيا من خلالها اعتبارها وسيلة من وسائل الربح وجمع الثروة.

المرحلة الثالثة كانت ضرورية من أجل السيطرة على الوعي البشري من خلال إقناعه بأنَّ الرأسمالية هي الحالة الطبيعية للبشرية وأنَّ مبادئها الأساسية موجودة منذ بداية الخليقة وأنَّ هدف البشر كان دائما تبادل السلع مقابل تحقيق الربح. وخلال هذه المرحلة برز عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث الذي قام بتأليف كتاب "ثروة الأمم" والذي شرح من خلاله مبادئ الرأسمالية الأساسية مثل "اليد الخفية" و "دعه يعمل, دعه, يمر" وأفكار أخرى مثل عدم التدخل الحكومي في السوق وحركة التجارة وأن النظام الرأسمالي قادرٌ دائما على البقاء في حالة توازن. 

المرحلة الرابعة هي المرحلة النهائية والتي نعيش أحداثها في عصرنا الحالي حيث تقوم البنوك التي تعتبر أنها أكبر من أن تفشل بالمضاربة في أسواق العملات والبورصات وتنقذها الحكومة من عواقب حماقاتها من أموال المودعين ودافعي الضرائب. البنوك المركزية تسارع الى إنقاذ النظام المصرفي وذلك هو دورها, مقرض الملاذ الأخير.

إنَّ بريطانيا لعبت دورا رئيسيا في تأسيس نظام المضاربات والرأسمالية المصرفية وذلك بسبب موقعها وقوتها البحرية التي سمحت لها بأن تحكم مايزيد عن ربع سكان العالم خلال تلك الفترة مما منحها لقب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس والجنيه الإسترليني أصبح عملة الإحتياط العالمية. السوق العالمية الذي كانت بريطانيا تحكم يقدر عدد سكانه ٢٥٠ مليون شخص ومصدر لا ينضب للمواد الخام الرخيصة الثمن. إنَّ تلك المجموعة من العوامل قد أدَّت الى أن تكون بريطانيا منطلقا للثورة الصناعية مما سمح للرأسمال المالي بالتواجد جنبا الى جنب مع الرأسمال الصناعي وصولا الى المرحلة التي همَّشت الأخير وأصبحت رأسمالية المضاربات والمصارف هي المهيمنة على المشهد.

إن نظام الفائدة الذي عمل المرابون الدوليون على تأسيسه منذ عدة قرون يعتبر حاليا هو السبب في وجود الرأسمالية والنظام الرأسمالي حيث لايمكن لذلك النظام الإستمرار لأنه لايمكن له طباعة العملات بدون الإئتمان أو بدون ديون حتى يكون التعبير أكثر دقَّة, طباعة عملات جديدة = ديون جديدة.

هوامش:

[١] لوقا ٢٥:١٨

[٢] متى ٢١:١٩

[٣] تثنية ١٩:٢٣

[٤] متى ١٣:٢١

[٥] البابا غريغوري السابع

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

رابط الموضوع على مدونة علوم وثقافة ومعرفة

الرجاء التكرم الضغط على رابط الموضوع بعد الإنتهاء من قرائته لتسجيل زيارة للمدونة

النهاية


Sunday, December 15, 2019

لغز إنجيل القديس مرقس السرِّي

لم يترك يسوع تعاليم مكتوبة عن مولده, حياته التبشيرية أو هروب العائلة إلى مصر والفترة الزمنية التي عاشها هناك. وقد تلقت المجموعات المسيحية الأولى تعاليم يسوع المسيح ووصاياه من خلال الرسل الاثني عشر وتلاميذهم. حتى بولس الذي كتب رسائله قبل سنوات عديدة من كتابة الأناجيل، لم يخبرنا الكثير عن المسيح. في الواقع ، لم يقابل أو يلتقي بولس بالمسيح ، لكنه تعرَّضَ الى حادثة, فقدان مؤقت للبصر ورؤيا يسوع المسيح وذلك في طريقه من القدس إلى دمشق من أجل تنفيذ مهمة إعتقال بعض أتباع يسوع المسيح الأوائل بتهمة مخالفة التعاليم اليهودية حيث لم تكن المسيحية ديانة رسمية معترف بها.
هناك إجماع اليوم بين الباحثين في كتاب العهد الجديد على أن إنجيل مرقس هو الأقدم بين الأناجيل وأنه قد تم كتابته سنة 70 م ، أي بعد حوالي أربعين عامًا من وفاة يسوع ، يليها إنجيل متى ولوقا بين 80-100 م ، وأخيراً إنجيل يوحنا ، الذي كتب بين 100-110 م. ومع ذلك ، فقد خالف إينوك باول في كتابه "تطور الإنجيل" ذلك الإجماع وتناقض مع تلك الآراء المهيمنة على التيار المسيحي الرئيسي برأي مختلف مفاده أن إنجيل القديس متى، وليس مرقس ، هو الأقدم بين الأناجيل القانونية الأربعة.
أوجدت هذه الأصالة التي يتمتع بها إنجيل مرقس باعتباره الأقدم بين الأناجيل الأربعة ، ميلًا بين العديد من الباحثين إلى تبنيه مصدرا أكثر موثوقية ، أقرب إلى الواقع عندما تختلف روايات الأناجيل فيما بينها. مشكلة رواية إنجيل مرقس التي تعترف بها  الكنائس المختلفة وحتى طبعات الكتاب المقدس هي فقرات تم إضافتها الى نهاية الإنجيل (مرقس 8-16) في فترة لاحقة ، وهي غير موجودة في أقدم مخطوطات الكتاب المقدس مثل المخطوطة السينائية و المخطوطة الفاتيكانية. علاوة على ذلك ، ذكرت رسالة كتبها كليمنت الإسكندرية ، أحد آباء الكنيسة الأوائل ، موجهة إلى ثيودور فلسطين أن هناك نسخة سرية من إنجيل مرقس.
هناك فقرتين رئيسيتين مذكورتين في الإنجيل السري وليس في إنجيل مرقس المتداول حيث ذكر كليمنت ذلك في رسالته: الأولى كانت فقرة أضيفت في الفصل 10 ، الفقرات 34-35 ، والثانية أضيفت في الفصل 10 ، الفقرة 46. موضوع الفقرة 34-35 هو قيام يسوع المسيح بإحياء لعازر من قبره والتي ذكرت حصريا في إنجيل القديس يوحنا وفقدت من الأناجيل القانونية الأخرى. في حين أن الفقرة الثانية عبارة عن إضافة الى الإصحاح 10:46 بعد قدوم المسيح الى مدينة أريحا حيث رفض استقبال النساء اللواتي قُمن بهن للترحيب به ، أخت التلميذ الذي أحب يسوع ، والدة يسوع المسيح ، وسالومة. لكن شخصية سالومة ليست غريبة على الكتاب المقدس حيث أنها مذكورة  في مرقس (15:40) ولوقا (16:1). وبالمثل ، فإن حادثة عدم استقبال المسيح والدته وأشقائه مذكورة في أكثر من نص في الأناجيل ، حتى في إنجيل مرقس هذا في أيدينا ، مع اختلاف في بعض التفاصيل ، مرقس(3: 31-35) ، متى(12: 46-50) ولوقا(8: 19-21).  
ولكن لماذا كانت رواية إنجيل القديس يوحنا حول قيام المسيح بإحياء لعازر من الموت متفردة بين الأناجيل الأخرى التي تجاهلت تلك الحادثة المهمة؟ ربما يكون الدافع لإخفاء القصة من إنجيل القديس مرقس هو نفسه الذي جعل كاتب إنجيل القديس يوحنا يذكرها مع تعديل في التفاصيل، مع ملاحظة أن القصة لم يرد ذكرها في إنجيل القديس متى ولوقا مع الأخذ في الإعتبار أن إنجيل القديس مرقس كان مصدرًا رئيسيًا للروايات التي ذكرت في إنجيلي متى ولوقا على الرغم من أن إنجيل القديس يوحنا يختلف في المحتوى اختلافا جذريا في رواياته عن إنجيل القديس مرقس. يمكن تلخيص هذه الاختلافات على النحو التالي: أولاً ، لا يذكر إنجيل مرقس السري اسم الصبي الذي أحياه يسوع المسيح من الموت بينما يوحنا يذكر اسمه أنه لعازر. ثانياً ، يتحدث إنجيل مرقس السري عن أخت واحدة لم يذكرها بينما ذكر يوحنا شقيقتين هما: مارثا ومريم. ثالثًا ، في إنجيل مرقس السري ، يُطلق على يسوع المسيح اسم "ابن داود" بينما تنادي الشقيقتان في إنجيل يوحنا يسوع المسيح "السيِّد - Lord". رابعا ، في إنجيل مرقس السري, يقوم يسوع المسيح بتحريك الحجر الذي كان يغطي مدخل القبر بنفسه بينما في إنجيل يوحنا يطلب من الناس في المكان أن يفعلوا ذلك. خامساً ، اقتراب المسيح من القبر في إنجيل مرقس السري معجزة ، حيث صرخ بصوت مرتفع مناديا لعازر ، ويمد المسيح يده إليه ويخرجه ، بينما في إنجيل يوحنا ، يكتفي بالنداء عليه حيث يخرج لعازر من قبره مربوطا بالأقماط ووجهه ملفوف بمنديل. وعلى الرغم من الاختلاف في بعض التفاصيل التي كانت نتيجة لمحاولة كاتب إنجيل يوحنا سرد تلك الحادثة بطريقة تجعلها بعيدًة عن التفسير الخاطئ للطوائف الغنوصية البدائية ، هناك نقاط مشتركة بين رواية إنجيل مرقس السرِّي وإنجيل القديس يوحنا وهي أن موقع الحادث هو قرية بيت عنيا,  هناك امرأة مات شقيقها وطلبت من يسوع إحيائه وأن هناك شخصًا مات ، لكنه خرج من القبر.
حذف إنجيل القديس مرقس السري قصة إحياء يسوع المسيح لعازر شقيق مارثا ومريم وذلك حتى لا يساء استخدامها من قبل بعض الطوائف المسيحية المهرطقة، كما ذكر كليمنت في رسالته إلى القس ثيودور ردا على سؤال الأخير حول بعض التعاليم التي انتشرت في المنطقة وتعزى إلى التقاليد المذكورة في إنجيل القديس مرقس. لكن سر إنجيل القديس مرقس ليس هو اللغز الوحيد في الأناجيل الذي يثير العديد من الأسئلة ، ولكن هناك العديد من الألغاز التي سأتحدث عنها في الموضوعات القادمة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Friday, January 11, 2019

الأناجيل, سؤال وجواب

س: ما هي اسماء الأناجيل الاربعة  في العهد الجديد من الكتاب المقدس؟
ج: الإنجيل هي كلمة تعني البشارة حيث يحتوي العهد الجديد من الكتاب المقدس على اربعة بشارات تنسب لاربعة اشخاص, اثنان منهم, القديس متى والقديس يوحنا من المفترض أنهم من حواري يسوع المسيح. بينما مرقس كان مرافقا لبطرس الحواري ولوقا كان مرافقا لبولس الرسول. الأناجيل الثلاثة الأولى وهي متى, مرقس, لوقا يطلق عليها الإزائية بسبب تعدد الروايات المشتركة بين الأناجيل الثلاثة حول حياة يسوع المسيح و رحلته التبشيرية حتى صلبه وقيامته. بينما يبقى إنجيل القديس يوحنا منفردا في أسلوبه وروايته للأحداث.
س: وهل يحتوي العهد الجديد على كتب أخرى أو رسائل بأسماء مؤلفي الأناجيل الأربعة؟
ج: نعم. العهد الجديد يحتوي على سفر أعمال الرسل الذي ينسب إلى لوقا مؤلف أحد الأناجيل الأربعة. وكذلك يحتوي على ثلاثة رسائل للقديس يوحنا وكتاب يحمل اسم رؤيا(Revelation) او كما يحلو للبعض تسميته برؤية يوحنا.
س: ماهي اللغة التي كتبت بواسطتها الأناجيل الأربعة؟
إن اللغة التي وصلت الينا بواسطتها الأناجيل الأربعة هي اليونانية القديمة. ولكن هناك بعض الآراء حول إنجيل القديس متى الذي له أصل عبري مفقود وذلك بالرجوع الى كتاب يوسابيوس القيصري(تاريخ الكنيسة) نقلا عن إيريناوس أحد آباء الكنيسة الأقدمين. أما باقي الأناجيل فهي قد تحتوي على بقايا أثار لنصوص ربما ترجح أنها نسختها الأصلية ربما تكون مكتوبة بالأرامية وهي اللغة الأصلية ليسوع المسيح وحواريه وهي لغة قريبة في قواعدها من اللغة العبرية. إن أحد أهم بقايا النصوص الآرامية نجدها على وجه الخصوص في إنجيل القديس يوحنا(٣: ١-٧),(٢٠:١٦).
س: هل من الممكن تحديد تاريخ دقيق لكتابة الأناجيل الأربعة؟
ج: لا يمكن ذلك. الأناجيل الاربعة لم تعرف بأسماء مؤلفيها قبل سنة ١٤٠م كما ذكر إيريناوس أحد آباء الكنيسة. يسوع المسيح في حياته لم يأمر بكتابة سيرته ومعجزاته ورحلته التبشيرية ولا الحواريون قد قاموا بالكتابة. هناك سبب رئيسي لعدم القيام بذلك وهو أن يسوع المسيح قد وعد حوارييه في (متى ٢٤:٣٤, مرقس١٣:٣٠, ولوقا ٢١:٣٢) بأنه لن يمضي هذا الجيل كله حتى يكون الأمر كله. ولذلك لم تكن هناك حاجة للكتابة والتدوين حتى مرور جيل كامل لم تتحقق النبوئة خلاله واتسعت رقعة المسيحية وبدأ التبشير بين الأمم من غير اليهود فبرزت الحاجة لكتابة الأناجيل حتى تكون سجلا لحياة يسوع وأعماله وتستخدم في تبليغ البشارة. إختلف المؤرخون في تحديد تاريخ دقيق أو حتى تقريبي لكتابة الأناجيل. إنجيل القديس متى كتب سنة ٤٢-٤٥م ويقال أنه كتب خلال الفترة ٦٥-٧٠. إنجيل القديس مرقس كتب خلال الفترة التي أعقبت تدمير الهيكل على يد القوات الرومانية سنة ٧٠م, أي في الفترة ٧٠-٨٥م. إنجيل القديس لوقا كتب سنة ٨٠-٩٠م وتلك فترة تقريبية و انجيل القديس يوحنا كتبت في الفترة ٨٠-٩٠م او ١٠٠-١٢٥م.
س: ما هو الدافع لقبول الأناجيل الأربعة ضمن قائمة الكتب المعترف بها من قبل الكنائس المختلفة؟
ج: إن قائمة الأسفار القانونية التي احتوى عليها العهد الجديد وضمت الأناجيل الأربعة كانت ردة فعل من قبل الكنيسة على ظهور بدعة مارسيون الذي لم يكن يعترف إلا بإنجيل القديس لوقا ورسائل بولس باستثناء الرسائل الرعوية الثلاثة(الرسالة الأولى و الثانية الى تيموثاوس, الرسالة الى تيطس) مما أجبر الكنيسة على اتخاذ عدة اجرائات للحد من انتشار المارسيونية بوصفها بدعة وهرطقة فمان خروج مايعرف بقانون الإنجيل الى حيز الوجود.
س: هل هناك أناجيل اخرى ظهرت ولم تعترف بها الكنيسة ورفضت ضمها لقائمة الأسفار القانونية؟
ج: نعم. كتاب سفر الراعي لهرماس أحد آباء الكنيسة الأولين والذين ذكرهم بولس في ختام رسالته الى رومية(١٦:١٤) كان من الكتب المعترف بها ولكن لم يتم ضمه الى قائمة الأسفار القانونية وفقد مكانته تدريجيا. وكان هناك اناجيل الحق, توما وفيليبس تم اعتبارها على أنها منحولة لأنها لا تحوي غير أقوال يسوع المسيح التي تكررت في الأناجيل القانونية ولا تروي حكاية حياته ورحلته التبشيرية. وقد رفضت أناجيل اخرى مثل انجيل الطفولة ومريم ويعقوب لاحتوائها على مبالغات تجعلها أقرب إلى الحكايات والروايات الشعبية منها إلى رواية سيرة حياة وافعال يسوع المسيح. ولعل أشهر الأناجيل المنحولة هو إنجيل القديس برنابا الذي يقال انه من تأليف راهب عاش في القرن الخامس عشر قام بكتابة ذلك الإنجيل بعد تحوله للإسلام.
س: هل يعتبر إنجيل القديس متى اقدم الاناجيل كتابة أم أن ترتيبه في مقدمة كتب العهد الجديد مجرد مصادفة غير مقصودة؟
ج: اختلفت الآراء حول تلك المسألة. البروفيسور بارت ايرمان من كلية الدراسات الدينية في جامعة كارولينا الشمالية واغلبية العلماء المختصين بدراسة مخطوطات العهد الجديد يعتبرون ان انجيل القديس مرقس هو الاقدم من بين الأناجيل أن تاريخ كتابته هو ٦٥-٧٠م ويليه انجيل القديس متى في الأقدمية ٨٠-٨٥م. ولكن سنة ١٩٩٤,صدر كتاب عن دار نشر جامعة يال الأمريكية بعنوان "تطور الإنجيل-The Evolution of the Gospel" لمؤلفه اينوك بول والذي كان يشغل منصب بروفيسور مختص باللغة اليونانية القديمة في جامعة سيدني الأسترالية بعمر ٢٥ عاما. مؤلف الكتاب ذكر أن هناك متنا سابقا لإنجيل القديس متى تم إخفائه ويعود لسنة ٧٠م وان النص الحالي الذي وصل إلينا بفضل مجموعة من المخطوطات المكتوبة باللغة اليونانية يعود لسنة ١٠٠م تقريبا. كما وأنه بعد تحليل نصوص إنجيل متى بعد ترجمته من اليونانية الى الإنجليزية ومقارنته مع الاناجيل الازائية الاخرى, فقد توصل الى استنتاج ان انجيل القديس متى هو اقدم الاناجيل الاربعة وليس إنجيل القديس مرقس. وفي الحقيقة, هناك أمران يرجحان رأي الدكتور اينوك. الأمر الأول قد يكون ثانويا وهو أن ترتيب انجيل القديس متى هو الأول في الترتيب بين كتاب العهد الجديد يلي أناجيل مرقس,لوقا ويوحنا على التوالي. والأمر الثاني في الحقيقة مهم وهو أنه من المفترض أن القديس متى هو احد الحواريين الأحد عشر المختارين وكان مرافقا ليسوع المسيح في رحلته التبشيرية لا يعقل أن يكتب انجيلا عن حياة المسيح منقولا ٨٠-٩٠% منه من القديس مرقس الذي لم يكن من الحواريين وليس بشاهد عيان على اي من الاحداث التي وقعت منذ بداية حياة يسوع المسيح التبشيرية وحتى صلبه المزعوم وقيامته.
س: ماهو تأثير المجامع الكنسية المسكونية على قانونية الاناجيل الاربعة؟
ج: في الحقيقة, مجمع نيقية الذي عقد سنة ٣٢٥م قام بتثبيت الأناجيل الاربعة بموجب الاعتراف الرسمي الذي منح من الامبراطور الروماني قسطنطين للمسيحية على أنها أحد الأديان المعترف بها في الامبراطورية الرومانية حيث تم اعتماد قائمة الأسفار القانونية للعهد الجديد التي بين أيدينا اليوم ويبلغ عددها ٢٧ كتابا وسفرا. الكتابات التي وصفت بأنها مهرطقة او تحوي تعاليم مخالفة لقرارات مجمع نيقية كان يتم حرقها. كما أنه تم استبعاد عدد من الاناجيل الاخرى التي وصفت بأنها منحولة(غير قانونية) وبقيت كتب اخرى لها مكانة في الفكر المسيحي ولكنه لم يتم قبولها ضمن الأناجيل القانونية. ولا يوجد خلاف بين الكنائس حول أسفار العهد الجديد التي يبلغ عددها ٢٧ سفرا غير أن بعض الكنائس مثل الكنيسة الحبشية والتي تقبل ٧ كتب تمت إضافتها لقائمة كتب العهد الجديد المعترف بها من قبل الكنيسة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية