Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label إبراهام لينكولن. Show all posts
Showing posts with label إبراهام لينكولن. Show all posts

Sunday, June 15, 2025

المرابين الدوليين, النظام العالمي الجديد وإعادة كتابة التاريخ

إنهيار الإتحاد السوفياتي نهاية تسعينيات القرن العشرين كان بمثابة إعلان نهاية الحرب الباردة, نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة, إعادة كتابة التاريخ من النخبة الأوليغارشية من المصرفيين والمرابيين الدوليين وبداية تأسيس نظام عالمي جديد. إن محاولة فهم الأحداث وتحليلها يتطلب إعادة قراءة مابين سطور التاريخ حيث تقف البشرية أمام نقطة محورية مهمة حيث جميع تلك الأحداث في المجالات الإجتماعية, الإقتصادية والسياسية تتحكم فيها مجموعة من النخبة هم من يطلق عليهم أباطرة المال أو المرابين(المصرفيين) الدوليين. إنَّ أحد أهم أهداف تلك المجموعة هو تحطيم الأديان لأنه ليس هناك دين يدعو الى عبادة الله والمال بإستثناء اليهودية التلمودية التي تعادي كل من يقف في طريق تحقيق مصالحها وهيمنتها العالمية.


اليهودية التلمودية والجمع بين عبادة الرب والمال نشأت في الممالك البابلية والكلدانية حيث تواجد يهود المنفى وحيث كانت هناك كما يرى بعض المؤرخين ممارسات مصرفية متطورة تعلمها وأتقنها اليهود الذي كان من المحظور عليهم العمل في الكثير من المهن والأعمال باستثناء المجال المالي والمصرفي.البشرية ومنذ بدء الخليقة وضعت أمام خيارين متعارضين تماما, أول عبادة الله بينما الثاني عبادة المال ولا يمكن الجمع بين الخيارين. اليهودية التلمودية هي الديانة الوحيدة التي جمعت بينهما وبالتالي قام بتأسيس مبدأ أنه بالإمكان عبادة الرب والثراء. إن ذلك واضح في النصوص الدينية في التوراة والتلمود حيث صنع اليهود العجل الذهبي وعبدوه وخالفوا بذلك أوامر الرب ونبي الله موسى وأثاروا الغضب عليهم. كما أن عيسى عليه السلام رفض تلك الممارسات ودخل الى مبنى الهيكل وقلب طاولات الصيارفة وباعة الحمام وأخبرهم غاضبا "إن ذلك منزل أبي جعلتموه مغارة لصوص" وكانت النتيجة محاولة قتله في أكثر من مناسبة وصولا الى القبض عليه وصلبه.


ولو استمرينا في محاولة إعادة قراءة التاريخ وصولا الى مرحلة ظهور الإسلام في منطقة شبه الجزيرة العربية, سوف نجد أن ممارسة الربا(الإقراض مقابل الفائدة) كانت أمرا شائعا واحتكار يهوديا وكان اليهود يقاومون محاولات منافستهم في ذلك. إن معاداة اليهود الرسول محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم سببها الرئيسي أن الوحي الإلهي كان يحتوي على تشريعات تحرم الفائدة وبالتالي تتعارض مع مصالح اليهود المالية. إن طرح التساؤلات حول تلك المرحلة التاريخية أمر مهم للغاية على الرغم من أن جوانب كثيرة منها بقيت مجهولة الى يومنا هذا. يهود مكة ربما كانوا مسؤولين عن تمويل قوافل رحلة الشتاء والصيف لأنهم كانوا الجهة الوحيدة التي تحتكر التعامل بالفائدة و الإقراض الربوي والتجارة مجال عملهم الرئيسي وكانوا يعملون على القضاء على جميع المنافسين.


هناك ملاحظة مهمة ورد ذكرها في كتاب البروفيسور الروسي فالنتين كاتاسونوف "نهب على الطريقة اليهودية" وهي أن جماعة فرسان الهيكل كانت تمارس إقراض المال مقابل نسبة فائدة أقل من تلك التي يقدمها اليهود. إن مصير فرسان الهيكل ونهايتهم المروعة تحدث الكثير من المؤرخين عنها وعن الاتهامات المشكوك فيها بأنهم من عبدة الشيطان وضد المسيحية. إن ما كان يقوم به فرسان الهيكل من نقل الأموال وإعطاء إيصالات يقبض بموجبها التاجر ماله من مكان أخر أو دولة أخرى يعتبر نوعا من أنواع العمل المصرفي المبكر أو شكلا بدائيا للمصارف.


المرابين الدوليين نجحوا في التغلغل في الكنيسة الكاثوليكية خصوصا مع بداية الحملات الصليبية التي يعتبرها المؤرخون أول مراحل التراكم الرأسمالي الأولي فقد حصلوا على ثروات المشرق وكنوزه الهائلة وفتحت أعينهم على محاولة استكشاف طرق تجارية بديلة عن تلك التي كان المسلمون يسيطرون عليها وبالتالي يهددون احتكارات أولئك المرابين. الكنيسة الكاثوليكية مع مرور الوقت وقبول التوراة بوصفها أحد أجزاء الكتاب المقدس, قبلت بالربا الذي أصبح أمرا شرعيا في الدين المسيحي. كما أن المسيحية البروتستانتية خلال المرحلة التي أعقبت الانشقاق الكنسي الذي قام به الراهب الألماني مارتن لوثر أصبحت تصرح بأن الإنسان يخدم الله من خلال الثراء وأن الله خلق الفقر والغنى وأن التناقض في الحياة أمر طبيعي ومن قدرة الخالق.


إن المرحلة التي أعقبت الحروب الصليبية شهدت ظهور أول البنوك التي كانت تتعامل بالفائدة والقروض في البندقية, جنوه وفلورنسا والتي تطورت من شركات تأمين على سفن الرحلات التجارية البحرية الى مصارف تقدم القروض مقابل فائدة. وقد تحولت تلك المصارف مع مرور الوقت الى فكرة البنوك المركزية. إن ثورات البرجوازية المصرفية في بريطانيا ساهمت في تأسيس بنك إنجلترا المركزي حيث انطلقت الثورة الصناعية وفي فرنسا ولاحقا في الولايات المتحدة حيث تم تأسيس البنك المركزي الأول والثاني ومن ثم بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي يعتبر متحكما في الإقتصاد العالمي من خلال قرارات رفع الفائدة أو تخفيضها مما يؤدي الى زيادة أو انكماش السيولة في الأسواق المالية الدولية. إن بنك الإحتياطي الفيدرالي وجد حتى يستمر ويبقى وأي محاولات في سبيل إنهاء دوره أو تقييد صلاحياته تقابل برد فعل معادي وعنيف ومصير رؤساء الولايات المتحدة ابراهام لينكولن و جون كينيدي مثال على ذلك.


دمتم بخير وعافية


عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة


الوطن أو الموت


النهاية


Friday, October 14, 2022

هل بدأ العد التنازلي لإنهيار النظام المالي العالمي؟(٣)

الدول الأوروبية بدأت في مطلع الستينيات في الشعور بالقلق من قيام الولايات المتحدة بطباعة الدولار الأمريكي بوتيرة متزايدة وبدون تغطية كافية من الذهب بسبب الحاجة الى تغطية نفقات حرب فيتنام وخطة التنمية الاقتصادية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي ليندون جونسون والتي عرفت بخطة المسدس والزبدة(Guns & Butter). الرئيس الفرنسي شارل ديغول انتقد الولايات المتحدة بسبب ذلك في خطاب ألقاه في فبراير/١٩٦٥ على شاشة التلفزيون الفرنسي. وقد كانت الدول الأوروبية قد بدأت في النهوض اقتصاديا خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وبدأ الميزان التجاري بينها وبين الولايات المتحدة في الجنوح نحو الدول الأوروبية التي تراكمت لديها نتيجة ذلك احتياطيات ضخمة من الدولار الأمريكي. وسنة ١٩٦٥م طالبت فرنسا الولايات المتحدة مبادلة كميات من الدولار مقابل الذهب وفق بنود إتفاقية بريتون وودز وكان ذلك سببا رئيسيا في سقوطه سنة ١٩٦٩م فقد بدأت دول أوروبية أخرى في مطالبة الولايات المتحدة العمل وفق بنود إتفاقية بريتون-وودز ومبادلة الدولار مقابل الذهب.

الولايات المتحدة لم تقف موقف المتفرج على ما كانت تعتبره حربا اقتصادية ضدها وإستنزاف احتياطيها من الذهب. الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أعلن سنة ١٩٧١م إيقاف مبادلة الدولار الأمريكي مقابل الذهب بما يعني عمليا إيقاف العمل بإتفاقية بريتون وودز و تعويم الدولار الأمريكي أمام العملات الأخرى في أسواق الصرف الدولية. وسنة ١٩٧٦م تم الإجهاز رسميا على اتفاقية بريتون وودز وذلك بالتوقيع على اتفاقية جامايكا والتي تم من خلالها الإتفاق على أسعار صرف العملات مقابل الدولار الأمريكي.

ولكن الولايات المتحدة أصبحت في حاجة إلى مخرج مناسب من أجل الحفاظ على عملتها التي أصبحت تصدر من الهواء بعد أن كانت نظريا تستند إلى تغطية ذهبية في إصدارها. وقد كانت الحل في إتفاقية البترودولار والتي كان عرابها مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر الذي عقد اتفاقا مع المملكة العربية السعودية ملخصه أن تبيع النفط حصريا مقابل الدولار مقابل تقديم الحماية الأمريكية إلى نظام الحكم وأولوية في الحصول على أحدث الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الأمريكية. المملكة العربية السعودية التي كانت الدولة الأولى في إنتاج النفط وبالتالي لديها القدرة على التأثير على أسعاره وقد أدى قرارها إلى التزام الدول الأخرى الأعضاء في منظمة أوبك بيع النفط مقابل الدولار الأمريكي حصريا وأي دولة كانت تخالف ذلك كان يتم التعامل معها من الولايات المتحدة بإسقاط نظامها من خلال الغزو العسكري المباشر كما حصل مع العراق أو من خلال مايعرف بالثورات الملونة أو النسخة الشرق الأوسطية وهي الربيع العربي كما حصل مع ليبيا.

إنَّ الولايات المتحدة لم تكن تعاني من مشكلة طباعة الدولار طالما كان نفوذها الإقتصادي يتوسع بإستمرار حيث هناك دائما المزيد من الأسواق التي يمكن أن تستوعب ذلك. وحاليا هناك عدد محدود من الأماكن التي يمكن من خلال التوسع في سيطرة ونفوذ الدولار الأمريكي مثل كوريا الشمالية, سوريا, إيران وربما المملكة العربية السعودية حيث بنوكها المركزية هي مؤسسات حكومية تخضع للقرارات التي تصدرها الحكومات التي بالتالي تتحكم في كمية النقد التي تصدرها تلك البنوك. ولكن الأزمة الإقتصادية سنة ٢٠٠٧م والتي أدت الى أزمة كساد لا زال العالم يعاني منها إلى يومنا هي عوارض أزمة حادة ومزمنة بدأ النظام المالي العالمي يعاني منها ويمكن إعتبار الديون هي جزء لا يتجزأ من تلك الازمة لأنه منذ اتفاقية جامايكا سنة ١٩٧٦م, لم يتم إيجاد بديل مقبول عن إتفاقية بريتون وودز وبالتالي ليس الدولار الأمريكي هو ماتم تعويمه بل الإقتصاد العالمي تم تعويمه على هرم من الديون دون أي بديل آخر مقبول. والحقيقة أن تلك الأزمة والتي يمكن اختصارها بالعثور على ذلك البديل لن يكون إيجاد حل لها من خلال طرق تفاوضية سلمية وتلك حقيقة تاريخية مثبتة والشاهد هو الأزمة السورية والحرب الروسية-الأوكرانية وحتى الإتفاق النووي مع إيران وأزمات أخرى يغرق بها العالم تنذر بقيام حرب عالمية ثالثة قد لا تبقى من الحضارة البشرية ولا تذر.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


هل بدأ العد التنازلي لإنهيار النظام المالي العالمي؟(٢)

البنك المركزي الأمريكي أو بنك الإحتياطي الفيدرالي الذي تم إنشائه سنة ١٩١٣م لم يكن أول محاولة من أجل إنشاء مؤسسات مماثلة في الولايات المتحدة بل سبقه إنشاء بنك الولايات المتحدة الأول سنة ١٧٩١م وبنك الولايات المتحدة الثاني سنة ١٨١٧م حيث بدأ ظهور الأزمات الاقتصادية وازدياد مستوى الدين العام الحكومي. ولعل مايميز بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عن غيره من البنوك المركزية هو أن تأثيره على مجريات الأحداث الاقتصادية عالمي يتجاوز حدود الولايات المتحدة والسبب هو الدولار الأمريكي ومركزه عملة احتياطي عالمي وهو أمر سوف يأتي ذكره لاحقا في الموضوع. ولعله محض صدفة أن الحرب العالمية الأولى قد بدأت سنة ١٩١٤م خلال سنة واحدة من إنشاء البنك.

إنَّ بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي هو مؤسسة خاصة ليس للحكومة الأمريكية أي سلطة فعلية عليها. وحتى يكون ذلك مفهوما أكثر, لابدَّ من أن أشرح بإختصار البنية الأساسية للبنك. هناك مجلس محافظين يتألف من سبعة أشخاص يقوم الرئيس الأمريكي بترشيحهم ويوافق على تعيينهم الكونغرس الأمريكي. وبينما ذلك قد يبدو من الظاهر أنَّ للحكومة الأمريكي سلطة سياسية على مجلس المحافظين للبنك إلا أنها سلطة إسمية تنتهي مع توقيع قرار تعيينهم رسميا. إنَّ عملية تعيينهم نفسها تحاظ بنوع من الغموض الإعلامي حيث من المحظور على الإعلام الحديث عن ذلك أو إطلاع العامة عليه. هناك إثني عشر مصرفا إقليميا يخضع لمجلس المحافظين حيث يمثِّل بنك الحتياطي الفيدرالي في نيويورك المقر الرئيسي الذي تصدر عنه القرارات الهامة ويراقب عمل فروع البنك الأخرى. كل فرع إقليمي للبنك يتألف مجلس إدارته من تسعة أشخاص, ثلاثة أشخاص ينتخبهم المصرفيون من بين العاملين في القطاع المصرفي وثلاثة آخرون يتم انتخابهم من خارج القطاع المصرفي, بينما الثلاثة الباقون يتم تعيينهم من مجلس المحافظين للبنك الاحتياطي الفيدرالي. الرئيس الأمريكي يعيِّن مدراء الفروع الإقليمية الإثني عشر للبنك من ممثلي النخب المالية بعد موافقة مجلس المحافظين عليهم ويمثلون المصالح الخاصة لتلك النخب.

إتفاقية بريتون وودز ١٩٤٤م تمثل علامة فارقة في تاريخ النظام المالي والاقتصادي العالمي حيث نجحت الولايات المتحدة في أن تفرض الدولار الأمريكي عملة احتياط عالمية ويعود ذلك إلى مجموعة أسباب. السبب الأول هو الولايات المتحدة خرجت من الحرب العالمية الثانية دولة عظمى وقوة عسكرية حيث بقيت بعيدة نسبيا عن تأثيرات الحرب خصوصا بنيتها التحتية والصناعية بقيت سليمة. بينما أوروبا تعرَّضت الى تدمير بنيتها التحتية ومؤسساتها ومصانعها حيث تم تسوية الكثير من مدنها بالأرض ولم يبقى فيها حجرٌ على حجر. السبب الثاني أن أوروبا كانت في حاجة الى أموال خطة مارشال الأمريكية لإعادة الإعمار. السبب الثالث هو أن الولايات المتحدة التي كانت دولة مدينة وتحولت الى دولة دائنة بعد الحرب وقد أصبح لديها أكبر إحتياطي ذهب في العالم لأنَّ عددا من الدول الأوروبية قد قامت بتهريب إحتياطها من الذهب الى الولايات المتحدة خوفا من أن تستولي عليه القوات الألمانية التي كانت تتقدم في دول أوروبا كما السكين في قالب الزبدة. وبالتالي فقد نجحت في فرض الدولار على دول العالم مقابل تغطيته بالذهب وفق معادلة سعرية ٣٥ دولار/أونصة.

إنَّ تاريخ ظهور البنوك المركزية في العالم يعود الى القرن السابع عشر ولكن عملها بقي مقيَّدا وتأثيرها محدودا بسبب هيمنة المعيار الذهبي الكلاسيكي على الإقتصاد العالمي, إصدار الدولة من النقد مرتبط بالكمية التي يمكن تغطيتها مقابل احتياطي الدولة من الذهب وفق نسبة تختلف من دولة الى أخرى وقد كانت في بعض المراحل ١٠٠% وفي الولايات المتحدة وصلت الى ٤٠% سنة ١٩٤٤م تاريخ توقيع إتفاقية بريتون وودز. إن تلك الإتفاقية قد أطلقت يد بنك الإحتياطي الفيدرالي في طباعة الدولار وتوزيعه خارج حدود الولايات المتحدة بدون أن يخشى التأثيرات السلبية حتى منتصف ستينيات القرن التاسع عشر وتحديدا سنة ١٩٦٥م. إن قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي التوسع في طباعة العملة خلال الفترة التي أعقبت اتفاقية بريتون وودز الى زيادة حصة القطاع المالي في الاقتصاد الأمريكي من ٥% الى ١٠% وصولا إلى ٢٠% في مطلع سبعينيات القرن الماضي وصولا الى ٥٠% في مطلع الألفية الثالثة.

يتبع...


هل بدأ العد التنازلي لإنهيار النظام المالي العالمي؟(١)

إنَّ نظرة معمَّقَة الى تاريخ النظام المالي العالمي سوف تؤدي الى إستنتاج ظهور ذلك النظام منذ زمن بعيد جدا وتطوَّرَ تاريخيا وبالتدريج مع مرور الوقت. ولكن خلال كل التطَّور التي مرَّ بها النظام المالي فإنَّ آلية إصدار النقد قد تم الخفاظ عليها تحت سيطرة الحكومات. ولو دقَّقنا في التفاصيل والأحداث سوف نجد أن أي عملية تغيير في طبيعة ذلك النظام وبنيته الأساسية لم تكن تتم من خلال وسائل وطرق سلمية, الحكومات كانت تحاول بإستمرار الحفاظ على حقها في طباعة العملة وإصدار النقد بينما النخب المالية كانت تنافسها في ذلك والسبب أنَّ من يتحكم في إصدار النقد كان يملك صلاحيات واسعة في التحكم بالإقتصاد والتجارة وحتى السياسة وهو ما أكَّدَه امشيل روتشيلد مؤسس أحد أكثر العائلات المصرفية شهرة في التاريخ حيث صرَّح سنة ١٧٩٠م:"دعني اتحكم في إصدار عملة بلد ما ولا يهمني بعد ذلك من يكتب قانونها." ناثان روتشيلد حفيد امشيل من إبنه ماير الأب المؤسس للأسرة المصرفية صرَّحَ سنة ١٨١٥م:"لايهمني من يعتلي العرش البريطاني فالرجل الذي يصدر ويتحكم في أموال الإمبراطورية البريطانية هو الذي يحكم بريطانيا وانا الذي يتحكم في أموال الإمبراطورية."

ومن خلال تلك النظرة المعمَّقة ومحاولة ربط الأحداث بعضها ببعض وإيجاد الصلة بينها سوف نكتشف أنه على سبيل المثال أنَّ إنشاء البنوك المركزية يمثِّلُ أول مراحل التغيير في البنية الأساسية للنظام الإقتصادي على مستوى العالم. إنَّ دراسة تاريخ البنوك المركزية يثبت خطأ المفهوم الشائع أنَّ بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي هو أول تلك المؤسسات الخاصة التي تم إنشائها من أجل التحكم في إصدار النقد وطباعة العملة. بنك إنجلترا المركزي تم إنشائه بعد ثورة عنيفة وحرب أهلية دموية إنتهت الى إعدام ملك إنجلترا تشارلز الأول سنة ١٦٤٩م  أمام المبنى الذي سوف يصبح لاحقا مقرا للبنك. البنك المركزي الفرنسي تم إنشائه سنة ١٨٠٠م خلال الفترة التي أعقبت أحداث الثورة الفرنسية(١٧٨٩م-١٧٩٩م)  التي كانت أيضا دموية وعنيفة للغاية وانتهت الى إعدام الملك الفرنسي لويس السادس عشر تاريخ ٢١/يناير/١٧٩١م.

هناك مفهوم شائع آخر ولكنه خاطئ حول دور آل روتشيلد في الإقتصاد العالمي وظهور البنوك المركزية. إنَّ أقدم البنوك المركزية ربما ظهر في إنجلترا خلال القرن السابع عشر وتحديدا سنة ١٦٩٤م بينما ظهرت عائلة آل روتشيلد وأصبح تأثيرها واضحا نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر. إذا, فإنَّ ظهور آل روتشيلد هو نتيجة للتغيرات في النظام الإقتصادي العالمي وليس سببا في تلك التغيرات. الأزمات الإقتصادية هي نتيجة طبيعية للدور الذي بدأت تؤديه البنوك المركزية ودورها في الاقتصاد وحركة التجارة العالمية. إنَّ وقوع الأزمات والفقاعات الإقتصادية وزيادة وتيرتها كان متزامنا مع تأسيس البنوك المركزية في مختلف البلدان الأوروبية. إنَّ الازمات الإقتصادية يجمع بينها عوامل مشتركة مثل أزمة الكساد العظيم(١٩٢٩م-١٩٣٣م) وأزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة(٢٠٠٧م-٢٠٠٨م) مع فارق بسيط هو أنَّ الأزمات اللاحقة بدات مع مرور الوقت في التحول الى أزمات عالمية, أي أنَّ حدود الأزمة تجاوزت دولة المنشأ وبدأت في التأثير العميق على إقتصاد الدول الأخرى. كلما إزداد نفوذ الدولة وقتها العسكرية ومساحات الأراضي التي تسيطر عليها, كلما إزدادت الأزمات الإقتصادية في الشِّدّة والتأثير.

وفي الولايات المتحدة فقد كانت الصراع بين الرؤساء الأمريكيين والنخب المالية الخاصة لا يختلف عنه في أوروبا. رؤساء الولايات المتحدة مثل إبراهام لينكولين و أندرو جاكسون قاوموا محاولات إنشاء بنوك مركزية حيث أدرك الآباء المؤسسون مخاطر السماح بإنشاء تلك المؤسسات. إبراهام لينكولن تم اغتياله سنة ١٤/ابريل/١٨٦٥م بينما تعرض أندرو جاكسون الى عدة محاولات اغتيال نجا منها بأعجوبة. الرئيس الأمريكي جون كينيدي تم إغتياله في مدينة دالاس تاريخ ٢٢/نوفمبر/١٩٦٣م بعد أن أصدر المرسوم رقم ١١١١٠ والذي أعاد سلطة طباعة النقد الى وزارة الخزانة وليس بنك الإحتياطي الفيدرالي. إنَّ أول قرار تم إتخاذه من نائب الرئيس ليندون جونسون حيث أصبح رئيسا هو إلغاء القرار السابق الذي أصدره جون كينيدي مما يجعل من الواضح مسار الأحداث وأسبابها وكيف يتم التخطيط لها.

يتبع...


Sunday, January 16, 2022

هل الولايات المتحدة بلد ديمقراطي؟

أثار انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سنة ٢٠١٦ حالة من الجدل مازالت مستمرة حتى بعد خسارته إنتخابات الإعادة أمام الرئيس الأمريكي جو بايدن ونائبته كاميلا هاريس. أنصار الحزب الديمقراطي يعتبرون أن ترامب ليس لديه خبرة سياسية وأنه ديمغاغوي وأن انتخابه فشل للديمقراطية الأمريكية. بينما يعبِّرُ أنصار الحزب الجمهوري عن وجهة نظرهم أن الديمقراطيين قد فشلوا في إدارة ملفات مهمة مثل الهجرة وعنف الشرطة والملف الإقتصادي. والحقيقة أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي هما وجهان لعملة واحدة وهو ما سوف أحاول إيضاحه في هذا الموضوع.

بداية فإنَّ الآباء المؤسسين ممن وقعوا على إعلان الدستور الأمريكي لم يكونوا ديمقراطيين ولم يكن هدفهم إقامة نظام ديمقراطي في الولايات المتحدة بل إقامة نظام يحمي مصالحهم من الديمقراطية الحقيقية أو الديمقراطية الشعبية. منذ بداية تأسيس الولايات المتحدة ومنذ اللحظة التي وصل فيها أول مهاجر أوروبي الى الولايات المتحدة, كانت القضية صراع مصالح وامتيازات. سكان البلاد الأصليون علَّموا المهاجرين الجدد وسائل الزراعة وأساليبها ومواقيتها ولولا ذلك لكانوا ماتوا جوعا.  المهاجرون الأوائل وبعد أن أطعمهم سكان البلاد الأصليون من جوع وآمَّنوهم من خوف ردوا لهم المعروف بأن ذبحوا منهم أكثر من مائة مليون في أمريكا الجنوبية والشمالية والوسطى. مرسوم تحرير العبيد الذي أصدره إبراهام لينكولن كان له علاقة بحرمان الولايات الجنوبية من الأيدي العاملة في زراعة القطن والذي كان يعتبر عماد الإقتصاد في تلك المناطق وليس له علاقة بالإنسانية وحقوق العبيد لأن لينكولن نفسه كان يمتلك العبيد كما انَّ المرسوم لم يشمل الولايات الشمالية.

ومن ثم خاض المهاجرون الجدد الحروب ضد بريطانيا والتي كان سببها اقتصاديا وليس الحريات وحقوق الإنسان. ومن ثم بعد أن انتصروا على بريطانيا قاموا بشن الحرب ضد إسبانيا وضد جيرانهم في المكسيك حيث سلبوا منهم عددا من الولايات المهمة التي تحتوي على ثروات طبيعية لا تقدر بثمن مثل تكساس وكاليفورنيا. وحتى جزيرة هاواي ضموها بعد إستفتاء شكلي مشكوك في مصداقيته. وشملت العربدة الأمريكية حتى بنما والفلبين والدومينيكان وهايتي وغيرها من البلدان الضعيفة التي لم تهدد الولايات المتحدة أو تقوم بأي عمل ضدها. وعلينا أن لا ننسى الحرب في أفغانستان والعراق ومن قبلها حروب البلقان وتدبير الانقلابات ضد أنظمة تم انتخابهم ديمقراطيا مثل جاكوبو أربينز في غواتيمالا و سلفادور الليندي في تشيلي.

الديمقراطيون والجمهوريون هم وجهان لعملة واحدة لأن الديمقراطيين الذين يتهمون الرئيس السابق دونالد ترامب أنه غوغائي وديماغوجي قد أطلقوا أكبر حركة غوغائية في العالم وهي حياة السود مهمة التي شاهد الجميع أنصارها وهم يحرقون ويدمرون الممتلكات العامة والخاصة ويطلقون الدعوات من أجل إلغاء الشرطة في الولايات المتحدة واستبدالهم بخبراء في علم النفس والإجتماع. مؤسسة حركة حياة السود مهمة باتريس كولورس قامت بشراء ثلاثة منازل فارهة في أحياء الأمريكيين من ذوي البشرة البيضاء الذين كانت تهاجمهم ليل نهار. باتريس كولورس سحاقية وتدعم حقوق الشواذ والمثليين وذلك من ضمن أجندات حركة حياة السود مهمة. المثير للغثيان أنَّ الدعوات التي أطلقتها تلك الحركة التي تتمحور حول الغاء جهاز الشرطة كانت تلقى تجاوبا من نواب أمريكيين في الكونغرس مثل ألكساندريا كورتيز من أصول لاتينية والتي كانت تعمل نادلة تقديم طعام في أحد المطاعم في مدينة نيويورك قبل أن تتلقى الدعم من منظمات غير حكومية مرتبطة مع رجال الأعمال الأمريكي من أصول يهودية-بولندية جورج سوروس. 

رونالد ريغان كان ممثلا فاشلا في هوليود وتلك كانت هي مؤهلاته من أجل انتخابه رئيسا لأمريكا عن الحزب الجمهوري حيث أنه إرتكب من الكوارث والأخطاء أضعاف ماقام به ترامب ولكن الإعلام يمجِّده ويعتبره بطلا. سياسات رونالد ريغان الإقتصادية كانت المسؤولة عن انتشار الفقر والمجاعة في العالم واتساع الهوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء في الولايات المتحدة. رونالد ريغان هو الأب الروحي للتنظيمات الإسلامية المتطرفة وهو الذي أعلن الحرب على المخدرات في الولايات المتحدة بينما كانت حكومته تتعامل مع تجار المخدرات وعصابات الكونترا في أمريكا اللاتينية. 

جو بايدن ينتمي للحزب الديمقراطي وكان نائب الرئيس باراك أوباما وعضوا في مجلس الشيوخ ستة دورات إنتخابية ولكنه كان يعمل ضد الأمريكيين السود والأقليات عبر تشديد قوانين مكافحة الجريمة التي تستهدفهم بشكل رئيسي ودعم القوانين التي تدعو الى زيادة تسليح رجال الشرطة وتحويلهم الى قوات شبه عسكرية لهم صلاحيات استثنائية. أوباما أصدر أوامره بإغتيال مواطنين أمريكيين بتهمة الإرهاب وبدون محاكمة وترحيل لاجئين ومهاجرين غير شرعيين أكثر من الأعداد التي طالب دونالد ترامب بترحيلهم. باراك أوباما صادر أكثر من ٨٠٠ مليار دولار من أموال دافعي الضرائب وذلك من أجل إنقاذ بنوك ومؤسسات وول ستريت الاستثمارية خلال أزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة والتي كانت من أكبر المتبرعين لحملته الإنتخابية.

هذا الموضوع نشرته تعقيبا على مقال بعنوان "كيف تموت الديمقراطية" كتابة ستيفن ليفيتسكي ودانييل زيبلات من جامعة هارفارد

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية