Flag Counter

Flag Counter

Wednesday, October 22, 2014

ماهي العلاقة بين نظرية ذروة الإنتاج النفطي وتحول الولايات المتحدة إلى دولة مصدرة للنفط؟

هناك الكثير من الجدل الذي يدور هذه الأيام في المواقع والصحف والمنتديات حول الأخبار المتواردة المتعلقة بتحقيق الولايات المتحدة الإكتفاء الذاتي من النفط وتحولها قريبا لدولة مصدرة ومنافسة المملكة العربية السعودية كأكبر مصدر للذهب الأسود. ذالك الجدل توج مؤخرا برسالة الأمير الوليد بن طلال والتي قام بتوجيهها إلى عدد من الوزراء منهم وزير البترول والثروة المعدنية المهندس علي النعيمي ووزير الإقتصاد والتخطيط الدكتور محمد بن سليمان الجاسر, حيث تضمنت تلك الرسالة العديد من الملحقات كمقالات تم نشرها في صحف عربية وأجنبية وتضمنت أيضا إحصائيات وأرقام ويحذر فيها من معاناة المملكة العربية السعودية من عجز متوقع في الميزانية سنة ٢٠١٤ أو ٢٠١٥ على أقصى تقدير.
ليس هاذا أول المواضيع التي كتبتها في الرد على مزاعم تحول الولايات المتحدة إلى دولة مكتفية ذاتيا بل ومصدرة للنفط وبالتأكيد لن يكون أخرها ولكن هاذا الموضوع سوف يكون مختلفا من ناحية الغوص في أدق التفاصيل والكشف عن أكبر كذبة خدعت بها شركات النفط الأجنبية العالم لعقود ومازالت.
بداية أحب أن أذكر بقاعدة عامة للحكم على تلك النوعية من الأمور الجدلية. تلك القاعدة تقول: أن إرتفاع أو إنخفاض سعر سلعة معينة أو خدمة معينة بدون حدوث تغيير ملحوظ في العرض والطلب على تلك السلعة قد يحمل شبهة تلاعب.
لم يكن هناك أمر مقلق لشركات النفط العملاقة والأكثر نفوذا سوى مسألة إغراق الأسواق بالنفط وإنخفاض سعره ولذالك كانت المحافظة على الهيمنة والقدرة على التحكم بسعر النفط بالنسبة لهم أمرا حيويا.
في سنة ١٩٤٨ ومن خلال إحدى شركات النفط الفرعية (ARAMCO) التابعة لمجموعة شركات روكفيلر النفطية (STANDARD OIL COMPANIES) تم إكتشاف حقل جواهر في المملكة العربية السعودية والذي يعد الأكبر في العالم. وبحلول سنة ٢٠٠٥, فقد تم إنتاج ٥٥ مليار برميل نفط مما جعل قدرة حقل جواهر الإنتاجية تتجاوز أي إكتشاف نفطي أخر حتى وقتنا الحاضر. إكتشاف ذالك الحقل كان نقطة مفصلية أدت إلى تغيير في سياسة شركات النفط وتحويل الولايات المتحدة الغنية بالنفط إلى دولة تعتمد على النفط المستورد. في فترة لاحقة سنة ١٩٥٣ تم إكتشاف حقل الرميلة النفطي في العراق حيث كانت شركات النفط ماضية في سياستها التي تتلخص في الإعتماد على نفط الشرق الأوسط الرخيص مقارنة بكلفة إستخراج النفط في بلدانها الأصلية وخصوصا الولايات المتحدة وبريطانيا.
إن ذالك التغيير في السياسة النفطية قد جلب إفلاس المئات إن لم نقل الألاف من شركات النفط الصغيرة والمتوسطة الحجم خصوصا في الولايات المتحدة. في عام ١٩٥٠, كانت تكلفة إستخراج برميل النفط في السعودية من حقل جواهر مثلا هو ٢٠ سنت أمريكي للبرميل الواحد الذي كان يباع بمبلغ ١.٧٥ سنت ممايعني نسبة أرباح تزيد عن ٤٠٠% في بعض الحالات تصب في خزائن شركات النفط. إستخراج النفط في الولايات المتحدة لم يكن بذات قيمة الجدوى الإقتصادية بالإضافة إلى أن شركات النفط لم تكن تدفع أي ضرائب عن النفط المستورد من الشرق الأوسط مما منحها ميزة تنافسية كبيرة مقارنة بشركات النفط المحلية الصغيرة والمتوسطة الحجم.
المشكلة التي واجهتها شركات النفط العملاقة وقامت بدراستها في وقت مبكر هي أن النفط أصبح محركا رئيسيا للإقتصاد العالمي وهناك إحتمال بإكتشاف حقول ضخمة كحقل جواهر والرميلة من قبل شركات خارج دائرة تحالف (Standard Oil Trust). في تلك الحالة فإن هناك حاجة إلى تغيير جذري في السياسة النفطية وتكيفها مع الوضع المستقبلي والإبقاء على أسعار مرتفعة للنفط.
وكخطوة أولى للشركات الأمريكية والبريطانية المهيمنة على سوق النفط فقد تقرر الحاجة إلى حجة علمية منطقية لنشر الخرافة بأن إحتياطيات النفط العالمية محدودة وأنها تتناقص بشكل متسارع. تم إختيار عالم في الجيوفيزياء من خريجي جامعة شيكاغو إسمه ماريون كينج هوبرت(Marion King Hubbert) الذي كان يعمل مع شركة شيل(Shell) في ولاية تكساس.
تم الطلب من مستر كينج(King - الملك) وهو اللقب الذي كان يفضل أن يتم مناداته به أن يقدم ورقة بحثية لمؤتمر معهد النفط الأمريكي في لقائهم السنوي وذالك سنة ١٩٥٦. إستند ماريون هوبرت في ورقته البحثية على النظرية التي لم يثبت صحتها علميا بأن النفط هو وقود أحفوري مكون من مركبات حيوية نتجت عن تراكم طبقات من أشكال متنوعة من الحياة منها الديناصورات و الطحالب. قبل ماريون تلك النظرية بدون نقاش أو تمحيص في مدى صحتها من عدمه وبدء في بناء نظريته حول مايسمى (Neo-Malthusianism) والتي تتعلق بأمكانية رفع المستوى المعيشي لسكان بلد معين في حال تم إستخدام وسائل منع الحمل مما يؤدي إلى القضاء على السلبيات المتأتية من زيادة غير مدروسة لعدد الولادات الجديدة.
نظرية ماريون كانت تشترك مع (Neo-Malthusianism) في النقطة المتعلقة بالتحكم بعدد السكان ولكن عن طريق التحكم بإمدادات الطاقة وليس من خلال وسائل منع الحمل. نظرية ماريون المتعلقة بندرة أو نقص المشتقات النفطية كانت أمرا ضروريا لشركات النفط الإنجلو-أمريكية لتتمكن من التحكم بأسعار النفط إرتفاعا أو إنخفاضا بإعتباره شريان الحياة للإقتصاد العالمي.
نظرية الملك هوبرت لم تعتمد على أي دراسة علمية حقيقية وواقعية لحقول النفط نفسها وهو نفسه إعترف في مقابلة أجريت معه سنة ١٩٨٩ فترة قصيرة قبل وفاته أن الطرق التي إتبعها في بناء نظريته ليس لها أي أساس علمي كما أنه إعترف بعرض ورقته البحثية على رئيس شركة شل قبل قرائتها في المؤتمر والذي علق عليها بأنه يتمنى أن يتمكن ماريون من نفي نظرية العالم لويس جي ويكس بخصوص كمية الإحتياطيات النفطية في الولايات المتحدة.
وبما أن أغلب كتب الجيولوجيا المدرسية والجامعية تم تأليفها في الولايات المتحدة أو أنها ذات مرجعية أمريكية فإن تلك النظرية أصبحت مقبولة عالميا على نطاق واسع وبقي التحكم بها وتوجيه مسارها سياسيا وعسكريا إن لزم الأمر.
سنة ١٩٨٠ قام عالم في جيولوجيا النفط من ولاية تكساس يعد من بين الذين يتمتعون بالمصداقية في مجال تخصصه ويدعى مايكل تي هاليبوتي(Michael T Halbouty) بنشر موضوع في مجلة وول ستريت ملخصه هو أن هناك إحتمال بوجود ٦٠٠ حوض أو حقل نفطي حول العالم منها ١٦٠ تعد مجدية إقتصاديا, ٢٤٠ مجدية جزئيا و٢٠٠ لم يتم إستكشافها. وأنه بحلول سنة ١٩٧٨ تم حفر ٣.٤٤٤.٦٦٤ بئر حول العالم منها ٢.٥١٣.٥٠٠ في الولايات المتحدة أي مانسبته ٧٣% ولكن نسبة الأحواض النفطية في الولايات المتحدة لاتزيد عن ١٠.٧% من مجموع عدد الأحواض عالميا. وبالتالي فإن نسبة الأحواض المتبقية حول العالم(١٠٠ - ١٠.٧ = ٨٩.٣%) والتي لم يتم حفر إلا مانسبته ٢٧% منها.
نظرية ماريون قائمة على مبدأ أن أغلب الحقول النفطية تم إستكشافها وإستغلالها ولكن ذالك يتعارض مع معلومات مايكل هاليبوتي والذي يعد أكثر مصداقية من ماريون. ولكن لأن تلك المعلومات لم تكن في مصلحة الشركات النفطية فقد تم طمسها من قبلهم وسارت الأمور كما يخططون ففي سنة ١٩٧٠ وصل إنتاج النفط في الولايات المتحدة إلى مرحلة الذروة ثم بدأ بالإنحدار. وصل إلى ذروة الإنتاج على الورق فقط وهو أمر أثار الإنتباه والقلق وأطلق جرس الإنذار غير أنه كان ليس عبارة إلا عن إنذار كاذب.
أحد زملاء ماريون(الملك هوبرت) ممن عملوا معه في شركة شل(Shell) خلال فترة الخمسينيات ١٩٥٠ ويدعي دينيس ديفايس أن الطرق المتعددة التي إتبعها ماريون لإثبات صحة نظريته ليست واضحة وأنه على الرغم من أكثر من ١٠٠ غداء مشترك بينهما ومناقشات مطولة عديدة فإنه(دينيس) لم يتوصل إلى الكيفية التي تمكن فيها ماريون من إثبات نظريته ولم يتمكن من فحص أي أدلة. ماريون قام بإخفاء أدلته ونتائج بحوثه والكيفية التي توصل بها إلى إستنتاجاته حتى عن أقرب زملائه في العمل. في الحقيقة فإن دينيس نفسه كان يقوم بالترويج لنظرية زميله السابق ماريون حين عمل كأستاذ للهندسة الجيولوجية في جامعة برينكتون مما يدل عن أنه لا يمتلك الشجاعة لإعطاء رأي أكاديمي واضح وصريح على تلك المسألة المهمة.
في ذالك الوقت, أي فترة الخمسينيات, فقد كان لويس جي ويكس(Lewis G Weeks) أحد أكثر العلماء إحتراما وتقديرا من العاملين في الأبحاث المتعلقة بإحتياطيات النفط في الولايات المتحدة حيث قدر كمية ٤٠٠ مليار برميل مع مراجعته الدورية لتلك البيانات تصحيحا بناء على تحديث المعلومات التي بحوزته ورفع مستوى الكمية بما يزيد عن ٤٠٠ مليار.
ماريون(الملك هوبرت) قد فهم الرسالة الموجهة إليه من رئيس شركة شل وقام في خطبته بتقدير الكمية بما لايزيد عن ٢٠٠ مليار برميل متوقعا ذروة الإنتاج سنة ١٩٧٠ كما أنه وفي نفس الورقة قام بتقدير كمية الإحتياطيات عالميا بكمية ١٢٥٠ مليار برميل. شركة بريتش بيتروليوم سنة ٢٠٠٨ قامت بعمل تقديرات للإحتياطيات العالمية بين ١.٨ تريليون برميل و ٢.٢ تريليون برميل.
إن مانسبته ٩٠% من النفط الذي تم إستهلاكه حتى سنة ٢٠٠٨ قد تم ذالك في الفترة التي تلت سنة ١٩٥٨ مما يعني ١٠٠٠ مليار برميل من ١٢٥٠ مليار خلصت إليها دراسة ماريون(الملك هوبرت) قد تم إستهلاكها فكيف تكون الكمية المتوفرة سنة ٢٠٠٨ حسب تقديرات شركة بريتش بيتروليوم(BP) تزيد بمقدار يصل إلى الضعف؟ من الواضح أن هناك ثغرات عديدة في نظرية ماريون(الملك هوبرت) وأنها لم تعتمد أي أساس علمي وإنما تم بنائها حول مطالب ورغبات شركات النفط الأمريكية والبريطانية على وجه الخصوص.
بحلول سنة ١٩٧٠, كانت نظرية ماريون(الملك هوبرت) بخصوص ذروة الإنتاج(Peak Oil) قد إنتشرت وأصبحت أمرا مفروضا حيث إنخفض إنتاج الولايات المتحدة من النفط ولكن ليس بسبب صحة تلك النظرية بل لعوامل وأسباب بعيدة كل البعد عن فرضيات نظرية ماريون(الملك هوبرت).
في الختام أحب أن أنوه إلى أنه من الواضح أن نظرية ذروة الإنتاج النفطي ليست إلا خرافة تستخدمها شركات النفط للتلاعب بالأسعار لغايات ليست دائما تجارية فالتداخل الحاصل بين شركات النفط والحكومات متشابك بطريقة يصعب فك لغزها.


لو كانت نظرية ذروة الإنتاج النفطي صحيحة فكيف يتم تفسير عودة الولايات المتحدة ليس لتصبح دولة مكتفية ذاتيا من النفط بل مصدرة رئيسية له؟ أليس من المفترض أن إنتاج الولايات المتحدة من النفط سوف يبدأ بالإنحدار سنة ١٩٧٠؟ أين المدافعون عن نظرية ذروة الإنتاج النفطي؟
إن مايتم ترديده هذه الأيام بخصوص تحقيق الولايات المتحدة ليس فقط الإكتفاء الذاتي من النفط بل تصديره متفوقة على المملكة العربية السعودية كأكبر مصدر للنفط, هو أكبر كذبة وأكبر خرافة تقوم شركات النفط الأمريكية بنشرها ويقوم البعض بترديدها بدون تدقيق ولا تمحيص مسببين بنشر حالة من الفوضى والإرتباك بين المواطنين في الدول المصدرة للنفط فالولايات المتحدة قد تقوم بتخفيض إستيرادها للنفط من المملكة العربية السعودية لتزيد إستيراده من كندا أو من أي دولة أخرى. النفط ليس إلا سلاح من أسلحة الحرب الناعمة الذي يتم إستخدامه هذه الأيام في معركة سياسية تذكرني بأحداث الحرب الباردة.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

No comments:

Post a Comment