Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label ليندون جونسون. Show all posts
Showing posts with label ليندون جونسون. Show all posts

Saturday, March 21, 2026

كيف بدأ عصر الدولار؟ وكيف من الممكن أن ينتهي؟

الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس هيمنت خلال حقبة تاريخية من منتصف القرن السابع عشر حتى بداية الحرب العالمية الأولى على ربع مساحة الكرة الأرضية حيث كانت تتواجد في مستعمراتها في أمريكا الشمالية, الهند, جنوب إفريقيا, كينيا, نيجيريا, العراق, الأردن, اليمن, إيران, الإنتداب البريطاني في فلسطين بالإضافة الى دول تتبع الكومنولث البريطاني مع صلاحيات حكم ذاتي مثل كندا, أستراليا ونيوزيلاندا. بريطاني كانت تتمتع بموقع جغرافي يعتبر حصنا طبيعيا مما جعل الدفاع عنها بأقل قدر ممكن من القوة العسكرية أمرا ممكنا.  كما أن البحرية الملكية البريطانية كانت تعتبر الأقوى عالميا وتسيطر على جميع ممرات الملاحة البحرية خصوصا جبل طارق, مضيق باب المندب, مضيق هرمز وقناة السويس. الجنيه الإسترليني كان عملة الاحتياط العالمية حيث سيطرت بريطانيا على احتياطيات ضخمة من الذهب خصوصا مناجم جنوب إفريقيا وحقول النفط في العراق وإيران. 

إنَّ دوام الحال من المحال فقد بدأت بريطانيا في فقدان السيطرة مع تأسيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة سنة ١٩١٣ و الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤ حيث بدأ الدولار الأمريكي التغلغل في الاقتصاد الأوروبي و سحبت مدينة نيويورك البساط من لندن بوصفها عاصمة مالية واقتصادية عالمية. أوروبا خصوصا بريطانيا كانت في أمس الحاجة خلال الحربين العالمية الأولى والثانية الى مشاركة الولايات المتحدة وقوتها العسكرية فقد كانت هزيمة ألمانيا غير ممكنة بدون مساهمة الولايات المتحدة. ولكن مساهمة الولايات المتحدة في الحربين العالميتين لم تكن مجانية حيث كانت الولايات المتحدة لا تقبل الدفع مقابل الأسلحة والذخائر والمؤن إلا ذهبا وكانت النتيجة بداية تراكم احتياطي ذهبي ضخم في حيازة الحكومة الأمريكية. كما أن دولا أوروبية سارعت خلال الحرب العالمية الثانية الى إرسال احتياطيات بنوكها المركزية من الذهب الى الولايات المتحدة حتى تكون في مأمن من تقدم القوات الألمانية في أوروبا التي كانت تتقدم وتحتل الدول الأوروبية بأقل قدر من المقاومة وبدون مقاومة في حالات أخرى. 

النظام الاقتصادي العالمي خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية فرضت الولايات المتحدة قواعده وقوانينه في اتفاقية بريتون وودز سنة ١٩٤٤ التي عقدت اجتماعاتها في ولاية نيوهامشير  في فندق ماونت واشنطن قرب غابات بريتون. المجتمعون اتفقوا على مجموعة بنود, اعتماد الدولار الأمريكي عملة احتياط عالمية مقابل ربطه بالذهب في معادلة سعرية ٣٥ دولار/أونصة, وتأسيس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. أوروبا وافقت مضطرة على تلك البنود بسبب حاجتها الى أموال خطة مارشال لإعادة الإعمار حيث كان الاقتصاد الأمريكي خرج من الحرب سليما بينما دمرت مدن أوروبا التي أصبح بعضها أنقاض وتدمر الاقتصاد في أوروبا. بريطانيا على وجه التحديد كانت مرتبطة بالولايات المتحدة اقتصاديا من خلال اتفاقية الإعارة والتأجير كما أنها حصلت على قرض أمريكي ضخم سنة ١٩٤٦ حتى تتمكن من الحفاظ على اقتصادها من الانهيار. 

سنة ١٩٧١ قامت الولايات المتحدة مدفوعة بضغوطات إقتصادية بالتخلي عن إتفاقية بريتون وودز وقامت بتعويم الدولار أمام العملات الأخرى في أسواق الصرف العالمية. إن تلك الضغوطات الإقتصادية يمكن تلخيص أسبابها في حرب فيتنام وخطط التوسع الاقتصادي خلال فترة حكم الرئيس ليندون جونسون حيث قامت الحكومة الأمريكية بطباعة الدولار بكميات متزايدة مما ادى الى شعور دول أوروبية على رأسها فرنسا بالقلق ومبادلة الدولار مقابل الذهب تطبيقا لاتفاقية بريتون وودز ١٩٤٤. الولايات المتحدة ومن خلال اتفاقية جامايكا ١٩٧٦ و بلازا ١٩٨٥ بادرت الى تغيير النظام المالي العالمي من إرتباط أسعار الصرف بالدولار والذهب الى نظام أسعار الصرف العائمة والتعويم الحر، منهية بذلك دور الذهب التقليدي في النقد الدولي. كما أن الولايات المتحدة نجحت في الحفاظ على مركز ومكانة الدولار الأمريكي من خلال إتفاقية سنة ١٩٧٥ مع المملكة العربية السعودية  أكبر منتج للنفط من خلال إتفاقية البترودولار, بيع النفط حصريا مقابل الدولار الأمريكي وفرض ذلك على منظمة أوبك وباقي الدول حتى الإتحاد السوفيتي أكبر منتج للنفط خارج المنظمة.

حاليا, الاقتصاد العالمي مازال يدور في فلك الدولار الأمريكي الذي يهيمن من خلال القوة العسكرية الأمريكية. إن أي دولة تحاول الخروج من عباءة الدولار الأمريكي سوف تتعرض الى تدخل الولايات المتحدة في شؤونها من خلال العقوبات الاقتصادية, الحرمان من نظام سويفت أو  أسلحة دمار شامل وحتى الغزو العسكري المباشر مثل العراق سنة ٢٠٠٣ . روسيا والصين من خلال تحالف البريكس تسعى الى التخلي عن الدولار الأمريكي ولكن بحذر خوفا من ضياع أموال ضخمة استثمرتها في سندات وزارة الخزانة الأمريكي. الولايات المتحدة سوف تسعى بكل قوة لاستمرار هيمنتها على الاقتصاد العالمي بمختلف الوسائل حتى لو من خلال الحرب والتهديد بإستخدام الأسلحة النووية. الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران تعتبر أحد حروب البترودولار الأمريكية وربما تكون أخر تلك الحروب التي من الواضح أنها مثل كرة الثلج المتدحرجة التي سوف تجرف كل من يقف في طريقها. 

هناك نظام عالمي جديد يمر بمرحلة مخاض صعبة وعسيرة حيث تلعب الحروب والأزمات دورا في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية والجيوسياسية العالمية وربما ظهور تحالفات جديدة. النتيجة ربما نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب تلعب الولايات المتحدة دورا مهما ولكن من دون هيمنة مطلقة. روسيا والصين تلعبان دورا مهما في إعادة رسم خريطة النفوذ العالمية. دول منظمة التعاون الخليجى بالتعاون مع العراق لديها فرصة لا ثمينة لا تعوض حيث تعتبر مصدر النفط الرئيسي وممكن إعتماد دينار ذهبي خليجي مدعوما باحتياطيات النفط ومخزون ضخم من العملة الصعبة الى لعب دور مهم في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي ودق مسمار أخير في نعش الدولار الأمريكي. 

تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة

الوطن أو الموت

النهاية


Friday, October 14, 2022

هل بدأ العد التنازلي لإنهيار النظام المالي العالمي؟(٣)

الدول الأوروبية بدأت في مطلع الستينيات في الشعور بالقلق من قيام الولايات المتحدة بطباعة الدولار الأمريكي بوتيرة متزايدة وبدون تغطية كافية من الذهب بسبب الحاجة الى تغطية نفقات حرب فيتنام وخطة التنمية الاقتصادية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي ليندون جونسون والتي عرفت بخطة المسدس والزبدة(Guns & Butter). الرئيس الفرنسي شارل ديغول انتقد الولايات المتحدة بسبب ذلك في خطاب ألقاه في فبراير/١٩٦٥ على شاشة التلفزيون الفرنسي. وقد كانت الدول الأوروبية قد بدأت في النهوض اقتصاديا خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وبدأ الميزان التجاري بينها وبين الولايات المتحدة في الجنوح نحو الدول الأوروبية التي تراكمت لديها نتيجة ذلك احتياطيات ضخمة من الدولار الأمريكي. وسنة ١٩٦٥م طالبت فرنسا الولايات المتحدة مبادلة كميات من الدولار مقابل الذهب وفق بنود إتفاقية بريتون وودز وكان ذلك سببا رئيسيا في سقوطه سنة ١٩٦٩م فقد بدأت دول أوروبية أخرى في مطالبة الولايات المتحدة العمل وفق بنود إتفاقية بريتون-وودز ومبادلة الدولار مقابل الذهب.

الولايات المتحدة لم تقف موقف المتفرج على ما كانت تعتبره حربا اقتصادية ضدها وإستنزاف احتياطيها من الذهب. الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أعلن سنة ١٩٧١م إيقاف مبادلة الدولار الأمريكي مقابل الذهب بما يعني عمليا إيقاف العمل بإتفاقية بريتون وودز و تعويم الدولار الأمريكي أمام العملات الأخرى في أسواق الصرف الدولية. وسنة ١٩٧٦م تم الإجهاز رسميا على اتفاقية بريتون وودز وذلك بالتوقيع على اتفاقية جامايكا والتي تم من خلالها الإتفاق على أسعار صرف العملات مقابل الدولار الأمريكي.

ولكن الولايات المتحدة أصبحت في حاجة إلى مخرج مناسب من أجل الحفاظ على عملتها التي أصبحت تصدر من الهواء بعد أن كانت نظريا تستند إلى تغطية ذهبية في إصدارها. وقد كانت الحل في إتفاقية البترودولار والتي كان عرابها مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر الذي عقد اتفاقا مع المملكة العربية السعودية ملخصه أن تبيع النفط حصريا مقابل الدولار مقابل تقديم الحماية الأمريكية إلى نظام الحكم وأولوية في الحصول على أحدث الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الأمريكية. المملكة العربية السعودية التي كانت الدولة الأولى في إنتاج النفط وبالتالي لديها القدرة على التأثير على أسعاره وقد أدى قرارها إلى التزام الدول الأخرى الأعضاء في منظمة أوبك بيع النفط مقابل الدولار الأمريكي حصريا وأي دولة كانت تخالف ذلك كان يتم التعامل معها من الولايات المتحدة بإسقاط نظامها من خلال الغزو العسكري المباشر كما حصل مع العراق أو من خلال مايعرف بالثورات الملونة أو النسخة الشرق الأوسطية وهي الربيع العربي كما حصل مع ليبيا.

إنَّ الولايات المتحدة لم تكن تعاني من مشكلة طباعة الدولار طالما كان نفوذها الإقتصادي يتوسع بإستمرار حيث هناك دائما المزيد من الأسواق التي يمكن أن تستوعب ذلك. وحاليا هناك عدد محدود من الأماكن التي يمكن من خلال التوسع في سيطرة ونفوذ الدولار الأمريكي مثل كوريا الشمالية, سوريا, إيران وربما المملكة العربية السعودية حيث بنوكها المركزية هي مؤسسات حكومية تخضع للقرارات التي تصدرها الحكومات التي بالتالي تتحكم في كمية النقد التي تصدرها تلك البنوك. ولكن الأزمة الإقتصادية سنة ٢٠٠٧م والتي أدت الى أزمة كساد لا زال العالم يعاني منها إلى يومنا هي عوارض أزمة حادة ومزمنة بدأ النظام المالي العالمي يعاني منها ويمكن إعتبار الديون هي جزء لا يتجزأ من تلك الازمة لأنه منذ اتفاقية جامايكا سنة ١٩٧٦م, لم يتم إيجاد بديل مقبول عن إتفاقية بريتون وودز وبالتالي ليس الدولار الأمريكي هو ماتم تعويمه بل الإقتصاد العالمي تم تعويمه على هرم من الديون دون أي بديل آخر مقبول. والحقيقة أن تلك الأزمة والتي يمكن اختصارها بالعثور على ذلك البديل لن يكون إيجاد حل لها من خلال طرق تفاوضية سلمية وتلك حقيقة تاريخية مثبتة والشاهد هو الأزمة السورية والحرب الروسية-الأوكرانية وحتى الإتفاق النووي مع إيران وأزمات أخرى يغرق بها العالم تنذر بقيام حرب عالمية ثالثة قد لا تبقى من الحضارة البشرية ولا تذر.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


هل بدأ العد التنازلي لإنهيار النظام المالي العالمي؟(٢)

البنك المركزي الأمريكي أو بنك الإحتياطي الفيدرالي الذي تم إنشائه سنة ١٩١٣م لم يكن أول محاولة من أجل إنشاء مؤسسات مماثلة في الولايات المتحدة بل سبقه إنشاء بنك الولايات المتحدة الأول سنة ١٧٩١م وبنك الولايات المتحدة الثاني سنة ١٨١٧م حيث بدأ ظهور الأزمات الاقتصادية وازدياد مستوى الدين العام الحكومي. ولعل مايميز بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عن غيره من البنوك المركزية هو أن تأثيره على مجريات الأحداث الاقتصادية عالمي يتجاوز حدود الولايات المتحدة والسبب هو الدولار الأمريكي ومركزه عملة احتياطي عالمي وهو أمر سوف يأتي ذكره لاحقا في الموضوع. ولعله محض صدفة أن الحرب العالمية الأولى قد بدأت سنة ١٩١٤م خلال سنة واحدة من إنشاء البنك.

إنَّ بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي هو مؤسسة خاصة ليس للحكومة الأمريكية أي سلطة فعلية عليها. وحتى يكون ذلك مفهوما أكثر, لابدَّ من أن أشرح بإختصار البنية الأساسية للبنك. هناك مجلس محافظين يتألف من سبعة أشخاص يقوم الرئيس الأمريكي بترشيحهم ويوافق على تعيينهم الكونغرس الأمريكي. وبينما ذلك قد يبدو من الظاهر أنَّ للحكومة الأمريكي سلطة سياسية على مجلس المحافظين للبنك إلا أنها سلطة إسمية تنتهي مع توقيع قرار تعيينهم رسميا. إنَّ عملية تعيينهم نفسها تحاظ بنوع من الغموض الإعلامي حيث من المحظور على الإعلام الحديث عن ذلك أو إطلاع العامة عليه. هناك إثني عشر مصرفا إقليميا يخضع لمجلس المحافظين حيث يمثِّل بنك الحتياطي الفيدرالي في نيويورك المقر الرئيسي الذي تصدر عنه القرارات الهامة ويراقب عمل فروع البنك الأخرى. كل فرع إقليمي للبنك يتألف مجلس إدارته من تسعة أشخاص, ثلاثة أشخاص ينتخبهم المصرفيون من بين العاملين في القطاع المصرفي وثلاثة آخرون يتم انتخابهم من خارج القطاع المصرفي, بينما الثلاثة الباقون يتم تعيينهم من مجلس المحافظين للبنك الاحتياطي الفيدرالي. الرئيس الأمريكي يعيِّن مدراء الفروع الإقليمية الإثني عشر للبنك من ممثلي النخب المالية بعد موافقة مجلس المحافظين عليهم ويمثلون المصالح الخاصة لتلك النخب.

إتفاقية بريتون وودز ١٩٤٤م تمثل علامة فارقة في تاريخ النظام المالي والاقتصادي العالمي حيث نجحت الولايات المتحدة في أن تفرض الدولار الأمريكي عملة احتياط عالمية ويعود ذلك إلى مجموعة أسباب. السبب الأول هو الولايات المتحدة خرجت من الحرب العالمية الثانية دولة عظمى وقوة عسكرية حيث بقيت بعيدة نسبيا عن تأثيرات الحرب خصوصا بنيتها التحتية والصناعية بقيت سليمة. بينما أوروبا تعرَّضت الى تدمير بنيتها التحتية ومؤسساتها ومصانعها حيث تم تسوية الكثير من مدنها بالأرض ولم يبقى فيها حجرٌ على حجر. السبب الثاني أن أوروبا كانت في حاجة الى أموال خطة مارشال الأمريكية لإعادة الإعمار. السبب الثالث هو أن الولايات المتحدة التي كانت دولة مدينة وتحولت الى دولة دائنة بعد الحرب وقد أصبح لديها أكبر إحتياطي ذهب في العالم لأنَّ عددا من الدول الأوروبية قد قامت بتهريب إحتياطها من الذهب الى الولايات المتحدة خوفا من أن تستولي عليه القوات الألمانية التي كانت تتقدم في دول أوروبا كما السكين في قالب الزبدة. وبالتالي فقد نجحت في فرض الدولار على دول العالم مقابل تغطيته بالذهب وفق معادلة سعرية ٣٥ دولار/أونصة.

إنَّ تاريخ ظهور البنوك المركزية في العالم يعود الى القرن السابع عشر ولكن عملها بقي مقيَّدا وتأثيرها محدودا بسبب هيمنة المعيار الذهبي الكلاسيكي على الإقتصاد العالمي, إصدار الدولة من النقد مرتبط بالكمية التي يمكن تغطيتها مقابل احتياطي الدولة من الذهب وفق نسبة تختلف من دولة الى أخرى وقد كانت في بعض المراحل ١٠٠% وفي الولايات المتحدة وصلت الى ٤٠% سنة ١٩٤٤م تاريخ توقيع إتفاقية بريتون وودز. إن تلك الإتفاقية قد أطلقت يد بنك الإحتياطي الفيدرالي في طباعة الدولار وتوزيعه خارج حدود الولايات المتحدة بدون أن يخشى التأثيرات السلبية حتى منتصف ستينيات القرن التاسع عشر وتحديدا سنة ١٩٦٥م. إن قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي التوسع في طباعة العملة خلال الفترة التي أعقبت اتفاقية بريتون وودز الى زيادة حصة القطاع المالي في الاقتصاد الأمريكي من ٥% الى ١٠% وصولا إلى ٢٠% في مطلع سبعينيات القرن الماضي وصولا الى ٥٠% في مطلع الألفية الثالثة.

يتبع...


هل بدأ العد التنازلي لإنهيار النظام المالي العالمي؟(١)

إنَّ نظرة معمَّقَة الى تاريخ النظام المالي العالمي سوف تؤدي الى إستنتاج ظهور ذلك النظام منذ زمن بعيد جدا وتطوَّرَ تاريخيا وبالتدريج مع مرور الوقت. ولكن خلال كل التطَّور التي مرَّ بها النظام المالي فإنَّ آلية إصدار النقد قد تم الخفاظ عليها تحت سيطرة الحكومات. ولو دقَّقنا في التفاصيل والأحداث سوف نجد أن أي عملية تغيير في طبيعة ذلك النظام وبنيته الأساسية لم تكن تتم من خلال وسائل وطرق سلمية, الحكومات كانت تحاول بإستمرار الحفاظ على حقها في طباعة العملة وإصدار النقد بينما النخب المالية كانت تنافسها في ذلك والسبب أنَّ من يتحكم في إصدار النقد كان يملك صلاحيات واسعة في التحكم بالإقتصاد والتجارة وحتى السياسة وهو ما أكَّدَه امشيل روتشيلد مؤسس أحد أكثر العائلات المصرفية شهرة في التاريخ حيث صرَّح سنة ١٧٩٠م:"دعني اتحكم في إصدار عملة بلد ما ولا يهمني بعد ذلك من يكتب قانونها." ناثان روتشيلد حفيد امشيل من إبنه ماير الأب المؤسس للأسرة المصرفية صرَّحَ سنة ١٨١٥م:"لايهمني من يعتلي العرش البريطاني فالرجل الذي يصدر ويتحكم في أموال الإمبراطورية البريطانية هو الذي يحكم بريطانيا وانا الذي يتحكم في أموال الإمبراطورية."

ومن خلال تلك النظرة المعمَّقة ومحاولة ربط الأحداث بعضها ببعض وإيجاد الصلة بينها سوف نكتشف أنه على سبيل المثال أنَّ إنشاء البنوك المركزية يمثِّلُ أول مراحل التغيير في البنية الأساسية للنظام الإقتصادي على مستوى العالم. إنَّ دراسة تاريخ البنوك المركزية يثبت خطأ المفهوم الشائع أنَّ بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي هو أول تلك المؤسسات الخاصة التي تم إنشائها من أجل التحكم في إصدار النقد وطباعة العملة. بنك إنجلترا المركزي تم إنشائه بعد ثورة عنيفة وحرب أهلية دموية إنتهت الى إعدام ملك إنجلترا تشارلز الأول سنة ١٦٤٩م  أمام المبنى الذي سوف يصبح لاحقا مقرا للبنك. البنك المركزي الفرنسي تم إنشائه سنة ١٨٠٠م خلال الفترة التي أعقبت أحداث الثورة الفرنسية(١٧٨٩م-١٧٩٩م)  التي كانت أيضا دموية وعنيفة للغاية وانتهت الى إعدام الملك الفرنسي لويس السادس عشر تاريخ ٢١/يناير/١٧٩١م.

هناك مفهوم شائع آخر ولكنه خاطئ حول دور آل روتشيلد في الإقتصاد العالمي وظهور البنوك المركزية. إنَّ أقدم البنوك المركزية ربما ظهر في إنجلترا خلال القرن السابع عشر وتحديدا سنة ١٦٩٤م بينما ظهرت عائلة آل روتشيلد وأصبح تأثيرها واضحا نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر. إذا, فإنَّ ظهور آل روتشيلد هو نتيجة للتغيرات في النظام الإقتصادي العالمي وليس سببا في تلك التغيرات. الأزمات الإقتصادية هي نتيجة طبيعية للدور الذي بدأت تؤديه البنوك المركزية ودورها في الاقتصاد وحركة التجارة العالمية. إنَّ وقوع الأزمات والفقاعات الإقتصادية وزيادة وتيرتها كان متزامنا مع تأسيس البنوك المركزية في مختلف البلدان الأوروبية. إنَّ الازمات الإقتصادية يجمع بينها عوامل مشتركة مثل أزمة الكساد العظيم(١٩٢٩م-١٩٣٣م) وأزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة(٢٠٠٧م-٢٠٠٨م) مع فارق بسيط هو أنَّ الأزمات اللاحقة بدات مع مرور الوقت في التحول الى أزمات عالمية, أي أنَّ حدود الأزمة تجاوزت دولة المنشأ وبدأت في التأثير العميق على إقتصاد الدول الأخرى. كلما إزداد نفوذ الدولة وقتها العسكرية ومساحات الأراضي التي تسيطر عليها, كلما إزدادت الأزمات الإقتصادية في الشِّدّة والتأثير.

وفي الولايات المتحدة فقد كانت الصراع بين الرؤساء الأمريكيين والنخب المالية الخاصة لا يختلف عنه في أوروبا. رؤساء الولايات المتحدة مثل إبراهام لينكولين و أندرو جاكسون قاوموا محاولات إنشاء بنوك مركزية حيث أدرك الآباء المؤسسون مخاطر السماح بإنشاء تلك المؤسسات. إبراهام لينكولن تم اغتياله سنة ١٤/ابريل/١٨٦٥م بينما تعرض أندرو جاكسون الى عدة محاولات اغتيال نجا منها بأعجوبة. الرئيس الأمريكي جون كينيدي تم إغتياله في مدينة دالاس تاريخ ٢٢/نوفمبر/١٩٦٣م بعد أن أصدر المرسوم رقم ١١١١٠ والذي أعاد سلطة طباعة النقد الى وزارة الخزانة وليس بنك الإحتياطي الفيدرالي. إنَّ أول قرار تم إتخاذه من نائب الرئيس ليندون جونسون حيث أصبح رئيسا هو إلغاء القرار السابق الذي أصدره جون كينيدي مما يجعل من الواضح مسار الأحداث وأسبابها وكيف يتم التخطيط لها.

يتبع...


Wednesday, December 1, 2021

صدمة نيكسون, الدولار وأزمة الحظر النفطي سنة ١٩٧٣-١٩٧٤

هناك حدث مهم وقع سنة ١٩٤٤ وأدى إلى تأثيرات مباشرة على الاقتصاد العالمي لعقود قادمة. الحدث هو اجتماع مندوبي ٤٤ دولة في فندق ماونت واشنطن قرب غابات بريتون وودز في ولاية نيوهامبشير الأمريكية من أجل تقسيم كعكة الاقتصاد خلال الفترة التي سوف تعقب الحرب العالمية الثانية. الولايات المتحدة فرضت وجهة نظرها في المؤتمر حيث تم الإتفاق على تأسيس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وأن يتم اعتماد الدولار عملة احتياطية عالمية مقابل أن تضمن الحكومة الأمريكية عملتها بالذهب وفق سعر ٣٥ دولار/أونصة. الدول الأخرى في المؤتمر كانت مضطرة الى الموافقة حيث أنَّ الولايات المتحدة خرجت من الحرب بأقوى مما دخلتها, إقتصاد قوي وبنية تحتية سليمة. كما أن الدول الأوروبية كانت بحاجة الى أموال إعادة الإعمار وفق خطة مارشال وبالتالي كانت الدول الأخرى التي حضرت المؤتمر مضطرة إلى الموافقة. 

الولايات المتحدة وبسبب التزاماتها في الحرب الكورية, قامت بطباعة كميات متزايدة من الدولارات وقد تمكنت من تغطية ذلك الأمر سياسيا وإقتصاديا تحت مسمى خطة مارشال ونفقات القوات الأمريكية المتواجدة في أوروبا. ولكن الأمر بدأت في الخروج عن السيطرة مع بدايات حرب فيتنام وإرسال ما يقرب من ٥٠٠ ألف جندي ومستشار أمريكي من أجل هزيمة فيتنام الشمالية وثورا الفيتكونغ. كما أن خطة الرئيس الأمريكي ليندون جونسون (المسدس والزبدة-Gun & Butter) والمتعلقة بزيادة الإنفاق العسكري والمدني قد أدت إلى زيادة الضغوطات على العملة الأمريكية. الدول الأوروبية التي بدأت تظهر عليها آثار الإنتعاش الإقتصادي خصوصا في تحقيق فائض تجاري مع الولايات المتحدة قد بدأت تفقد الثقة في مركز الدولار الأمريكي ومكانته عملة الاحتياط العالمية. فرنسا كانت من أوائل الدول التي طالبت الولايات المتحدة بمبادرة الدولارات الفائضة لديها مقابل الذهب وفق نصوص إتفاقية بريتون-وودز وتبعتها دول أوروبية أخرى مما أدى الى تناقص احتياطي الذهب الأمريكي الى مستويات منخفضة.

سنة 1971 شهدت حدثا مهما آخر وهو ظهور الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في ١٥/أغسطس على التلفاز الأمريكي وأعلن التوقف عن مبادلة الدولار الأمريكي مقابل الذهب فيما عرف بإسم صدمة نيكسون. الرئيس الأمريكي وإن أعلن أن ذلك إجراء مؤقت سوف ينتهي العمل به بمجرد إصلاح إتفاقية بريتون-وودز, إلا أنه كان على يقين باستحالة ذلك وهو ما تمثل سنة ١٩٧٣ في تعويم الدولار الأمريكي رسميا أمام العملات الأخرى في أسواق الصرف اتفاقية جامايكا سنة ١٩٧٦ والتي كانت بمثابة إعلان عن انتهاء العمل باتفاقية بريتون-وودز. ولكن صدمة نيكسون ليست الحدث الوحيد المهم سنة ١٩٧١ بل هناك إنهيار أسواق الأسهم والبورصة في الولايات المتحدة في شهر كانون الأول حيث أدى تراجع الثقة في الدولار الأمريكي الى تراجع الرغبة في شراء أدوات مالية مقوَّمة بالدولار الأمريكي وبالتالي إنهيار أسعارها. 

أحداث مهمة ومفصلية العالم ما بعدها لن يكون كما قبلها. سنة ١٩٧٣ شهدت حدثا مهما ومحوريا وهو حرب رمضان ١٩٧٣ ثم إعلان قرار الحظر النفطي وإرتفاع أسعار النفط ٤٠٠%. سنة ١٩٧٤ تم الإعلان عن انتهاء الحظر النفطي وخلال شهور قليلة من نفس السنة تم الإعلان عن إنتهاء أزمة البورصة الأمريكية. الولايات المتحدة عقدت إتفاقية سنة ١٩٧٥ مع المملكة العربية السعودية ملخصها أن النفط السعودي يباع حصريا مقابل الدولار الأمريكي وأن المملكة العربية السعودية بوصفها العضو الأكثر تأثيرا على مستويات الإنتاج ضمن منظمة أوبك تتعهد بفرض ذلك. مستشار الأمن القومي الأمريكي وعراب تلك الإتفاقية ريتشارد نيكسون الذي كان يدرك أهميتها للولايات المتحدة التي كانت في حاجة إلى فرض قوة وهيمنة الدولار بوسيلة أخرى تمهيدا لاتفاقية جامايكا سنة ١٩٧٦. الولايات المتحدة تعهدت الى المملكة العربية السعودية حمايتها وضمان أمنها وتصدير أحدث المعدات والأسلحة الأمريكية لها مقابل الموافقة على شروط الولايات المتحدة.

إن كل ما سبق ذكره يؤدي الى نتيجة مهمة مفادها أن النفط وإن كان أحد السلع(Commodities) إلا أنه لا يشبه أي سلعة أخرى بسبب أهميته للاقتصاد العالمي. إن العلاقة الثلاثية بين سعر النفط, الدولار والذهب لا يمكن تحديدها بطريقة تقليدية وإن كانت ما تزال تخضع الى قانون العرض والطلب وذلك بسبب تشابك الاقتصاد العالمي وتعقيده. في موضوع قادم إن شاء الله سوف أقوم على توضيح تلك العلاقة وصراع النخب الإقتصادية العالمية وارتباطها مع ثلاثي النفط, الدولار والذهب. 

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية


Saturday, December 12, 2020

النفط...ثم النفط...ثم النفط...ثم الدولار

الدولار والنفط هما خطان أحمران بالنسبة الى الولايات المتحدة حيث سوف يتم التعامل بشكل مباشر مع كل من يتخطاهما. الدولار الأمريكي قصته معروفة وهي أنه تم الإعتراف به العملة الاحتياطية العالمية إثر مؤتمر بريتون-وودز سنة 1944 حيث كانت الولايات المتحدة هي المنتصر في الحرب وهي الطرف الأقوى بين دول الحلفاء. بالإضافة الى أن أوروبا كانت بحاجة ماسة الى الأموال الأمريكية ضمن خطة مارشال لإعادة إعمار مدنها المدمرة و اقتصادها المنهار. أما بالنسبة الى النفط فقصته أيضا لها علاقة مباشرة بمخرجات مؤتمر بريتون-وودز الذي أقر الدولار عملة احتياطية عالمية مقابل الذهب بمعدل 35 دولار/غرام. ولكن الولايات المتحدة مع بداية حرب فيتنام وخطة الرئيس ليندون جونسون المعروفة (Guns & Butter), بدأت بطباعة كميات من الدولار بما يزيد عن إحتياطي الذهب وذلك للإنفاق على برامج التسليح والرعاية الإجتماعية مما أدى الى مطالبة حلفائها مثل فرنسا وألمانيا بمبادلة الدولارات المتراكمة لديهم مقابل الذهب حسب شروط إتفاقية بريتون-وودز حتى أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون التخلي عن مبادلة الدولار مقابل الذهب وذلك سنة 1971.

ولكن  الدولار إستمر في اعتباره العملة الاحتياطية العالمية على الرغم من اتفاقية جامايكا شنة 1976 التي سمحت بتعويم سعر صرف الذهب مقابل العملات الأخرى وذلك بسبب إتفاقية بين الولايات المتحدة والسعودية نهاية سنة 1974 كان عرابها وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر تتلخص في بيع النفط مقابل الدولار حصريا. وحيث أن السعودية كانت تعتبر أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك مما أدى الى تحويل ذلك الاتفاق الى قوة القانون على الدول الأخرى وأي دولة لا تلتزم به سوف تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. وسوف يعتقد البعض أن الملك فيصل رحمه الله قد أدى خدمة جليلة للولايات المتحدة ولكنه تم اغتياله سنة 1975 حيث أطلق عليه النار إبن شقيقه فيصل بن مساعد بن عبد العزيز في عملية يقال أن لها خلفية ثأرية حيث أن خالد بن مساعد, شقيق فيصل بن مساعد, قد قتل خلال مظاهرة مسلحة محاولا اقتحام مبنى التلفزيون السعودي. ولكن الأمير فيصل بن مساعد درس لفترة طويلة في الولايات المتحدة مما أدى الى شكوك حول تورط الولايات المتحدة في تلك الحادثة.

والحقيقة أن الولايات المتحدة لم تنسى للملك فيصل خطوته الجريئة خلال فترة الحظر النفطي 1973-1975 التي تمثلت في تخفيض الإنتاج 5% والتهديد بوقف تصدير النفط الى الولايات المتحدة ودول أوروبية في حال الإستمرار في تقديم الدعم الى دولة الكيان الصهيوني. حتى أن هنري كيسنجر قدّم إقتراحا خلال تلك الفترة بسيطرة الولايات المتحدة بالقوة العسكرية على حقول النفط السعودية. ولذلك لا أستبعد تورط الحكومة الأمريكية أو تحالف الشركات النفطية في إغتيال الملك فيصل رحمه الله. المثير للاستغراب هو تسجيل وجدته على اليوتيوب يزعم أن الملك فيصل كان لديه مخطط من أجل بيع النفط مقابل مايعرف بالدينار العربي الذي سوف يتم تداوله بين الحكومات وليس بين العامة. وقد يعتقد البعض أن ذلك التسجيل يتناقض مع اتفاقية النفط مقابل الدولار ولكنني أختلف مع ذلك لأن الملك فيصل رحمه الله قد يكون قبل بتلك الإتفاقية مرحليا بينما كان يخطط لأمر أخر.

الملك فيصل رحمه الله ليس أول ملك أو رئيس عربي يسقط ضحية الخطوط الحمراء الأمريكية ولن يكون الأخير. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان صريحا حول أسباب تواجد قوات أمريكية في سوريا وأنه يريد حصة من النفط السوري. وقد يستغرب البعض ويتسائل عن الحقول النفطية في سوريا التي ترغب الولايات المتحدة في السيطرة عليها أو عن كمية النفط التي سوف تنتجها تلك الحقول. ولكن الرغبة الأمريكية في النفط السوري ليست إلا كعب أخيل, ذريعة لتواجد الشركات الأمريكية في سوريا التي سوف تزحف بالتدريج على كافة المقدرات والثروات الطبيعية. الرئيس العراقي صدام حسين بدأ في بيع النفط العراقي مقابل اليورو, الرئيس الليبي معمر القذافي كان يحاول إقناع دول إفريقيا بعدم بيع ثرواتها الطبيعية خصوصا النفط إلا مقابل الدينار الذهبي الإفريقي والحرب على سوريا لها علاقة بحقول النفط وخطوط نقل الغاز والنفط وهو المقترح القطري الذي رفضت الحكومة السورية حتى مناقشته. وعند سؤال مسؤول أمريكي حول عدم التدخل عسكريا في كوريا الشمالية على الرغم من من أنها تمتلك أسلحة دمار شامل كما تدخلت في العراق, كان الجواب صريحا وواضحا: لا يوجد في كوريا الشمالية نفط.

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Wednesday, September 19, 2018

أزمة الدولار الأمريكي والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والعالم

إن الولايات المتحدة قد بأت منذ ماقبل نهاية الحرب العالمية الثانية برسم ملامح نظام مالي وإقتصادي عالمي يكون الدولار الأمريكي في قلبه ويلعب دورا رئيسيا ومركزيا. البداية كانت من إتفاقية بريتون-وودز حيث قبلت الدول الأوروبية تحت ضغط الحاجة للمساعدة الإقتصادية والعسكرية الأمريكية بالدولار الأمريكي كعملة إحتياطية عالمية مقابل أن يكون قابلا للمبادلة بالذهب بسعر 35 دولار أمريكي للأونصة. أوروبا المثقلة بجراح الحرب وببنية تحتية مدمرة كانت تحتاج وبشدة لأموال خطة مارشال الأمريكي لإعادة الإعمار وبسبب ذالك لم يكن هناك مشكلة في أن يصبح الدولار الأمريكي ملك العملات او الدولار الملك(The King Dollar). ومع مرور الوقت, تمكنت أوروبا ودول أسيوية كاليابان من تجاوز أثار الحرب وإعادة إعمار بنيتها التحتية والصناعية وتراكمت لديها إحتياطيات من الدولار نتيجة التجارة مع الولايات المتحدفالميزان التجاري كان يميل لصالح الدول الأوروبية خصوصا في قطاع السيارات. الولايات المتحدة كانت قد تورطت في حرب فيتنام وزادت نفقاتها العسكرية ونفقات دولة الرفاه الإجتماعي خلال عهد الرئيس ليندون جونسون فبدأت بطباعة كميات هائلة من الدولار بدون تغطية ذهبية كافية بالمخالفة لشروط الإتفاقية فكانت ردة الفعل الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا بتحويل إحتياطيها المتراكم من الدولارات إلى ذهب مما أجبر الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس ريتشارد نيكسون سنة 1971 إلى إيقاف العمل بإتفاقية بريتون وودز حيث إتهم دولا أوروبية بشن حرب تجارية وإقتصادية ضد بلاده.
وخلال تلك الفترة , فقد تم تعويم سعر صرف الدولار الأمريكي أمام العملات الأخرى وإنخفض سعر صرفه بنسبة تقدر 40% مما أدى إلى موجة تضخم على المستوى العالمي وصدمة للكثير من الدول التي تضررت بشدة من تلك الخطوة. ولكن عبقرية ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر قد أدت إلى فكرة للحفاظ على مركز الدولار كعملة إحتياطية عالمية وبالتالي الحفاظ على الهيمنة الإقتصادية الأمريكية, فبدلا من الربط بين سعر الذهب وسعر صرف الدولار الأمريكي, فقد تمكن من إقناع مجموعة من الدول المصدرة للنفط وعلى رأسها المملكة العربية السعودية من الإمتناع عن بيع النفط إلا مقابل الدولار الأمريكي مما أبقى الطلب على الدولار مرتفعا وأدى إلى تحسن في سعر صرفه أمام العملات الأخرى. التحولات الإقتصادية في الولايات المتحدة خلال بداية الثمانينيات وإنتشار مفاهيم كالعولمة وإتفاقية التجارة الحرة كالجات(GATT) ومنظمة التجارة العالمية(WTO) التي تم تأسيسها سنة 1995, قد ادى إلى تحول نحو الثقافة الإستهلاكية حيث أصبحت الولايات المتحدة أكبر سوق للبضائع الإستهلاكية وأكبر مستورد لها في العالم. الشركات الأمريكية المشبعة بمفاهيم الربحية والمنفعة الذاتية قد قامت بنقل مصانعها خارج الولايات المتحدة خصوصا في الصين, الهند ودول أسيوية أخرى وكذالك في دول أمريكا اللاتينية كالمكسيك حيث تتوفر العمالة الرخيصة والمدربة وكذالك الإعفائات الضريبية. ومن أجل إستمرار إنتعاش سوق الصادرات, فإن تلك الدول كانت تقوم بشراء أدوات مالية مقومة بالدولار الأمريكي أهمها السندات الحكومية التي تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية مما أبقى الطلب على الدولار الأمريكي مرتفعا وبالتالي الحفاظ على سعر صرفه المرتفع أمام العملات الاخرى.
إن تحول الإقتصاد الأمريكي نحو الإستهلاك وتحول عدد كبير من الدول للإعتماد على السوق الأمريكي كسوق تصدير رئيسية لتحقيق فائض تجاري إيجابي ودعم إحتياطاتها من العملات الصعبة وعلى رأسها الدولار الأمريكي, قد أدى إلى حالة من الإعتماد على السوق الأمريكي وصلت لمستويات تهدد بازمة إقتصادية سوف تعاني منها تلك الدول في حال تباطئ الإقتصاد الأمريكي أو التحول من ثقافة الإستهلاك نحو التصنيع والإدخار وهو مايحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القيام به حيث أعلن عنه خلال حملته الإنتخابية. فدونالد ترامب قد فهم بذكاء حجم المرارة لدى الشعب الأمريكي بسبب فقدان عدد كبير من الوظائف نتيجة إنتقال الشركات الأمريكية إلى دول كالمكسيك والهند والصين وخسارة الولايات المتحدة لقاعدتها الصناعية حيث يكافح ماتبقى من شركات للبقاء. أجندات الرئيس الأمريكي كانت بسيطة وواضحة, على الشركات الأمريكي العودة وإفتتاح مصانعها في الولايات المتحدة وعلى الصين أن تتجاوب مع المطالب الأمريكي حول مجموعة من المسائل لعل أهمها المتعلق بسعر صرف اليوان مقابل الدولار الأمريكي. دونالد ترامب الذي يتصرف بحسب أراء بعض المحللين بطريقة غير متوازنة لم يسلم من تهديداته حتى دولا حليفة ككندا التي ردت على فرض الرئيس الأمريكي رسوما جمركية على وارداتها من الحديد 25% والألومنيوم 10% بفرض ضرائب بقيمة 300 مليون دولار كندي على واردات أمريكية بقيمة تزيد عن 16 مليار دولار كندي(12.6 مليار دولار أمريكي). ولكن الرئيس الأمريكي تراجع في وقت لاحق مستثنيا كندا والمكسيك بعد تعرضه لضغوطات من شركات أمريكية ولوبيات مصالح نافذة تضررت مصالحها التجارية من تلك القرارات.
إن القرارات الأخيرة التي إتخذها الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألومنيوم للولايات المتحدة قد توسعت لاحقا لما يوصف بأنه حرب تجارية لتشمل الصين بفرض رسوم جمركية على واردات صينية للسوق الأمريكية بقيمة 34 مليار دولار ثم تم توسعة القائمة لتشمل واردات بقيمة 50 مليار دولار ومؤخرا وصلت إلى 200 مليار دولار مع التهديد بشمول 267 مليار دولار من الصادرات الصينية للولايات المتحدة بالرسوم الجمركية إن لم تتجاوب الصين مع مطالب الإدارة الأمريكية. الحكومة الصينية سارعت للرد على القرارات الأمريكية بتقديم شكوى لمنظمة التجارة العالمية وبفرض رسوم جمركية على ماقيمته 60 مليار دولار من الواردات الأمريكي للصين مع التهديد بالمزيد في المستقبل.الحرب التجارية التي بدأها الرئيس الأمريكي لن تكون في صالح الولايات المتحدة خصوصا انها على أكثر من جبهة وتشمل الصين, كندا, المكسيك والإتحاد الأوروبي وهي تهدد بخروج أزمة ثقة إلى حيز الوجود, أزمة لها علاقة بعدم وفاء الولايات المتحدة بإتفاقياتها وإلتزاماتها تجاه حلفائها وعدم إحترامها للإتفاقيات الدولية كإتفاقية النافتا التي قامت بالتوقيع عليها وحثت دولا أخرى على القيام بذالك. إن الثقة بحكومة الولايات المتحدة على الوفاء بإلتزاماتها السياسية تعني إنتقال تلك الثقة للجانب الإقتصادي خصوصا الدولار الأمريكي وسندات وزارة الخزانة الأمريكية والإستثمارات في السوق الأمريكية. ونتيجة لسلوكيات الرئيس الأمريكي الغير مقبولة, فإن الإتحاد الأوروبي ودولار أخرى كالصين وروسيا قد بدات في البحث عن بدائل لإستخدام الدولار الأمريكي في المبادلات التجارية خصوصا الإتحاد الأوروبي الذي يعتزم شراء وارداته من الطاقة بإستخدان اليورو كبديل عن الدولار مما قد يعني بداية النهاية للدولار الأمريكي ولعالمنا كما نعرفه الأن.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Sunday, February 26, 2017

مفهوم الحروب الإقتصادية, الأسباب والأهداف

قد يخطي الكثيرون حول مفهوم الحرب الإقتصادية فهدفها النهائي هو تحقيق النصر وليس مضاعفة الثروات أو الإستيلاء على الأصول أو الأسهم. أدواتها صناديق التحوط, صناديق الإستثمار السيادية والمشتقات المالية. الخطوات التي يتم بموجبها شن الحرب الإقتصادية لا تتم بطريقة تنافسية إنما بهدف إحداث أكبر ضرر ممكن بالخصم وبإستخدام أساليب ملتوية. تلك الأساليب قد تتضمن أوامر بيع وهمية لأسهم كبريات الشركات كأبل, جوجل وأي بي إم بهدف إحداث حالة من الذعر في الأسواق أشبه بتدحرج كرة الثلج على منحدر لتتسبب بإنهيار ثلجي كامل ومدمر.
في الماضي فإن تلك النوعية من الحروب الإقتصادية والتي تستهدف الإقتصاد الأمريكي وعلى رأسه الدولار لم تكن خيارا ممكنا بسبب الهيمنة الأمريكية خصوصا في أوروبا وعلى هامش الحرب الباردة حيث كانت كثير من الدول تعتمد على الولايات المتحدة لضمان امنها وحمايتها من المد الشيوعي. ولكن سنة 1971 كانت بداية التغيير حين تخلى الرئيس الأمريكي نيكسون عن إتفاقية بريتون-وودز وفك الإرتباط بين الذهب والدولار الأمريكي حيث ذكر في خطابه أن بعض الدول تحاول شن حرب إقتصادية على الولايات المتحدة. تلك الحرب الإقتصادية لم تكن إلا مطالبات لتلك الدول إستبدال الدولارات التي تراكمت لديها بسبب الفائض التجاري الإيجابي مع الولايات المتحدة بالذهب 35 دولارا لكل أونصة بموجب إتفاقية بريتون-وودز. الولايات المتحدة في تلك الفترة كانت قد قامت بطباعة كميات كبيرة من الدولارات لتغطية نفقات حرب فيتنام ومايعرف بخطة المسدس والزبدة(Gun And Butter) والتي بدأت في عهد الرئيس الأسبق(ليندون جونسون) مما أثار قلق الكثير من الدول حول إنخفاض قيمة إحتياطيها من النقد وخصوصا الدولار الأمريكي الذي كان يعتبر العملة الرئيسية في الإحتياطي النقدي لأغلب دول العالم في تلك الفترة.
المثير للإستغراب أن ألمانيا وهي دولة صناعية وتعد أكبر إقتصاد في القارة الأوروبية وقلبها النابض كانت إلى جانب الولايات المتحدة حيث أبلغتها أنها لن تقوم بالمطالبة بإستبدال الدولارات المتوفرة لديها بالذهب بموجب إتفاقية بريتون-وودز وهو ماكان سوف يؤدي إلى إنهيار قيمة الدولار بسبب مكانة ألمانيا السياسية والإقتصادية.
ولكن ماهو المثير للإستغراب في ذالك؟
ألمانيا وعلى الرغم من إنحيازها إلى جانب الولايات المتحدة في تلك الأزمة إلا أنها كانت أكثر المتضررين من السياسات التي إتبعتها كبريات شركات النفط والطاقة الأمريكية بشكل رئيسي في وقت لاحق والتي أدت إلى إرتفاع في أسعار النفط بنسبة 400% بل وأكثر من ذالك حين تعدى سعر برميل النفط حاجز 100 دولار حتى وقت ليس ببعيد. بالنسبة لدولة صناعية كألمانيا فإن ذالك كان يعد كارثة. وحاليا يتم إستهداف أوروبا وخصوصا ألمانيا من قبل تركيا بشكل رئيسي عبر موجة اللاجئين وتحت مسميات إنسانية حيث أن كامل فائض الميزانية الألمانية والذي بلغ 10 مليارات يورو سوف يتم تخصيصه للإنفاق على اللاجئين. ألمانيا تعارض منح عضوية كاملة لتركيا في الإتحاد الأوروبي وإنضمامها لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو).
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية