Flag Counter

Flag Counter

Tuesday, October 11, 2022

العبودية والرأسمالية, وجهان لعملة واحدة

إنَّ المبادئ الرئيسية للرأسمالية كما وردت في كتاب "ثروة الأمم" للإقتصادي والمفكر الإسكتلندي آدم سميث هي ثلاثة: الأول هو أولوية تحقيق الربح على المنفعة العامة, الثاني هو مبدأ "دعه يعمل دعه يمر," بينما الثالث هو مصطلح "اليد الخفية" والذي يمكن تلخيصها هي أن مصلحة الفرد من الممكن أن تتحقَّق من خلال مصلحة الجماعة والعكس صحيح وذلك يعود الى عوامل غير ظاهرة(ملموسة) تعمل مع بعضها البعض من خلال مجموعة من المبادئ والقيم الاقتصادية والاجتماعية.

العبودية هي ظاهرة قديمة للغاية منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها. العالَم الروماني الذي ظهر للوجود بعد بروز الإمبراطورية الرومانية قوة عسكرية اعتمد بشكل رئيسي على العبيد الذي كان يتم شرائهم أو أسرهم خلال الحروب. حتى أنَّ العبد كان من الممكن أن يكسب حريته ويصبح مواطنا رومانيا لو خدم في الجيش فترة زمنية محدَّدَة. إن تلك الظاهرة ليست قاصرة على الرومان بل البابليون ومن بعدهم الاشوريين إحتلوا فلسطين وقاموا بسبي اليهود واستعبادهم. الإمبراطورية الفارسية كانت تقوم بتجنيد العبيد بكثافة في جيوشها وتدفع بهم في المعارك في الصفوف الأمامية.

العبودية والرأسمالية مرتبطتان إرتباطا وثيقا لأن عملية التراكم الرأسمالي الأولي التي أدَّت الى تمويل إختراع المحرك البخاري ثم محرك الإحتراق الداخلي كانت جذورها في القطاع الزراعي والتجاري المرتبط بالعبودية حيث كان يتم بيع وشراء العبيد للعمل في المزارع في المستعمرات وفي البلد الأم.

هناك ثلاثة أبعاد للعبودية. الأول هو أن يقوم شخص ما بشراء آخر وبذلك يمتلكه ملكية قانونية مثله مثل أي سلعة أخرى يقوم بشرائها مثل المنزل أو السيارة. الثاني هو العبودية الإجتماعية الإقتصادية والتي تعني أن يقوم شخص بإستخدام شخص آخر ويستولي على حصيلة نشاطه الجسدي أو الذهني. الثالث هو العبودية الروحية والفكرية وهي عبارة عن مجموعة من القيم والمبادئ والعادات التي يتم فرضها على الشعوب من خلال الهيمنة الدعائية.

هناك أمر مهم للغاية وهو أن الرابط بين العبودية والرأسمالية يمكن تلخيصه بما يلي: هناك عبودية بدون رأسمالية ولكن لا يمكن أن تكون الرأسمالية بدون العبودية. ولكن مفهوم العبودية المرتبطة مع الرأسمالية ليس وفق مفهومها أيام الإمبراطورية الرومانية أو حتى البريطانية ولكن العبودية المعاصرة أو حتى أكون أكثر دقة, العبودية المأجورة وهي أشدُّ قسوة من العبودية الكلاسيكية التقليدية.

إنَّ العبودية المأجورة هي عبودية الشركات حيث يعمل شخص ما من الصباح الى المساء مقابل راتب شهري لا يتوازي مع تكاليف المعيشة ونسبة التضخم مما يضطره الى الإستدانة سواء من البنوك أو شركات الإقراض العقاري من أجل شراء سيارة أو منزل حيث من النادر أن تجد أي شخص يعيش في دولة غربية يمتلك سيارة أو منزل دفع ثمنها نقدا. الطالب الجامعي ضحية أخرى من ضحايا العبودية المعاصرة حيث يمضى عشرة سنين أو أكثر بعد تخرجه وهو يدفع أقساط قرض الطالب الجامعي وعشرين سنة أخرى وهو يدفع ثمن المنزل والسيارة بالأقساط مع ما يترتب على ذلك من فوائد.

إن طباعة العملة وإصدار النقد غير ممكن في اقتصادنا المعاصر بدون الديون وبسبب ذلك هناك مصطلح النقد الائتماني. البنوك المركزية في أغلب دول العالم هي عبارة عن مؤسسات خاصة يملك أسهمها مستثمرون أجانب وتصدر النقد مقابل سندات الدين التي تدفع عنها الدولة فوائد مصدرها الرئيسي هي العائدات الضريبية على الدخل و الاستيراد والرسوم التي تفرض على مختلف أنواع الخدمات العامة. البنوك المركزية وفق طريقة عملها الحالية هي أحد أهم عناصر العبودية المعاصرة وهي تعمل بمثابة الصِلَة بين العبودية والرأسمالية.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية




Monday, October 10, 2022

إتفاقية بريتون وودز, الوجه الآخر للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي

كانت إتفاقية بريتون وودز التي عقد سنة ١٩٤٤م أحد النتائج المباشرة للحرب العالمية الثانية حيث رسمت ملامح النظام الإقتصادية العالمي لأكثر من ٣٠ سنة قادمة. إنَّ نتائج تلك الإتفاقية يمكن تلخيصها بأمرين إثنين: الأول هو اعتماد الدولار الأمريكي عملة احتياطية عالمية مضمونة بالذهب وفق معادلة سعرية ٣٥ دولار/أونصة, الثاني هو تأسيس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير.

الهدف من إنشاء صندوق النقد الدولي هو تقديم القروض للدول التي تتعرض عملتها لإنخفاض مبالغ في قيمتها أمام العملات الأخرى في أسواق الصرف الدولية, بينما عمل البنك الدولي للإنشاء والتعمير على تقديم القروض الى الدول الأوروبية التي تعرضت بنيتها التحتية والصناعية الى الدمار بسبب الحرب العالمية الثانية وذلك وفق إتفاقية مارشال لإعادة إعمار أوروبا.

إنَّ الهدف من تقديم القروض الى الدول الأوروبية كان وفق شروط محدَّدة حيث تصب الأموال في جيوب الشركات الأمريكية ونادرا ما تصل مؤسسات الدولة المقترضة أي مبالغ نقدية. وفي مرحلة لاحقة تحولت أهداف البنك الدولي إلى تقديم القروض إلى البلدان في أمريكا اللاتينية ودول العالم الثالث وإفريقيا حيث يشترط البنك مجموعة من الإجراءات منها تحرير سعر صرف العملة, رفع الدعم عن المواد والسلع الأساسية وخصخصة مؤسسات القطاع العام, يعني بشكل أساسي تطبيق المبادئ الإقتصادية الليبرالية.  

في حلقة من برنامج المخبر الاقتصادي على موقع اليوتيوب, يصف الدكتور في الإقتصاد من مصر أشرف إبراهيم كيف كان  البنك الدولي هو السبب الرئيسي في إشتعال الحرب الأهلية في يوغسلافيا خلال افترة التي أعقبت إنهيار جدار برلين وتفكُّكَ دولة يوغسلافيا. البنك الدولي بدأ في مطالبة دولة يوغسلافيا سداد مبالغ القروض المترتبة عليها في ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة حيث عمل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برئاسة بول فولكر خلال ثمانينيات القرن العشرين على زيادة في أسعار الفائدة وصلت الى ٢٠% من أجل مكافحة التضخم خلال رئاسة رونالد ريغان للولايات المتحدة. الدول الصناعية والغنية في الإتحاد اليوغسلافي رفضت تحمل عبء الدين العام للدولة وبدأت تظهر مطالبات انفصالية والتي تطورت أحداثها الى الحرب الأهلية اليوغسلافية.

جون بيركنز مؤلف وكاتب أمريكي عمل سابقا في شركة "Main" التي كانت مهمتها تقديم الاستشارات والدراسات الفنية في دول آسيا, أفريقيا, أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط حيث وصف في كتاب "إعترافات قاتل إقتصادي" كيف كان يتم ابتزاز ورشوة رؤوس الدول من أجل تنفيذ المشاريع الممولة من المؤسسات الدولية في تلك الدول وفق تقارير مفبركة عن تكلفة تلك المشاريع والحاجة الحقيقية إليها

إنَّ القروض التي يمنحها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هي أدوات إقتصادية تستخدم من أجل تحقيق أهداف سياسية تتمثل في إخضاع الدول المقترضة الى إرادة الولايات المتحدة وذلك في مصلحة الشركات العابرة للقارات التي تسيطر عليها رأس المال اليهودي من خلال بنوك وول ستريت التي يعتبر بعضها من أكبر المساهمين في بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي. كما أن تلك القروض والتي يتم منحها بالدولار الأمريكي تعني خلق طلب فعَّال على المنتجات والبضائع الأمريكية ومنها بالطبع الدولار الأمريكي الذي لا يستند الى أي قيمة حقيقية كما كان مرتبطا بالذهب خلال الفترة التي سبقت صدمة نيكسون سنة ١٩٧١م.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية



Sunday, October 9, 2022

الولايات المتحدة تخنق أوروبا, النفط بأربعة أضعاف سعره

العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا تذكِّرني بقصة ليلى والذئب والتي يعرفها الجميع. الرئيس الأمريكي جو بايدن غاضب من قرار أوبك بلس تخفيض الإنتاج ليس مليون برميل كما كان متوقعا بل مليوني برميل وهناك حديث عن عقوبات ضد السعودية أو سحب قوات أمريكية وبطاريات دفاع جوي متهالكة من طراز باتريوت. الرئيس الفرنسي يطالب الولايات المتحدة بأن لا تبيعه النفط والغاز مقابل أربعة أضعاف السعر, بلجيكا تمتنع عن التصويت ضد روسيا في الأمم المتحدة وثلاثة دولة أوروبية غير موافقة على خطة الإتحاد الأوروبي للإستغناء عن إمدادات الطاقة من روسيا.

هناك تغيير في لهجة الصحافة الغربية خصوصا البريطانية في الحديث عن الرئيس الأوكراني وإصراره على استمرار الحرب حيث وصفت وسائل إعلام غربية ذلك بالجنون. تفجير الجسر الذي يربط القرم مع أراضي البر الرئيسي في دولة روسيا الإتحادية ومن قبله تفجير خط غاز نورد ستريم ليس من أعمال تحمل بصمة أمريكية/بريطانية مشتركة بينما وسائل إعلام غربية تحاول إلصاق التهمة بمسؤولية الدولة الروسية وذلك في محاولة إبعاد التهمة عن الفاعل الحقيقي. 

بايدن غاضب من السعودية أمام الإعلام بينما شركات النفط التي تمول الحملات الإنتخابية للحزب الديمقراطي سعيدة للغاية وتحصد مئات الملايين من الدولارات أرباح بسبب بيع النفط والغاز الى أوروبا بأسعار مضاعفة. في برنامج المخبر الإقتصادي يتحدَّث الدكتور أشرف ابراهيم أن شركات الغاز الأمريكية تحقق أرباحا تصل الى ٢٠٠ مليون دولار عن كل شحنة غاز مسال يتم إرسالها الى أوروبا. الولايات المتحدة وعدت دول الإتحاد الأوروبي بأنها لو قامت بالتخلي عن النفط الروسي فإنها سوف تزودها بما مقداره مليون برميل من النفط يوميا.

الولايات المتحدة تمارس الكذب على أوروبا وهي مسؤولة عن افتعال أزمة أوكرانيا بهدف إضعاف الاقتصاد الأوروبي وإعادة الإتحاد الأوروبي الى الحظيرة الأمريكية. الولايات المتحدة تعاني من نقص في الوقود ولو كان لديها مليون برميل يوميا فقد كان من الممكن استهلاكها داخليا. وحتى مع افتراض قدرة الولايات المتحدة على الإيفاء بوعودها الى دول القارة الأوروبية العجوز, ماهي المعادلة السعرية التي سوف تبيع من خلالها النفط الى دول أوروبا؟ وهل تكفي تلك الكمية جميع الدول الأوروبية؟

إن إستخدام النفط سلاحاً في الحروب ليس بأمر جديد على الولايات المتحدة فقد استخدمته خلال حرب رمضان ١٩٧٣م ضد أوروبا. إنَّ البحث والتدقيق في أحداث تلك المرحلة سوف تجعل من المستحيل تصديق الرواية المصرية عن الحرب وأسباب إندلاعها فقد كان هناك توافق مصالح بين مصر والولايات المتحدة. الأولى كانت تبحث عن حرب تحريك وليس حرب تحرير بسبب علمها أن قدرات جيشها محدودة وأنَّ الإتحاد السوفياتي لا يزود السلاح بدون مقابل وأنَّ بناء قدرات الجيش المصري من أجل معركة تحرير كامل الأراضي المصرية المحتلة بقوة السلاح هو أمر يحتاج الى قدرات مالية وإقتصادية غير ممكنة في تلك المرحلة. 

إنَّ الولايات المتحدة التي كان يتولى ذلك الملف مستشار الأمن القومي هنري كيسنجر فقد كانت تسعى الى توجيه ضربة قاتلة إلى أوروبا وإقتصادها ولم تجد أفضل طريقة غير حرب ١٩٧٣م حيث تقدِّم الولايات المتحدة الدعم الى إسرائيل وتكون ردة الفعل العربية تخفيض إنتاج النفط ثم قطعه تماما عن بعض الدول حيث يرتفع سعره ٤٠٠% وكل ذلك تمت مناقشته خلال إجتماع مجموعة البلدبرغ مايو/١٩٧٣م في Saltsjöbaden الذي يقع على إحدى الجزر في السويد.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Saturday, October 8, 2022

إيران والولايات المتحدة, مابين السلام والحرب

عندما سئل بول بريمر الحاكم الأمريكي السابق للعراق خلال مقابلة تلفزيونية عن أسباب إسقاط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين, كانت إجابته غاية في الغرابة وهي أنَّ السنة حكموا العراق مدَّةَ الف سنة وأن ذلك ظلم كبير. إنَّ إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين هو الصاعق الذي فجَّرته الولايات المتحدة في المنطقة العربية وكل ما تلى ذلك من أحداث هو تحصيل حاصل, تساقط أحجار الدومينو واحدا تلو الآخر. وسائل الإعلام الغربية نجحت في تحويل الأنظار عن السبب الحقيقي في أزمات المنطقة وهو تدخل الدول الغربية الإستعمارية على رأسها الولايات المتحدة, بريطانيا وفرنسا في شؤونها.

الولايات المتحدة لديها تاريخ من التدخل في الشأن الداخلي في إيران بالتعاون مع بريطانيا منذ أن تم تدبير إنقلاب(العملية آجاكس) سنة ١٩٥٣م ضد رئيس الوزراء السابق المنتخب ديمقراطيا محمد مصدَّق وإعادة تنصيب الشاه محمد رضا بهلوي على كرسي الحكم. كما أن هناك إشاعات وأقاويل عن تخلي الولايات المتحدة عن الشاه محمد رضا بهلوي سنة ١٩٧٩م على الرغم من علمهم اليقيني أنَّ النتيجة هي الفوضى والتي سوف يعقبها وصول الإسلاميين الى الحكم تماما كما حصل خلال أحداث الربيع العربي ٢٠١٠م-٢٠١٢م. إنَّ الفوضى الخلاقة هي مصطلح حديث نسبيا ولكن تطبيقاتها العملية سابقة لإعتمادها من الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن و مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس رسميا عنواناً للسياسة الخارجية الأمريكية.

الولايات المتحدة تعمل بمثابرة على مفاوضات إعادة إحياء الإتفاق النووي الإيراني المتعثِّرة والسبب هو النفط. إجتماع أوبك بلس الذي تم عقده مؤخرا وافق على تخفيض الإنتاج مليوني برميل وليس مليون برميل كما كان متوقعا. شركات النفط الأمريكية هي المستفيد الرئيسي من نتائج إجتماع أوبك بلس الذي سوف يؤدي إلى زيادة أسعار النفط وبالتالي زيادة أرباحها. الولايات المتحدة تسعى الى رفع العقوبات عن النفط الإيراني من أجل دخول السوق وتخفيض الأسعار. الولايات المتحدة أثبتت بالتالي أنها لا تحترم إلا مصالحها وأنه ليس لديها حلفاء دائمون بل مصالح دائمة. 

المملكة العربية السعودية ليست راضية عن إدارة الرئيس السابق أوباما الذي أبرم الإتفاق النووي مع إيران وبسبب ذلك لم تكن العلاقات بين الدولتين خلال فترة حكمه على مايرام. كما أن العلاقات مع إدارة الرئيس بايدن ليست أيضا على مايرام ويبدو أن المملكة العربية السعودية تعمل على أمرين إثنين, الأول هو دعم الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي تمهيدا للأمر الثاني وهو إفشال محاولة بايدن لإعادة انتخابه وعودة الرئيس السابق دونالد ترامب الذي سوف يكون أكثر حزما في تعامله مع إيران.

القضية يجب أن يتم نقاشها بإنصاف, إيران دولة مهمة في المنطقة ولديها فائض من القوة البشرية والعسكرية التي سوف تستخدمها في محاولات لن أقول فرض نفوذها, بل احترام مصالحها هو المصطلح الأكثر قبولا. إيران ترغب في أن يتم احترامها من الدول الغربية على رأسها الولايات المتحدة وأن يكون التعامل معها دولة مقابل دولة. إنَّ الولايات المتحدة هي المستفيد من حالة العداء بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية, إرتفاع أسعار النفط ومبيعات السلاح تعني المزيد من الأموال التي سوف تصبُّ في جيوب الشركات الأمريكية وكما أنَّ هناك ثمنا للسلام, هناك ثمنٌ للحرب.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Thursday, October 6, 2022

مواطن عربي مخدوع يطالب بإصلاح مجلس الأمن

إن الملامح الأساسية للسياسة الغربية منذ اتفاقية سايكس-بيكو, الحرب العالمية الأولى وكذلك وعد بلفور هي نفسها لم تتغير تقريبا. الدول الإستعمارية تقاسمت تركة الدولة العثمانية’ رجل أوروبا المريض, وفرضت عليها الإحتلال بإسم إتفاقيات الانتداب والحماية والوصاية حيث الإستغلال الإقتصادي بأبشع صورة. الوثائق البريطانية التي تم رفع السرية عنها مؤخرا كشفت أنَّ تأسيس دولة الكيان الصهيوني في أراضي فلسطين المحتلة سببه النفط. إنَّ قضية أمن الطاقة مازالت تعتبر أولوية للولايات المتحدة والدول الغربية.

الدول الإستعمارية الغربية تغيُّر أساليبها كما تغيِّرُ الأفعي جلدها. في إيطاليا ومنذ بضعة أيام تم إنتخاب جورجيا ميلوني في منصب رئيسة الوزراء وهي تنتمي لليمين المحافظ أو الفاشيين الجدد. رئيسة الوزراء الإيطالية سارعت الى الرد على انتقادات فرنسا وتدخلها في الشأن الداخلي الإيطالي وذكرتها بالماضي الاستعماري الفرنسي وأنها مازالت تقوم بإستغلال مستعمراتها السابقة في إفريقيا. ولكن إيطاليا لديها أيضا ماضٍ استعماري في إفريقيا وكانت تحتل ليبيا وتحالف مع ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

الولايات المتحدة تعيد دائما استنساخ التاريخ ولكن بنكهة مختلفة. إنَّ ظهور الأحزاب النازية والفاشية في أوروبا خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى سببه إتفاقية فرساي التي فرضت تعويضات حرب ضخمة على الدول المهزومة على رأسها المانيا التي قامت بطباعة العملة ودفع الديون مما أدى الى مايعرف بظاهرة التضخم المفرط. نجاح الدعاية النازية في زيادة عدد أتباعها سببه اقتصادي بالدرجة الأولى. إنَّ الأوضاع السياسية, الإجتماعية والإقتصادية التي تمر بها أوروبا حاليا تعتبر مشابهة لما مرَّت به خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى حيث تعاني من أزمة طاقة خانقة للغاية بسبب توقف إمدادات النفط والغاز من روسيا.

المواطن العربي المخدوع بالدعاية الغربية المضللة يطالب بإصلاح مجلس الأمن بسبب عجزه عن إتخاذ قرارات حاسمة بخصوص أوكرانيا. أما بالنسبة الى قضية فلسطين أو كشمير على سبيل المثال, الموقف مختلف تماما. إنَّ ذلك دليل على قوة ونفوذ وتأثير الدعاية الغربية على عقل المواطن العربي الذي جعلته يتعامل بمعايير مزدوجة مع القضايا الدولية المهمة. مجلس الأمن مصاب بسكتة دماغية منذ تأسيسه والولايات المتحدة تنتقد استخدام روسيا والصين حق النقض(الفيتو) عند التصويت على قرارات متعلقة بالأزمة السورية ولكن تتناسى أو تتعامى عن إستخدامها الفيتو ضد القرارات التي تدين إسرائيل والتي لم يطبق مجلس الأمن منها قرارا واحدا.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

رابط الموضوع على مدونة علوم وثقافة ومعرفة

الرجاء التكرم الضغط على رابط الموضوع بعد الإنتهاء من قرائته لتسجيل زيارة للمدونة 

النهاية


Sunday, October 2, 2022

نوسترداموس العرب صالح العجيري

صالح العجيري هو فلكي كويتي توفي مؤخرا وله توقعات حول الحرب العالمية الثالثة ومستقبل العالم سنة ٢٠٢٤م أثارت إهتمام وسائل الإعلام. طلال أبو غزالة هو رجل أعمال أردني يشارك مع صالح العجيري في توقعاته حول مستقبل مظلم للبشرية و فناء الجنس البشري بسبب حرب عالمية ثالثة. صالح العجيري و طلال أبو غزالة يشتركون مع الفلكي نوسترداموس في الكثير من التوقعات والتنبؤات.

إنَّ أي حرب نووية بين دولتين أو مجموعة دول تعني أنَّ العالم كما عرفه سوف يتغير مرة واحدة والى الأبد. هناك الكثير من بؤر التوتر والنزاعات حول العالم والتي قد تتطور الى حرب نووية تجر معها العالم بأكمله الى الخراب والدمار. النزاع بين الهند وباكستان على أقاليم جامو وكشمير قد يتطور الى حرب عسكرية مباشرة يتم خلالها إستخدام الأسلحة النووية. النزاع بين الصين وتايوان قد يتطور الى حرب نووية لأن تايوان لا تملك السلاح النووي ولكن حليفتها أمريكا لديها الكثير منه. الصراع على بحر الصين الجنوبي بين الصين ومجموعة دول مثل الفلبين وفيتنام من الممكن أن يتطور الى حرب نووية بسبب تدخل الولايات المتحدة ضد الصين. غارات إسرائيلية أو أمريكية ضد إيران قد تستفز ردة فعل إيرانية ضد القوات والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة ويشمل ذلك ضربات نووية تكتيكية.

هناك الكثير من الاستنساخ في تلك التوقعات والتنبؤات بالإضافة الى الكثير من الكذب. منذ بضعة أسابيع ثار ثائرة المنظمات البيئية وأنصار التغير المناخي بسبب جفاف أنهار أوروبا وظهور حجارة الجوع في ألمانيا. والآن أوروبا تعاني من الفيضانات خصوصا في المانيا. سدود يتم فتحها أو إغلاقها وقد يكون موسم الجفاف خلال فصل الصيف وذلك أمر روتيني, جفاف في الصيف وأمطار في الشتاء. إنَّ ذلك يذكرني بما يمكن قرائته في الكتاب المقدس من عشرات التنبئات التي لم تتحقق. 

هناك محاولات مستميتة من أجل نشر حالة من الخوف والرعب بين الشعوب حيث تساهم وسائل الإعلام العربية بأفضل ما لديها من فنون الكذب وغسيل الدماغ والترويج لأفيون الغيبيات والأساطير الدينية. إنَّ أخطر مافي النبوئة هو الأمل الذي تبعثه في النفوس حيث يجتهد البعض في تحقيقها لأنه بذلك يحقِّقُ مصلحته الشخصية سواء كانت سياسية أو إقتصادية. نظرية ذروة الإنتاج النفطي التي روَّجت لها وسائل إعلام غربية مقرَّبة من نادي روما, أحد نوادي النخبة السياسية, ليست إلا أحد الأكاذيب التي تهدف الى التلاعب بأسعار النفط من خلال التطبيق العملي للنظرية التي تدعى "نظرية الندرة." الحرب العالمية لها ظروف محدَّدَة وواضحة ولا أعتقد أنها تتوفر في النزاعات الحالية إلا أن تكون هناك مواجهات عسكرية مباشرة بين الصين والولايات المتحدة على أراضي اي من الدولتين أو بين الولايات المتحدة وروسيا كأن تحاول الأخير إستعادة ألاسكا بالقوة العسكرية. ولكن النزاعات التي نسمع عنها مؤخرا هي نزاعات إقليمية محدودة في التأثير وليس لديها إمكانية التطور الى حرب عالمية حيث العالم بأكمله ميدانا للقتال.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Saturday, October 1, 2022

الحرب على الذهب والنظام العالمي الجديد - الجزء الثالث

في موضوعين سابقين بعنوان "الحرب على الذهب والنظام العالمي الجديد" الجزء الأول والثاني تحدَّثتُ عن بعض المحطات في الحرب على الذهب و وكيف أنَّ الولايات المتحدة سرقت مواطنيها سنة ١٩٣٣م حيث حظر الريس الأمريكي فرانكلين روزفلت على المواطنين الأمريكيين إمتلاك الذهب وأجبرهم على بيعه الى الحكومة الأمريكية مقابل سعر ٢٠.٦٦ دولار/أونصة. ولكن الولايات المتحدة لم تكتفي بذلك حيث أنها سنة ١٩٧١م سرقت العالم حين فيما يعرف بصدمة نيكسون الذي أعلن التوقف عن مبادلة الدولار مقابل الذهب وأعلن بذلك وفاة إتفاقية بريتون وودز ١٩٤٤م. في هذا الموضوع فصل آخر من فصول الحرب على الذهب والذي تجري أحداثه في دولة جنوب أفريقيا خلال فترة السبعينيات من القرن العشرين.

هناك الكثير من الأحداث المفصلية التي كانت دولة جنوب أفريقيا مسرحها الأساسي والتي بلا مبالغة غيَّرت التاريخ والحضارة الإنسانية كما نعرفها. الدول الإستعمارية على رأسها البرتغال وإسبانيا كانت تحاول إكتشاف طريق بحري يوصل الى الهند بديلا عن الطريق البري الذي كان تحت سيطرة المسلمين حيث إكتشف بارتولوميو دياز ١٤٨٧م طريق الإبحار حول رأس الرجاء الصالح وكانت تلك بداية النهاية لدولة المماليك التي كانت تحتكر التجارة خصوصا التوابل وتفرض عليها الضرائب المرتفعة. حرب البوير الأولى(١٨٨٠م-١٨٨١م) والثانية(١٨٩٩م -١٩٠٢م) بين الإمبراطورية البريطانية و المستوطنين الأوروبيين هي حدث أخر مفصلي حيث كان الهدف هو السيطرة على تلك الدولة الغنية بمناجم الذهب. 

دولة جنوب أفريقيا كانت حتى نهاية سبعينيات القرن العشرين أكبر منتج للذهب في العالم حيث بلغت كمية الذهب المستخرجة حوالي ١٠٠ الف طن, ثلثي الذهب الذي كان يتم تداوله عالميا مصدره جنوب أفريقيا. ولكن إنتاج تلك الدولة من الذهب يتراجع تدريجيا حيث احتلت الصين المركز الأول وخرجت جنوب أفريقيا من قائمة أكبر عشرة منتجين سنة ٢٠١٩م. إنَّ دولة جنوب أفريقيا كانت من المؤيدين لإستخدام المعيار الذهبي الكلاسيكي حيث العملة تكون مرتبطة بتغطية الذهب مما يؤدي الى زيادة الثقة بإقتصاد تلك الدولة حيث من الصعوبة على السياسيين التلاعب من خلال طباعة كميات ضخمة من العملة بدون تغطية كمية مناسبة من الذهب.

إنَّ الحرب الإعلامية ضد دولة جنوب أفريقيا كانت تستهدفها ولها علاقة بالحرب على الذهب والهدف هو خلق حاجز نفسي بين المستثمرين والذهب في محاولة من أجل إقناعهم بأفضلية نظام العملات الورقية. الولايات المتحدة التي كانت تقود تلك الحرب الإعلامية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي ولكن في الوقت نفسه تعمل على زيادة كمية الذهب الذي تمتلكها من خلال شرائها بدولارات مطبوعة تكاد قيمتها لا تزيد عن تكلفة الحبر والورق الذي تتطلبه عملية طباعة العملة.

دولة جنوب أفريقيا كانت تتعرض الى عملية شيطنة في الإعلام بوصفها دولة تمارس التمييز العنصري ضد مواطنيها من ذوي البشرة السوداء بالإضافة إلى حظر تصدير السلاح إليها بوصفها دولة تمتلك السلاح النووي. ولكن في الوقت نفسه, كانت الولايات المتحدة تقدِّمُ الدعم الى دولة الكيان الصهيوني التي تمارس العنصرية في أبشع صورها بالإضافة الى كونها دولة نووية. إنَّ وسائل الإعلام الأمريكية كانت تتجاهل محاولات الحكومة في جنوب أفريقيا من أجل القيام بإصلاحات تدريجية منها منح المواطنين من ذوي البشرة السوداء حق التصويت في الإنتخابات.

ولعلها قد تكون مفاجأة ولكن الولايات المتحدة كانت تدرس خططا عسكرية من أجل غزو دولة جنوب أفريقيا عسكريا بوصفها دولة متمردة على قرارات النظام العالمي الجديد الذي كان يهدف الى إلغاء الذهب من المعاملات المالية الدولية وفرض نظام العملات الورقية التي كانت تطبع من الهواء ولا تستند الى أي قيمة حقيقية سوى كلمة ثقة والتي في كثير من الأحيان كان يتم تهميشها لصالح بنوك وول ستريت وبنك إنجلترا الذي كانت مصالحهم مرتبطة مع نظام عملات ورقية يمكن التلاعب به بسهولة. الحرب الأهلية في أنغولا بين قوات الجبهة الوطنية لتحرير أنغولا التي كانت تتلقى الدعم من عدة دول على رأسها جنوب أفريقيا و قوات الحركة الشعبية لتحرير أنغولا التي كانت تتلقى الدعم بالسلاح والمستشارين العسكريين من الإتحاد السوفياتي والمقاتلين من كوبا حيث كانت أنغولا هي نقطة إنطلاق عملية الغزو مع دعم أمريكي غير مباشر فقد كانت عملية التضليل الإعلامي لأهداف الحرب الحقيقية في أنغولا بوصفها أنها تدخل في إطار الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي. الولايات المتحدة كانت تكتفي بدعم أنغولا نظريا ولكن رؤوس الأموال الغربية من مصارف وول ستريت كانت تتدفق على الإتحاد السوفياتي الذي كان سوقا مربحا للتكنولوجيا الغربية. 

عالم السياسة الدولية لا يعرف الرحمة ولا يعرف إلا لغة المصالح و المطلعون على بواطن ذلك العالم وخفاياه يعلمون ذلك علم اليقين ولكن وسائل الإعلام تتجاهل ذلك. الولايات المتحدة والتي كانت تتبنى النظام الإقتصادي الرأسمالي حيث من المفترض أنها في حالة صراع وجود مع الإتحاد السوفياتي الذي كان يدافع عن العقيدة الشيوعية, ولكن في الوقت نفسه, التكنولوجيا الغربية كانت تتدفق إلى الإتحاد السوفيتي بالإضافة إلى القروض التي كان مصدرها بنوك وول ستريت بشكل رئيسي وهي نفسها البنوك التي ساهمت في تمويل الحركة الشيوعية كما ذكر البروفيسور والإقتصادي الأمريكي من أصل بريطاني أنتوني ساتون في عدد من مؤلفاته وكتبه.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية