Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label Christology. Show all posts
Showing posts with label Christology. Show all posts

Sunday, March 19, 2017

كيف يتحدى إنجيل القديس يوحنا المفسرين وخبراء اللاهوت؟

هناك مشكلة تواجه كل من يقوم بمحاولة فهم وشرح النصوص المقدسة المسيحية بطريقة حرفية(Literalism). إن معنى الكلمة(Word) التي يتم إستخدامها في إطار النصوص الدينية يمكن شرح مهمتها بكونها مؤشرا على مفهوم أخر فيما وراء المعنى الحرفي لايمكن للكلمة نفسها أن تقوم بتوضيحه. الحرفية(الأخذ بالمعنى الظاهري) تقترح مهمة لمفهوم الكلمة والتي هي ليست إلا عبارة عن مؤشر(Pointer) يمكن أن تتحول لواقع ملموس بذاتها وبالتالي التأسيس لمفهوم ليس له وجود على أرض الواقع. إن ذالك يجعلنا نفترض مسبقا أن أي دين لايمثل فقط الحقيقة بل قادر على إيضاحها بشكل مطلق. إن الحرفية في تفسير النصوص الدينية قادرة في ظل وجود أشخاص ذوي قدرات فكرية معينة على إنتاج أسوأ أنواع التطرف الديني. الحرفية تعد عدوة الإيمان ومتناقضة مع الحقيقة.
إنجيل القديس يوحنا يعد أكثر النصوص الدينية ضمن الكتاب المقدس تحديا للحرفية في تفسير كلماته وسخرية ممن يحاولون تفسير نصوصه بتلك الطريقة.
إن من يؤمن بحرفية تفسير النصوص الدينية يطلق عليهم المتعصبون(The Fundamentalist) وهم بنقسمون إلى عدة أقسام بينهم خط رفيع جدا. القسم الأول من يؤمن بحرفية النص الديني بكل ماتحمله الكلمة من معنى وبدون أي مرونة. القسم الثاني يبدي بعض المرونة في التعاطي من النصوص الدينية كنص رسالة بول الأولى إلى تسالونكي 5:17(صلوا بلا إنقطاع). من وجهة نظرهم فإنها لاتعني الصلاة 24\7 لأن ذالك يعني العجز عن أداء الروتين اليومي الذي يتوجب على اي شخص القيام به. هناك عدد من النصوص الأخرى في إنجيل القديس يوحنا التي يتم التعاطي معها بطريقة حرفية كنص تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل والجدل بين المسيح وأمه في اللحظات التي سبقت العرس, طرد الباعة والصيارفة من الهيكل, مقارنة جسده بهيكل المعبد وغير ذالك من النصوص التي يتملئ بها الإنجيل والتي لو تم الإقرار بالتفسير الحرفي لتلك النصوص أو غيرها فإن المؤمنين الوحيدين سوف يكونون الأشخاص المتعصبين.
في تلك النقطة فإنه يتوجب علينا عدم الخلط بين رواية القصة والأمثال وبين التاريخ وتفهم البيئة التي أحاطت بالروايات عن يسوع المسيح في القرن الأول ميلادي وتأثير الطقوس الدينية والوعظية خصوصا للصوفية اليهودية على تلك الروايات.
في الفصل الثالث من إنجيل القديس يوحنا رواية الحوار بين يسوع المسيح ونيقوديموس, وفي الفصل الرابع رواية حوار يسوع المسيح مع المرأة السامرية, فإنه وفي كلتا الروايتين يتضح التحدي الذي يبديه كاتب إنجيل القديس يوحنا لمن يؤمنون بالحرفية في تفسير النصوص المقدسة. حتى أنه تلك الصورة تتضح أكثر في حواره مع تلاميذه بعد عودته من المهمة التي أرسلهم إليها ومشاهدتهم له يحاور المراة السامرية حيث إستفزهم كونها إمرأة أكثر من كونها سامرية. يسوع المسيح أجابهم عندما طالبوه بأن يأكل (أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم) حيث تتضح الرمزية في تعاليم يسوع المسيح ومدى السخرية التي أبداها كاتب الإنجيل من الحرفية في تفسير تعاليمه.
في رواية أخرى وهي جزء من حوار يسوع المسيح مع الكتبة والفريسيين في الهيكل إثر شفائه مريض قرب بركة بيت حسدا, يقوم بإنتقادهم بقوله ( فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي) من الممكن الإستعانة بها أيضا كمثال على السخرية التي أبداها كاتب الإنجيل ممن يحاولون الأخذ بحرفية النصوص المقدسة.
النصوص في إنجيل القديس يوحنا بكلماتها ليس أكثر من كونها مجرد مؤشر للحقيقة ولكنها ليست هي الحقيقة نفسها والتي سوف يبقى عاجزا عن إستيعابها كل من لم تتفتح عيناه للحقيقة التي يعجز من يؤمنون بحرفية تفسير النصوص عن رؤيتها.
في نصوص الإنجيل الرابع فإن يسوع المسيح ينتقد وبشدة الأخذ بحرفية الكلمات ومعانيها وهي المشكلة التي نعاني منها حاليا في كافة الأديان ونصوصها المقدسة. القديس يوحنا كان بعيدا كل البعد عن الأخذ بحرفية الكلمات وهو لم يفهم أقوال وأفعال يسوع المسيح بالمعنى المجرد للكلمة فقد كان يهوديا يكتب إنجيله متجردا من الحرفية في إستخدام الكلمات ومستخدما الصوفية اليهودية بكل ماتحمله كلماتها وتعابيرها من رمزية.
إنجيل القديس يوحنا يعبر عن الحالة الإلهية التي ظهرت في هيئة بشرية وتقريب الإنسان للمفهوم الحقيقي للألوهية وليس عن الرب الذي تحول إلى إله أو إكتسب صفة البشر وأخذ بالتجول متنكرا في تلك الصفة البشرية فذالك تفسير حرفي للكلام كل من قرأ الإنجيل بتعمن يلاحظ أن كاتبه تعمد الإبتعاد عنه.
إن مايحتاجه قارئ إنجيل يوحنا هو حالة إيمانية في اعلى مستوياتها والإبتعاد عن محاولة الأخذ بحرفية الكلمات التي وردت فيه لأنه ربما هناك جملة واحدة على أحسن تقدير هي من أقوال يسوع المسيح والباقي وإن كانت تعكس جوهر المسيح ورسالته إلأ أنها ليست مما ورد ذكره منقولا عنه.
إن الحقيقة المتعلقة بإنجيل القديس يوحنا أنه لايمكن قرائته أو تفسيره بطريقة حرفية بعيدا عن الصوفية اليهودية ومفاهيمها سوف تقودنا إلى سؤال أخر عن تلك الشخصيات التي ورد ذكرها في الإنجيل, بعض تلك الشخصيات لم يرد ذكره إلا في إنجيل القديس يوحنا وبعضها الأخر ورد ذكره في الأناجيل الأخرى ولكنه تم تقديمه في إنجيل يوحنا بطريقة مختلفة.
تلك الشخصيات التي وردت على وجه الخصوص في التمهيد ليوحنا(2-11) لايمكن التعامل مع أي منها على أنها شخصيات تاريخية حقيقية. أول تلك الشخصيات هو نثنائيل(هدية من الرب) الذي ورد إسمه في يوحنا(1) والتلميذ المحبوب الذي ورد ذكره في ختام الإنجيل.
بالنسبة لشخصية نثنائيل فهي تم تقديمها كتمهيد أو درس تمهيدي لكل من يحاول إكمال قرائة أو تفسير إنجيل القديس يوحنا بطريقة حرفية. فيليب إصطحب نثنائيل ليسوع المسيح كما فعل أندراوس مع بطرس. قيام فيليب بدعوة نثنائيل لمرافقته للقاء بيسوع المسيح جائت مترافقة مع الكلمات التالية: فيلبس وجد نثنائيل وقال له: وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة(يو1:45). نثنائيل كان قد سمع من فيليب قبل ذالك أن يسوع كان من مدينة يقال لها الناصر فتسائل: فقال له نثنائيل: أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟(1:46). عندما وصل فيليب ونثنائيل للقاء يسوع والذي قال وبدون مقدمات موجها كلامه للأخير: هوذا إسرائيلي حقا لا غش فيه(1:47). نثنائيل والذي كان مصدوما من ذالك الترحيب المفاجئ رد على يسوع بقوله: من أين تعرفني؟(1:48). فأجابه يسوع بدوره: جاب يسوع وقال له: قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة، رأيتك(1:48). إن رد يسوع على نثنائيل لا يخلو من رمزية ولايمكن تفسيرها بمعنى حرفي لأن شجرة التين تعتبر رمزا للمكان الذي كان أحبار اليهود يتدارسون تحت أغصانها شريعتهم التلمودية.
إن إكمال قرائة الحوار بين يسوع المسيح ونثنائيل يجعلنا نتسائل عن تقديم تلك الشخصية وهل هي شخصية تاريخية أم من خيال كاتب الإنجيل؟ بالنسبة لإنجيل القديس يوحنا فهو من أوائل التلاميذ الذين تم إختيارهم وهو في قائمة التلاميذ الإثني عشر ولكن لم يرد إسمه في أي من الأناجيل الإزائية ولم يرد له أي ذكر في الفترة التي سبقت كتابة إنجيل القديس يوحنا.
بعض المختصين في دراسة تاريخ المسيحية لديهم وجهة نظر مثيرة للإنتباه وتستحق المزيد من الفحص وهي أن كاتب الإنجيل إستخدم إسم نثنائيل كرمزية ليخفي ورائها شخصية أخرى حقيقية ولكنه يختلف معها في الرأي, شخصية كبولس الرسول. ولمزيد من التوضيح فيما يتعلق بتلك النقطة فسوف أقارن بعض النقاط التي قد تكون مشتركة بين الشخصيتين:
1- وكنت أتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابي في جنسي(غلاطية 1:14) بولس.
أجاب يسوع وقال له: قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة، رأيتك(يوحنا 1:48) نثنائيل
2- من جهة الغيرة مضطهد الكنيسة. من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم(فيليبي 3:6) بولس
ورأى يسوع نثنائيل مقبلا إليه، فقال عنه: هوذا إسرائيلي حقا لا غش فيه(يوحنا 1:47) نثنائيل
3- هناك تشابه بين قصة إيمان بولس الواردة في سفر أعمال الرسل(8) والكلام الذي وجهه يسوع المسيح لنثنائيل على وجهة الخصوص, وقال له: الحق الحق أقول لكم: من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان(يوحنا 1:51). ففي كلتا الحالتين تنفتح السماء ويسمع شاول صوت المسيح بينما يرى نثنائيل الملائكة تصعد وتنزل.
من المحتمل أن كاتب الإنجيل والذي كان مختلفا مع شاول فيما يتعلق بمفهوم الخلاص رغب في الإعتراف بفضل شاول فيما يتعلق بعمله التبشيري على سبيل المثال بدون ذكر إسمه الصريح فإستبدله بشخصية نثنائيل والتي من الواضح انه ليس لها أي أساس تاريخي. كما أنه ربما هناك هدف اخر هو التلميح للقارئ بخصوص الطريقة التي سوف يتم إستخدامها في كتابة الإنجيل وأنه لايمكن فهمه وتفسيره بطريقة حرفية.
وحتى تكتمل أركان التشابه فإن بولس قد بدا في مرحلة ما قد أصبح أقرب إلى المناخ السائد في تلك الفترة الزمنية التي عاش فيها القديس يوحنا وخرج إنجيله إلى حيز الوجود. في فيليبي 2: 5-11 تعد كأحد الأمثلة على تلك المرحلة ومقارنة تلك النصوص بما هو مذكور في إنجيل القديس يوحنا سوف يوضح الصورة.
الرسالة إلى أفسس والتي يثار الجدل حولها إذا كان كاتبها بولس الرسول ولكن هناك إتفاق على انها تعبر نوعا ما عن أفكاره وتعد في منتصف الطريق بينه وبين القديس يوحنا وخطوة في الطريق الصحيح لتفسير طبية يسوع المسيح أو مايعرف بالكريستيولوجي(Christology) كما هو واضح في الرسالة إلى أفسس(1:10).
هناك تقاليد كنسية قوية أن الإنجيل الرابع تمت كتابته في مدينة أفسس حيث كان يعيش يوحنا الرسول وأن إحتمال إتجاه بولس للكتابة بإستخدام الرموز والصوفية اليهودية وتأثر يوحنا الرسول به وبكتاباته في مرحلة لاحقة هو إحتمال قوي لا يمكن تجاهله.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Thursday, December 3, 2015

من هو كاتب إنجيل القديس يوحنا؟ مؤلف, إثنين أم ثلاثة

يختلف إنجيل القديس يوحنا عن باقي الأناجيل الإزائية[متى, لوقا, يوحنا] ويتميز عنها بمجموعة من الخصائص منها أولا أن يسوع المسيح زعم فيه أنه كائن قبل كل الخليقة قدم لهذه الأرض من مكان أخر وحياة أخرى (يو ١: ١-٥), ثانيا تميز المسيح بمايعرف الإستبصار - وهو معرفة مافي نفوس الأخرين وقرائة أفكارهم (يو ١: ٤٧-٤٨) و (يو ١٣:٢١), تحمل ألام الصلب بدون إظهار ذالك (يو ١٨:١١) و (يو ١٩: ٢٨-٣٠).
كما أن إنجيل يوحنا يعتبر الكتاب المفضل لدى زائري الكنائس المنتظمين وتستخدم إقتباسات منه في الجنازات المسيحية (يو ١٤: ١-٦), ويحوي أكثر النصوص تكرارا وهو نص(يو ٣:١٦)(فإن الله أحب العالم حتى إنه جاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية), وأقصر نص(يو ١١:٣٥)(فدمعت عينا يسوع) وتستخدم مقدمته في القداسات والصلوات المسيحية بوصفة أخر الأناجيل.
ولكن أهم دور لعبه إنجيل القديس يوحنا هو انه في مؤتمر نيقية المنعقد سنة ٣٢٥م, لعب دورا رئيسيا في صياغة قوانين الإبمان والعقيدة المسيحية الأرثودكسية للكنيسة الجامعة(الكاثوليكية) حيث كانت التفسيرات الكنسية لنصوصه السبب في أحداث مأساوية مثل ملاحقة المهرطقين ومحاكم التفتيش.
بالإضافة إلى الإختلافات عن باقي الأناجيل الإزائية فإن إنجيل القديس يوحنا يثور الجدل حول شخصية مؤلفه فهل هو شخص واحد أو أكثر من مؤلف؟ هل تم وضع نصوصه في فترة زمنية واحدة أم على فترات متباعدة؟
الدارس للأناجيل الإزائية يلاحظ أن الكثير من العبارات ترسم الشخصية الإنسانية البشرية ليسوع المسيح على حساب الشخصية السماوية الإلهية كما في لو٢:٥٢, مر١٣:٣٢, لو٧:٩ وغيرها الكثير في كافة الأناجيل الإزائية الثلاثة ويعرف ذالك باللغة الإنجليزية بمصطلح(Low Christology). على الجانب الأخر فإن إنجيل القديس يوحنا يرسم الشخصية السماوية الإلهية ليسوع المسيح على حساب الشخصية البشرية الإنسانية كما في يو١: ١-٨, يو٨: ٥٦-٥٨, يو١٠: ٣٧-٣٨ وهي أمثلة بسيطة على مايعرف بمصطلح(High Christology).
وجود إصحاحات تعزز كلا المفهومين في إنجيل يوحنا خلق مشكلة فهم بين العلماء الدارسين له تتعلق بإحتمال وجود أكثر من مؤلف خصوصا أن (Low Christology) يمكن ملاحظتها في عدد من الإصحاحات منها يو١:٤١, يو١:٤٩.
في إنجيل القديس يوحنا يكثر يسوع المسيح من إستخدام كلمة [ أنا ] كتعبير عن الشخصية السماوية الإلهية ونلاحظ ذالك في (يو١٠:٣٠).
إفتتاحية إنجيل القديس يوحنا (يو١:١) فيها تعبير عن الشخصية الإلهية وأنه كان في البدء قبل كل شيئ [في البدء كان الكلمة والكلمة كان لدى الله والكلمة هو الله] ثم يكمل في (يو١:٤)[والكلمة صار بشرا فسكن بيننا].
وقد يجادل البعض أن وجود الإصحاحات التي تعبر عن شخصية المسيح السماوية الإلهية والتي تعبر عن الشخصية الإنسانية البشرية في إنجيل يوحنا إنما هو يعبر عن عقيدة الكنيسة في شخصية يسوع المسيح التي تتميز بكونها إنسانية وإلهية في الوقت نفسه ولكن تلك الشخصية المزدوجة لم تكن سائدة في العقائد المسيحية حتى فترة ٣٠٠ سنة بعد واقعة الصلب ومن الصعوبة أن تعبر عن أفكار وعقائد إنجيل كتبه شخص يعيش في منتصف القرن الأول ميلادي.
علماء اللاهوت المؤيدون لفكرة أن المصادر التي تم الإعتماد عليها لكتابة إنجيل القديس يوحنا ترجع لفترة زمنية أقدم من المتعارف عليه وهم يسوقون مثالا كتاب المعجزات(The Book Of Signs) وأن جميع ماذكر من إصحاح ٢-١١ متأثر بما ذكر في ذالك الكتاب.
لكن ماهي الأسباب التي دفعتهم لتبني مثل تلك الفكرة؟
الجواب بسيط وهو أنه نظريا وبإجماع كبار علماء اللاهوت والمتخصيين في دراسة الكتاب المقدس فإن الترتيب النظري للأناجيل هي إنجيل القديس متى ثم إنجيل القديس مرقس ثم إنجيل القديس لوقا وأخرها يوحنا ولا تجد طبعة من الكتاب المقدس - العهد الجديد تحيد عن ذالك الترتيب ويختلفون مع بعضهم البعض في المصادر التي إعتمد عليها كتاب الأناجيل. هناك أغلبية من العلماء ترى أن إنجيل مرقس هو أقدمها وهو كان مصدرا رئيسيا إعتمد عليه كل من متى ولوقا ولكن هناك روايات في متى ولوقا لم ترد في إنجيل القديس مرقس وهو مايطلق عليه في المصادر المسيحية بالإنجيل أو بالمصدر(Q). أما بالنسبة لإنجيل القديس لوقا فهو يتفرد بأعلى نسبة من الروايات التي لم ترد في الأناجيل الإزائية الأخرى(مرقس ومتى) وتبلغ نسبتها ٣٥%.
بالنسبة لإنجيل القديس يوحنا فهناك العديد والعديد من الرويات التي لم يرد ذكرها في أي من الأناجيل الإزائية ولعل أشهرها هي تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل(يو٢: ١-١١) ورواية إحياء لعازر من الموت(يو١١: ١-٤٥) ورواية المرأة الزانية(يو٨: ١-١١), وهذه الأخيرة تم حذفها من العديد من طبعات الكتاب المقدس الحديثة لأنها لم توجد في أقدم المخطوطات ولم تظهر إلا في مخطوطات إنجيل يوحنا التي تعود للعصور الوسطى ومخطوطة واحدة على الأقل من إنجيل القديس لوقا تعود لنفس الفترة. إصحاحات كاملة من(يو٢) إلى يوحنا(١١) وقصص لم يرد ذكرها إلا في إنجيل يوحنا. والذي يلاحظه كل من يقرأ إنجيل القديس يوحنا بتمعن هو وجود نصوص تم الإعتماد عليها لم تكن متوفرة لكتاب الأناجيل الأخرين, بعضها من كتاب المعجزات(The Book Of Signs) ولكن السؤال هو كيف الإثبات بأن كتاب العلامات هو كان متوفرا بحالة منفصلة كمصدر وتم الإستعانة به بشكل مستقل في كتابة إنجيل القديس يوحنا ولم يكن جزءا أصيلا من الإنجيل؟
والجواب هو في الترتيب الرقمي للمعجزات حيث أنه في (يو٢:١١) يتم وصف معجزة تحويل الماء إلى خمر بأنها [أولى آيات يسوع] وفي بعض الترجمات [هذه بداية الأيات فعلها يسوع في قانا الجليل] ومعجزة شفاء إبن خادم الملك تم وصفها في (يو٤:٥٤)[هذه أيضا أية ثانية صنعها يسوع لما جاء من اليهودية إلى الجليل] ثم يختفي التعداد الرقمي للمعجزات حيث تذكر بدون ترتيب رقمي حين نصل للعلامة الأخيرة وهي معجزة شفاء لعازر في إصحاح ١١.
على الرغم من وجود علامات(معجزات) مشتركة بين الأناجيل الإزائية وإنجيل القديس يوحنا إلا أن أغلب معجزات إنجيل القديس يوحنا يتفرد بها عن غيره ومن مصدر منفصل إستعان به المؤلف أو المؤلفون للإنجيل ولم يعد متوفرا لنا. ولكن ذالك ليس الأمر الوحيد الذي تتفرد به تلك المعجزات بل حجم تلك المعجزات وطريقة كتابتها التي تجعل من الصعب تفسيرها حرفيا فيسوع المسيح لم يقم بتحويل كأس من الماء إلى خمر بل ستة أجران يتسع الواحد منها لما يقرب من مكيالين إلى ثلاثة. المكيال الواحد يساوي ٣٩ لترا تقريبا أي أن لأجران الستة كانت تتسع لما يقرب من ٦٠٠ ليتر من الخمر.أما بالنسبة لعازر فإنه لم يكن قد توفي للتو واللحظة أو فقد وعيه بسبب المرض وتم الجزم بوفاته ولكنه كان متوفيا منذ أربعة أيام ويسوع المسيح إعتبره مجرد نائم وهو ذهب ليوقظه(يو١١:١١).
بالنسبة للكثير من الباحثين فإن الترتيب الجغرافي للأحداث في إصحاحات (٤,٥,٦) كان يجب أن يكون (٤,٦,٥) مما يؤكد بالنسبة لهم أن الإنجيل ليس من تأليف شخص واحد وقد يكون أحد المؤلفين ليس على إلمام بجغرافية المنطقة ولا بترتيب الأحداث التسلسلي إنما قام بوضعها كيفما إتفق.
يسوع المسيح في (يو٤:٣) ترك اليهودية(أورشليم) ثم مضى إلى الجليل ثم كان عيد اليهود فصعد إلى أورشليم(يو٥:١) مرة أخرى ثم مضى يسوع إلى عبر بحر الجليل(يو:٦:١) وكان الفصح عيد اليهود قريبا(يو٦:٤). ألم يكن الترتيب المنطقي أن يسوع المسيح ترك اليهودية إلى الجليل حيث عبر بحر الجليل ثم من هناك إنطلق إلى اليهودية(أورشليم) مرة أخرى لأن عيد الفصح كان قريبا؟
الخطابات الوداعية من يسوع المسيح لتلاميذه والموجودة في (يو ١٣-١٦) وإحتمال في (يو ١٧) هي نقطة أخرى تدفع بإتجاه الإعتقاد بأكثر من كاتب لإنجيل القديس يوحنا. أولا فهي تعكس ظروفا وصعوبات واجهها أتباع المسيح في نهاية القرن الأول الميلادي أكثر مما تعكس الظروف الحاضرة في حياة يسوع المسيح. ثانيا في (يو١٤:٣١) يقول يسوع المسيح لتلاميذه[قوموا نذهب من ههنا] مما يجعلنا نظن بإنتهاء الخطابات الوداعية ولكن ذالك يستمر في (يو ١٥) و (يو ١٦) وربما كما ذكرت سابقا (يو ١٧).
هناك أيضا مجموعة أدلة أخرى على وجود أكثر من كاتب لإنجيل القديس يوحنا منها ماهو متلعق برواية القيامة كما أن الإصحاح ٢٠ والإصحاح ٢١ من المستحيل أن يكونا من كتابة الشخص نفسه.
نلاحظ أنه على الأقل هناك ثلاثة كتاب لإنجيل القديس يوحنا حتى وصل إلينا بهذه الصورة ويمكن ملاحظة ذالك من عن طريق وجود ثلاثة مراحل منفصلة مر بها تأليف الإنجيل.
المرحلة الأولى هي التي عكست التقاليد اليهودية والتي تعد هي أصل الإنجيل ومازال بالإمكان ملاحظتها بين إصحاحاته خصوصا حين يتم ذكر المهرجانات اليهودية المرتبطة بالمعبد.
المرحلة الثانية هي المرتبطة بتزايد العدواة بين تلاميذ يسوع المسيح وكهنة المعبد والمسؤولين عنه حتى تم طرد التلاميذ من المعبد. الصراع الذي تم فهمه على أنه بين المسيحيين واليهود حيث أدى ذالك إلى مايسمى معاداة السامية في وقتنا الحالي. إنجيل القديس يوحنا يعد الأكثر من بين الأناجيل عداوة لليهود ولكن علينا أن نلحظ أنهم اليهود المرتبطين بالمعبد وليس عامتهم فتلاميذ يسوع المسيح أغلبهم من اليهود.
المرحلة الثالثة هي حين بدأ أولئك الأشخاص المطرودين بالإبتعاد عن هويتهم اليهودية والتعريف عن أنفسهم على أنهم لا يعتَبرون مرتبطين بها.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية