Flag Counter

Flag Counter

Sunday, March 19, 2017

كيف يتحدى إنجيل القديس يوحنا المفسرين وخبراء اللاهوت؟

هناك مشكلة تواجه كل من يقوم بمحاولة فهم وشرح النصوص المقدسة المسيحية بطريقة حرفية(Literalism). إن معنى الكلمة(Word) التي يتم إستخدامها في إطار النصوص الدينية يمكن شرح مهمتها بكونها مؤشرا على مفهوم أخر فيما وراء المعنى الحرفي لايمكن للكلمة نفسها أن تقوم بتوضيحه. الحرفية(الأخذ بالمعنى الظاهري) تقترح مهمة لمفهوم الكلمة والتي هي ليست إلا عبارة عن مؤشر(Pointer) يمكن أن تتحول لواقع ملموس بذاتها وبالتالي التأسيس لمفهوم ليس له وجود على أرض الواقع. إن ذالك يجعلنا نفترض مسبقا أن أي دين لايمثل فقط الحقيقة بل قادر على إيضاحها بشكل مطلق. إن الحرفية في تفسير النصوص الدينية قادرة في ظل وجود أشخاص ذوي قدرات فكرية معينة على إنتاج أسوأ أنواع التطرف الديني. الحرفية تعد عدوة الإيمان ومتناقضة مع الحقيقة.
إنجيل القديس يوحنا يعد أكثر النصوص الدينية ضمن الكتاب المقدس تحديا للحرفية في تفسير كلماته وسخرية ممن يحاولون تفسير نصوصه بتلك الطريقة.
إن من يؤمن بحرفية تفسير النصوص الدينية يطلق عليهم المتعصبون(The Fundamentalist) وهم بنقسمون إلى عدة أقسام بينهم خط رفيع جدا. القسم الأول من يؤمن بحرفية النص الديني بكل ماتحمله الكلمة من معنى وبدون أي مرونة. القسم الثاني يبدي بعض المرونة في التعاطي من النصوص الدينية كنص رسالة بول الأولى إلى تسالونكي 5:17(صلوا بلا إنقطاع). من وجهة نظرهم فإنها لاتعني الصلاة 24\7 لأن ذالك يعني العجز عن أداء الروتين اليومي الذي يتوجب على اي شخص القيام به. هناك عدد من النصوص الأخرى في إنجيل القديس يوحنا التي يتم التعاطي معها بطريقة حرفية كنص تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل والجدل بين المسيح وأمه في اللحظات التي سبقت العرس, طرد الباعة والصيارفة من الهيكل, مقارنة جسده بهيكل المعبد وغير ذالك من النصوص التي يتملئ بها الإنجيل والتي لو تم الإقرار بالتفسير الحرفي لتلك النصوص أو غيرها فإن المؤمنين الوحيدين سوف يكونون الأشخاص المتعصبين.
في تلك النقطة فإنه يتوجب علينا عدم الخلط بين رواية القصة والأمثال وبين التاريخ وتفهم البيئة التي أحاطت بالروايات عن يسوع المسيح في القرن الأول ميلادي وتأثير الطقوس الدينية والوعظية خصوصا للصوفية اليهودية على تلك الروايات.
في الفصل الثالث من إنجيل القديس يوحنا رواية الحوار بين يسوع المسيح ونيقوديموس, وفي الفصل الرابع رواية حوار يسوع المسيح مع المرأة السامرية, فإنه وفي كلتا الروايتين يتضح التحدي الذي يبديه كاتب إنجيل القديس يوحنا لمن يؤمنون بالحرفية في تفسير النصوص المقدسة. حتى أنه تلك الصورة تتضح أكثر في حواره مع تلاميذه بعد عودته من المهمة التي أرسلهم إليها ومشاهدتهم له يحاور المراة السامرية حيث إستفزهم كونها إمرأة أكثر من كونها سامرية. يسوع المسيح أجابهم عندما طالبوه بأن يأكل (أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم) حيث تتضح الرمزية في تعاليم يسوع المسيح ومدى السخرية التي أبداها كاتب الإنجيل من الحرفية في تفسير تعاليمه.
في رواية أخرى وهي جزء من حوار يسوع المسيح مع الكتبة والفريسيين في الهيكل إثر شفائه مريض قرب بركة بيت حسدا, يقوم بإنتقادهم بقوله ( فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي) من الممكن الإستعانة بها أيضا كمثال على السخرية التي أبداها كاتب الإنجيل ممن يحاولون الأخذ بحرفية النصوص المقدسة.
النصوص في إنجيل القديس يوحنا بكلماتها ليس أكثر من كونها مجرد مؤشر للحقيقة ولكنها ليست هي الحقيقة نفسها والتي سوف يبقى عاجزا عن إستيعابها كل من لم تتفتح عيناه للحقيقة التي يعجز من يؤمنون بحرفية تفسير النصوص عن رؤيتها.
في نصوص الإنجيل الرابع فإن يسوع المسيح ينتقد وبشدة الأخذ بحرفية الكلمات ومعانيها وهي المشكلة التي نعاني منها حاليا في كافة الأديان ونصوصها المقدسة. القديس يوحنا كان بعيدا كل البعد عن الأخذ بحرفية الكلمات وهو لم يفهم أقوال وأفعال يسوع المسيح بالمعنى المجرد للكلمة فقد كان يهوديا يكتب إنجيله متجردا من الحرفية في إستخدام الكلمات ومستخدما الصوفية اليهودية بكل ماتحمله كلماتها وتعابيرها من رمزية.
إنجيل القديس يوحنا يعبر عن الحالة الإلهية التي ظهرت في هيئة بشرية وتقريب الإنسان للمفهوم الحقيقي للألوهية وليس عن الرب الذي تحول إلى إله أو إكتسب صفة البشر وأخذ بالتجول متنكرا في تلك الصفة البشرية فذالك تفسير حرفي للكلام كل من قرأ الإنجيل بتعمن يلاحظ أن كاتبه تعمد الإبتعاد عنه.
إن مايحتاجه قارئ إنجيل يوحنا هو حالة إيمانية في اعلى مستوياتها والإبتعاد عن محاولة الأخذ بحرفية الكلمات التي وردت فيه لأنه ربما هناك جملة واحدة على أحسن تقدير هي من أقوال يسوع المسيح والباقي وإن كانت تعكس جوهر المسيح ورسالته إلأ أنها ليست مما ورد ذكره منقولا عنه.
إن الحقيقة المتعلقة بإنجيل القديس يوحنا أنه لايمكن قرائته أو تفسيره بطريقة حرفية بعيدا عن الصوفية اليهودية ومفاهيمها سوف تقودنا إلى سؤال أخر عن تلك الشخصيات التي ورد ذكرها في الإنجيل, بعض تلك الشخصيات لم يرد ذكره إلا في إنجيل القديس يوحنا وبعضها الأخر ورد ذكره في الأناجيل الأخرى ولكنه تم تقديمه في إنجيل يوحنا بطريقة مختلفة.
تلك الشخصيات التي وردت على وجه الخصوص في التمهيد ليوحنا(2-11) لايمكن التعامل مع أي منها على أنها شخصيات تاريخية حقيقية. أول تلك الشخصيات هو نثنائيل(هدية من الرب) الذي ورد إسمه في يوحنا(1) والتلميذ المحبوب الذي ورد ذكره في ختام الإنجيل.
بالنسبة لشخصية نثنائيل فهي تم تقديمها كتمهيد أو درس تمهيدي لكل من يحاول إكمال قرائة أو تفسير إنجيل القديس يوحنا بطريقة حرفية. فيليب إصطحب نثنائيل ليسوع المسيح كما فعل أندراوس مع بطرس. قيام فيليب بدعوة نثنائيل لمرافقته للقاء بيسوع المسيح جائت مترافقة مع الكلمات التالية: فيلبس وجد نثنائيل وقال له: وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة(يو1:45). نثنائيل كان قد سمع من فيليب قبل ذالك أن يسوع كان من مدينة يقال لها الناصر فتسائل: فقال له نثنائيل: أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟(1:46). عندما وصل فيليب ونثنائيل للقاء يسوع والذي قال وبدون مقدمات موجها كلامه للأخير: هوذا إسرائيلي حقا لا غش فيه(1:47). نثنائيل والذي كان مصدوما من ذالك الترحيب المفاجئ رد على يسوع بقوله: من أين تعرفني؟(1:48). فأجابه يسوع بدوره: جاب يسوع وقال له: قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة، رأيتك(1:48). إن رد يسوع على نثنائيل لا يخلو من رمزية ولايمكن تفسيرها بمعنى حرفي لأن شجرة التين تعتبر رمزا للمكان الذي كان أحبار اليهود يتدارسون تحت أغصانها شريعتهم التلمودية.
إن إكمال قرائة الحوار بين يسوع المسيح ونثنائيل يجعلنا نتسائل عن تقديم تلك الشخصية وهل هي شخصية تاريخية أم من خيال كاتب الإنجيل؟ بالنسبة لإنجيل القديس يوحنا فهو من أوائل التلاميذ الذين تم إختيارهم وهو في قائمة التلاميذ الإثني عشر ولكن لم يرد إسمه في أي من الأناجيل الإزائية ولم يرد له أي ذكر في الفترة التي سبقت كتابة إنجيل القديس يوحنا.
بعض المختصين في دراسة تاريخ المسيحية لديهم وجهة نظر مثيرة للإنتباه وتستحق المزيد من الفحص وهي أن كاتب الإنجيل إستخدم إسم نثنائيل كرمزية ليخفي ورائها شخصية أخرى حقيقية ولكنه يختلف معها في الرأي, شخصية كبولس الرسول. ولمزيد من التوضيح فيما يتعلق بتلك النقطة فسوف أقارن بعض النقاط التي قد تكون مشتركة بين الشخصيتين:
1- وكنت أتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابي في جنسي(غلاطية 1:14) بولس.
أجاب يسوع وقال له: قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة، رأيتك(يوحنا 1:48) نثنائيل
2- من جهة الغيرة مضطهد الكنيسة. من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم(فيليبي 3:6) بولس
ورأى يسوع نثنائيل مقبلا إليه، فقال عنه: هوذا إسرائيلي حقا لا غش فيه(يوحنا 1:47) نثنائيل
3- هناك تشابه بين قصة إيمان بولس الواردة في سفر أعمال الرسل(8) والكلام الذي وجهه يسوع المسيح لنثنائيل على وجهة الخصوص, وقال له: الحق الحق أقول لكم: من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان(يوحنا 1:51). ففي كلتا الحالتين تنفتح السماء ويسمع شاول صوت المسيح بينما يرى نثنائيل الملائكة تصعد وتنزل.
من المحتمل أن كاتب الإنجيل والذي كان مختلفا مع شاول فيما يتعلق بمفهوم الخلاص رغب في الإعتراف بفضل شاول فيما يتعلق بعمله التبشيري على سبيل المثال بدون ذكر إسمه الصريح فإستبدله بشخصية نثنائيل والتي من الواضح انه ليس لها أي أساس تاريخي. كما أنه ربما هناك هدف اخر هو التلميح للقارئ بخصوص الطريقة التي سوف يتم إستخدامها في كتابة الإنجيل وأنه لايمكن فهمه وتفسيره بطريقة حرفية.
وحتى تكتمل أركان التشابه فإن بولس قد بدا في مرحلة ما قد أصبح أقرب إلى المناخ السائد في تلك الفترة الزمنية التي عاش فيها القديس يوحنا وخرج إنجيله إلى حيز الوجود. في فيليبي 2: 5-11 تعد كأحد الأمثلة على تلك المرحلة ومقارنة تلك النصوص بما هو مذكور في إنجيل القديس يوحنا سوف يوضح الصورة.
الرسالة إلى أفسس والتي يثار الجدل حولها إذا كان كاتبها بولس الرسول ولكن هناك إتفاق على انها تعبر نوعا ما عن أفكاره وتعد في منتصف الطريق بينه وبين القديس يوحنا وخطوة في الطريق الصحيح لتفسير طبية يسوع المسيح أو مايعرف بالكريستيولوجي(Christology) كما هو واضح في الرسالة إلى أفسس(1:10).
هناك تقاليد كنسية قوية أن الإنجيل الرابع تمت كتابته في مدينة أفسس حيث كان يعيش يوحنا الرسول وأن إحتمال إتجاه بولس للكتابة بإستخدام الرموز والصوفية اليهودية وتأثر يوحنا الرسول به وبكتاباته في مرحلة لاحقة هو إحتمال قوي لا يمكن تجاهله.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Sunday, March 12, 2017

ماهي التحديات البيئية والسياسية والإقتصادية التي تواجه شركات النفط عالميا؟

مشروع النفط الرملي في مقاطعة ألبرتا الكندي يعد ١٦٥ مليار برميل نفط تقريبا وهو مايجعل من الصعب على الشركات النفطية تجاهله ولكن ذالك ليس السبب الوحيد فكندا تعد أحد البلدان القليلة على مستوى العالم والتي يمكن للشركات النفطية الخاصة أن تمتلك وتطور الحقول النفطية وتحقق عائدات مرتفعة. مقارنة بما حصل لشركة أكسون موبيل وشل في فنزويلا وروسيا حيث تم أجبارهما على التخلي عن المشاريع النفطية وإستحواذ الشركات الحكومة عليها, فمشروع النفط الرملي في ألبرتا الكندية يعد ٥٠-٧٠% من الإحتياطات النفطية القابلة للإستثمار(من قبل الشركات الخاصة) على مستوى العالم. تصاعد النزعات القومية في بلدان مثل روسيا والصين وفنزويلا قد تكون أحد الأسباب التي الكامنة التي تفسر كون أكبر الشركات النفطية في العالم هي حكومية مثل سينوبيك الصينية وكاسبورم الروسية.
المشكلة أن إرتفاع سعر برميل النفط هو شرط أساسي لجعل الإنتاج من مشروع النفط الرملي مجديا إقتصاديا فخلال الأزمة الإقتصادية ٢٠٠٧-٢٠٠٨ تم إلغاء ماقيمته ٥٠ مليار دولار من المشاريع المتعلقة بالنفط الرملي في مقاطعة ألبرتا الكندية.
على الرغم من المغريات التي تم تقديمها لشركات النفط للإستثمار مثلا في مشروع النفط الرملي في مقاطعة ألبرتا الكندي فأنه كان هناك عزوف عن الإستثمار لإنخفاض سعر برميل النفط وإرتفاع تكاليف الإستخراج. أحد تلك المغريات كان أن مانسبته الثلث(٣٣%) من العائدات يذهب للحكومة الكندية مقارنة بنسبة ٧٨% من العائدات لمصلحة الحكومة في بلد مثل النرويج.
وحتى نأخذ فكرة عن السبب وراء إرتفاع سعر الإنتاج في مشروع النفط الرملي ولنأخذ مقاطعة ألبرتا الكندية كمثال بسيط حيث يلزم معالجة ٢ طن من الرمل النفطي لإستخلاص برميل نفط. أولا يجب أن يقوم أسطول ضخم من الشاحنات العملاقة سعة ٣٠٠ طن للشاحنة بتحميل النفط إلى مصانع تقوم بمعالجته وفصل النفط عن الرمل. هل تريدون تخيل حجم تلك الشاحنات؟ تبلغ تكلفة تغير إطار واحد مبلغ ٣٥ ألف دولار وتبلغ تكلفة الشاحنة الواحدة مبلغ لا يقل عن مليوني دولار. كما يلزم حفارات(بلدوزرات) ضخمة تعمل على مدار الساعة يستهلك الواحد منها ٤٢٥٠ جالون من الوقود يوميا وذالك لحفر الأرض وتحميل الرمل النفطي على الشاحنات. أما بالنسبة للرمل النفطي فإنه قد يكون سطحيا سهل الإستخراج أو يلزم الحفر ١٠٠-٤٠٠ قدم تحت سطح الأرض لإستخراج ذالك الرمل وتحميله وإرساله إلى مصنع المعالجة حيث يتم تعريضه لدرجات حراراة مرتفعة جدا لفصل مايسمى خام البيوتان عن باقي مكونات الرمل. ولكن البيوتان نفسه غير صالح للضخ عبر الأنابيب ولا يتم إستهلاكه بتلك الصورة حيث لا بد من تخفيفه بإضافة مواد أخرى وتعريضه للمعالجة. إن تلك العملية تفسها تعد مستهلكة للطاقة ولكن تلك ليس المشكلة الوحيدة فأغلب إحتياطات النفط الرملي تقع على عمق ٢٣٠ قدم تحت سطح الأرض مما يجعل عملية إستخراجها أكثر صعوبة حيث يلزم ضخ ماء بدرجة حرارة لا تقل ١٠٠٠ درجة مئوية مما يؤدي إلى تمييع النفط الرملي وضخه إلى السطح بواسطة مضخات ضخمة.
كيف تكون تلك العملية مستهلكة للطاقة؟
كل وحدة طاقة منتجة بواسطة مشروع النفط الرملي في مقاطعة ألبرتا تنتج ثلاث وحدات طاقة ١:٣ مقابل نسبة ١:١٠٠ في حقل نفط واهر في المملكة العربية السعودية.
هناك ١٦٥ مليار برميل برميل نفط في مشروع النفط الرملي في مقاطعة ألبرتا الكندية ولكن ليس من عاقل يقول أنها جميعا قابلة للإستخراج. السؤال الذي يقفز لأذهان المستثمرين وشركات النفط هو عن كمية البراميل التي يمكن فعليا إستخراجها تحت سقف سعري معين في فترة زمنية معينة؟
بالتأكيد فإن النفط المستخرج من مشروع النفط الرملي لن يكون بالتأكيد بالسهولة نفسها التي يتم بها إستخراج النفط الخام من حقول الشرق الأوسط والفرق هو مادة البيتومين(الإسفلت).
النفط الرملي يحتوي على مادة البيتومين وهي قليلة في محتوى النيتروجين حيث يلزم إضافة النيتروجين لتسييل المادة الخام حتى يمكن نقلها بالأنابيب أو الإستفادة منها وهي عملية مستهلكة جدا للطاقة. هذه ليست العقبة الوحيدة حيث أنه يلزم حرق ١٤٠٠ قدم مكعب من الغاز لإنتاج برميل واحد من النفط الرملي.
كل ماسبق ذكره يطرح موضوع التكلفة حيث أنه خلال الأزمة الإقتصادية ٢٠٠٧-٢٠٠٨ إنخفض سعر برميل النفط إلى مايقرب ٤٠ دولارا للبرميل مما سبب خسائر كبيرة لشركات النفط. شركة النفط (Statoil) أكبر شركة نفط في النرويجقد ألغت ١٢ مليار دولار إستثمارات في حقول النفط الرملي في ألبرتا وبلغ مجمل الإستثمارات التي تم إلغائها في حقول النفط الرملية في مقاطعة ألبرتا الكندية ٥٠ مليار دولار.
المشكلة الوحيدة ليس متعلقة بسعر النفط المستخرج من حقول النفط الرملي في مقاطعة ألبرتا بل في الغاز الطبيعي الذي يعد أساسيا في عملية الإنتاج. لا يوجد مصدر غاز يدوم للأبد وإذا صدقت التوقعات بمستوى إنتاج ٤ مليون برميل يوميا من ١.٢ مليون برميل يوميا في وقتنا الحالي وذالك في سنة ٢٠٢٠ فإن ذالك سوف يؤدي إلى تقليص صادرات كندا من الغاز إلى الولايات المتحدة بشكل كبير حيث يعد ٢٠% من إستهلاك الغاز في الولايات المتحدة مصدره كندا وبدونه سوف تتوقف العديد من محطات توليد الطاقة الكهربائية عن العمل.
المشكلة أنه مع مرور الوقت وإرتفاع سعر برميل النفط فإن الغاز الطبيعي كمصدر مولد للطاقة الكهربائية سوف يصبح أكثر جاذبية. السبب في كون الإتجاه السائد هو إستخدام كميات كبيرة من الغاز في عمليات إستخراج النفط الرملي هو لفرق السعري حيث تتكلف وحدة(BTU) من الغاز الطبيعي أقل من مثيلتها من النفط.
السبب هو أن النفط يتم بيعه وشرائه في الأسواق العالمية بينما الغاز الطبيعي يتم بيعه وشرائه في الأسواق الإقليمية وإن كان بعضه ينقل عن طريق البحر ولكنها عملية مكلفة تتطلب إسالته أولا وببساطة لايوجد كميات كافية منه لتجعل تداوله عالميا عملية مجدية إقتصاديا.
علينا أن لا نغفل أيضا عن التحديات البيئية حيث أن كل برميل نفط منتج من مشروع النفط الرملي في مقاطعة ألبرتا الكندية يتسبب في تلويث ٢٢٠ جالون من الماء العذب ويرسل إنبعاثات تقدر بكمية ٢٢٠ رطل من ثاني إكسيد الكربون في الجو. مستوى الإنتاج الحالي يقدر ١.٢ مليون برميل فماذا سوف تكون التأثيرات البيئية في حال وصول توقعات الإنتاج إلى ٤مليون برميل يوميا؟ إن حكومة ولاية ألبرتا تواجه تحديات بيئية كبيرة حيث أصبحنا نرى صدى ذالك إعلاميا على شكل إتهامات بتغاضي الحكومة في ألبرتا وأجهزتها المسؤولة عن البيئة عن التأثيرات الكارثية على البيئة من مشروع النفط الرملي والتغاضي عن ذالك لحساب شركات النفط.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Sunday, March 5, 2017

ماهي البدائل الإقتصادية الممكنة التي تعزز تحقيق الإستفادة القصوى من النفط في ظل إنخفاض سعره؟

قد يستغرب البعض ذالك ولكن ماهي الأمور التي يمكن من خلالها الإستفادة أكثر من النفط بدلا من حرقه؟
الإجابة هنا هي إقتصادية بحتة ولا علاقة لها بالسياسة. إنتاج الإيثيلين من النفط أو الغاز أو إنتاج البلاستيك من البروبيلين(البروبين) له قيمة إقتصادية أكثر من تكرير النفط وتحويله إلى وقود للسيارات. إنتاج الإيثيلين يكلف ٥ دولارات لكل وحدة غاز أو نفط مستخدمة لو تم إنتاجه في أمريكا الشمالية مقابل دولار واحد أو أقل مقارنة بالشرق الأوسط. إن ذالك يعني نموا في الصناعات البتروكيماوية من ناحية كمية الإستثمارات وزيادة الطلب على الوظائف المتعلقة بذالك القطاع.
الصناعات البتروكيماوية في دولة الإمارات العربية المتحدة وخصوصا في أبو ظبي أصبحت مصدِّرا رئيسيا لصناعة السيارات في الصين والتي تنمو بسرعة مذهلة وفي السعودية هناك شركة سابك التي تستحوذ على تكنولوجيا أجنبية سواء بالشراء المباشر أو بالشراكة مع شركات أجنبية في إستثمارات داخل المملكة العربية السعودية أو خارجها.
إن نمو الصناعات البتروكيماوية في الدول المنتجة للنفط والجدوى الإقتصادية لتلك الصناعات وعائداتها المادية تعني أن الأولوية في توفير الإحتياجات النفطية في حال حصول تناقص في كمية النفط المتوفرة في الأسواق العالمية, سوف تكون لتلك الصناعات والتي تعد مستهلكا أخر للإنتاج الداخلي للنفط يضاف على القائمة التي تضم توليد الكهرباء وتحلية المياه.
لن تكون هناك مشكلة في حال كانت زيادة الطلب على النفط في الدول المنتجة له مترافقة مع زيادة في الإنتاج ولكن ليس دائما تجري الرياح بما تشتهي السفن. صادرات الدول  المنتجة للنفط(أوبك) قد نمت بصعوبة مع النصف الأول للقرن الحالي وهي معرضة للتناقص خلال النصف الثاني منه. منذ سنة ٢٠٠٧ فقد تناقصت صادرات النفط في دول الشرق الأوسط ٧٠٠ ألف برميل, ٦٠٠ ألف برميل من ذالك التناقص كان من نصيب المملكة العربية السعودية, ولولا نمو صادرات روسيا من النفط لكان الوصول لمستوى سعري ١٠٠ دولار أو يزيد أسرع مما نتوقع.
نلاحظ أن الصادرات هي التي تناقصت وليس معدل الإنتاج والذي تمت المحافظة عليه بصعوبة في بعض البلدان. فقد كان نمو الإستهلاك الداخلي للنفط هو سبب ذالك التناقص في الصادرات.
إيران دولة مصدرة للنفط وعضو في أوبك. إنتاجها أيام الشاه كان تقريبا ٦ ملايين برميل وحاليا هو أقل بمقدار الثلث, أي أربعة ملايين برميل من النفط يوميا. إيران ليست المثل الوحيد بل هناك حقول نفط رئيسية مثل برقان في الكويت أو جواهر في المملكة العربية السعودية إن لم تكن تعاني من تناقص الإنتاج فإنها قد وصلت لذروته.
إيران والكويت والمملكة العربية السعودية هي أمثلة من داخل منطقة الشرق الأوسط ولكن من خارجه فهناك فنزويلا حيث هبط إنتاجها من النفط الخام(Crude Oil) بمعدل مليون برميل حتى في العشرة سنوات التي سبقت تأميم الرئيس الفنزويلي السابق هيوجو تشافيز صناعة النفط. أندونيسيا تحولت إلى مستورد للنفط منذ سنة ٢٠٠٤ حيث أن هناك ٢٠٠ ألف برميل تقريبا هو الفرق بين معدل الإستهلاك ومعدل الإنتاج يوميا بالإضافة إلى أنها بإلغاء عضويتها في أوبك والتي إستمرت ٤٦ سنة سابقة.
هبوط صادرات أوبك من النفط يقابلها إرتفاع صادرات روسيا حيث تمكنت تلك الصادرات من التعويض خلال العشرة سنين التي سبقت أزمة ٢٠٠٧\٢٠٠٨ وساهمت في تأخير تخطي المستوى السعري ١٠٠ دولار للبرميل. روسيا لا تمتلك الميزة فقط بكونها ثاني أكبر منتج للنفط في العالم بل أن معدل إستهلاكها من النفط قد إنخفض بدرجة حادة خلال الأزمة التي مرت بها سنة ١٩٩٠\١٩٩١ وتفكك مايعرف بالإتحاد السوفياتي السابق. إرتفاع في الإنتاج لمستوى ٩ ملايين برميل من النفط يقابله إنخفاض في الإستهلاك لمستوى ٦ ملايين برميل ذالك يعني ٣ ملايين برميل متوفرة لتصديرها للأسواق الخارجية. تلك المعادلة إستمرت لفترة طويلة سمحت بالحفاظ على بعض التوازن في سواق النفط العالمية.
منذ سنة ٢٠٠٠ فإن إنتاج روسيا من النفط قد إزداد بنسبة ٦٠% وتعد روسيا أكثر قريبا ٥٠% من زيادة إنتاج النفط في العالم بين سنتي ٢٠٠٠ و ٢٠٠٦ ولكن إعلان صناعة النفط الروسية أنه لم تسجل أي زيادة في الإنتاج منذ سنة ٢٠٠٨.
ولكن روسيا معرضة لنفس العوامل التي تؤدي إلى تغول الإستهلاك الداخلي على نمو مستوى الصادرات من النفط. بين سنتي ٢٠٠٤ و ٢٠٠٧ فقد نما الإقتصاد الروسي بنسبة ٦% سنويا مما أدى إلى نمو نسبة مبيعات السيارات ٢٠% إلى ٣٠% وباقي القصة معروفة.
المكسيك هي مثال أخر على الدول المصدرة للنفط خارج منظمة أوبك حيث كانت حتى فترة قريبة أكبر مصدر للنفط للولايات المتحدة بعد كندا. ولكن لك المكانة معرضة للإنهيار أو قد تكون إنهارت فعلا حيث أن هناك إنخفاضا للإنتاج منذ سنة ٢٠٠٧ بمعدل ٢٠%.
حقل نفط كانتاريل(Cantarell) البحري والذي يعد ٤٠% من إنتاج النفط في المكسيك وثالث أكبر حقل في العالم يشهد تناقصا حادا في الإنتاج بلغ مليون برميل سنويا وإحتمال خسارة نصف مليون برميل أخر في الفترات القادمة.
إن روسيا والمكسيك ودول منظمة أوبك تعد ٦٠% من الإنتاج العالمي للنفط بمقدار ٤٤ مليون برميل يوميا وكمية تبلغ ٣٥ مليون برميل يتم تصديرها. إن ثبات كمية الإنتاج أمرليس بمستحيل ولكن نمو الطلب على النفط داخليا يعني ٣ ملايين برميل إضافية يوميا تخرج من حسابات التصدير للإستهلاك الداخلي مما قد يؤدي مرة أخرى إلى إرتفاع أسعار النفط وكساد إقتصادي لفترة تسمح بإنخفاض الطلب على النفط مما يؤدي إلى إنخفاض سعره حتى تتغير الدورة الإقتصادية وينتعش الإقتصاد ويزداد الطلب على النفط مرة أخرى.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Sunday, February 26, 2017

مفهوم الحروب الإقتصادية, الأسباب والأهداف

قد يخطي الكثيرون حول مفهوم الحرب الإقتصادية فهدفها النهائي هو تحقيق النصر وليس مضاعفة الثروات أو الإستيلاء على الأصول أو الأسهم. أدواتها صناديق التحوط, صناديق الإستثمار السيادية والمشتقات المالية. الخطوات التي يتم بموجبها شن الحرب الإقتصادية لا تتم بطريقة تنافسية إنما بهدف إحداث أكبر ضرر ممكن بالخصم وبإستخدام أساليب ملتوية. تلك الأساليب قد تتضمن أوامر بيع وهمية لأسهم كبريات الشركات كأبل, جوجل وأي بي إم بهدف إحداث حالة من الذعر في الأسواق أشبه بتدحرج كرة الثلج على منحدر لتتسبب بإنهيار ثلجي كامل ومدمر.
في الماضي فإن تلك النوعية من الحروب الإقتصادية والتي تستهدف الإقتصاد الأمريكي وعلى رأسه الدولار لم تكن خيارا ممكنا بسبب الهيمنة الأمريكية خصوصا في أوروبا وعلى هامش الحرب الباردة حيث كانت كثير من الدول تعتمد على الولايات المتحدة لضمان امنها وحمايتها من المد الشيوعي. ولكن سنة 1971 كانت بداية التغيير حين تخلى الرئيس الأمريكي نيكسون عن إتفاقية بريتون-وودز وفك الإرتباط بين الذهب والدولار الأمريكي حيث ذكر في خطابه أن بعض الدول تحاول شن حرب إقتصادية على الولايات المتحدة. تلك الحرب الإقتصادية لم تكن إلا مطالبات لتلك الدول إستبدال الدولارات التي تراكمت لديها بسبب الفائض التجاري الإيجابي مع الولايات المتحدة بالذهب 35 دولارا لكل أونصة بموجب إتفاقية بريتون-وودز. الولايات المتحدة في تلك الفترة كانت قد قامت بطباعة كميات كبيرة من الدولارات لتغطية نفقات حرب فيتنام ومايعرف بخطة المسدس والزبدة(Gun And Butter) والتي بدأت في عهد الرئيس الأسبق(ليندون جونسون) مما أثار قلق الكثير من الدول حول إنخفاض قيمة إحتياطيها من النقد وخصوصا الدولار الأمريكي الذي كان يعتبر العملة الرئيسية في الإحتياطي النقدي لأغلب دول العالم في تلك الفترة.
المثير للإستغراب أن ألمانيا وهي دولة صناعية وتعد أكبر إقتصاد في القارة الأوروبية وقلبها النابض كانت إلى جانب الولايات المتحدة حيث أبلغتها أنها لن تقوم بالمطالبة بإستبدال الدولارات المتوفرة لديها بالذهب بموجب إتفاقية بريتون-وودز وهو ماكان سوف يؤدي إلى إنهيار قيمة الدولار بسبب مكانة ألمانيا السياسية والإقتصادية.
ولكن ماهو المثير للإستغراب في ذالك؟
ألمانيا وعلى الرغم من إنحيازها إلى جانب الولايات المتحدة في تلك الأزمة إلا أنها كانت أكثر المتضررين من السياسات التي إتبعتها كبريات شركات النفط والطاقة الأمريكية بشكل رئيسي في وقت لاحق والتي أدت إلى إرتفاع في أسعار النفط بنسبة 400% بل وأكثر من ذالك حين تعدى سعر برميل النفط حاجز 100 دولار حتى وقت ليس ببعيد. بالنسبة لدولة صناعية كألمانيا فإن ذالك كان يعد كارثة. وحاليا يتم إستهداف أوروبا وخصوصا ألمانيا من قبل تركيا بشكل رئيسي عبر موجة اللاجئين وتحت مسميات إنسانية حيث أن كامل فائض الميزانية الألمانية والذي بلغ 10 مليارات يورو سوف يتم تخصيصه للإنفاق على اللاجئين. ألمانيا تعارض منح عضوية كاملة لتركيا في الإتحاد الأوروبي وإنضمامها لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة(اليورو).
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Sunday, February 19, 2017

عمليات محاكاة الحروب الإقتصادية, الإستعداد لما هو قادم

إن جميع الأطراف تستعد لما هو قادم ولكن ليس جميع الإستعدادت هي من طرف الحكومة الأمريكية أو يتم تحت إشرافها. في شهر سيبتمبر\2012 مملكة البحرين إستضافت مؤتمرا تم توجه الدعوات الحصرية فيه لعدد من معاهد الأبحاث, الصحفيين, مسؤولين أوروبيين وخبراء في الأسواق المالية والعمليات التجارية. هدف المؤتمر الذي إستمر لفترة ثلاثة أيام هو بحث سيناريو إنهيار الدولار الأمريكي وإحتمال صعود عملات كاليوان الصيني أو الروبل الروسي كبديل على الرغم من أن ذالك أمر مستبعد في الوقت الحالي.
بتاريخ أكتوبر\12\2012 فإن الإتحاد الفيدرالي للعلماء الأمريكيين قام بتبني عملية محاكاة لحرب غير تقليدية بين إيران وإسرائيل تشمل إستخدام أدوات مالية مختلفة ودراسة تأثير الحروب التقليدية في حال حصولها على الوضع الإقتصادي للبلدين. وبتاريخ أكتوبر\25\2012 فإن شركة بوينج قد قامت بعملية محاكاة لحرب إقتصادية في بريتون-وودز في ولاية نيوهامسفير في نفس الفندق الذي عقد فيه المؤتمر الأشهر سنة 1944.
قيادة منطقة المحيط الباسيفيكي في القوات المسلحة الأمريكية إنتهت بتاريخ 30\أكتوبر\2012 من عملية تجربة عبارة عن محاكاة لحرب إقتصادية إستمرت سنة كاملة وشارك فيها بنوك رئيسية وكبريات معاهد الأبحاث والتفكير.
حتى أن الجيش السويسري قد دخل في عملية محاكاة الحروب الإقتصادية تحت مسمى دوبلكس باربارا(Duplex Barbara) والتي إنطلقت في شهر أوغسطس\2013 بعملية غزو إفتراضية من قبل ميليشيات فرنسية ورجال عصابات لإستعادة أموال فرنسية تمت مصادرتها من قبل بنوك سويسرية.
في سنة 2013 فقد تم الإستيلاء على أحد حسابات تويتر التي تعود لأحد المعاونين الصحفيين في البيت الأبيض ونشر خبر كاذب عن تعرض مقر الرئاسة الأمريكية لهجوم إرهابي. النتيجة العاجلة لذالك الخبر هو هبوط مؤشر داو-جونز 140 نقطة وخسارة 136 مليار دولار من الثروات قبل تعافي المؤشر وتبيان عدم مصداقية الخبر. الهدف من تلك النوعية من الهجمات هو ليس تعطيل الأسواق المالية بل محاكاة عمليات بيع من قبل مؤسسات مالية أمريكية عريقة لأهداف إحتيالية.
وفي كثير من الأحيان فإن الفاعل يبقى مجهولا أو تحوم الشكوك حول الأسباب الحقيقية حيث أنه سنة 2012 تعرضت مؤسسة (Knight Capital services) لعطل في برنامج الكمبيوتر الخاص بها والذي يتحكم بعمليات شراء الأسهم مما أدى إلى مراكمتها ماقيمته 7 مليارات دولار من الأصول الغير مرغوبة مما كلفها خسارة 400 مليون دولار تقريبا لتتخلص منها. بحسب بعض المصادر فإن الفاعل عن غير قصد قد نسي نسخ أحد أوامر البرنامج إلى أحد سيرفرات الشركة مما أدى إلى تلك الفوضى. وفي شهر أوغسطس من نفس السنة فقد تعرضت بورصة ناسداك قد توقفت عن التداول لمدة ثلاثة ساعات ولم يتم تقديم أي مبررات أو إيضاح أسباب العطل.
المشكلة التي يشتكي منها عدد لا يستهان به من الخبراء الإقتصاديين في الولايات المتحدة هو نوع من اللامبالاة من قبل وزارة الخزانة وبنك الإحتياطي الفيدرالي بخصوص قدرة الخصم على إحداث ضرر لايستهان به في البنية التحتية للإقتصاد الأمريكي سوف يستغرق إصلاحها وقتا طويلا مما يمنح الخصم فرصة لا تعوض للإستفادة في تعزيز موقعه الإستراتيجي مقارنة بالولايات المنحدة بأحد بقاع العالم المتنازع عليها. الأسباب التي يسوقها المسؤولون الحكوميون هي أن تلك النوعية من الهجمات الإقتصادية سوف تؤدي إلى خسارة كبيرة للطرف الأخر. إن تلك النقطة للأسف يرفض عدد كبير من المسؤولين إستيعابها وهي أن تلك النوعية من الهجمات لا تستهدف تحقيق مكاسب إقتصادية بالمعنى الشائع بل إحداث أضرار إقتصادية للخصم وإضعافه للتفوق عليه خصوصا من الناحية العسكرية.
التعافي من تلك النوعية من الهجمات قد تأخذ عقودا فتخيلوا أن عدد كبيرا من الدول المتضررة من أزمة 2007\2008 لم تتعافي إلى الأن ولو جزئيا من تلك الأزمة ولايوجد بحوزتها أي إحتياطيات لمواجهة الأزمة المقبلة التي قد تتسبب بإفلاس عدد من الدول بالمعنى الحرفي للكلمة.
السيناريو الأكثر إحتمالية من وجهة نظر البعض هو هجمات إقتصادية خبيثة متبادلة بين الولايات المتحدة والصين بهدف إحداث أكبر ضرر إقتصادي ممكن مما قد يؤدي في النهاية إلى إضطرابات إقتصادية. الصدام العسكري المباشر مسألة سوف تكون مكلفة خصوصا للولايات المتحدة في الوقت الذي من الممكن للصين أن تمتص الضرر وتعيد بناء نفسها بصورة أسرع. الصين من ناحيتها تقوم بتحويل ثروتها من العملات الورقية إلى سبائك ذهبية إستعدادا لما هو قادم حيث تقوم بالإضافة إلى بلدان أخرى كروسيا بتكديس الذهب وبكميات كبيرة.
خسارة الصين في حال قيام أي حرب إقتصادية بينها وبين الولايات المتحدة سوف تكون مؤقتة ويتم تعويضها لاحقا بينما مكاسبها على أرض الواقع بخصوص تايوان وبحر الصين الشرقي فإنها سوف تشكل مكاسب دائمة وخطوة للامام بالنسبة للصين.
مشكلة المسؤولين في الولايات المتحدة إعتمادهم على نماذج ومعادلات لقياس حالة الأسواق المالية في الوضع الطبيعي والعادي ولكن كما هو معلوم فمتى إنتشرت حالة من الذعر بسبب حدث ما فإن موجة التدافع للبيع يمكن تشبيهها بإنهيار ثلجي بدأ بندفة حتى ينتهي بكارثة تجرف في طريقها كل شيئ.
إن الأزمات الإقتصادية التي كادت أن تودي بالأسواق المالية إلى الهاوية لم تبدأ بأزمة 2007\2008 وإن كانت تلك الأزمة أسوأها حتى تاريخه. في تاريخ سيبتمبر\1998 كادت أسواق المال والبورصة أن تنهار لولا حزمة إنقاذ بمبلغ 4 مليارات دولار لصندوق (Long Term Capital) . وفي سنة 2008 فإن وول ستريت كان على وشك الإنهيار الكامل وإعلان كبار البنوك والمؤسسات المالية إفلاسها لولا إقرار الكونجرس الأمريكي لحزمة إنقاذ بمبلغ مبدئية أطلق عليها إسم (TARP) وبلغت 700 مليار دولار أمريكي.
سيناريوهات الحروب الإقتصادية ليست دائما هجمات متبادلة يبدأ أحد الطرفين بشكل عمدي بل قد يكون سببها مشكلة برمجية او حتى بعض الأشخاص الغاضبين كما حصل مع  (Knight Capital services) وخلال إنهيار سنة 2010 حيث تعرضت أسواق المال في وول ستريت إلى خسائر بلغت تريليون دولار بسبب أحد صناديق التحوط ومايعرف بإسم (High Frequency Trader - HFT) حيث أدى بيع صندوق التحوط لمجموعة كبيرة من الأسهم دفعة واحدة مع إستنفاذ خياراته بخصوص مشترين محتملين إلى سلسلة عمليات بيع كان المستفيد منها مكاتب (HFT) والتي كان لها مصلحة في المزيد من تدهور الأسواق المالية لجني الأرباح.
الإنهيار القادم سوف تكون عواقبه وخيمة لأنه يشاع على نطاق واسع أنه سوف يتفوق على كل الإنهيارات التي سبقته من حيث حجم الخسائر وسوف يكون مصحوبا بقلاقل وأزمات إجتماعية وإضطرابات ومظاهرات. كما أن بنك الإحتياطي الفيدرالي قد إستنفذ خياراته سنة 2007\2008 بطباعة أكثر من 3 تريليون دولار لشراء أسهم وسندات وأصول تعتبر مسمومة أثقلت دفاتر حساباته وجعلته في وضع أشبه بالإفلاس وبالتالي لن يكون في وضع يمكنه من التدخل كما حصل في الأزمات السابقة.
الحل يكمن في السماح بتفكيك البنوك التي من المفترض أنها أكبر من أن تفشل(Too Big To Fail), إعادة العمل بقانون جلاس-ستيجال والذي تم إلغائه في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون, السماح بإنشاء بورصات محلية في كل ولاية وإعادة الدور للذهب في المعاملات المالية والنظام المالي.
حلول بسيطة ولكن يتم تجاهلها ممن ليس لهم مصلحة في إعادة العمل بأي من تلك المقترحات التي سوف تقيد طريقة عملهم وتجعلهم عاجزين عن جني الأرباح كما في السابق وحتى المضاربة على زبائنهم أنفسهم.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Sunday, February 12, 2017

مفاهيم إقتصادية, التضخم والكساد

يعتبر التضخم بالنسبة للكثير من المختصين وسيلة خفية لسرقة الثروة حيث يبدأ تدريجيا وبصمت ثم يضرب بكل قوة فجأة وبدون سابق إنذار وقد يخرج عن السيطرة ليتحول إلى تضخم مفرط.
ردة الفعل المتأخرة التي تبديها المؤسسات المالية والإقتصادية خصوصا البنوك المركزية تعرف بإسم (Money Illusion) والتي تعني التوهم بأن هناك تحول ملموس من مجرد أوراق نقدية إلى قيمة حقيقية أو مايصطلح بتسميته بالثروة.
مدخرات البنوك, معاشات التقاعد ومستحقات التامين سواء التأمين على الحياة أو ضد الحوادث أو ضد خسارة العمل هي أمثلة على مصطلح(Money Illusion) بينما الثروة الملموسة هي بيد البنوك والمؤسسات المالية والمصرفية والشركات وفي الأغلب تكون على شكل سبائك ذهبية أو أراضي او مشاريع عقارية ضخمة. ذالك المصطلح ينطبق أيضا على الفترة الممتدة (1960-1980) حيث كان معدل التضخم في الولايات المتحدة 1.24% في بداية الستينيات حتى سنة 1965 وبدأ بالإرتفاع بشكل تدريجي حتى خرج عن السيطرة لمستوى 13.5% سنة 1980 ولم يعود لمستوى 1.9% إلا سنة 1986 وهو لمستواه في الفترة التي سبقت 1965.
هناك أمران مهمان يمكن ملاحظتهما بخصوص التضخم, الأول أن التضخم سوف يأخذا وقتا حتى يثير الإنتباه خصوصا على مستوى عامة الناس. بينما الأمر الثاني هو أن الأوضاع الإقتصادية سوف تأخذ وقتا أطول من الفترة التي رافقت التضخم حتى تعود الأمور إلى نصابها إن نجح المختصون في تعديل مسار دفة السفينة. الفترة الزمنية من بداية حرب فيتنام حتى أصبحت مشكلة التضخم موضع نقاش وجدل هي 9 سنين(1965-1974) بينما لم تعد الأمور إلى نصابها نوعا ما بعد 11 سنة(1975-1986).
بنك الإحتياطي الفيدرالي قام ومنذ سنة 2008 وفي محاولة لإبعاد شبح التضخم بطباعة مايقرب من 3 تريليون من الدولارات في محاولة منه لخلق مستوى تضخم يبلغ 2.5% وتلك كانت محاولة منه لإبعاد شبح الكساد الإقتصادي والتخفيف من قيمة ديون الولايات المتحدة. حاليا فإن وتيرة طباعة الدولارات بما يسمى التسهيل الكمي(QE) وزيادة سعر الفائدة قد بدأ في محاولة لكبح جماح تضخم مفرط بدأ يلوح في الأفق.
لم يختبر الأمريكيون المعنى الحقيقي للكساد الإقتصادي منذ أخرة فترة كساد (1927-1933) حتى سنة(2009-2013) وعلى الرغم من قيام بنك الإحتياطي الفيدرالي بطباعة كميات هائلة من الدولارات فإن أعراض الكساد بقيت ملازمة للإقتصاد الأمريكي حتى يومنا هاذا.
يتميز الكساد الإقتصادي بعدد من الخصائص التي لا تجعله مفضلا خصوصا لدى الحكومات, تلك الخصائص هي:
-         إنخفاض مداخيل الحكومات من الضرائب بسبب زيادة القوة الشرائية للنقود بدون زيادة الأسعار بل على العكس إنخفاضها. الزيادة سببها إنخفاض الأسعار وليس إرتفاع الرواتب وتلك لايمكن فرض الضرائب عليها.
-         الكساد يعني زيادة عبئ خدمة الدين السيادي وقد يصل في حال إستمراره لإعلان عجز الدولة عن الوفاء بإلتزاماتها وبالتالي الإفلاس حيث أنه يخفض من نسبة النمو الإسمي للناتج المحلي الإجمالي بينما في الوقت نفسه يزداد الدين بإزدياد عجز الميزانية ممايضع الولايات المتحدة في نفس الطريق الذي تسير عليه اليونان.
-         الكساد يزيد من قيمة الديون الخاصة مما ينتج عنه إطلاق موجة من عمليات إعلان الإفلاس والعجز عن الوفاء بالإلتزامات المالية للبنوك والمؤسسات المالية التي بدورها سوف تتأثر بما يشبه كارثة 2007\2008.
-         من الممكن التحكم بالتضخم حتى لو كان الثمن إتخاذ إجرائات إستثنائية بينما العكس صحيح بالنسبة للكساد حيث أنه حتى مؤسسة مالية بحجم بنك الإحتياطي الفيدرالي تعلم أنها سوف تعاني صعوبة في إنجاز تلك المهمة.
إن قدرة بنك الإحتياطي على طباعة الدولارات بموجب برناج التسهيل الكمي(QE) ليست بلا حدود وقد تتوقف عن قيم الأصول التي تم شرائها بموجب ذالك البرنامج 5 تريليون دولار كما أن هناك حدودا سياسية يتوجب مراعاتها خصوصا أن هناك دولا تمتلك كمية كبيرة من سندات وزارة الخزانة الأمريكية ولن تنظر بعين الرضا لتلك الخطوة.
القرار الذي قد يتخذه بنك الإحتياطي الفيدرالي في تلك الحالة هو القبول بحالة الكساد ظاهريا مع الإعتماد
على سياسات مالية لإبقاء على الإتجاه الإستهلاكي في محاولة إنقاذ مايمكن إنقاذه أو أن يظهر الكساد على الرغم من زيادة الكتلة النقدية بموجب برنامج التسهيل الكمي.
وكما أن التحكم بنسبة التضخم يتطلب قرارات إستثنائية فالأمر نفسه ينطبق على الكساد حيث من المتوقع في تلك الحالة صدور أمر رئاسي إستثنائي بموجب القانون الذي يمنح الرئيس الأمريكي حصريا الحق بإتخاذ قرار بتحديد سعر 7000 دولار لأونصة الذهب ومصادرة كافة إحتياطيات الذهب الأجنبية الموجودة داخل أراضي الولايات المتحدة وأغلبها في حوزة بنك الإحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة الأمريكية وتعويض مالكيها دولارات مطبوعة حديثا بموجب السعر الذي يحدده المرسوم الرئاسي.
الهدف هو تغطية كمية الكتلة المالية من الدولارات الموجودة في الأسواق والتمهيد للعوجة إلى معادلة ما تربط الذهب بقيمة الدولار الامريكي. ربما الجزء الثاني من معاهدة بريتون-وودز ولكنها سوف تكون معاهدة من طرف واحد وليست كمعاهدة 1944 والتي تم إتخاذ قرارها على هامش إجتماعات بمشاركة عدد كبير من الدول.
العالم الذي سوف نعيشه وسعر أونصة الذهب فيه 7000 دولار هو نفس العالم الذي سوف يكون سعر أونصة الفضة 100 دولار وسعر برميل النفط 400 دولار.
ولكن لماذا الإستغراب فهي ليست أول مرة سوف تقوم فيها الحكومة الأمريكية بتلك الخطوة ففي عهد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ولمكافحة موجة الكساد التي حلت على الولايات المتحدة إثر أزمة إنهيار وول ستريت سنة 1929 والتي بلغت ذروتها في سنة 1933 التي تولى فيها رسميا منصبه, فقد قام بإصدار قانون الإستحواذ حيث منع أي مواطن أمريكي, مع إستثناء مع من تتطلب مهنتهم التعامل اليومي بالذهب كأطباء الأسنان ومحلات الصياغة, من الإحتفاظ بما يزيد على ماقيمته 100 دولار من الذهب أو أي شهادات إستثمار في شركات التنقيب عن الذهب وتسليم ماتبقى بحوزته للحكومة الأمريكية مقابل تعويضه 20 دولارا لكل أونصة من الذهب.
السبب الذي كان وراء إصدار قانون الإستحواذ هو أن عدد من العملات تخلت عن معيار التبادل الذهبي بموجب إتفاقية جنوه سنة 1922 وقامت بتعويم عملاتها مما أدى إلى تخفيض قيمتها ومنحها ميزة تنافسية على الولايات المتحدة في مجال الصادرات.
ولمواجهة ذالك فقد قام الرئيس الأمريكي برفع قيمة الأونصة الذهب من 20.67 حسب إتفاقية جنوه إلى 25 ثم إلى 30 ثم 35 دولار في مرحلة لاحقة حين إقرار إتفاقية بريتون-وودز سنة 1944. المشكلة التي واجهت الرئيس الأمريكي أن المواطنين الأمريكيين والشركات الخاصة ومستثمرين كانت تحوز على كميات كبيرة من الذهب وتمتنع عن بيعها لتوقعها إرتفاع أسعار الذهب مستقبلا فكان إصدار قانون الإستحواذ هو الحل حيث مع توفر كمية كبيرة من السيولة في حسابات المواطنين والتخوف من إنخفاض قيمة الدولار, فإنهم كانوا يسعون لإنفاقها وبأسرع وقت ممكن في شراء أصول ثابته كالمنازل أو إستثمارها في مشاريع مختلفة مما يؤدي إلى تنشيط الإقتصاد والتخلص من حالة الكساد.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Saturday, February 4, 2017

ماهي العواقب المحتملة لإنهيار قيمة الدولار وفقدان مركزه كعملة إحتياطية عالمية؟

زوال مركز الدولار الأمريكي كعملة إحتياطية عالمية هو أكثر من مجرد زوال عملة ورقية أو إنخفاض قيمتها بشكل كبير فيما يعرف بالسقوط الحر لأنه بزواله فسوف يزول معه النظام المالي العالمي كما نعرفه في وقتنا الحالي وسوف تتشكل ملامح نظام مالي جديد. إن ذالك كاد أن يحصل سنة 1978 حيث إنخفض مؤشر الدولار في بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى مستوى غير مسبوق حتى أن وزارة الخزينة إضطرت إلى إصدار سندات مقومة بالفرنك السويسري وليس بالدولار.
في الفترة الممتدة من سنة 1977 إلى 1981 فإن الدولار الأمريكي قد خسر أكثر من 50% من قيمته الشرائية مما أدى إلى زيادة التضخم بنفس النسبة في الولايات المتحدة. صندوق النقد الدولي وجد نفسه مضطرا لإصدار 12.1 مليار(SDR) وحدة من حقوق السحب الخاصة لتوفير السيولة للأسواق العالمية حيث خسر الدولار مركزه وفقد ثقة المستثمرين وحتى الأشخاص العاديين به. سعر الذهب إرتفع 500% في الفترة 1977-1980 وفك إرتباط الدولار بالذهب سنة 1971 الذي بدأ كعملية مدروسة بأثار جانبية محدودة قد تحول إلى فوضى.
ماهي العواقب المحتملة لإنهيار قيمة الدولار وفقدان مركزه كعملة إحتياطية عالمية؟
لن نذهب بعيدا في الإجابة على ذالك فأفلام هوليود التي قد يظن البعض أنها للتسلية ولا تحمل رسالة معينة أو خطة عمل مستقبلية ذكرت أن إنهيار قيمة الدولار سوف ينتج إنهيار البنوك, فوضى مالية وإضطرابات على المستوى العالمي.
إن ذالك ليس أمرا بعيدا عن الواقع فأغلب السندات والأسهم والأدوات الإستثمارية والسلع والخدمات مقومة بالدولار كما أن قيمة عملات الكثير من البلدان مرتبطة بسعر صرف الدولار وإنهيار الدولار يعني سقوط كل ماسبق ذكره من أدوات مالية مقومة بالدولار أو عملات مرتبطة به. المستثمرون سوف يصيبهم الذعر ويهرعون لبيع كل مابحوزتهم, البنوك سوف تشهد طوابير المودعين الراغبين في سحب أموالهم ومحطات الوقود وتجارة التجزئة سوف نشهد إزدحاما غير مسبوق. تخيلوا ماحصل في إنهيار وول ستريت سنة 1929-1933 مع الفرق أن الكارثة القادمة سوف تكون من حيث الحجم والمستوى تجعل كل ماسبقها كنقطة ماء في بحر.
وحتى نتعرف على التأثير المدوي لإعلان الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون سنة 1971 فك إرتباط الدولار بالذهب فيكفي أن نعلم عن الإحراج الذي أصاب السياح الأمريكيين في الخارج خصوصا في أوروبا حيث بدأ الكثير من أصحاب الفنادق والمطاعم والأماكن السياحية برفضهم قبول الدولار الأمريكي لدفع الحساب والكثير منهم طالب السياح بالذهب بدلا من الدولار كوسيلة للدفع. هم كانوا جادين للغاية ولم يكونوا يمزحون.
محافظ بنك الإحتياطي الفيدرالي بول فولكر(Paul Volcker) والرئيس الأمريكي المنتخب حديثا رونالد ريجان بذلا جهودا ناجحة من أجل السيطرة على الموقف المنفلت والذي بدأ ينذر بكارثة على المستوى العالمي. بول فولكر قام برفع سعر الفائدة 18% سنة 1981 وذالك لتحقيق هدفين بضربة واحدة. الهدف الأول هو السيطرة على التضخم بإمتصاص السيولة من الأسواق المالية المحلية والعالمية أما الهدف الثاني فهو إستعادة الثقة بالدولار. الرئيس ريجان قام بإصدار تشريعات متعلقة بتخفيضات ضريبية مما جعل الولايات المتحدة بلدا جاذبا للإستثمارات مرة أخرى. الجهود المبذولة كانت أكثر من ناجحة حيث إرتفع مؤشر الدولار الأمريكي في بنك الإحتياطي الفيدرالي 50% بحلول مارس\1985 مقارنة بأكتوبر\1978, سعر الذهب شهد إنخفاضا بقيمة 60% من المستوى السعري لسنة 1980 كما أن الأهم هو أن مستوى التضخم قد إنخفض من 13.5% سنة 1980 إلى 1.9% سنة 1986.
ومنذ أن خيمت الأزمة المالية 2007-2008 بظلالها على الأسواق المالية في الولايات المتحدة والعالم وبحلول سنة 2011 فإن أعراض أزمة 1978 بدأت بالظهور مرة أخرى. مؤشر الدولار في بنك الإحتياطي الفيدرالي إنخفض إلى مستوى أعلى بنسبة 4% من مستواه سنة 1978. صندوق النقد الدولي(IMF) قام بإصدار 310 مليار وحدة من حقوق السحب الخاصة بتاريخ  2009 مما أدى إلى زيادة نسبتها 850% كما سعر الذهب قد إرتفع إلى 1900 دولار للأونصة وهو سعر أعلى بنسبة 200% من المستوى السعري سنة 2006. الحكومة الأمريكية قام بإقرار حزمة تحفيزية بمبلغ مبدئي 700 مليار دولار وذالك في محاولة لإنقاذ مايمكن إنقاذه ومنع مؤسسات مالية ومصرفية وشركات تأمين عريقة من الإنهيار حيث من الممكن أن يؤدي ذالك بداية أسوأ أزمة مالية عرفها العالم حتى عصرنا الحالي وهي التي يقال عنها أزمة الأزمات.
أحد أثار إرتفاع أو إنخفاض قيمة الدولار الأمريكي هو تأثيره على معدلات التضخم حتى على المستوى العالمي خصوصا للدول الفقيرة والتي سوف تعاني من إرتفاع فاتورة الطاقة الخاصة بها مما يؤدي إلى إرتفاع تكلفة كل سلعة وكل خدمة تقريبا. المعايير التي يتم بواسطتها قياس نسبة التضخم قد تختلف من بلد إلى أخر ولكن في الولايات المتحدة فإن أهمها وهو المعتمد رسميل يسمى مؤشر سعر المستهلك(Consumer Price Index) ولكنه لم يتزحزح من مكانه تقريبا منذ سنة 2008. ولكن لو ألقينا نظرة أكثر واقعية على طرق أخرى تستخدم لقياس نسبة التضخم خصوصا في الفترة التي سبقت سنة 1990 وقارنا المعلومات بالمؤشرات التي تستخدم حاليا لوجدنا أن نسبة التضخم السنوي ليست 2% بل 9%. إن تلك المعلومات ليست محصورة برجال المال والأعمال أو مدراء البنوك المركزية او وزراء المالية, أي فرد عادي سوف يحس بالفرق حين يقوم بشراء حليب لأطفاله أو دواء أو يدفع فاتورة الكهرباء أو الماء. كما أن أي مشرف حسابات أو مدير في أحد محلات التجزئة يستطيع إخبارك بإرتفاع أسعار السلع أو إنخفاضها في متجره.
يفضل الكثير من الإقتصاديين التضخم (Inflation) على الكساد (Deflation) لمجموعة أسباب أولها أن التضخم يرفع أسعار الأصول المالية والعكس بالنسبة للكساد. ثاني تلك الأسباب هو أن التضخم يزيد العائدات الضريبية بينما الكساد يزيد القوة الشرائية للفرد بدون أن تتمكن الحكومة من فرض ضرائب على ذالك حيث أن القوة الشرائية للفرد تختلف في حالة التضخم عما إذا كان الإقتصاد يعاني من الكساد. السبب الثالث له علاقة بمستوى الدين العام الذي يمكن دفعه بعملة متضخمة بطريقة أسرع من الطرق الإعتيادية.
إن السياسات الإقتصادية التي تفضل التضخم على حساب الدورة الإقتصادية الإعتيادية هي سياسات كارثية. المسؤولون في بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي محتارون في سبب تأخر التضخم خصوصا مع تضخم الكتلة المالية 400% بسبب برنامج التيسير الكمي(QE) وبرنامج شراء السندات منذ سنة 2008. هناك تفسيران لذالك أولهما أن الإقتصاد الأمريكي متداعي  بطريقة يتعذر إصلاحها أو الإقراض المنخفض الفائدة وضخ السيولة في الأسواق المالية بطرق مختلفة قد عجز عن إحداث التغيير المطلوب. أما التفسير الثاني هو أن التضخم قادم لا محالة ولكن الأسئلة المتعلقة بالتوقيت ومستوى ذالك التضخم, هل سوف يتحول إلى تضخم مفرط؟, تبقى بلا إجابة.
هناك حضارات قد إنهارت وهناك إمبراطوريات قد إنهارت حيث كان السبب الرئيسي للإنهيار التلاعب بقيمة العملة وفقدان ثقة الناس بها. الإمبراطورية الرومانية إنهارت تحت تأثير التلاعب بقيمة عملتها عن طريق تقليص وزن الذهب النظام المالي إنهار قبل ذالك في ثلاثة مناسبات رئيسية سنة 1914و 1939 و1971. وقد تكون كلمة الإنهيار بحد ذاتها كلمة لها دلالات كارثية ولكنها في الوقت نفسه كارثية. إنهيار عملة بلد ما هو ببساطة فقدان ثقة مواطني ذالك البلد بعملتهم ويكون ذالك عبر إنفاقها بشكل متسارع أو شراء أصول ثابته كالذهب أو المنازل أو أية ممتلكات أخرى. إن ذالك سوف يؤدي إما إلى الكساد أو إلى التضخم الذي قد يتحول إلى تضخم مفرط وتلك كارثة بكل المعايير يحاول الجميع تجنب الحديث عن إحتمالية حدوثها.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية