Flag Counter

Flag Counter

Saturday, July 6, 2019

الإعلام العربي ودوره في عصر وسائل التواصل الإجتماعي

إن التوجهات السياسية للدول الغربية في الوطن العربي تتسم بالتناقض بطريقة تثير إستغراب المواطن العادي بينما يعلم المشتغلون بالسياسة علم اليقين أنها ليست إلا لعبة مصالح ولوبيات وتحالفات اقتصادية تهدف في المحصلة للسيطرة والتحكم بثروات المنطقة خصوصا النفط. ولكن لا يمكن أن نلوم المواطن العادي الذي همه الأول والأخير هو لقمة العيش على حيرته لأنه في الغالب يأخذ أخباره من وسائل إعلام لا تتصف أي مستوى من الحيادية والنزاهة بالإضافة إلى سطحية برامجها التي تصيب المتابعين بالملل. إن الإعلام بوسائله المختلفة في عالمنا العربي هو المسؤول الأول والأخير عن ذلك بسبب عدم تقديمه برامج هادفة لتوعية المواطن بخطورة الأطماع الغربية الإستعمارية في المنطقة والتضليل التي تمارسه وسائل الإعلام الغربية لتلميع صورة الغرب وخلق صورة نمطية عن الغرب بقوته وثروته والعدالة المطلقة التي تميزه عن عالمنا العربي. وسائل الإعلام العربية مشغولة ببث مسلسلات هابطة عن زنا المحارم وبرامج عن تزاوج وتناسل الحيوانات ولن تجد برنامجا واحد عن التاريخ الإستعماري لبريطانيا أو عن الدولة البوليسية التي تدير حياة المواطن الأمريكي ولا عن فرنسا التي تعتبر قيم الثورة الفرنسية وأفكارها حكرا على المواطن الفرنسي. انتقاد الغرب في وسائل الإعلام العربية خط أحمر حيث تتدخل السفارة المعنية لدى السلطات ويتم إخراس وتكميم الأفواه وبشكل فوري.
ولم يتم ملئ ذلك الفراغ الذي تركه الإعلام العربي المتأخر دوما عن مواكبة الأحداث إلا بظهور وسائل التواصل الإجتماعي لعل أكثرها شهرة هو الفيسبوك وتويتر, ومواقع مشاركة الفيديوهات والتي يعتبر موقع اليوتيوب أكثرها شهرة والمدونات مثل موقع وورد برس(WordPress) و بلوجر(Blogger). وحتى أكون منصفا, فإن الثورة التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل وعي المواطن العربي لها إيجابياتها وسلبياتها. أحد أهم الإيجابيات هي تمرد المواطنين على نمطية الإعلام الحكومي وطريقة تقديمه للخبر. فقد أصبح بإمكان أي مواطن يمتلك جهاز كمبيوتر أو لديه إمكانية إستخدام أحدها أن ينشئ صفحة على فيسبوك او تويتر أو مدونة على موقع بلوجر وينشر صوره ويعبر عن رأيه وينتقد السياسيين والحكومات. أما بالنسبة للسلبيات فلعل أهمها هو أن وسائل التواصل الإجتماعي منتج غربي والعرب غائبون على الإبتكارات والإختراعات في مجال التكنولوجيا والمعلوماتية. كما أن سهولة نشر الشائعات وتلفيق الأكاذيب تعتبر أحد أهم مخرجات دخول وسائل التواصل الإجتماعي إلى الوطن العربي.
إن الدول الغربية وجدت في وسائل التواصل الإجتماعي وسيلة غير مباشرة وغير مكلفة للدخول إلى عقل ووعي المواطن العربي وتشكيل ذلك الوعي بما يلائم مصالح الدول الغربية ويتوافق مع سياساتها. فهناك أقسام كاملة في الأجهزة الأمنية الغربية يجيد أعضائها اللغة العربية قرائة وكتابة باللهجات المحلية ويخصص لهم موازنات ومهمتهم هي مخاطبة المواطن العربي عبر وسائل التواصل الإجتماعي حيث يقومون بإستخدام أسماء باللغة العربية زيادة في التضليل والخداع. ولكن التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الإجتماعي لم تتضح بشكل كامل إلا مع بداية أحداث الربيع العربي حيث كان يتم تنسيق المظاهرات والإضرابات وتحديد أماكن التجمع وكيفية تجنب رجال الأمن أو حتى كيفية مقاومتهم عبر منصات مثل فيسبوك وهي أشهرها. كما وأنه خلال أحداث الربيع العربي, كان موقع فيسبوك هو الأبرز كمنصة لنشر الشائعات والأخبار الملفقة وتحريض الجماهير العربية تليه موقع تويتر المخصص للتدوينات القصيرة. مثال على أحد أكثر الشائعات شهرة خلال أحداث مصر مزاعم ملفقة أن هناك مبالغ تقدر بأكثر من 70 مليار دولار أمريكي مودعة في بنوك خارجية وحسابات سرية بإسم الرئيس المصري وأفراد من عائلته. نشطاء وسائل التواصل الإجتماعي تلقفوا الخبر ونشروه بين متابعيهم مع التأكيد على أن تلك الثروة الخيالية سوف تساهم في تحويل مصر إلى سويسرا الشرق الأوسط وتحل كافة مشاكلها الإقتصادية والإجتماعية والسياسية مما ساهم في المزيد من تحريض الجماهير وخروجهم للشارع.
إن حرية الرأي والتعبير لا تعني الحرية في نشر الشائعات والأكاذيب والأخبار الملفقة ومزاعم عن الفساد بدون وثائق تثبت صحتها ودقتها فذلك فلتان وفوضى وليس حرية. كما أن إمتلاك حساب على تويتر أو فيسبوك لا يعطي لصاحبه الحق في توجيه النقد غير البنَّاء للأخرين بهدف تشويه سمعتهم وممارسة إغتيال الشخصية. أجهزة الإعلام في الوطن العربي عليها أن ترتقي في مستواها ونوعية برامجها بهدف إجتذاب المشاهد العربي ورفع مستواه الفكري والثقافي. كما أنه عليها مواكبة روح العصر عن طريق مخاطبة الجمهور الإلكتروني عبر وسائل التواصل الإجتماعي وهو جمهور أثبت تقلبه ومزاجيته وسهولة تأثره بالشائعات بدون البحث عن مصدرها. كما أنه على أجهزة الإعلام في الوطن العربي وبمساعدة وحدات متخصصة في الجرائم الإلكترونية مكافحة الشائعات التي تنتشر على وسائل التواصل الإجتماعي التي تهدف إلى نشر الفوضى وبث التفرقة والطائفية وملاحقة ناشريها وتوقيع أقصى العقوبات بحقهم.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, June 30, 2019

العرب والديمقراطية

قاعات المحاكم هي مرآة تعكس واقع الحال في أي بلد عربي حيث نوعية القضايا المعروضة أمام القضاة, كل قضية تحكي حكاية لا تشبه التي قبلها ولن تشبه التي بعدها. ولأن العدل أساس المُلك, فإن الداخل الى قاعات المحاكم مفقود والخارج منها مولود. المحاكم الشرعية التي من المفترض أنها تحكم بما أنزل الله وتستمد قوانيها من القرآن والسُّنة هي أبعد مايكون عن ذلك حيث تم إدخال إجرائات تقاضي مدنية قد تجعل أي قضية تأخذ سنين طويلة خصوصا قضايا المواريث والأسرة بما في ذلك من ضياع للحقوق. حين قامت تونس بتعديل قوانين المواريث وجعلت نصيب الرجل مساويا لنصيب المرأة, كنت معترضا في البداية لما اعتبرته تلاعبا بنص قرآني واضح وصريح. ولكن بعد تفكير, وجدت أن الفقهاء اشترطوا إنفاق الرجل على نسائه وأهل بيته بالمعقول وذلك بند معطّل حاليا حيث لا يقوم الرجال بذلك إلا في حالات نادرة. وسائل الإعلام العربية تنشر قصصا من أروقة المحاكم يشيب لها شعر الرأس خصوصا قضايا الطلاق التي قد يضيع عمر المرأة وتضيع فرصتها في زواج أخر متكافئ قبل أن تنتهي القضية والعدل أن يمنع الرجل أيضا من الزواج مرة أخرى حتى تنتهي إجرائات طلاقه منعا للتلاعب بالإجراءات.
وكنت دائما أسأل نفسي عن سبب امتلاء قاعات المحاكم الشرعية على آخرها لأسباب تافهة يمكن لأي رجل دين أو شيخ جامع أن يفصل فيها خلال خمسة دقائق على الأكثر. إخوة يريدون حرمان أخت لهم من حقها في الميراث أو إخوة اتفقوا على حرمان أخ لهم من حصته في ميراث أبيهم لأنه من أم أخرى, زوجة يريد أهل زوجها حرمانها من ميراثها وتشريدها وأبنائها لأنهم كانوا غير راضين عن زواج ابنهم منها وقضايا مخجلة في تفاصيلها حتى لكفار قريش يخجلون لو كانوا أحياء من تلك الأخلاق. أين صلة الرحم؟ أين ما أمر به الله جل وعلا في كتابه والرسول عليه الصلاة والسلام في سنته؟ وكما يقول المثل بأن شر البلية ما يضحك, هناك محامين يقومون بكل تلك الأعمال القذرة ويقبلون التلاعب بالقوانين وإستغلال الثغرات وتضييع الحقوق ويبيعون أسرار موكليهم مقابل مبلغ معلوم. ولكن المحامين هم أيضا مواطنين أعضاء في مجتمعاتهم يستمدون سلوكياتهم وأخلاقهم من محيطهم وبيئتهم. ولكن في وطننا العربي يندر أن تجد محاميا دخل كلية الحقوق بإرادته بل لأن يرغب في أي مقعد جامعي نتيجة تدني مستواه الدراسي كما أن الجامعات الخاصة تقبل في كليات الحقوق معدلات متدنية عن الجامعات الحكومية لمن يملك المال ليدفع الأقساط الجامعية.
يطالب العرب بالحرية والديمقراطية ويخرجون في مظاهرات يرفعون شعارات ولافتات بعضها باللغة الإنجليزية وكأن الناتو سوف يقرئها ويرسل طائراته لتحريرهم. تصرفات المواطن العربي في حياته اليومية وفي منزله وعمله هي أبعد ماتكون عن الديمقراطية التي يطالب الحاكم بها. أغلب حالات الزواج في الوطن العربي تتم بالطريقة التقليدية وبالإكراه مقابل مبلغ مالي يسمى المهر أو المقدَّم والمؤخَّر يدفع لوالد العروس مع أنه شرعا من حق المرأة  تفعل به ماتشاء حيث انها قد تقرر أن تودعه في البنك أو أن تستثمر به في مشروع تجاري صغير أو أن تشتري به بعض المصاغ وأمور أخرى كثيرة قد تكون في تفكير أي فتاة مقبلة على الزواج ولكن التقاليد البالية والتخلف العربي يحرمانها من حقوقها الشرعية في تجاهل واضح لنصوص قرآنية صريحة تحت مسمى العادات والتقاليد. يتم التعامل مع الفتاة المقبلة على الزواج في الوطن العربي من قبل الأهل على أنها إستثمار تجاري يتوجب أن يحقق أعلى عائد ممكن وذلك يؤدي الى زيادة نسبة العنوسة وارتفاع سن الزواج للرجال والنساء على حد سواء, في دول مثل مصر والمملكة العربية السعودية, الحالة توصف بأنها كارثية. بل إن بعض الآباء يمتنعون عن تزويج بناتهم حتى يستولي على راتبها من وظيفتها وكأنه حق مشروع له ويسمى ذلك في الشرع (التعضيل) وهو محرَّم. إن ذلك مع مرور الوقت سوف يؤدي الى إضطرابات قد تعرض الأمن الإجتماعي للبلدان العربية الى الخطر, الأسرة الصحية السليمة هي اللبنة الأساسية لبناء مجتمع صحي وسليم خالي من العيوب وتدمير مفهوم الأسرة سوف يؤدي الى تحلل وتفكك المجتمع.
العرب لا يستحقون الديمقراطية ولا يستحقون تطبيق اي من تلك الشعارات التي يرفعونها في مظاهراتهم لأنهم أنانيون وعنصريين مصابون بانفصام الشخصية, يتصرفون في منازلهم بطريقة مختلفة عن تصرفاتهم في حياتهم اليومية وأمام أصدقائهم. يتفاخرون بالحديث مع بنات على الهاتف بينما أحدهم قد يكون السبب في إرسال شقيقته الى المشفى نتيجة حديثها مع أحدهم على الهاتف والذي قد يكون زميل عمل أو دراسة. تخيلوا مظاهرات تخرج في بلد ما من الوطن العربي تطالب بالحرية والديمقراطية بينما في الوقت نفسه تدعو الى الإبادة العرقية والطائفية. مواطن يحب بلده ومستعد للموت في سبيل الدفاع عنه يلقي بالقمامة من نافذة سيارته الى الشارع العام. ربُّ أسرة يخرج في مظاهرة يطالب بالحريات وفي الوقت نفسه يقوم بتزويج بناته بالإكراه. نظام قضائي قائم على الفساد والرشوة والواسطة والمحسوبية على الرغم من أن العدل أساس المُلك. الفقير والضعيف تطحن عظامه طحنا بسبب غلاء المعيشة والتضخم والفقر ولكنه في الوقت نفسه مطالب بالدفاع عن الوطن ضد كل خطر يتهدده بدلا من أصحاب المليارات الذين يسرقون قوته وقوت عياله ويكدسون الأموال في حسابات في سويسرا وبنما وجزر العذراء البريطانية. ولذلك أقول لكم, فليذهب الوطن العربي الى الجحيم وليحترق العرب في جهنم فليس لدى الشعوب ما تخسره.

النهاية

Monday, June 24, 2019

صراع بلا هوية, محاولة لفهم الصراع العربي-الصهيوني

المشكلة التي يعاني منها الإعلام في الوطن العربي في تعاطيه مع الصراع العربي-الإسرائيلي لها شقان: الشق الأول هو تصويره لذلك الصراع على أنه صراع فلسطيني-يهودي، بينما الشق الثاني هو تسليط الأضواء الإعلامية على اليهود وليس على الحركة الصهيونية وذلك يسمح لوسائل الإعلام الغربية الموالية لدولة الكيان الصهيوني بإطلاق العنان للاتهامات بمعاداة السامية. الرئيس المصري جمال عبد الناصر دعا على سبيل المثال الى إلقاء اليهود في البحر، دعوة صريحة للإبادة العرقية لقومية أو شعب بناء على أسس دينية مما أدى الى استغلال الحركة الصهيونية لتلك التصريحات من أجل كسب المزيد من التعاطف. ولذلك السبب لا أستغرب تعاطف الإعلام الغربي والمواطن الضحية في الدول الغربية مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين ومع الدعوات لتهجير الشعب الفلسطيني وحتى إبادة العرب باعتبارها حقا مشروعا للدفاع عن النفس أمام تلك التهديدات.
الإعلام المأجور في الوطن العربي يحاول تسويق التسويات والمصالحات مع الكيان الصهيوني على أنها نهاية البؤس العربي وبداية المستقبل المشرق. قناة الجزيرة القطرية تتصدر المشهد الإعلامي فيما يتعلق بالمصالحة مع الكيان الصهيوني فهي تستضيف رموزه وقادته على شاشتها حتى يقدموا التبريرات لجرائمهم بحق الأطفال والنساء والشيوخ في فلسطين المحتلة. قناة الجزيرة أدخلت المحتل الصهيوني الى بيوتنا عبر شاشات التلفاز وفق مبدأ الرأي والرأي الأخر وكأنه من حق المحتل وغاصب الأرض إبداء رأيه. هناك سفارة لدولة الكيان الصهيوني في قطر بل ويتبادل المسؤولون في كلا البلدين الزيارات. دول عربية أخرى ترغب في تطبيع العلاقات مع دولة الكيان الصهيوني ولكنها لظروف داخلية لا يمكنها من الإعلان عن ذلك صراحة، تقوم بتوظيف أشخاص يتبعون في وزارة الإعلام أو في بعض الحالات وزارة الداخلية حتى يقوموا بالترويج عبر شبكة الإنترنت في المنتديات والمواقع والمدونات ومحاولة تهيئة الرأي العام من أجل تلك الغاية.
أحزاب الإسلام السياسي والتيارات الدينية والسلفية على اختلاف مسمياتها هي الأخرى ليست بأفضل حالا حيث يقوم بعضها بالترويج للمصالحة مع اليهود باعتبار اليهودية دينا سماويا وأن إسقاط جميع الأنظمة العربية وأسلمة الشعوب في الوطن العربي ولو بالقوة هو الطريق لتحرير فلسطين. تلك الأحزاب والتيارات تستغل منابر المساجد ولديها محطات إعلامية خاصة بها وذلك في سبيل محاولة إقناع العرب بأن قتال الشيعة والأقليات الدينية الأخرى مثل المسيحيين هو أولى وأهم من القتال في سبيل تحرير فلسطين حتى لا تطعن قوات المجاهدين الربانيين في الظهر من قبل أعدائهم. وفي سبيل تمهيد الطريق من أجل تحرير فلسطين، طار السعودي عبد العزيز سويلم المشهور باسم خطاب الى الشيشان وارتحل أسامة ابن لادن الى أفغانستان وقرر أبو مصعب الزرقاوي أن قتال الشيعة في العراق وتفجير أسواقهم ومساجدهم أفضل عن الله ثوابا من القتال في فلسطين وانتقل المجاهدين الربانيين تحفهم عناية الله ورعايته بطائرات الناتو ودعم من الولايات المتحدة وبريطانيا الى يوغسلافيا للحرب بالوكالة عن تلك الدول الغربية باسم الإسلام والمسلمين. كل أولئك المجاهدين الربانيين يقاتلون في العراق, سوريا, اليمن, ليبيا, الشيشان, طاجيكستان, أفغانستان, نيجيريا وبقاع أخرى في مشارق الأرض ومغاربها ولكن عيونهم على بيت المقدس.
المشهد يمثل قمة الهزلية والسخرية لأن أي شخص يصدق الإعلام هو شخص مغفل محدود الذكاء قليل الفهم. لا يوجد أي مشكلة مع اليهود أو اليهودية بل المشكلة مع الحركة الصهيونية وانتقادها ليس معاداة للسامية فهي حركة سياسية استعمارية استغلت حتى اليهود واليهودية في سبيل تحقيق أجندتها السياسية. الإعلام العربي الفاشل أبدا ودوما في التعاطي مع قضية الصراع العربي-الإسرائيلي فشل في تقديم صورة واضحة للجماهير بأن ذلك الصراع ليس مجرد صراع فلسطيني-يهودي بل عربي-صهيوني، الحركة الصهيونية لن تهدأ حتى تسيطر على كامل الأراضي التوراتية من الفرات الى النيل، أي أن العراق، مصر، سوريا، الأردن في مرمى أطماعها مع ضمان تفتيت باقي الدول العربية الى قوميات وعرقيات واثنيات دينية تتصارع فيما بينها. في كتاب "فلسطيني بلا هوية،" يروي خليل الوزير كيف أن المفكرين العرب فشلوا في التعامل مع المسألة الفلسطينية على أنها صراع ضد الحركة الصهيونية وليس ضد اليهود أنفسهم. البروفيسور شلومو ساند المشهور بتأليفه مجموعة من الكتب التي تنتقد دولة الكيان الصهيوني أهمها "اختراع الشعب اليهودي" كان صريحا وواضحا في كشف وفضح محاولة تزييف التاريخ التي تقوم بها الحركة الصهيونية ولكنه في الوقت نفسه لم ولن يكون مؤيدا لدعوات إلقاء اليهود في البحر على الرغم من أنه يعتبر نفسه ملحدا وليس يهودي الديانة. البروفيسور نورمان فينكلستاين وهو يهودي معارض للحركة الصهيونية واستغلال معاناة اليهود ولكنه ليس معارضا لليهود أنفسهم أو لليهودية فهو يهودي الديانة والإنتماء.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Friday, June 21, 2019

ماهي اسباب أزمة قروض الرهون العقارية 2007/2008؟

كليفلاند هي ثاني أكبر مدن ولاية أوهايو الأمريكية من حيث عدد السكان الذي يبلغ ٥٠٠ ألف نسمة تقريبا. تشتهر مدينة كليفلاند بالصناعات ويعتبر المستشفى الذي يحمل إسم المدينة أحد أهم منشآت العلاج الطبي في الولايات المتحدة والعالم. ولكن تلك المدينة الوادعة كانت على موعد مع حديث هام على المستوى العالمي, إنهيار سوق الرهون العقارية المتدنية الجودة 2007/2008 حيث أن تزايد إعلان حالات العجز عن سداد القروض العقارية بين مواطني الولاية هي السبب في لفت الإنتباه الى وجود مشكلة ما في سوق وول ستريت تتعلق بالتزامات الدين المكفول(CDO – Collateral Damage Obligation) والتي من المفترض أنها مصنفة كاستثمارات آمنة عبر ما يعرف بمبادلة مخاطر الائتمان(CDS – Credit Default Swap).
خلال الفترة من 2004 الى 2006, ارتفع سعر برميل النفط بأكثر من 30 دولار من 35دولار الى 68 دولار للبرميل وكذلك سعر الفائدة. سعر الفائدة لعمليات الإقتراض الداخلية بين البنوك والمؤسسات المصرفية(Federal Funds rate) إرتفع 5% خلال تلك الفترة. أسعار المحاصيل ارتفعت بشدة وكذلك أسعار المواد الغذائية والتموينية والمواد الأولية مما أطلق العنان لأسوأ أزمة مالية وإقتصادية مر بها الاقتصاد العالمي منذ إنهيار سوق وول ستريت 1929-1933.
ولكن هناك من يرى أن الأزمة المالية 2007/2008 والتي كادت تعصف بالإقتصاد العالمي ليس لها علاقة بنوعية الأصول المالية المتداولة في سوق وول ستريت وأسواق البورصة حول العالم, الصدمة النفطية التي تمثلت بإرتفاع أسعار النفط الى مستويات غير مسبوقة هي السبب في تلك الأزمة. بل إن بعض الأراء تعتقد أن أربعة من أخر خمسة أزمات كساد مر بها العالم كانت أزمات طاقة سببها ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط. خلال الفترة 2002-2008, إرتفعت أسعار النفط 500% وتجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل. ولكن هناك أراء أخرى ترى أن بداية الأزمة الاقتصادية 2007/2008 تتمثل في انخفاض غير مسبوق في مبيعات قطاع السيارات بما يشمله من قطع تبديل وصيانة وذلك بسبب ارتفاع أسعار الوقود التي بلغت سنة 2008 4 دولارات أمريكية للغالون وعزوف عدد كبير من الأمريكيين بسبب ذلك عن شراء سيارة خصوصا من يقومون بذلك لأول مرة.
الولايات المتحدة كغيرها من الدول المستوردة للنفط لديها حساسية من أي ارتفاع لأسعار تلك المادة الحيوية. ولكن ذلك ليس له علاقة بعدم قدرتها على رفع مستوى الإنتاج فهي أعلنت مؤخرا تحولها الى دولة مصدرة للنفط سنة 2017/2018 ولكنها مسألة لها علاقة باعتبارات سياسية بالدرجة الأولى. المواطن الأمريكي يتأثر بإنخفاض أو ارتفاع  أسعار الوقود وتلك مسألة لها أهمية فيما يتعلق بالإنتخابات سواء الرئاسية أو الكونجرس. ولكن شركات النفط خصوصا في ولايتي تكساس ولويزيانا تستفيد بشكل رئيسي من ارتفاع أسعار الذهب الأسود فهي تجني أرباحا تقدر بالمليارات وتوفر وظائف في المجتمعات التي تتواجد فيها. إن مسألة انخفاض أو ارتفاع أسعار النفط بالنسبة للولايات المتحدة  وحتى دول أوروبا واليابان تعتبر مسألة تتناقض بطريقة تثير دهشة المتابعين. فمن جهة, هناك شركات النفط والقطاعات المرتبطة بها والتي تجني أرباحا هائلة, ولكن هناك القطاع الصناعي الذي يتضرر بشدة يليه قطاعات أخرى مثل قطاع السياحة وقطاع البيع بالتجزئة وقطاع الخدمات.
إن الدين(Debt) والتي يطلق البعض عليها تلطفا كلمة (Leverage) لا تعتبر مشكلة مزمنة في ظل أسعار فائدة منخفضة حيث يمكن بإستمرار الحصول على المزيد من القروض وإعادة جدولة القروض السابقة. كما أن ارتفاع الطلب على السلع والخدمات في ظل أسعار فائدة منخفضة يعني تكوين فقاعات إقتصادية سوف تنفجر مخلفة ورائها أزمات مالية في حال ارتفاع أسعار الفائدة. الولايات المتحدة مدينة بما يقدر 20 تريليون دولار أمريكي وأي شخص لديه مهارات أساسية في الرياضيات يستطيع حساب خدمة الدين الأمريكي مع كل زيادة 1% في أسعار الفائدة. الولايات المتحدة لديها حساسية بالغة ليس فقط من ارتفاع أسعار النفط بل من ارتفاع أسعار الفائدة وهما أمران متلازمان, سعر مرتفع لتلك المادة الحيوية يعني إنخفاض السيولة المتوفرة وإرتفاع سعر الفائدة على الإقراض والعكس صحيح. نسبة الدين الذي تراكم على المواطن الأمريكي مقارنة بصافي الدخل بعد خصم الضرائب قد إرتفع من 88% سنة 2000 الى 125% منتصف سنة 2008, بريطانيا ارتفع 20 نقطة مئوية, أستراليا 100% الى 160% وكندا 100% الى 130% خلال نفس الفترة. ارتفاع أسعار النفط في الفترة 2005-2007 قد أدى الى إنتقال حوالي تريليون دولار أمريكي من الدول المستوردة للنفط الى الدول المنتجة له مما يعني حرمان الأسواق المحلية في البلدان المستوردة للنفط من دخل مالي يمكن أن يتم إنفاقه في قطاعات أخرى.
إنخفاض أسعار النفط يعني إنخفاض أسعار المواصلات وخطوط شحن البضائع عبر الطرق البرية, البحرية والجوية, انخفاض أسعار الشحن يعني القدرة على الإستفادة من العمالة منخفضة الأجر وذلك يعني العولمة. هناك بعض وجهات النظر التي تعزى بالفضل الى المفاوضين وخبراء التجارة الدولية في إنخفاض التضخم على المستوى العالمي وذلك بفضل العولمة واتفاقياتها المختلفة وليس بفضل رؤساء البنوك المركزية وسياسة تخفيض سعر الفائدة. كل ذلك كان ممكنا بفضل انخفاض أسعار النفط. بالإضافة الى كل ذلك فإن انخفاض أسعار النفط الذي جعل أسعار الفائدة المنخفضة ممكنا مما يعني قدرة مؤسسات الإقراض العقاري على تمويل قروض سكنية منخفضة الجودة(Subprime Mortgage) لأشخاص بعضهم عاطل عن العمل والبعض الأخر لا يتمكن حتى من سداد أول قسط شهري من رهنه العقاري. ولكن انخفاض سعر الفائدة يعتبر فرصة لمن يرغب في الإقتراض سواء لتمويل شراء منزل أو سيارة أو حتى للبنوك والمؤسسات المصرفية في وول ستريت ولكن ليس للمتقاعدين وصغار المستثمرين الذين لن يستطيعوا الحصول على عائد مجزي لأموالهم في ظل معدل فائدة يقترب من الصفر مئوية. وفي الحقيقة, فإن صناديق التقاعد كانت إحدى ضحايا تلك الأدوات المالية المسمومة والتي منحت درجة(AAA) من قبل وكالات التصنيف الإئتماني على الرغم من أنها على أرض الواقع بدون قيمة فعلية.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

كيف يؤثر إرتفاع سعر النفط على الإقتصاد والناتج المحلي الإجمالي؟

اليابان هي إحدى الدول الأسيوية التي نهضت من تحت رماد الحرب العالمية الثانية وأنقاض مدنها المدمرة لتقوم ببناء قاعدة صناعية وتجارية غاية في العظمة والثروة. ولكن وكما يقولون, فإن وراء الأكمة ما تخفيه وتجري الرياح أحيانا بما لا تشتهي السفن. الاقتصاد الياباني عانى لفترة عشرة سنوات متواصلة من أطول فترة كساد إقتصادي على الرغم من نمو وازدهار الاقتصاد العالمي بمعدلات تصل الى 5%. الكثير من الشركات اليابانية مثل سوني وفي ظل إزدهار مفهوم العولمة واتفاقيات التجارة الحرة نقلت مصانعها الى دول تتوفر على عمالة منخفضة الثمن وذلك حتى تستطيع المنافسة على المستوى العالمي. اليابان عانت من الكساد بسبب تراكم القروض المالية التي منحت بشروط ميسرة وبقيت دون سداد لفترة زمنية طويلة بسبب تردي الوضع الاقتصادي. أزمة 2007/2008 بدأت وإقتصاد اليابان يعاني من الكساد مما يعني أعباء إضافية ترتبت على المسؤولين الحكوميين للخروج من أزمتين في وقت واحد, واحدة داخلية والأخرى خارجية كان من الممكن أن تهوي بالاقتصاد العالمي الى الحضيض.
التجربة الأرجنتينية لمحاربة الكساد وإنعاش الاقتصاد 1989-1990 إنتهت الى تضخم مفرط بنسبة 2000% ومحاولة الولايات المتحدة الخروج من أزمة الكساد التي تسببت بها كارثة الرهون العقارية المنخفضة الجودة 2007/2008 قد تنتهي بكارثة مماثلة مع إجمالي عجز في الموازنة بلغ 14 تريليون دولار وعجز سنوي بلغ 1.7 تريليون دولار في ذلك الوقت. إن قيام بنك الإحتياطي الفيدرالي بشراء سندات دين حكومية تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية بدولارات مطبوعة حديثا وبدون أن يتوسع الاقتصاد ويزداد معدل الناتج المحلي الإجمالي يعني التضخم, ارتفاع أسعار السلع والخدمات والمواد الأولية على مستوى الولايات المتحدة والعالم. الصين بصفتها أكبر حائز لسندات وزارة الخارجية الأمريكية تراقب بشكل مستمر أسعار صرف الدولار الأمريكي مقارنة بغيره من العملات لأن ارتفاع مستوى التضخم  في الولايات المتحدة والعالم يعني خسارة جزء من قيمة السندات التي تحوز عليها وهي تقدر 1.5 تريليون دولار مقيمة بالدولار الأمريكي.
الطلب على النفط سوف يزداد مع نمو الناتج الإجمالي المحلي على مستوى العالم حيث يزداد الطلب على السلع والخدمات. ولكن الاقتصاد العالمي ليس في حالة نمو دائم حيث ينخفض مستوى الطلب على النفط في حالة الكساد وانخفاض الناتج الإجمالي المحلي. ولكن تراجع سعر النفط من مستوى 140 دولار للبرميل الى 40 دولار للبرميل خلال فترة الكساد الاقتصادي التي أعقبت أزمة 2007/2008 لا يحمل الكثير من الأخبار السارة حيث ان سعر 40 دولار للبرميل كان يبدو مرتفعا في أوقات سابقة, أسعار النفط تميل للارتفاع خلال فترات الازدهار الاقتصادي ولكنها لا تعود لمستواها السابق خلال مرحلة الكساد التي تليها. إن ذلك يعني الخسائر لشركات التنقيب عن النفط والتي تعبر عن منظومة اقتصادية متكاملة حيث تتعاظم الخسائر مثل الإنهيار الثلجي الذي قد يبدأ بندف ثلجية صغيرة تتجمع مع بعضها وتتحول لكرة ثلجية ثم إنهيار يجرف في طريقه كل شيء. إن مشاريع تطوير النفط في ولاية ألبرتا الكندية والتي تعني التكلفة المرتفعة بسبب صعوبة استخراج مايعرف بالنفط الرملي(Oil Sands). خلال فترة الكساد التي أعقبت أزمة الرهون العقارية 2007/2008 في الولايات المتحدة, تم إلغاء ماقيمته 50 مليار دولار كندي من مشاريع تطوير حقول النفط الرملي في ولاية ألبرتا. وقد أثر ذلك على مدن وبلدات بكاملها مثل بلدة فورتماكماري(FortMacmary) التي تعتمد بشكل رئيسي على سكانها القاطنين فيها ممن يعملون في شركات التنقيب عن النفط. إلغاء 50 مليار دولار من المشاريع يعني خسارة عائدات وضرائب تجنيها الحكومات الفيدرالية والمحلية وخسارة وظائف في القطاع الخاص وربما الحكومي وخسائر للمواطنين والمقيمين بسبب زيادة في الضرائب قد تفرضها الحكومة لتعويض النقص في الدخل من النفط.
ارتفاع تكلفة إنتاج النفط وازدياد صعوبة الحصول على المزيد من الإمدادات يجب أن تؤخذ في الحسبان حيث أنها إحدى الأسباب التي تمنع انخفاض أسعار النفط الى مستوياتها السابقة في حالة الكساد الاقتصادي. الصين خلال فترة الثمانينيات, كانت تستهلك 2 مليون برميل من النفط يوميا, ولكنها اليوم تستهلك أكثر من 7 ملايين برميل. وفي حالة الكساد الاقتصادي وإنخفاض ناتجها المحلي الإجمالي, فإن إستهلاك الصين للنفط سوف ينخفض ولكنه لن يعود لمستوى 2مليون برميل كما في السابق. هناك عدد من العوامل التي تلعب دورا في ذلك لعل أهمها هو ازدياد قدرة الدول على إمتصاص الصدمات الاقتصادية بدون خسارة عدد كبير من المواطنين لوظائفهم. وهناك عامل الزيادة السكانية التي تلعب دورا مهما في منع انخفاض أسعار النفط في حالة الكساد الاقتصادي الى مستوياتها السابقة.
هناك عوامل أخرى لها علاقة بانخفاض أو ارتفاع سعر النفط ولكنها قد تبدو للبعض ثانوية على الرغم من أهميتها في الحوارات والنقاشات بين المختصين. العامل الأول هو كميات النفط الجديدة المكتشفة التي تنخفض سنة بعد أخرى. العامل الثاني هو إرتباط سعر النفط بسعر صرف الدولار الأمريكي حيث أن الدولار هو عملة الإحتياطي العالمي والعملة التي يتم من خلال بيع وشراء النفط. بالنسبة للعامل الأول, الحديث فيه قد يطول حيث تتعدد الآراء حوله بين مؤيد ومعارض لنظريات ذروة الإنتاج النفطي ونهاية عصر النفط. العامل الثاني له علاقة بالسياسات النقدية للحكومة الأمريكية التي تتجه نحو تخفيض سعر صرف الدولار بما يمنح تنافسية للصادرات الأمريكية. ولكن إنخفاض سعر صرف الدولار أمام العملات الأخرى يعني موجة تضخم سوف تشمل النفط كسلعة أساسية بما يعني ارتفاع سعره حتى في حالة زيادة الإنتاج وانخفاض الطلب.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

العملية أورانوس, بداية النهاية لمعركة ستالينغراد

لم يكن غيورغي جوكوف جنرالا عاديا بل كان بطلا من أبطال الإتحاد السوفياتي بكل ما تحمله كلمة البطولة من معنى. الجنرال جوكوف, أو زوكوف كما يلفظها البعض, أحد أعظم القادة العسكريين في الجيش الأحمر وأكثرهم تحقيقا للانتصارات وسجل يخلو من الهزائم. كما أنه قد تم تكريمه بوسام بطل الإتحاد السوفياتي لقيادته قوات الجيش الأحمر في معركة خالخين غول(1938-1939) وتحقيقه الإنتصار على القوات اليابانية. وكان جوكوف الذي تم ترقيته لرتبة جنرال سنة 1941 قائدا عسكريا عبقريا وصاحب تقنيات عسكرية تسجل له كإستخدام الجسور تحت الماء وتبديل محركات الدبابات القابلة للإنفجار بمحركات ديزل حديثة وتقنيات عسكرية أخرى. وبلغت براعة الجنرال جوكوف في القيادة العسكرية لتوزيع القيادة العسكرية للجيش الأحمر الضباط المشاركين في معركة خالخين غول الإستراتيجية إلى الفرق العسكرية التي تفتقد للخبرة لرفع مستواها العسكرية. إن العملية العسكرية لتطويق لتطويق القوات الألمانية في ستالينجراد وتحرير المدينة والتي عرفت بإسم أورانوس(Uranus) كانت إحدى أهم الإنجازات خلال مسيرته العسكرية.
العملية أورانوس هي أحد أبرع عمليات الخداع العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية والتي قاتل فيها أكثر من مليون جندي سوفياتي, 800 دبابة, 13000 قطعة مدفعية, ألف طائرة. الهدف من العملية كان بشكل رئيسي تطويق قوات الجيش الألماني السادس بقيادة الجنرال المارشال فريدريش باولس والتي كانت تتمركز في مدينة ستالينجراد ومحيطها بالإضافة إلى مجموعات الجيوش الرومانية المساندة لها, الجيشين الثالث والرابع الرومانيين والتي كانت تحمي أجناب القوات الألمانية. إن القوات الألمانية خلال الفترة التي سبقت الهجوم كانت في حالة سيئة وتعاني من قلة في الأفراد والمعدات فقد كانت مسؤولة عن خط دفاعي بطول 160 كم ومتورطة في عملية هجومية على مساحة تمتد بطول 400 كم. القوات المساند للجيش الألماني السادس والتي كانت تضم قوات ألمانية أخرى كالجيش الميداني الثاني, الجيش الرابع دبابات ومجموعة قوات تنتمي لدول الحلفاء كانت تقاتل مع القوات الألمانية في جبهة ستالينجراد والتي لم تكن بأفضل حالا من نظيرتها الألمانية حيث كانت تعاني من هبوط معنويات أفرادها ومن نقص حاد في المعدات والتموين والذخيرة حتى أنها كانت تعتمد على الخيول في تحريك مدفعية الميدان التي تمتلكها.
ولعل الصدفة لعبت دورها في نجاح تلك العملية حيث أن الهجوم كان مخططا له أن يبدأ في الساعة 5:20 دقيقة صباحا بتوقيت برلين, 7:20 صباحا بتوقيت الإتحاد السوفياتي. وبعد وقت قصير من الساعة الخامسة صباحا, تلقى مقر القوات الألمانية السادسة الذي كان يقع في إحدى القرى على الضفة اليمنى لنهر الدون إتصالا هاتفيا من الملازم جيرهارد شتوك يحذر بناء على معلومات من أحد جنود الإستطلاع السوفيات المقبوض عليهم في قطاع فرقة الخيالة الرومانية الأولى من هجوم سوفياتي وشيك في الساعة الخامسة صباحا, ولكن اتصاله لم يؤخذ على محمل الجد لأن الساعة قد كانت قد تجاوزت الخامسة وقد كانت الإنذارات الكاذبة شائعة في تلك الفترة. ولكن الإنذار الذي تم تجاهله في مقر قوات الجيش الألماني السادس لم يكن كاذبا فالهجوم بدأ بالفعل الساعة 7:20 صباحا بتوقيت الإتحاد السوفياتي وذالك بقصف مدفعي مرَكَّز إشترك فيه 3500 قطعة مدفعية مدفعية وهاون إستمر حوالي 80 دقيقة وهدفت وحت ستار الضباب الكثيف وأصوات القصف لتمهيد المنطقة لتقدم 12 وحدة مشاة, 3 فيالق الدبابات وفيلقين من الخيالة بإتجاه الخطوط الدفاعية الرومانية. القصف إستهدف حصريا القطاعات على أجناب الجيش الألماني السادس والتي كانت تحميها قوات المحور المساندة للقوات النازية خصوصا الجيش الثالث الروماني في القطاع الشمالي لمدينة ستالينجراد. وقد تمكنت القوات الرومانية من صد أول موجتين من الهجوم ولكن نقص الذخيرة والمدفعية المضادة للدبابات بالإضافة إلى أوامر قادة الجيش الأحمر بإستخدام موجات هجومية بالمدرعات مباشرة ضد المواقع الرومانية قد أجبر تلك القوات على الانسحاب الفوضوي. وفي منتصف النهار, حققت فرقة الدبابات الرابعة وفرقة حرس الخيالة الثالثة إختراقا لمواقع الجيش الروماني الثالث في قطاع منطقة(Kletskaya), بينما عند إقتراب نهاية يوم من المعارك الضارية, تم هزيمة قوات الجيش الروماني الرابع التي تراجعت بقاياها التي نجت من التطويق مخلفة عددا كبيرا من القتلى والأسرى.
وخلال فترة زمنية قصيرة, تحققت أهداف العملية أورانوس بالكامل حيث تم حصار مجموعة كبيرة من القوات الألمانية وقوات دول المحور تبلغ بحسب بعض التقديرات 200-300 ألف بينهم قوات الجيش الألماني السادس, الجيش الألماني الرابع, مجموعة من فيالق المشاة وعدة مجموعات من القوات الكرواتية والرومانية المساندة لقوات الجيش الألماني. البعض يرجع أسباب نجاح العملية إلى إعتقاد هتلر بأنه تم تدمير أغلب القوات السوفياتية الفاعلة خلال العملية بارباروسا وأن الجيش الأحمر لم يكن يتوفر على أعداد كافية من القوات لتحقيق هجوم مضاد وفاعل في ستالينجراد والقوقاز, ولكن القادة العسكريين السوفيات أثبتوا لنظرائهم الألمان خطاهم وتمكنوا من حشد مليون جندي لتحقيق الهجوم المضاد في ستالينجراد وتطويق القوات الألمانية بدون حساب القوات التي تم حشدها على الجبهات الأخرى, بينما يرجع آخرون أسباب نجاح الهجوم إلى السرية التي رافقت التخطيط والإعداد على الرغم من أن حشد تلك الأعداد الهائلة من الجنود والدبابات وقطع المدفعية تجعل من مجرد ذكر موضوع السرية أمرا مثيرا للضحك. وقد تكون الصدفة أو ردة الفعل الألمانية البطئية أو برد الشتاء القارس هي السبب نجاح الهجوم. ومهما تكن أسباب نجاح ذلك الهجوم الذي كان بداية النهاية لعملية بارباروسا حيث بدأ التراجع الألماني على طول الجبهة الشرقية وأيضا في أوروبا وفي كافة الجبهات, فإنه لا يمكن ان ننكر أن البطولة والإنضباط والتضحية وهي سمات كان يتصف بها قادة وضباط وجنود الجيش الأحمر قد كان لعبت الدور الأكبر في تحقيق الإنتصار تلو الإنتصار على الجبهة الشرقية وصولا للتحرير الكامل والسيطرة على العاصمة الألمانية برلين.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

إرتفاع سعر النفط يعني أن عالمنا سوف ينكمش ويصبح أصغر

يحمل ارتفاع سعر النفط الكثير من الأخبار السارَّة للصناعة في البلدان المستوردة له حيث سوف يجعل من البحث عن بدائل محلية أولوية بالنسبة للمستهلكين بما يؤدي الى إنتعاشها. ولكن المشكلة في سعر برميل النفط هو التذبذب بين الإنخفاض أو الإرتفاع بهامش زمني لا يترك فرصة لاتخاذ قرارات طويلة المدى من قبل المصنعين المحليين. وكما هو معلوم فإن العولمة أصبحت أمرا واقعا بفضل التطور في أمرين إثنين يجب أن لا يغفل عنهما القارئ: الأول, التطور في وسائل الاتصالات. الثاني, التطور في وسائل النقل والمواصلات. إنخفاض أسعار النفط جعل من كل ذلك ممكنا.
قطاع الخدمات يساهم بنسبة تقريبية تصل الى 70% من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة وأوروبا, في أستراليا النسبة تبلغ 53%-65%. ولكن الأمر لم يكن كذلك في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين حين كان القطاع الصناعي يساهم بنسبة 50% تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة وفي بلدان أوروبية. إنخفاض أسعار النفط جعل من الممكن للشركات المختلفة البحث عن مصادر للعمالة الرخيصة بدون أن تقلق من ارتفاع تكلفة النقل حيث قام عدد كبير من الشركات بنقل مصانعها الى دول مثل الصين, فيتنام, تايوان, الهند, باكستان وبنغلاديش. ولكن كل ذلك سوف يتغير مع ارتفاع أسعار النفط وبروز البطالة مشكلة رئيسية على قائمة الأجندات الانتخابية للمرشحين في البلدان الغربية والأوروبية التي تضررت بشدة من عولمة الوظائف.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدأ بتنفيذ وعود حملته الانتخابية فيما يتعلق بالشركات الأمريكية التي تتواجد مصانعها خارج الولايات المتحدة. دونالد ترامب اعلن الحرب على العولمة لأن السياسة ليست عبارة إلا عن لعبة مصالح وفي الوقت الحالي فإن المصلحة السياسية تقتضي بفرض تعريفات جمركية على صادرات دول مثل الصين والمكسيك الى الولايات المتحدة. حتى دول الإتحاد الأوروبي وكندا لم تسلم من تهديدات الرئيس الأمريكي التي بدأ بتنفيذ بعضها.
إن أحد القطاعات التي تتأثر بإنخفاض أو ارتفاع أسعار النفط هي قطاع المحاصيل مثل الحبوب وكذلك المنتجات الغذائية. الكثير من الأراضي الزراعية التهمتها مشاريع التطوير العمراني والطرق التي تم بنائها للربط بين الضواحي الجديدة حول المدن حيث حلت مكان المزارع التي كانت تنتج المحاصيل للإستهلاك المحلي. كما أن نمط الإنتاج الزراعي قد بدأ ومنذ نهاية سبعينيات القرن العشرين بالتحول الى نمط الإنتاج المكثف(Industrial Farming) حيث يتم استخدام هرمونات النمو, المحفزات, الأسمدة الكيميائية والمحاصيل المعدلة وراثيا بشكل رئيسي لزيادة الإنتاج بدون حساب الآثار الصحية والجانبية. أسعار النفط المنخفضة جعلت من الممكن نقل المنتجات الغذائية من مسافات تصل الى 3000 ميل من بلد المنشأ.
إن الدول التي يمكن لها أن تقوم بتصدير الإلكترونيات المنخفضة الثمن الى البلدان الأخرى, يمكن لها أن تقوم بتصدير المنتجات الزراعية. أفلام وثائقية متعددة تناولت عولمة المنتجات الزراعية خصوصا فيلم (Rotten) والذي عرض على قناة نيتفلكس وكان يتحدث عن زراعة وتصدير الثوم من الصين الى الولايات المتحدة, وفيلم (لعبة العولمة وكذبة التجارة الحرة) الذي عرض على قناة دي دبليو الألمانية وتناول تأثير العولمة على المزارعين في الدول النامية وعدم قدرتهم على المنافسة مع المحاصيل الزراعية التي يتم تصديرها من دول أوروبية بأسعار تقل بكثير عن المنتجات الزراعية المحلية. ولكن ارتفاع أسعار النفط لن يجعل مائدة الطعام تمتلئ بشكل فوري بالمنتجات المحلية ولكنها سوف تستغرق بعض الوقت. الزراعة المحلية خسرت الكثير بسبب منافسة المنتجات الزراعية المستوردة و تآكل الرقعة الزراعية بسبب الزحف العمراني وتحتاج الى بعض الوقت والكثير من الدعم الحكومي حتى تتعافى وتكون قادرة على المنافسة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية