Flag Counter

Flag Counter

Sunday, August 23, 2015

حركة إصلاح إسلامية برئاسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورعاية بريطانيا - الجزء 2

بحلول سنة 1880 كانت الفكرة المتمحورة حول العودة إلى أساليب الحياة والتفكير في إدارة المجتمعات التي كانت متبعة أيام العهد النبوي والخلفاء الراشدين مازالت حديثة العهد نوعا ما حيث أن المسلمين ولقرون طويلة لم يتعودوا على سماع مثل تلك الدعوات خصوصا ماكان ينشر في مجلة العروة الوثقى حول إستعادة أراضي الخلافة الإسلامية خصوصا في إسبانيا ووسط اوروبا وبالقوة المسلحة إن لزم الأمر. إن تلك الدعوات شكلت تحديا لبريطانيا وخصوصا موظفي المخابرات البريطانية في المكتب العربي في القاهرة ولورنس الذي نسجت حوله العديد من الأساطير والقصص والحكايات بينما هو لم يكن إلا مجرد عميل مخابراتي بريطاني تم زرعه في المنطقة لضمان توجيه مايسمى الثورة العربية الكبرى بالطريقة التي ترغبها بريطانيا ولا تشكل تهديدا لمصالحها. إن تصاعد تلك النزعات والدعوات جاء في توقيت حرج بالنسبة إلى بريطانيا والتي كانت قد بدأت بالإستماع لنصيحة جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده في مسعاها لهدم الخلافة العثمانية وتمويل الأسرة الشريفية في الحجاز للقيام بما سمي لاحقا الثورة العربية الكبرى.
المستشرق البريطاني إيلي خضوري ذكر أنه بناء على تحليله لمجموعة من رسائل محمد عبده التي تحدث فيها الأبعاد الإجتماعية لإستخدام الدين في تشكيل وتكوين المجتمعات, أنه كأستاذه الأفغاني صوفي النزعة حر التفكير. محمد عبده عاد إلى مصر وبشكل علني وتدرج في عدد من الوظائف الحكومية برعاية اللورد كرومر إيفيلين بيرنج والذي ينتمي إلى أحد أشهر الأسر اللندنية التي عملت في مجال المصارف والبنوك.
كرومر والذي كان الحاكم البريطاني المطلق في مصر حتى سنة 1907 تصادق مع محمد عبده وأصبح محل ثقته والراعي لنشاطاته في مصر حيث ترأس محمد عبده وبدعم من كرومر لجنة لإعادة تنظيم الأزهر وأصبح رئيس تحرير للصحيفة الحكومية الرسمية في مصر وعضوا في المجلس التشريعي الذي كان من إختصاصه إصدار القوانين والتشريعات حيث كان رأي محمد عبده حاسما في إصدار أي قانون والموافقة عليه بإعتباره أبرز عضو في المجلس. كما أنه بعد وفاة جمالالدين الأفغاني بسنتين تقريبا تم تعييم محمد عبده مفتيا لمصر مما خوله سلطات دينية واسعة خصوصا بعد الفصل بين منصب شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية.
وبالرجوع لجمال الدين الأفغاني فإن وثائق المخابرات البريطانية التي تعود لسنة 1888 ذكرت أن الأفغاني بعد إفتراقه عن تلميذه محمد عبده فقد أمضى وقتا في روسيا القيصرية عارضا خدماته على حكومتها في إثارة ثورة في الهند لو رغبت حكومة القيصر بذالك ولكنه فشل في مساعيه وإنتهى به الأمر عائدا إلى لندن.
أحد أهم الأشخاص الذين إتصل بهم الأفغاني في لندن هو مستشرق بريطاني يدعى إدوارد براوني(Edward Browne) كان يعمل كأستاذ جامعي في جامعة كامبريدج ويعد مؤسس مايعرف بالإستشراق في القرن العشرين خصوصا في مجال الدراسات الفارسية والدينية وكان له تأثير على صانعي السياسة البريطانية خصوصا فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط. إدوارد براوني كان أستاذا لأحد أهم عميلين لبريطانيا في الشرق الأوسط خلال فترة الحرب العالمية الأولى وهما ثوماس لورانس الملقب بلورنس العربي(Lawrence of Arabia) و هاري فيليبي(Harry St. Johns Philpy).
خلال الفترة الممتدة بين 1880 و 1890 قام إدوارد براوني بالسفر والترحال في الشرق الأوسط, تركيا وإيران وكان متخصصا في الحركات الصوفية والحركات الدينية الغامضة التي بدأت بالترعرع في الشرق الأوسط. أستاذ إدوارد براوني في إيران يدعى ميرزا محمد صادق وهو رجل إيراني رحال تجول في الكثير من بلدان العالم وكان يتكلم بطلاقة ستة لغات وإختبر العديد من المذاهب والديانات منها الشيعية المحمدية, المسيحية, الصوفية, الإلحاد, اليهودية وإنتهى تفكيره إلى تأسيس مذهب خاص به يجمع مابين المسيحية والإسلام.
كما أن براوني قام بما يشبه عمل مندوب الدعاية في أوروبا لما عرف بالمذهب البهائي الذي أسسه حسين علي النوري الذي عرف بلقب بهاء الله ويقع المقر الرئيسي للبهائية في حيفا وله أتباع في العديد من البلدان حول العالم. كان ينظر للبهائية بنظرة شك في العالم العربي خصوصا إرتباطهم مع بريطانيا حيث تم تكريم أحد مؤسسي البهائية عبدالبهاء وترسيمه بلقب فارس من قبل الحكومة البريطانية.
جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده كانوا على إتصال في أكثر من مناسبة ببراوني, ميرزا محمد صادق وحسين علي النوري(بهاء الله) كما أن محمد عبده وميرزا محمد صادق قد تناقشوا في أكثر من مناسبة حول مسائل دينية وقرأنية وذالك أثناء إقامة الأفغاني وعبده في باريس وإصدارهم لصحيفة العروة الوثقى. كما أن جمال الدين الأفغاني قام بإرسال نسخ من صحيفة العروة الوثقى لقادة البهائية في مقرهم الرئيسي في حيفا.
مالكم خان لعب دورا مهما في تعزيز إهتمام الأفغاني بالشؤون الإيرانية فقد كان سفيرا لإيران في بريطانيا وإبن مؤسس الحركة الماسونية في إيران وكان مؤمنا بأن ديانة عالمية إنسانية هي الشرط الأساسي لحل سياسي في منطقة الشرق الأوسط. تحت تأثير من مالكم خان فقد قام الأفغاني بتأسيس الجمعية الماسونية العربية.
وبدعم من مالكم خان فقد أمضى الأفغاني السنين الأخيرة من حياته في إيران كوزير للحرب ورئيس للوزراء ولكن حياته المهنية إنتهت إلى الفشل بعد أن فشل في الترويج لأفكاره خصوصا بين الطبقة المخملية والحاكمة في إيران حيث تم طرده من قبل الشاه بعد أن إتهم بالإتصال برجال الدين الملالي والتحريض على الحكم. بعد طرده من إيران فقد امضى بقية حياته متنقلا بين إيران والتي عاد إليها في مناسبات عديدة, أفغانستان وتركيا مما لفت إنتباه أجهزة مخابرات عديدة في المنطقة إلى أنشطته حتى توفي في تركيا سنة 1897 والتي كان قد عاد إليها بحماية بريطانية بعد طرده على يد السلطان عبد الحميد.
الحاكم العام البريطاني لمصر اللورد كرومير كان له رأي في فشل تجربة الأفغاني وعبده الإحيائية وهي أنهما كانا يواجهان إتهامات بأنهما مبتدعة مما جعل أفكارهما لا تلقى رواجا في الأوساط المحافظة كما أنهما لم يكونا أوربيين بما فيه الكفاية لتبني نمط الحياة الأوروبية. اللورد كرومير قرر أن أفكار الوحدة الإسلامية والإحياء الإسلامي التي حاول الأفغاني وعبده جعلها موضع التنفيذ تحتاج إلى مراجعة وتنقيح.
أفكار الأفغاني وعبده لقيت رواجا لدى الصحفي محمد رشيد رضا الذي قام بنشرها والترويج لها في مجلة المنار وهي البذرة التي تحولت فيما بعد إلى جماعة الإخوان المسلمين التي تفرعت عنها ما أصبح يعرف بالحركة السلفية في مصر.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Saturday, August 22, 2015

حركة إصلاح إسلامية برئاسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورعاية بريطانيا - الجزء 1

تم عقد إجتماع سنة 1885 في لندن بين جمال الدين الأفغاني ومسؤولين من وزارة الخارجية البريطانية, مكتب المخابرات البريطانية والغاية منه بحث الإقتراح المثير للجدل الذي تقدم به الأفغاني وهو; هل بريطانيا مهتمة بتحالف بين مصر, إيران, باكستان وأفغانستان ضد روسيا القيصرية, يتبنى الخطاب الإسلامي وتقوده بريطانيا؟ البريطانيون وهم خبراء في إثارة النعرات القومية والطائفية والدينية بين الأقليات المختلفة ودفعهم لقتال بعضهم البعض كانوا مهتمين بتلك النوعية من الإقتراحات, حركة إصلاح وتجديد إسلامية. فرنسا وروسيا القيصرية كانتا مهتمتين أيضا بنفس الفكرة ولكن بريطانيا كان لها الأفضلية كون إمبراطوريتها الواسعة تضم عشرات الملايين من المسلمين.
بين 1870-1890 فقد كانت تحركات الأفغاني تحظى بدعم بريطاني رسمي بل أن سجلات جهاز المخابرات في حكومة الهند-البريطانية تشير إلى أن الأفغاني تلقى عرضا رسميا بالذهاب إلى مصر كعميل للمخابرات البريطانية.
جمال الدين الأفغاني مؤسس مدرسة الإحياء والتجديد الإسلامي يعد الأب الروحي لأسامة إبن لادن حيث أننا لو وضعنا تراتيبية الأسماء بالطريقة التالية لوجدنا مايلي: جمال الدين الأفغاني(1838-1897) تلميذه محمد عبده(1849-1905) تلميذه محمد رشيد رضا(1865-1935) تلميذه حسن البنا(1906-1949).
حسن البنا له عدة تلاميذ منهم سعيد رمضان وهو صهره وكان مشرفا على تنظيم الشؤون الدولية لجماعة الإخوان المسلمين من سويسرا وأبو العلا المودودي الذي أسس أول حزب إسلامي في باكستان(الجماعة الإسلامية). ولعل الكثيرين يجهلون ولكن أحد معتنقي أفكار حسن البنا هو السعودي أسامة إبن لادن.
في الفترة 1875-1925 فقد قامت بريطانيا بتعزيز وتثبيت فكرة ومفهوم اليمين الإسلامي(المتطرف) حيث قام الأفغاني وتحت رعاية بريطانيا وبدعم من المستشرق إدوارد جرينفال براوني(E.G Browne) بإنشاء الكوادر الأساس الفكري لمفهوم مدرسة الإحياء والتجديد الإسلامي. محمد عبده وهو أحد تلاميذ الأفغاني المقربين والذي تكفل من بعده بفكرة الإحياء والتجديد قام بإنشاء الحركة السلفية في مصر وذالك برعاية الحاكم البريطاني لمصر لورد كرومير أو المعروف بإسم إيفيلين بيرينج(Evelyn Baring). وهنا أريد أن أعرج على نقطة مهمة امر عليها سريعا وهي أنه يشاع على نطاق واسع أن محمد عبده تولى مشيخة الأزهر في فترة من الفترات ولكنني بعد التحري وجدت أن ذالك ينافي الواقع وأنه تولى منصب مفتي الديار المصرية بقرار صادر من الخديوي عباس حلمي الثاني سنة 1899 وأنه كان عضوا في لجنة لإصلاح الأزهر مع ملاحظة أنه معين من قبل الحكومة ولا يمكن فصله أو إحلال أحد في مكانه. قرار تعيين محمد عبده مفتيا للديار المصرية بشكل مستقل عن الأزهر كان يحصل لاول مرة في مصر حيث كان العادة على الجمع بين المنصبين حيث أن شيخ الأزهر هو نفسه مفتي الديار المصرية.
الأفغاني وهو حليف مثالي من ناحية إتفاق أهدافه مع أهداف بريطانيا ولكنه غامض وقد حاول عرض خدماته على دول أخرى مثل روسيا وفرنسا ولكن حركته الصوفية والتي تعد نسخة أكثر عصرية من الإسلام المتطرف قد فشلت في النهاية بإجتذاب عدد كبير من الأتباع. تلميذه المقرب محمد عبد عمل بشكل مقرب وحصري مع البريطانيين وقام بإنشاء حجر الزاوية لما أصبح يعرف لاحقا بالإخوان المسلمين وهي الحركة التي هيمنت على اليمين الإسلامي ومازالت.
هناك الكثير من المعلومات المتناقضة بخصوص مكان ميلاد جمال الدين الأفغاني ونشأته. فهناك من يزعم أن مكان ميلاده هو أفغانستان وأنه سني المذهب أو صوفي أو أنه شيعي أو حتى ملحد ومكان ميلاده إيران وأنه مارس الكذب لإخفاء هويته الحقيقية. الأموات لا يتكلمون ومن الصعب في تلك المواقف الحكم على مسألة متعلقة بشخص أثير حوله الكثير من الجدل. كما أن هناك معلومة أخرى مثيرة للجدل حول إنتساب الأفغاني للماسونية ورئاسته لمحفل كوكب الشرق في القاهرة حيث يحاول البعض إستغلال الجدل حول الأصل المذهبي للأفغاني لصالح هاذا الطرف أو ذالك كعادة الموتورين والطائفيين.
مما يعزز الجدل حول شخصية الأفغاني وإنتمائه المذهبي وخطابه هو التناقض في مواقفه حيث كان يعتبر الدين كاداة ويخطاب الفئة المختارة من مريديه وأتباعه بخطاب تطغى عليه النزعة الفلسفية والإلحادية بعكس خطابه الموجه لعموم الجماهير والذي كانت تطغى عليه النزعة المتشددة.
أستاذ مقارنات الأديان الكندي ويلفريد سميث في كتابه الإسلام في التاريخ المعاصر وصف الأفغاني بأنه; مثال للمسلم الملتزم وبأنه سني صوفي سعى للتقارب مع الشيعة.
ويعد الأفغاني بنزعته الأحيائية(الإصلاحية) أول من تكلم عن العلاقة بين الإسلام والغرب بوصفها كحالة من العدائية وهو بذالك يعد المؤسس لمفهوم صراع الحضارات الذي تبناه بعدها بقرن تقريبا برنارد لويس وصاموئيل هينتينجتون.
لم يكن معروفا عن الأفغاني الكثير حتى سنة 1869 وهي التي بدأ فيها إسمه يصبح معروفا للعامة حيث غادر أفغانستان إلى الهند حيث يزعم أنه كان مشتغلا بالسياسة في أفغانستان ولكن كعميل لروسيا القيصرية حسب مزاعم أحد العلماء في تلك الفترة. بدأ الأفغاني سنة 1869 رحلة إستمرت 25 عاما تقريبا بدأها من الهند حيث تم الترحيب به من قبل الحاكم البريطاني للهند وتم ترتيب سفره لمصر عبر قناة السويس على متن سفينة إنجليزية حكومية وتمت معاملته كضيف رسمي. وبعد الإنتهاء من زيارة القاهرة إنتقل إلى تركيا غير أن أفكاره الغير تقليدية والغير مألوفة لم تلقى الترحيب هناك لطرده فرجع للقاهرة حيث حظي برعاية رئيس الوزراء رياض باشا والذي أصدر أمرا بمنحه مرتبا شهريا ومكانا لإقامته في الجامع الأزهر حيث سمح له بإعطاء الدروس والمحاضرات. ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي أشرعة الأفغاني حيث ان تصاعد النزعة القومية في مصر أدى إلى إضعاف نفوذ الأفغاني حتى أنه سنة 1879 تم طرده في مصر وأقام بشكل مؤقت في كل من الهند, لندن, باريس حيث سكنها ثلاثة سنين, روسيا والتي سكن فيها أربعة سنين, ميونخ وإيران.
في إيران إستضاف الشاه الأفغاني ومنحه منصب وزير الحرب ثم رئيس الوزراء ولكن الأفغاني تمرد ضد الشاه وقام بالتحريض ضده وإتخذ أحد المساجد مقرا له وإعتصم فيه حتى تم القبض عليه وترحيله لتركيا. سنة 1896, قام أحد أتباع جمال الدين الأفغاني بإغتيال الشاه منهيا خمسين عاما هي فترة حكمه. الأفغاني نفسه توفي سنة 1897.
كان الأفغاني أثناء إقامته في مصر سنة 1870 يلعب دورا مزدوجا حيث يمثل دور المسلم التقي بينما يتردد على المحافل الماسونية الفرنسية والبريطانية في مصر. في تقرير لمكتب المخابرات البريطانية في مصر أن الأفغاني تم طرده من المحفل الماسوني في القاهرة لأن أظهر ميولا إلحادية مشككا بالخالق الأعظم. المستشرق البريطاني إيلي خضوري ذكر أن الأفغاني كان عضوا في المحفل الإسكتلندي العام والذي كانت لهم معتقدات غامضة تتمحور حول الأهرامات ومهندس الكون الأعظم.
محمد عبده تلميذ الأفغاني كان أثناء تواجده في مصر معارضا للمقاومة المسلحة ضد الإحتلال الإنجليزي وكارها لقادة تلك المقاومة خصوصا قائدها أحمد عرابي الذي كان يحتل منصب ناظر الجهادية(وزير الدفاع) في تلك الفترة.
إن معارضة محمد عبده للقوميين في مصر ولثورة عرابي بقي نموذجا يربط بين حركات اليمين الإسلامي ومخططي الإمبريالية الغربية الإستراتيجيين لفترة طويلة خصوصا معارضة الإخوان المسلمين في مصر لجمال عبد الناصر, معارضة الإخوان المسلمين(حماس) في فلسطين لمنظمة التحرير الفلسطينية ذات التوجه القومي والعديد من الأمثلة الأخرى خصوصا خلال فترة الحرب الباردة وهي صراعات يتم التخطيط لها في مراكز ومعاهد الأبحاث الغربية وتكون حركات اليمين الإسلامي عبارة عن أداة تنفيذية في يد الغرب.
حين تم طرد جمال الدين الأفغاني من مصر فقد تم إتهامه ومحمد عبده بتشكيل تنظيم سري مؤلف من عدد من البلطجية من ذوي الرؤوس الحامية الأعضاء في المحفل الماسوني الذي يرئسه الأفغاني في القاهرة. بعد طرد جمال الدين الأفغاني من مصر إلى باريس حيث لحق به محمد عبده إلى العاصمة الفرنسية بعد فترة منفى قصيرة في قريته في مصر قبل أن يعود إلى العاصمة المصرية بطريقة إحتفالية وبرعاية وحماية الحكومة البريطانية. محمد عبده حل مكان الأفغاني في مصر وبتكليف منه.
في باريس سنة 1884 بدأ الأفغاني وعبده طباعة مجلة العروة الوثقى والتي لم يقدر لها أن تستمر سوى 18 عددا وتوقفت لسبب غامض تماما كمصدر تمويلها الغير معروف حيث يقترح إيليا خضوري أن المجلة كانت تطبع بتمويل سري من الحكومة الفرنسية بعد أن رفضت حكومة الهند البريطانية عرض الأفغاني بأن يعمل كعميل لمصلحتها.
الأكاديمي الأمريكي تشارليز ادامز ذكر في كتابه عن محمد عبده الذي ألفه سنة 1933 أن العروة الوثقى لم تكن إلا غطاء لجمعية سرية تحمل نفس الإسم تم تأسيسها من قبل الأفغاني وتضم مسلمين من الهند ومصر وأفريقيا الشمالية وسوريا وهدفها توحيد المسلمين وإيقاظهم من سباتهم وتنبيههم إلى الأخطار المحدقة بهم. كما أن الأفغاني قام بتأسيس جمعية تهتم بالوحدة الإسلامية في مكة وتأسيس خلافة إسلامية يرئسها خليفة واحد يحكم كافة أقطار العالم الإسلامي. الخطوات التي إتخذها الأفغاني وعبده نظريا تحمل طابعا إسلاميا وعمليا عليها علامات إستفهام منها مصادر تمويل المجلة والجمعية وعضوية الأفغاني في المحافل الماسونية بل ورئاسته لأحدها وعضوية تلميذه ونائبه محمد عبده وكل إنضم إلى تلك المحافل ومصير الخلافة الإسلامية والتي كانت نظريا قائمة ولو أنها تعاني من التفكك. لمصلحة من كان الأفغاني يسعى لإقامة خلافة فوق أنقاض الخلافة العثمانية؟
في الفترة التي تلت توقف العروة الوثقى عن الصدور, سافر الأفغاني ومحمد عبده إلى لندن للتباحث مع الحكومة البريطانية بخصوص ثورة المهدي في السودان وإقتراح الأفغاني بخصوص نوع من الإتحاد الإسلامي أو الوحدة الإسلامية. في العلن ومن أجل تعزيز حركته السرية الداعية لوحدة المسلمين فقد دعم ثورة المهدي كلاميا ولكن أمام البريطانيين كان معارضا لها حيث عبر لهم عن قلقه من ان تمتد ثورة المهدي إلى مصر حيث انها تجتذب البسطاء من المواطنين معرضة المصالح الإنجليزية فيها للخطر. الأفغاني إقترح على بريطانيا مواجهة حركة المهدي الإسلامية بحركة مضادة جوهرها الإسلام وأن مسلما فقط هو من يستطيع مواجهة ذالك المدعي(المهدي) وإعادته إلى حجمه الطبيعي.
الأفغاني اغضبه رفض بريطانيا لعرضه وأما عبده فبقي مخلصا لها وإفترق الأستاذ وتلميذه حيث غادر الأفغاني بريطانيا إلى روسيا بينما تركها عبده إلى تونس ومنها سافر متخفيا إلى عدد من البلدان للإشراف على شؤون الجمعية السرية التي أسسها مع أستاذه الأفغاني في باريس.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

يتبع في الجزء الثاني

Friday, August 21, 2015

النزعات السياسية ودورها في عولمة الأزمات الإقتصادية حول العالم

لم تكن العولمة هي النزعة السياسية الطبيعية الوحيدة التي برزت في القرن العشرين بل كان هناك نزعات أخرى مثل رأسمالية الدولة والتي تعتبر إسما يستخدم للكناية عن نوع أخر من أنواع النزعات التجارية والتي كانت سائدة خلال القرن السابع عشر إلى التاسع عشر. تلك النزعة كانت تسمى الإقطاعية أو نظام اللوردات وخصوصا في إنجلترا حيث كان الملك الإنجليزي يمنح أحد الأشخاص لقبا وأراضي واسعة لإستثمارها مقابل ضرائب سنوية وإرسال عدد معين من رجاله ليخدموا في جيش الملك خلال الغزو والحروب. الإقطاعية(النزعة التجارية) هي نظام متعارض مع النظام الرأسمالي القائم على المنافسة الحرة وعدم تقييد حركة رأس المال وعدم تدخل الدولة في القطاعات التجارية والخدمية إلا في الحد الأدنى.
النظام الإقطاعي قائم على مجموعة مبادئ بسيطة منها أن مصدر الثروة هو شيئ ملموس كالأرض والمواد الأولية والذهب. زيادة الثروة في بلد معين يؤدي إلى تناقصها في بلد أخر وهو مايعرف بمبدأ (المحصلة صفر). التجارة الخارجية وفق ذالك المبدأ تقوم على حماية التجارة الداخلية وفرض تعريفات حماية على البضائع المستوردة. التبادل التجاري يتم حصريا بين أطراف ترتبط بعلاقات سياسية ودية. تقديم الدعم المالي للصناعات المحلية وإستبعاد الأجنبية هي ممارسات تعد مقبولة في ذالك النظام. إن نجاح تلك النزعة التجارية كان يقاس بكمية الذهب المكتسبة من ممارسة التجارة.
وصلت ممارسة النزعات التجارية إلى ذروتها في القرن السادس عشر سنة 1600 حيث تأسست شركة الهند الشرقية الإنجليزية وشركة الهند الشرقية الهولندية سنة 1602. وعلى الرغم من أن تلك الشركات تعمل على أنها شركات خاصة إلا أنه تم منحهم إحتكارات واسعة لإنشاء قوات خاصة بهم, التفاوض على المعاهدات, سك النقود, إنشاء المستعمرات والتصرف بالنيابة عن الحكومات في أسيا وأفريقيا وأمريكا. كأنت تلك الشركات أشبه ببنك الإحتياطي الفيدرالي في وقتنا الحالي والذي يعتبر شركة خاصة ولكنه عمليا ذراع للحكومة الأمريكية في المسائل الإقتصادية.
لم تبدأ تلك الظاهرة بالإنتشار على شكل واسع حتى القرن الثامن عشر والثورة الصناعية وطباعة كتاب ثروة الأمم لمؤلفة أدم سميث. كما أنه من الملاحظ أنها إنتشرت في البلدان التي يقوم نظام حكمها على المبادئ المعارضة للديمقراطية كالفاشية والنازية والشيوعية.
في عصرنا الحالي هناك شركات تبدو أنها خاصة ولكنها في الواقع تتلقى دعما غير محدودا من قبل الحكومة وتتمكن بفضل ذالك من المنافسة على شراء الموارد الطبيعية وشركات منافسة أخرى بالإضافة إلى الإستثمار في الألات والمعدات من دون حساب عوامل الخسارة على المدى القصير. كما أنها تكسب حصة في الأسواق بالبيع دون سعر التكلفة وليس عليها القلق من مشكلة في توفر رأس المال في حالة الأزمات الإقتصادية.  لعل أشهر تلك الشركات هي شركة الصناعات الكيميائية الألمانية أي جي في عهد النازية والتي كانت إمبراطورية إقتصادية بكل ماتحمله الكلمة من معنى لم يقتصر عملها على تصنيع المواد الكيميائية ولها مكاتب في عدد كبير من البلدان. الشركة الصينية للصناعات البترولية والكيميائية هي مثال أخر على شركات خاصة في الظاهر ولكنها في الباطن تعمل بالنيابة عن الحكومة وتتلقى دعمها الكامل وشركة الغاز الروسية غازبورن.
الولايات المتحدة تعتبر ذالك نوعا من المنافسة غير العادلة وأنه يتعارض مع مبادى الرأسمالية وقيم الأسواق الحرة ولكنها في الوقت نفسه قامت بإنقاذ مؤسسات مالية خاصة من الإنهيار خلال أزمة 2007-2008 مثل جولدمان ساشا, سيتي بنك وجينرال إليكتريك.
لم يعد خوض المعارك الإقتصادية أمرا محليا كما كان في السابق أثناء فترة العصور الوسطى كما أن التداخل بين الإقتصاد والسياسة وصل لدرجة يستحيل معها الفصل بينهما. الدولار الأمريكي هو العملة الإحتياطية العالمية حتى وقتنا الحالي على الأقل ولذالك فهو أحد المحاور الرئيسية للحروب الإقتصادية والتي تتداخل فيها السياسة والإقتصاد فيما يعرف بإسم الجيوبوليتكس. بل يكاد يكون الدولار الأمريكي هو محورها الرئيسي. محور أخر من محاور الحرب الإقتصادية هو حرب مصادر طبيعية. وإذا رغبت أن أكون أكثر تحديدا فهي حروب متعلقة بثلاثة عناصر هي المياه والنفط والغاز.
عانت الصين خلال تاريخها الممتد لألاف السنين فترات من الإضطرابات وعدم الإستقرار حتى بعد توحيد الصين وبناء سور الصين العظيم في عهد أسرة تشين حيث بنيت أغلب أجزائه في تلك الفترة. ولعل أشهر تلك الإضطرابات في عصرنا الحالي هي سنة 1989 في ميدان تايمين في العاصمة الصينية بكين. القيادة الصينية تعمل على تجنب حصول إضطرابات مماثلة وتتفهم العوامل الدافعة لذالك فالصين بلد متعدد العرقيات والإثنيات وخصوصا أقلية مسلمة ولكنها تشكل أغلبية في إقليم (شينجيانغ) حيث يشاع على نطاق واسع أن مسؤولين أمريكيين توعدوا الحكومة الصينية بتصدير ثورة إسلامية إليها عبر تلك المقاطعة حيث الأغلبية المسلمة وذالك بسبب الإختلاف حول مجموعة من المواقف السياسية حول سوريا والعلاقة مع روسيا وخلافات حول مسائل إقتصادية. الإضطرابات الإجتماعية الداخلية تعد مقلقة للقيادة السياسية في الصين أكثر من تهديدات عسكرية محتملة من قبل الجيش الأمريكي في النزاع حول تايوان والنزاع مع اليابان حول الجزر في بحر الصين الشرقي. تضخم أسعار المواد الغذائية وإرتفاع نسبة البطالة هي أكثر العوامل التي تقلق المسؤولين الصينيين. كما هناك عامل أخر يلعب دورا حاسما وهو سياسة الطفل الواحد والتي إتبعتها الصين في سبيل الحد من الإنفجار السكاني. فقد أدى تفضيل الأسر الصينية للذكور على الإناث لإعتبارات متعلقة بإستمرارية الأسرة إلى وجود زيادة هائلة في أعداد الذكور علىى الإناث وتلك مشكلة ليس من السهل حلها.
الحروب الإقتصادية تعد أمرا مقلقا في الصين وجيش الشعب الصيني ليس مؤسسة نشاطها محصور بالأمور العسكرية بل هي مهتمة بدراسة كل المخاطر المحتملة التي تهدد إستقرار الصين منها المخاطر المتعلقة بالإقتصاد. الصين تتمتع بفوائض تجارية إيجابية خصوصا مع الولايات المتحدة حيث تقوم بتصريف تلك الفوائض عبر شراء سندات وزارة الخزانة الأمريكية وسندات أخرى باليورو وعملات مختلفة حيث هناك دور متوقع للصين في الحزمة الإقتصادية التي من المتوقع تقديمها لليونان لمنع نظامها المالي والمصرفي من الإنهيار وخروجها من الإتحاد الأوروبي.
هناك سندات خزينة بعملات مختلفة بقيمة 3 تريليون أكثر من نصفها بالدولار الأمريكي صادرة من وزارة الخزانة الأمريكية. ولكن هناك من يسأل عن سبب شراء الصين لكل تلك الكمية من السندات؟ وهل هو أمر عشوائي؟
الصينيون يدعمون كل خطوة يقومون بها خصوصا في المجال الإقتصادي بتقارير معاهد أبحاث وخبراء إقتصاديين وأمنيين يقدمون تقاريرهم لحكومتهم عن كل التغيرات السياسية والإقتصادية في العالم مهما كانت ضئيلة. تصريف نسبة كبيرة من الفوائض التجارية خارج الصين  والتحكم الصارم بسعر صرف اليوان مقابل الدولار وغيره من العملات هي سياسات تم تصميمها لمنع التضخم داخل الصين والإبقاء على سعر تصريف منخفض لليوان للحفاظ على جاذبية مرتفعة للصادرات الصينية. الإقتصاد الصيني ليس بكفائة نظيره الأمريكي في إمتصاص الفوائض التجارية والسوق الصينية الداخلية لا تتمتع بديناميكية نظيرتها الأمريكية حيث سوف يؤدي تسرب فوائض تجارية ضخمة للأسواق الداخلية بدون أن تكون مستعدة لها إلى موجة تضخم قد تتحول إلى تضخم مفرط.
إن سندات وزارة الخزينة الأمريكية هي الصلة الرئيسية بين الصين والإقتصاد العالمي حيث ينظر إليها في وول ستريت كأفضل زبون في العالم. فعندما تحتاج الصين لبيع أو شراء السندات التي تمتلكها, تقوم بذالك عبر شبكة من المتعاملين الأوليين وهي تفضل ذالك لأن الصلة بين هؤلاء المتعاملين وبنك الإحتياطي الفيدرالي تعطيهم أسبقية على غيرهم في معرفة أحوال الأسواق الإقتصادية. المكالمة بين المسؤولين في بنك الشعب الصيني وصناديق الإستثمار السيادية تذهب بواسطة خطوط مباشرة إلى حلبات التداول في بنوك رئيسية مثل جولدمان ساشاس(Goldman Sachs), جي بي مورجان(J.P.Morgan) ويو بي إس(UBS) حيث يعرف مسؤول المبيعات بوجود نظيره الصيني على خط الهاتف حتى قبل أن يرفع السماعة. ويقوم المسؤولون الصينييون بالإتصال مع أكثر من متعامل وتجعلهم يتنافسون على الصفقات الضخمة وبالتالي تحصل الصين على أفضل الأسعار الممكنة.
إن حجم الأعمال التي تقوم بها الصين في مجال بيع وشراء السندات يبقى صعبا على التقدير حيث لاتصرح السلطات الصينية بها وتبقى لتخمين وتقدير الخبراء الماليين والإقتصاديين العالميين الذي يقدرون ثلاثة تريليونات من السندات أكثر من نصفها بالدولار والباقي بعملا مختلفة لعل أهمها اليورو.
هناك بعض التوقعات بأن تقوم الصين بالرد على سياسة التسهيل الكمي التي تمارسها الولايات المتحدة عن طريق طرح جميع السندات التي تملكها بالدولار الأمريكي للبيع وبأسعار منخفضة مما سوف يؤدي لإنهيار قيمة الدولار في أسواق الصرف الدولية ورفع أسعار الفائدة بطريقة جنونية. لست من المؤيدين لتلك التوقعات فالصين لاتقوم بخطوات من ذالك العيار عشوائية أو في لحظة غضب عابرة لأن ذالك معناه الإنهيار فإنخفاض قيمة الدولار الأمريكي يعني بالمقابل إرتفاع قيمة الين الصيني مقابله في أسواق صرف العملات وهو ما لن يكون المسؤولون الصينييون مسرورين بحصوله. قد تلجأ الصين برأي إلى الإنسحاب بشكل تدريجي وبطيئ من مزادات سندات وزارة الخزينة وتنويع إستثماراتها بأدوات لاتكون مقومة بالدولار الأمريكي وقد يكون اليورو أو الروبل الروسي أحد خياراتها المفضلة. كما أنه من الممكن شراء حصص في شركات التنقيب عن الذهب والشركات الزراعية وشركات التعدين المختلفة والنفط.
هناك أمر أخر من الممكن أن تقوم به الصين ولايضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة حيث هناك خيارات متنوعة لشراء السندات بأجال تبدأ من 30 يوم إلى 30 سنة حيث تقوم بشراء سندات قصيرة الأجل وأقل تعرضا للمخاطرة مقابل كل سند طويل الأجل يحل موعد إستحقاقه وبذالك لاتضطر لتقليص مجموع إستثماراتها ولا القيام بخطوات قد تعتبر عدائية بشكل علني.
في الوقت الحالي يبدو أن شراء الصين للسبائك الذهبية هو الخيار المفضل الذي تفضله الصين على غيره حيث أن تكديس الذهب يعد حماية للعملة الصينية والإستثمارات الصينية من الهبوط في أسعار صرف العملات والأزمات الإقتصادية. بين سنتي 2004-2009 فقد قامت الصين بمضاعفة إحتياطيها من الذهب عبر الشراء بواسطة صناديق الإستثمار السيادية وبشكل غير معلن حيث يتم بعد ذالك نقل تلك السبائك الذهبية إلى حوزة بنك الشعب الصيني. في سنة 2009 تم نقل 500 طن متري من حيازة أحد صناديق الثروة السيادية (Administration Of Foreign Exchange - SAFE) إلى حوزة بنك الشعب الصيني. وفي سنة 2014 إرتفع سعر الذهب وسط توقعات بقيام الصين بشراء كميات كبيرة من السبائك الذهبية.
هناك العديد من الخيارات المتوقعة للإنهيار الإقتصادي القادم وقد يكون أحدها أن روسيا قد تقوم بتقليص أو الإمتناع عن تصدير الغاز والنفط لأوروبا. الصين بدورها سوف ترى أنه من الحكمة تنزيع مجال إستثماراتها بعيدا عن الأوراق النقدية والإتجاه نحو الموارد الطبيعية. وقد تقوم الصين بإتخاذ خطوة الإعلان عن عملة إحتياطي جديدة بضمان الموارد الطبيعية الهائلة التي تمتلكها فتقوم روسيا بعد التنسيق مع الصين بالإعلان أنها لن تقبل الدفع بالدولار لشراء مواردها الطبيعية خصوصا النفط والغاز إلا مقابل سعر صرف مخفض مقارنة بالعملة الجديدة التي اعلنت عنها الصين مما سوف يدعم موقف الصين ويساهم في رفع قيمة عملتها الإحتياطية الجديدة.
قد تكون الخطوات التي يتم إتخاذها من قبل بعض البلدان منفردة أو منسقة كما ذكرت سابقا. وقد تقوم الصين وروسيا بشن حرب إقتصادية على الولايات المتحدة بإستخدام أدوات الدين والعقود الإشتقاقية أو مايعرف بالمشتقات وقد يعلنان وقف التعامل بالدولار. دول أخرى كالهند قامت بإتخاذ خطوات منفردة كشراء كميات من السبائك الذهبية من صندوق النقد الدولي 6.7 مليار دولار. مجموعة دول البريكس قامت بإنشاء بنك تنمية وإستثمار خاص بها وهناك دعوات علنية للتخلي عن الدولار كعملة إحتياطية عالمية حتى من قبل الأمم المتحدة نفسها التي تدعم تلك المطالبات.
الجميع يسعى للقفز من السفينة قبل غرقها فالمسألة هي ليس هل سوف تغرق فتلك مسألة محسومة ولكن السؤال هو عن التوقيت.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Tuesday, August 18, 2015

متى سوف تنفجر الفقاعة الإقتصادية القادمة؟

الفقاعات الإقتصادية برأي هي عبارة عن تدفق غير عادي للأموال بإتجاه إستثمارات معينة مما يجعل أسعار الأصول المتعلقة بها ترتفع فوق مستواها الإعتيادي. بينما قد يرى بعض الأشخاص أن ذالك ظاهرة معاصرة, فإن لها جذورا تاريخية متأصلة. الأزمات الإقتصادية ليست أمرا طارئا والمضاربون ينتظرون دائما جني الأرباح بطريقة أو بأخرى. نحتاج لمناقشة بعض الأمثلة لأن ذالك أفضل وسيلة لشرح مفهوم الفقاعات الإقتصادية.
إن الإهتمام المفرط ببصيلات زهرة التيولب في هولندا سنة 1630 سوف يكون نقطة بداية مناسبة فقد إكتسح فيروس مجهول البساتين في تلك السنة مسببا ظهور تنوعات لونية جديدة لتلك الزهرة بعضها كان فريدا ونادرا. تلك التنوعات تميزت بإنتقالها من جيل إلى أخر بنجاح. وحيث أن زهرة التيوليب كانت تعد نشاطا إقتصاديا رئيسيا في هولندا فقد إرتفع سعرها بشكل جنوني. كما أن الإقتصاد في تلك الفترة كان متداخلا ومعقدا والكثير من العمليات التجارية كانت تتم بواسطة القرو ض الإئتمانية. إن توفر تلك القروض, الإهتمام المفرط بمنتج معين والمضاربون يعني وصفة للجنون حيث وصل سعر الزهرة الواحدة قيمة منزل فاخر في موقع رئيسي من المدينة. وعندما تقلصت السيولة في الأسواق المحلية بسبب جنون زهرة التيولب فإن التداول كان يتم عبر القروض الإئتمانية. وفي سنة 1637 عندما أصبح عدد البائعين أكبر من عدد المشترين وفي يوم تداول عادي, لم يتقدم أحد للشراء. لقد إنفجرت الفقاعة.
فقاعة شركة البحار الجنوبية هي الكارثة الإقتصادية التالية التي سوف نتكلم عنها. حصلت تلك الكارثة سنة 1720 في بريطانيا حيث أن الحكومة البريطانية قد ضمنت لتلك الشركة إحتكارا للتجارة مع أمريكا الجنوبية. تقرير الأرباح العادي لتلك الشركة قبل ضمان الإحتكار لم يمنع المواطنين من توقع أداء مالي مستقبلي ناجح لتلك الشركة. الطريقة التي كانت تلك الشركة تقوم بالدعاية لنفسها تجعل من السهل حتى على غير الخبراء إكتشاف أن في الأمر عملية إحتيال. إن ذالك لم يمنع من موجة شراء جنونية مما أدى إلى إرتفاع أسعار أسمهم الشركة بطريقة صاروخية. أطياف واسعة من البريطانيين كانوا متورطين في تلك الفقاعة منهم العالم إسحق نيوتن الذي خسر 20 ألف جنيه بريطاني مما يعد كمية هائلة من النقود في تلك الأيام.
الشائع بخصوص الفقاعات الإقتصادية أنه من الصعب التنبؤ بها حتى أن الكثير من الخبراء قد ينخدعوا بها. لست على وفاق مع ذالك فعلى سبيل المثال عندما ترتفع أسعار المنازل فوق مستوى دخول الأسر المتوسطة فتلك تسمى فقاعة عقارية. تقارير منشورة في وسائل إعلامية كندية مختلفة أن أسعار المنازل في كندا تزيد عن متوسط السعر بمقدار 40-50 ألف دولار كندي على الأقل. في الفترة الزمنية 2003-2015 فإن أسعار المنازل في كندا قد إرتفع بمتوسط 66%. المواطنون الكنديون الذي دخلهم السنوي يصل إلى 50ألف دولار لا يستطيعون شراء منزل حتى لو كان عاديا وفي منطقة ثانوية.
في القرنين 20&21, تعرضت الأسواق المالية لمجموعة من الفقاعات الإقتصادية منها فقاعة التكنولوجيا سنة 2000 والفقاعة الأشهر أزمة الرهون العقارية 2007-2008. تلك الفقاعات تسببت بها الأصول المسمومة, الإستثمارات التي تم المبالغة بقيمتها, نسبة الفائدة المنخفضة التي جعلت توفر الإئتمان الرخيص ممكنا والمضاربون. وكالات التصنيف الإئتماني لعبت دورا محوريا في أزمة 2007-2008 لأنها بالغت في تقييمها لضمانات تقييم الرهون العقارية.
الفرق بين الفقاعات الإقتصادية في الماضي والحاضر هو ببساطة وقت حصولها. فقد كانت في السابق تحصل كل فترة جيل أو جيلين لأن الخسائر كانت مؤلمة وليس من السهل نسيانها. المستثمرون في تلك الأيام كانوا أكثر حذرا وتعقلا. في وقتنا الحالي فإن تلك الفقاعات تحصل في فترة أقل من عشرة سنين في المتوسط تفصل بين فقاعة وأخرى. لننظر للأمر بتلك الطريقة, من كان يتخيل أن يكون أصحاب بيوت في ولاية كليفلاند يعجزون عن دفع أقساط قروضهم العقارية, يتسببون في جعل بنوك فرنسية أو ألمانية على شفا هاوية من الإفلاس وبحاجة لحزم إنقاذ حكومية يتم تمويلها من دافعي الضرائب؟
إن الكثير من النقاشات الشائعة هذه الأيام بخصوص الأوضاع الإقتصادية تتمحور حول أسواق السندات وبالتحديد سندات الخزانة الأمريكية وقيمة الدولار. من المتوقع أن تكون الفقاعة القادمة التي سوف تنفجر. السؤال هو ليس لماذا ولكن متى؟ فالمسألة فقط مجرد وقت.
الدين القومي الحكومي في الولايات المتحدة يبلغ 16 تريليون دولار. إستغرقت الولايات المتحدة بين سنتي 1776-1982 لتراكم أول تريليون دولار من دينها القومي. في وقتنا الحالي فإنها تراكم تريليون دولار من الدين القومي الحكومي كل 7-8 أشهر. عجز الموازنة في تزايد في عهد الرئيس باراك أوباما كما أن الجميع متفقون على أنه لايمكن لأي دولة حتى لو كانت بعظمة الولايات المتحدة من الممكن أن تستدين للأبد.
والسؤال هنا عن خطط الرئيس الأمريكي لزيادة الضرائب على الدخول المرتفعة لتقليص عجز الموازنة فهل سوف تتمكن الولايات المتحدة يوما من التخلص من عبئ دينها القومي؟
سوف أجيب عن ذالك السؤال بإستخدام الأرقام والإحصائيات ولكنني أريد من الجميع ملاحظة أنني أحصر كلامي بالدين القومي الأمريكي ولم أدخل في الحسابات ديون البلديات, البطاقات الإئتمانية والقروض التي تمنح لطلبة الجامعات وإلا فالنقاش سوف يدخل في متاهة بدون أن يكون لها مخرج. بالرجوع إلى بعض الأرقام الإحصائية لميزانية 2011, فأن الولايات المتحدة تنفق كل ساعة 188 مليون دولار لاتمتلكها. الرئيس الأمريكي باراك أوباما دعا الأغنياء في أمريكا إلى دفع نفس مستوى الضرائب الذي يدفعه مساعدوهم الشخصيين وطواقم مكاتبهم.
والسؤال الذي نطرحه هنا, هل تعد الإقتطاعات الضريبية من ميزانية سنة 2012 والتي تبلغ 7 مليارات دولار كافية لتقليص الفجوة في عجز الميزانية في الفترة القادمة؟
إذا قمنا بوضع مطالبات الرئيس الأمريكي للأثرياء موضع التنفيذ فإن الحصيلة السنوية سوف تكون 3 تريليون دولار تقريبا وذالك ماتنفقه الولايات المتحدة كل 17ساعة. إن ذالك سوف يستغرق فترة 514 سنة للتخلص من عجز موازنة سنة 2011 مما يعني سنة 2526.
لو تبرع رجل الإستثمار المليادير وارن بافيت والذي تعد ثروته 44 مليار دولار بكامل ثروته لتقليص عجز الموازنة, فإن ذالك سوف يتم إنفاقه في خلال أربعة أيام ونصف. ولكن ليس جميع من هم على قائمة الأثرياء أمريكييون ولنفترض أنهم جميعا تبرعوا بثرواتهم فإن ذالك سوف يجمع مبلغ 1.5 تريليون دولار تقريبا.
ولكن كيف تقوم الولايات المتحدة بسد عجز موازنتها كل سنة؟ الجواب هو بالإقتراض. بإصدار سندات الدين الحكومية أو مايعرف بسندات وزارة الخزانة. إنخفاض أسعار الفائدة يلعب دورا مهما حيث يجعل خدمة الدين في صالح الحكومة الأمريكية. أزدياد نسبة الدين مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة وصل لمستويات غير مستقرة.
منذ أزمة الرهون العقارية سنة 2007-2008, فإن 7 سنين تقريبا قد إنقضت وبحسب الإحصائيات التي ذكرتها في السطور السابقة فإن العالم سوف يواجه أزمة إقتصادية في فترة متوسط عشرة سنين أو أقل.
الوقت اللازم لإتخاذ الإجراء الصحيح يتناقص وليس هناك بلد أو بنك مركزي أو مؤسسة إستثمارية ليست ضالعة في شراء سندات وزارة الخزانة الأمريكية.
فماهي اللحظة التي من المتوقع أن تنفجر فيها فقاعة السندات؟ هل هي حين يتم إجراء تخفيض أخر في تقييم الولايات المتحدة الإئتماني من قبل وكالات التصنيف الإئتماني؟ هل هي فشل في مزاد لسندات وزارة الخزانة؟ هل هي إنخفاض في النمو الإقتصادي بما يؤدي إلى هبوط مستوى الناتج المحلي الإجمالي؟ ماذا سوف يحصل لو توقفت الصين عن إستثمار فوائضها التجارية في شراء سندات وزارة الخزانة الأمريكية أو حتى بدأت ببيع ما تمتلكه منها مما سوف يحدث حالة فزع في الأسواق حين يبدأ الجميع طرح مالديهم من تلك السندات للتخلص منها؟ ماذا عن إنهيار في سعر صرف الدولار الأمريكي مقارنة بالعملات الأخرى؟ هل سوف تلعب سياسة التسهيل الكمي دورا في التعجيل بتلك الكارثة؟
الأمر عائد للجميع ليصدقوا أم لا أن كلمة واحدة هي التي تمنع الكارثة. تلك الكلمة هي الثقة. إذا فقد المواطنون والمستثمرون ثقتهم بالدولار الأمريكي أو قدرة الحكومة الأمريكية على الوفاء بديونها وإلتزاماتها, فسوف تنفجر الفقاعة ودرجة التأثير سوف تكون مدمرة جدا.
النهاية


Friday, August 14, 2015

حرب بريطانية في ماليزيا برعاية القوات الخاصة البريطانية وشركات إنتاج المطاط والقصدير

منذ بضعة أشهر شاهدت فيلما من إنتاج قناة ناشيونال جيوغرافيك عن التدخل البريطاني في ماليزيا والذي كان تحت غطاء الذريعة المعروفة بمكافحة المد الشيوعي حيث تم إرتكاب كافة أنواع التجاوزات والفظائع. محور الفيلم كان بروز الحاجة لقوات بريطانية متخصصة في حرب الأدغال والقيام بعمليات خلف خطوط العدو وذالك على بسبب عجز القوات البريطانية التقليدية عن القضاء على الثوار الماليزيين, فكانت ولادة مايعرف بإسم قوات الخدمة الجوية الخاصة(SAS). كنت أتمنى من تلك القتاة وهي من القنوات القليلة التي تقدم برامج تعليمية ومناسبة لكل الأعمار أن تلتزم ولو شيئا بسيطا من الحياد حيث أن الحرب الباردة قد إنتهت وتم الإفراج عن الكثير من الوثائق بموجب قوانين الكشف عن المعلومات والتي فضحت الكثير أسرار العمليات البريطانية خصوصا في ماليزيا والتي إستمرت إلى مابعد الإستقلال عن بريطانيا سنة 1957.
في الفترة 1948-1960, خاضت القوات البريطانية والتي تقدر 6000 جندي حربا ضد تمرد الماليزيين على الإحتلال البريطاني حيث تم إتباع وسائل وحشية لقمع التمرد منها القصف الجوي الواسع, قنابل عنقودية, إعادة التوطين والأسلحة الكيماوية مثل (Defoliant) ومواد كيميائية تدمر المحاصيل الزراعية.
سبب الحرب البريطانية لم يكن له علاقة بحقوق الإنسان  حيث إن ماليزيا دولة غنية جدا بالموارد الطبيعية كالفحم, الذهب, الحديد, المغنيسيوم والأهم المطاط والقصدير. الثورة في ماليزيا أقلقلت البريطانيين حيث هاجم الثوار على وجه الخصوص مزارع المطاط الذي كان يشكل 75% من الصدارات الماليزية كما أن ماليزيا كانت الأكبر بين دول الكومينولث في إنتاج المطاط. القصدير كان يشكل 12%-15% من قيمة الصادرات الماليزية. رؤوس أموال بريطانية كانت تمتلك 70% تقريبا من مزارع المطاط وكانت الصادرات الماليزية من الأهمية لبريطانيا حيث أن أحد الحكام البريطانيين لماليزيا صرح بأن فقدان تلك الصادرات سوف يضر بتوازن الإسترليني-الدولار في منطقة دول الكومينولث. أحد اعضاء مجلس اللوردات صرح بأن إنتاج القصدير قد توقف لمدة عشرة سنين حيث تم تقريبا إستهلاك المناجم الموجودة وعدم حصول إكتشافات جديدة بسبب نشاط الثوار الشيوعيين المزعوم. كما أن إنتاج المطاط لم يكن بأفضل حالا حيث إنخفض بنسبة كبيرة بسبب الهجمات على مزارع المطاط.
سكان ماليزيا يتألفون من قومييتين رئيسييتين هما المالاي وذوي الأصول الصينية الذين كانوا يشكلون 45% من السكان حيث كان التمييز ضدهم من قبل البريطانيين خوفا من تمدد وإنتشار النفوذ الشيوعي عن طريق الحزب الشيوعي الصيني. إن الثورة الماليزية كانت تعطل خطة بريطانية لمنح حكم ذاتي لماليزيا وحكمها بطريقة غير مباشرة مع الإحتفاظ والتحكم بالإقتصاد لحماية مصالحها التجارية.
قامت بريطانيا بإقرار دستور حكم ذاتي منحت فيه السكان من أصول مالاوية نفوذا واسعا حيث تم تشكيل مجلس حكم تنفيذي ينتقي المقيم البريطاني أعضائه بنفسه وتم تجريد 90% من السكان ذوي الأصول الصينية من جنسياتهم وكان ذالك البداية. تبع ذالك سلسلة من الإضرابات العمالية والإضطرابات خصوصا من قبل السكان ذوي الأصول الصينية مطالبين بأجور عادلة حيث ردت بريطانيا بسجن زعماء نقابات عمالية, إستخدام القمع ومضايقة الصحافة ذات التوجه اليساري. وفي سنة 1948 تم إعلان قانون الطوارئ في ماليزيا.
الحكومة البريطانية إستهدفت على وجه الخصوص بقانون الطوارئ الحزب الشيوعي الماليزي الذي كان أمامه خياران؛ فإما القبول بالإنتحار السياسي أو القتال. تم تشكيل خلايا مقاومة مسلحة ممن سبق لهم القتال ضد الإحتلال الياباني حيث كان الصينيون في ماليزيا هم من قاموا حصريا بقيادة المقاومة. أغلب الجالية الصينية في ماليزيا كانت تعمل في مناجم القصدير ومزارع المطاط وتضررت بشدة من الإحتلال البريطاني حيث فقد الكثيرون ليس فقط وظائفهم المتواضعة بل وفقدوا الأمل بالعودة إلى بلدهم الأم. بكل ماتحمله الكلمة من معنى فقد تشرد نصف مليون ماليزي من أصول صينية في الغابات يقتاتون من النباتات والصيد ويشربون من مياه الأمطار فقدموا الدعم للثورة ضد الإحتلال البريطاني وهيمنة قومية المالاي وهم من قامت بريطانيا بشن حربها ضدهم. المفوض البريطاني في ماليزيا جيرالد تيمبلر صرح بأن نخبة المقاتلين في التمرد هم شيوعيون متعصبون ويجب بالقضاء عليهم. وفي خلال سنتي حكمه تم القضاء على ثلثي الثوار الماليزيين حسب مزاعم الحكومة البريطانية.
قام سلاح الجو البريطاني بأكثر من 4500 طلعة جوية لدعم قواته على الأرض. وفي سنة 1956 تم إلقاء 545 ألف رطل من القنابل على أحد معسكرات الثوار ولكن أخطأت الطائرات هدفها. وفي بداية شهر مايو من نفس السنة تم إلقاء 94 ألف رطل من المتفجرات ولكن بسبب عدم دقة الإصابة فقد سقطت على بعد 250 ياردة من الهدف. وبتاريخ 15 مايو فقد تم إعادة القصف وإلقاء 70 ألف رطل من المتفجرات. الغارة أعلنت ناجحة حيث تم قتل أربعة من الثوار. تخيلوا 700 طن من المتفجرات والحصيلة مقتل أربعة ثوار وذالك يعتبر إنجازا!!!؟؟؟
كما إستخدمت بريطانيا مايعرف بإسم(nose fused bomb) والتي تزن 500 رطل بحجم منطقة مدمرة يبلغ 15000 قدم مربع والقنابل الإنشطارية والتي بلغ وزن القنبلة الواحدة 500 رطل والقنابل العنقودية التي كانت القاذفات البريطانية قادرة على حمل 190 قنبلة منها حيث تنشطر كل قتبلة إلى عشرات بل مئات القنابل الأصغر حجما وتحدث دمارا مروعا في مساحات واسعة. عدم الدقة في إلقاء القنابل أدى في أغلب الأحيان إلى سقوط ضحايا مدنيين كما في إحدى عمليات القصف التي أخطأت هدفها فقتل 12 مدنيا وجرح 26 أخرون.
من المستحيل أن تخاض الحروب بطريقة أخلاقية خصوصا إذا كانت أسباب إندلاعها لأسباب أيدولوجية حيث يصمم كل طرف على إقتلاع الطرف الأخر والقضاء عليه. جرائم القتل والفظائع تم تبادلها بين طرفي النزاع حيث ركز الجنود البريطانيون على تسجيل أكبر عدد من الإصابات وكانوا يتفاخرون بذالك. بينما كان الثوار الماليزيون لايرحمون من يقع بأيديهم ويهاجمون مراكز التجمعات البريطانية المدنية والعسكرية. الجيش البريطاني إستخدم مخازن الأغذية المفخخة وقام ببيع أسلحة فاسدة للثوار الماليزيين عبر وسطاء كالقنابل التي تقتل صاحبها بمجرد محاولة إستخدامها والذخيرة الفاسدة. كما قامت القوات البريطانية بقطع رؤوس الثوار الماليزيين حين تعذر حمل جثثهم للتعريف بها مما أثار ضجة واسعة بعد إنتشار صور تظهر تلك الممارسات. من ناحية أخرى فقد إشتركت إلى جانب القوات البريطانية,قوات خاصة من روديسيا بقيادة بيتر والاس(Peter Walls) والذي أصبح قائدا للجيش الروسي بعد إستقلال بلاده والتي كانت تشكل محمية بريطانية وقوات تنتمي لقومية الداياك(Dyaks) في بورنيو والتي كانت تقطع رؤوس من يلقيهم حظهم العاثر في طريقها.
ولعل أكثر تلك الممارسات وحشية وإنتهاكا لحقوق الماليزيين هي سياسة القرى الجماعية التي إتبعتها الإدارة البريطانية بداية من سنة 1950 تحت مسمى إعادة التوطين حيث كان يتم حصار مجموعة من المشردين الصينيين في الغابات في ظلمة الليل ويتم إيقاظهم وسوقهم في شاحنات إلى معسكرات إعتقال تسمى مجازا قرى وتكون محاطة بأسلاك شائكة وبحراسة قوات عسكرية. الكثيرون قاموا بالشكاية من دون فائدة بأن تلك المعسكرات كان ينقصها الخدمات الأساسية كما أنه كان يتم تفتيش السكان أثناء خروجهم للعمل صباحا وأثناء عودتهم لضمان عدم حملهم رسائل للثوار في الغابات أو محاولة تهريب الطعام لهم. فائدة أخرى لتلك المعسكرات هي عمالة رخيصة للعمل في مزارع المطاط, نوع من أنواع العبودية ضحيتها تقريبا نصف مليون ماليزي من أصول صينية.
العقاب الجماعي كان سياسة أخرى إتبعتها بريطانيا في أكثر من مناسبة خصوصا حين حرمت سكان إحدى القرى بتاريخ مارس 1952 من الخروج من منازلهم لمدة 22 ساعة وكانت تطلق النار حتى على من يخرج لإستخدام المراحيض والتي كانت في ذالك الوقت تقع خارج المنازل وكانت مشتركة بين السكان. ولم تكتفي بذالك فقامت بتقليص حصص الأرز لأكثر من 20 ألف نسمة وأغلقت المدارس وخطوط النقل العام في مناطق أخرى. وقد وصل تقليص الحصص الغذائية وخصوصا الأرز إلى 40% في بعض المناطق التي كان ينشط فيها الثوار لمنع السكان من تقديم أي دعم لهم مما أدى إلى ظهور أعراض سوء التغذية وبداية مجاعة واسعة النطاق. كل تلك الأعمال الوحشية كانت تتم شرعنتها في القوانين البريطانية التي تسمح بإعتقال الأشخاص الذي يشتبه في تشكيلهم خطرا على السلامة العامة ولكن لايوجد أدلة كافية لتقديمهم للمحاكمة فتم إحتجاز 34000 شخص في السنوات الثمانية الأولى للثورة وتم إبعاد 15000 شخصا تقريبا بإرسالهم إلى المنافي.
بريطانيا خاضت تلك الحرب دفاعا عن مصالح تجارية ولم يكن للإمتداد الشيوعي أي علاقة بها فالحزب الشيوعي الماليزي لم يكن يتلقى دعما من الإتحاد السوفياتي أو الصين ولم يكن إمتدادا لأي منهما ولم تثبت التقارير البريطانية نوع من الصلة. الخوف البريطاني كان نابعا من إنتصار الثورة الصينية سنة 1949 وأنه في حال إنتشرت الثورة من ماليزيا فسرعان ماسوف تفكر بلدان أسيوية أخرى بالشيئ نفسه ويكون هناك منطقة تجارية في أسيا لامكان في وسطها للمصالح الأجنبية وخصوصا البريطانية.
السياسات الوحشية التي إتبعها المفوض السامي البريطاني في ماليزيا جيرالد تيمبلرز(Gerald Templer) كانت ناجحة فقد تم القضاء على التمرد في ماليزيا وإستقلت سنة 1957 مع الإبقاء على المصالح البريطانية التي إستمرت بالتحكم بما نسبته 70% من إنتاج المطاط ونسبة كبيرة من إنتاج الفحم والقصدير والمعادن الأخرى. وقد إستمر ذالك حتى فترة طويلة بعد الإستقلال فإحصائيات سنة 1970 تذكر أن 70% من التجارة مع الخارج تتحكم بها شركات أجنبية أغلبها بريطانية و75% من المزارع مملوكة لتلك الشركات. كما أن 80% من نشاطات التعدين, 62% من الصناعة و58% من نشاط المقاولات مازال مسيطرا عليه من قبل شركات أجنبية اغلبها شركات بريطانية.
الإحتلال البريطاني لماليزيا كان وصمة عار ومايزال والممارسات الوحشية التي تم إتباعها هناك تتنافى وكل المواثيق والأعراف الدولية التي وقعت عليها بريطانيا بنفسها وقامت بمخالفتها لاحقا. كما أن تلك الممارسات تم إستنساخها من قبل عدد من الدول مما جعل بريطانيا مرجع ومدرسة في قمع التمرد والثورات حول العالم.
ويبقى البريطانيون أسياد السياسة حول العالم وأساتذة في تدبير الإنقلابات العسكرية وقمع التمرد والثورات وكما نقل عن لسان الزعيم الهندي المهاتما غاندي(إذا رأيت سمكتين تتقاتلان في الماء-المحيط الهندي في رواية أخرى- فاعلم أن ذلك من تدبير بريطانيا).
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Wednesday, August 12, 2015

كيف تستخدم الولايات المتحدة سياسية التسهيل الكمي لفرض مفهوم إعادة التوازن للإقتصاد العالمي؟

التسهيل الكمي(QE) هو السلاح الذي إستخدمته الولايات المتحدة سنتي 2009 و2010 وحقق نتائج مذهلة حيث أدى إلى تصدير التضخم في الولايات المتحدة للخارج ورفع سعر الأصول والأسهم والسندات كما أدى إلى تخفيض في قيمة الدولار الأمريكي نتيجة زيادة كمية المعروض منه.
إذا حاولنا توضيح مبدأ التسهيل الكمي(QE) بكل بساطة فمن الممكن التصريح بأنها عبارة عن عملية طبع للدولار الأمريكي من لاشيئ, من الهواء. من أجل القيام بذالك فإن بنك الإحتياطي الفيدرالي يقوم بشراء أذونات الخزانة من قبل مجموعة بنوك تسمى المتعاملون الأساسيون أو الأوليون الذين يقومون بدور الوسطاء بين بنك الإحتياطي الفيدرالي وقاعدة واسعة من الزبائن والأسواق الأجنبية. تلك القاعدة الواسعة من الزبائن على المستوى العالمي تشمل مؤسسات مثل صناديق التحوط, صناديق الإستثمار السيادية الأجنبية, صناديق التقاعد,مؤسسات إستثمارية وأشخاص أثرياء يرغبون في إستثمارات أمنة. عندما يرغب بنك الإحتياطي الفيدرالي بتقليص الكتلة النقدية في الأسواق, يقوم ببيع أدوات إستثمارية منها أذونات الخزانة إلى المتعاملين الأساسيين حيث تختفي محصلة البيع من الأموال في خزائن الإحتياطي الفيدرالي وبذالك تتقلص الكتلة النقدية على المستوى العالمي. والعكس صحيح حيث يقوم بنك الإحتياطي الفيدرالي في حالة رغبته بزيادة الكتلة النقدية بشراء الأدوات المالية والأوراق الإستثمارية وضماناتها من المتعاملين الأوليين ويدفع لهم بواسطة دولارات أمريكية تم طباعتها مؤخرا. عمليات بيع وشراء الأدوات الإستثمارية بين بنك الإحتياطي الفيدرالي والمتعاملين الأساسيين وبنوك مركزية أخرى هي تعد الشكل الرئيسي الذي تتخذه مايسمى عمليات السوق المفتوح والتي لها هدف أخر غير التحكم بحجم المعروض النقدي حيث يتم إستخدام تلك السياسة للتحكم بأسعار الفائدو القصيرة الأجل.
ولكن كيف يكون التصرف في حالة كانت أسعار الفائدة على الأدوات المالية قصيرة الأجل هي صفر, فكيف سوف يقوم بنك الإحتياط الفيدرالي بزيادة كمية الكتلة النقدية في الأسواق؟
الحل هو بشراء أدوات مالية بأسعار فائدة طويلة الأجل لخمسة, سبعة أو عشرة سنين, والأخيرة تحديدا هي التي يتم التقرير من خلالها بخصوص أسعار الفائدة على القروض العقارية وأسعار إقراض الشركات. الهدف من شراء أوراق مالية بأسعار فائدة لمدة عشرة سنين هو تنشيط السوق العقاري حيث يصبح من الممكن للمواطنين الأمريكيين شراء المنازل مما يؤدي إلى تنشيط الإقتصاد.
عمليات التيسير الكمي تعد نوعا من المضاربة على أسعار العملات حيث أن كمية متزايدة من الدولارات الأمريكية المطبوعة حديثا سوف تجد طريقها للصين في شكل فوائض تجارية أو أموال ساخنة تبحث عن عوائد مرتفعة أكثر من المتوفرة في الولايات المتحدة. سعر صرف اليوان مرتبط بالدولار وتلك سياسة يتم المحافظة عليها من قبل بنك الشعب الصيني على إفتراض أن الولايات المتحدة لن تقوم بإسائة إستخدام تلك السياسة. الحاصل حاليا أن التيسير الكمي يتم ممارستها بشكل متكرر حيث أدت إلى تصدير التضخم إلى الصين بسبب قيام الصين بطباعة اليوان الصيني بما يوازي كمية الدولارات المطبوعة والتي تجد طريقها للأسواق الصينية. بالإضافة إلى أن سياسة التسهيل الكمي قد أضرت بقيمة أكثر من تريليون ونصف من أذونات وزارة الخزانة الأمريكية التي تمتلكها الصين حيث إنخفضت قيمتها وتأكلت عائداتها بسبب إنخفاض قيمة الدولار.
إقتصاد الولايات المتحدة يعتبر مرنا وقادرا على إمتصاص الأموال والإستثمارات المتزايدة بدون أن يؤدي ذالك إلى إحداث تضخم بسهولة بينما الصين على النقيض من ذالك فقدت أدت سياسة طبع اليوان لإمتصاص الكمية المتزايدة من الدولارات إلى إحداث تضخم في الأسعار وخصوصا المواد الغذائية. التضخم في الصين بلغ أواخر سنة 2010 وأوائل سنة 2011 خمسة بالمائة يضاف إليها عملية إعادة تقييم لسعر صرف اليوان مقابل الدولار بلغت 4%  والمحصلة 9% إرتفاع الأسعار وتكلفة مشاريع البنية التحتية في الصين. في حال محافظة الصين على سياسة ربط سعر صرف عملتها بالدولار فإن الإحتياطي الفيدرالي سوف يواصل سياسة التيسير الكمي وفي حالة قامت الصين بإعادة تقييم لعملتها فقد تنجح في السيطرة على التضخم ولكن ذالك سوف يؤدي إلى إرتفاع قاعدة التكلفة مقارنة بالبلدان الأخرى. في كلتا الحالتين سوف تكون الولايات المتحدة سعيدة للغاية حيث أنها هي الطرف الرابح ومن المتوقع خلال السنوات المقبلة إنخفاض قيمة الدولار أمام اليوان 20% مما يؤدي إلى زيادة أسعار الصادرات الصينية للولايات المتحدة وتنشيط صادرات الولايات المتحدة للصين. الولايات المتحدة ربحت الجولة الأولى ولكن ليس بالضربة القاضية بل بالنقاط. المعركة بين الولايات المتحدة والصين حول أسعار الصرف وتخفيض قيمة الدولار أصابت شظاياها دولا أخرى وظهرت أثارها في تضخم أصاب دولا مثل كوريا الجنوبية, البرازيل والهند وتسببت بإرتفاع أسعار المواد الغذائية والأولية حيث تم إلقاء اللوم على تلك الدول وخصوصا النامية لإتباعها سياسات نقدية خاطئة والإبقاء على سعر صرف منخفض لعملاتها.
خلال إجتماع مجموعة العشرين في سيؤول بتاريخ 11 نوفمبر 2010 فقد حاول وزير الخزانة الأمريكي تيموثي غيثنر إلقاء اللوم على الصين عن طريق عرض توضيحي ملخصه أنه في حال زيادة الفائض التجاري لدولة معينة عن نسبة 4% من ناتجها المحلي الإجمالي فإن ذالك يستوجب إعادة تقييم(تخفيض) لسعر صرف عملتها لأن فائضها التجاري مبالغ فيه وغير مستقر. المشكلة أنه في طرحه هاذا صوب سهامه على ألمانيا والتي تعد بلدا تصديريا وتتمتع بفوائض تجارية كبيرة. كما أنه في الفترة التي كان يتم فيها تطبيق المعيار الذهبي الكلاسيكي فإن تلك العملية كانت تتم بشكل تلقائي وبدون الحاجة لتدخل من البنوك المركزية. فشل غيثنر في الترويج لفكرته وإيجاد حلفاء له في أسيا أو أوروبا حيث أن ألمانيا على وجه الخصوص من أخر إهتمامتها إعادة تقييم سعر صرف عملتها(اليورو) في مقابل الدولار.
بتاريخ فبراير 2011 تم الإتفاق في إجتماع محافظي البنوك المركزية ووزراء الإقتصاد والذي عقد في باريس على الخطوط العريضة والتي تقرر المعايير المعتمدة للقياس والتي تقرر إن كانت الفوائض التجارية لدولة معينة مبالغ فيها وغير مستقرة. تم تأجيل إتخاذ القرارات المتعلقة بتلك المقاييس للإجتماع المقرر عقده في إبريل ثم تم تأجيل العملية برمتها لإتخاذ قرار نهائي بشأنها في إجتماع القمة السنوي لمجموعة الدول العشرين والتي عقدت لاحقا في مدينة كانيس في نوفمبر 2011. المشكلة أنه بنهاية العام لم يتم إتخاذ قرار نهائي بخصوص تلك المشكلة بسبب غياب القيادة الفعالة, فالأمم المتحدة لا تستطيع تقديم أي مقترحات أو حلول, مجموعة الدول السبعة في حالة موت سريري ومجموعة الدول العشرين هي كل مايمكن الإعتماد عليه في المرحلة الحالية ولكنها كانت غير قادرة على الخروج بقرار يكون موضع التنفيذ وملزما لجميع الأعضاء بسبب إختلاف الأجندات.
في وقتنا الحالي لايوجد شخص مثل ريتشارد نيكسون يأخذ العالم بالمفاجئة ويعلن قرارات إقتصادية حاسمة كتلك التي اعلنها سنة 1971 أو وزير خزانته جون كونالي المشهور بصرامته وعناده. يبدو أن أمريكا فقدت زمام المبادرة ومن الواضح أنه لن يتم إتخاذ قرارات حاسمة متعلقة بالوضع الإقتصادي العالمي حتى حدوث أزمة مالية عالمية أخرى والتي نظرا لسياسة التيسير الكمي وتأثيراتها الجانبية في زيادة نسبة التضخم, لا تبدو بعيدة المنال.
ولكن الظروف أحيانا قد لاتخدم بلدا فيما يتعلق بسعر صرف عملتها وهناك دائما إستثنائات حيث لا تجري الرياح كما تشتهي السفن. في الفترة التي تلت الزلزال بقياس 9 ريختر الذي ضرب اليابان بتاريخ 11 مارس 2011 والذي تسبب بأكبر كارثة نووية منذ كارثة تشيرنوبل الشهيرة ودمار هائل في البنية التحتية والتجارية لقسم كبير من اليابان, لم تجري الرياح بما تشتهي سفن المسؤولين عن الملف الإقتصادي في اليابان حيث أدى توقع تزايد الطلب على الين في مشاريع إعادة الإعمار لما هدمه الزلزال إلى إرتفاع كبير وغير مسبوق في قيمته أمام الدولار الأمريكي. إن ذالك الإرتفاع ألحق المزيد من الضرر باليابان والتي كانت تعاني من الكساد الإقتصادي منذ فترة طويلة ومن مصلحتها سعر صرف عملة منخفض لزيادة الصادرات. إن إرتفاع سعر صرف الين مقابل الدولار نظريا يعد من مصلحة الولايات المتحدة ولكن حجم الكارثة اليابانية والتي جعلت من المستحيل تجاهلها فاليابان تمتلك إستثمارات خارجية خصوصا من سندات الخزانة الأمريكية بما قيمته 2 تريليون دولار وكان من الملح طرح نسبة منها في الأسواق المالية الدولية لتمويل تكالبف إعادة الإعمار مما سوف يؤدي إلى المزيد من الإرتفاع في قيمة الين.
لم يكن هناك إجتماع مقرر في القريب العاجل لمجموعة الدول الصناعية السبعة من أجل معالجة الأزمة اليابانية ولكن بعد إتصال هاتفي بين وزيرة المالية الفرنسية كريستين ليجاردي ووزير الخزانة الأمريكي تيموثي غيثنر وبتاريخ مارس 17 2012 وتحت المظلة الإسمية لمجموعة الدول الصناعية السبعة, تم تنسيق المواقف وبدء سلسلة من العمليات المالية المنسقة بهدف إجبار الين على التراجع وذالك بتاريخ 18 مارس 2012 الساعة الثامنة صباحا توقيت بدء التداول في البورصات والأسواق المالية اليابانية. البداية كانت بعمليات بيع للين الياباني والأدوات الإستثمارية المتعلقة به بهدف زيادة المعروض كما تم القيام بنفس العمليات بخصوص الدولار الأمريكي والفرنك السويسري واليورو ولكن بالشراء وليس البيع وذالك بعد تنسيق المواقف مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما وجهات إقتصادية ومالية في سويسرا والإتحاد الأوروبي. كما تواصلت العمليات المالية في مناطق مالية أخرى مثل نيويورك ودو أوروبية والتي تم إفتااح التداول فيها لاحقا بسبب فرق التوقيت.
تدخل البنوك المركزية والبنك المركزي الأوروبي كان ناجحا وبنهاية اليوم تم إجبار الين على التراجع لمستوى سعر الصرف الطبيعي مقابل الدولار.
وزيرة المالية الفرنسية كريستين ليجاردي والتي أثبتت جدارتها وقدرتها على إتخاذ القرارت الحاسمة في أحرج الأوقات خصوصا الأزمة المالية 2007-2008 وأزمة الديون السيادية الأوروبية سنة 2010, كانت الخيار الدولي المفضل لمدير صندوق النقد الدولي دومينيك ستراوس والذي خرج من منصبه بفضيحة أخلاقية من العيار الثقيل يقال أنها كانت مختلفة للإيقاع به بعض معارضته لبعض السياسات المالية والتي رأى أنها تسبب عم إستقرار الإقتصاد العالمي.
لقد أثبتت مجموعة الدول الصناعية السبعة قدرتها على إتخاذ القرارات بطريقة حاسمة وسريعة في حال توافق الأجندات والإتفاق على طريقة العمل لتحقيق تلك الأجندة الموحدة, في سنة 2012 كان إرتفاع سعر صرف الين الياباني مقابل الدولار أحد تلك الأجندات المتفق عليها.
الحل لمشكلة الين الياباني كان مؤقتا حيث أنه لم تتم معالجة الظروف التي أدت إلى تلك المشكلة كما أن المضاربين الذي قاموا بجني الأرباح لم يذهبوا بعيدا ولايهمهم إفتعال الأزمات أو الإستفادة من القائمة منها لجني المزيد من الأرباح. ولفترة قادمة فقد عادت الأمور إلى سابق عهدها سنتي 1970 و 1980 حيث مجموعة محدودة من البنوك المركزية تحاول حماية نفسها من المضاربين الذين يعملون وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة بالإضافة إلى المستفيدين من تخفيض أسعار صرف العملات وإستغلال ذالك لتحقيق الأرباح.
من الواضح أنه لايمكن لجميع الدول القيام بإعادة تقييم عملاتها بنفس التوقيت. حتى اليابان والتي كانت في العادة تجاري السياسة الإقتصادية الأمريكية بخصوص سعر صرف مرتفع للين مقابل الدولار قد وجدت نفسها تنضم إجباريا للراغبين بتخفيض قيمة عملاتهم والذي يشملون الولايات المتحدة والصين وأوروبا.
وفي المحصلة فإن مشكلة العلاقة بين سعر صرف اليوان مقارنة بالدولار سوف يتم ضمها لأجندة إجتماعات مجموعة الدول العشرين والتي تعد مشغولة بالبحث عن حلول للمشكلة التقليدية في الصراع بين اليوان والدولار حيث يحاول الجميع إيجاد حل عالمي لمشكلة العلاقة بين أسعار صرف العملات المختلفة من دون التسبب بتطور الصراع مما قد يؤدي إلى أزمات إقتصادية وحتى إنهيار الإقتصاد بشكل كارثي.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Monday, August 10, 2015

ماهو دور مجموعة الدول العشرين في تحقيق التوازن الإقتصادي العالمي؟

تعد مجموعة الدول العشرين(G20) من أقوى المؤسسات والتي برزت الحاجة إليها لمعالجة المشاكل على مستوى العالم نتيجة غياب حكومة عالمية حقيقية.
تستمد المجموعة إسمها من مجموعة الكيانات المكونة لها. مجموعة الدول السبعة وهي الولايات المتحدة, كندا, فرنسا, ألمانيا, المملكة المتحدة, إيطاليا واليابان. بالإضافة إلى دول لها وزنها وثقلها الإقتصادي والسياسي كالصين, البرازيل, كوريا الجنوبية, المكسيك, الهند وأندونيسيا. بعض الدول تم ضمها لأسباب لها علاقة بتوفرها على موارد طبيعية أو لأسباب متعلقة بالجيوبوليتكس كالمملكة العربية السعودية وروسيا. كما أن دولا أخرى تم ضمها لتحقيق توازن جغرافي كالأرجنتين, أفريقيا الجنوبية, أستراليا وتركيا. دول مثل النرويج وهولندا لم يتم ضمها رسميا على الرغم من ثقلها الإقتصادي ولكن يتم دعوتها من فترة لأخرى لحضور بعض الإجتماعات. الإتحاد الأوروبي يتم دعوته كمراقب لأنه البنك المركزي الأوروبي يصدر أحد العملات الإحتياطية على مستوى العالم.
الألية التي تعمل بها مجموعة الدول العشرين تتم على مستويين, الأول من خلال إجتماعات وزراء الإقتصاد ومحافظي البنوك المركزية بينما الثاني وهو الأهم من خلال الملوك ورؤساء الوزراء والرؤساء. في تلك الإجتماعات وفي الأجنحة الفندقية يتم عقد الصفقات التي تحدد مستقبل الإقتصاد العالمي.
إجتماعات مجموعة العشرين ملائمة بشكل خاص لحضور الصين حيث يتم إتخاذ القرارات بشكل جماعي لعدم ميل الصين لعقد الإتفاقات الثنائية حيث يتم إعتبارها إستقواء وإهدار للكرامة. الولايات المتحدة توفر لها تلك الإجتماعات فرصة إتخاذ القرارات الجماعية حيث لاينظر إليها على أنها تتصرف بشكل منفرد. الدول الأقل تأثيرا على المستوى العالمي توفر لها الإجتماعات فرصة أن يكون صوتها مسموعا وطرح أرائها حيث تعجر عن التاثير على الإقتصاد العالمي منفردة. الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن والرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي كان لهما الدور الأكبر في تحويل إجتماعات مجموعة العشرين من مجرد إجتماعات لوزراء الإقتصاد ومحافظي البنوك المركزية عند بدايتها سنة 1999 إلى إجتماعات على مستوى القمة من رؤساء وزارء ملوك ورؤساء دول بداية من سنة 2008.
في الفترة التي أعقبت إنهيار بنك ليمان برثرز و أي جي سنة 2008, إتجهت الأنظار إلى إجتماع قمة لمجموعة الدول العشرين كان قد تم تحديده بشكل مسبق في شهر نوفمبر من ذالك العام وذالك لإتخاذ قرارات مصيرية لتقرير مستقبل الإقتصاد العالمي وإنقاذه من الإنهيار نتيجة أكبر أزمة إقتصادية عالمية حتى تاريخه. الصين تعد أحد أقوى الإقتصاديات العالمية حيث ينظر إليها كأحد أهم المصادر لرأس المال والإستثمار على المستوى العالمي. في ذالك الوقت فإن مجموعة الدول السبعة(G7) لم تكن تضم الصين في عضويتها حيث لا يمكن الإستغناء عنها في مثل تلك الظروف, ومرة أخرى كان مجموعة الدول العشرين هي الملاذ الأخير حيث تحدد القرارات المصيرية التي يتم إتخاذها من قبل المجتمعين مستقبل الإقتصاد العالمي.
كان إجتماع قمة العشرين في ذالك الوقت الحرج فرصة للولايات المتحدة لفرض أجنداتها تحت مسمى إعادة التوازن. وحتى نفهم ذالك علينا النظر في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة ووضعها الإقتصادي في تلك الفترة.
من الناحية التقليدية فإن الإستهلاك والإنفاق الداخلي كان هو حجر الأساس في أي خطة للنهوض الإقتصادي في مواجهة إنخفاض مستوى العائدات من الإستثمار بسبب تفضيل الشركات الأمريكية إبقاء أرباحها بعيدا عن متناول قوانين ضرائب الشركات والتي تعد مرتفعة داخل الولايات المتحدة حيث يتم تركيز إستثماراتها خارج الأراضي الأمريكية. خطة الإنفاق الحكومي وسياسة التيسير الكمي فشلت أربع مرات في الفترة الممتدة 2008-2010 في الخفض من نسبة البطالة وإنقاذ الإقتصاد من الركود كما أن من نتائجها السلبية تخفيض التصنيف الإئتماني للولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها وهو ماحصل على أرض الواقع وكانت له نتائج سلبية على خدمة الدين الأمريكي.
الناتج الإجمالي المحلي للولايات المتحدة في بداية سنة 2011 بلغ 14.9 تريليون دولار يتم تقسيمه على الشكل التالي: إستهلاك 71%, إستثمارات 12%, إنفاق حكومي 20% وصادرات -12%. وبما أن الإستهلاك وهو يمثل إنفاق المواطنين الأمريكيين على السلع والخدمات أصبح خارج حسابات المخططين بسبب إرتفاع مستوى الديون الداخلية خصوصا للمواطن الأمريكي والإستثمارات والإنفاق الحكومي ليس بإمكانهما إحداث ذالك التأثير المطلوب خصوصا مع الركود الإقتصادي وإرتفاع مستوى البطالة, حيث لم يتبقى في جعبة المخططين غير العمل على زيادة نسبة الصادرات مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.
الطريقة التقليدية لزيادة نسبة الصادرات كان في تخفيض قيمة الدولار الأمريكي وذالك ليس بالشيئ الجديد حيث كان محور السياسة الإقتصادية في المملكة المتحدة سنة 1931 وفي الولايات المتحدة نفسها سنة 1971 في عهد الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون. مضاعفة الصادرات الأمريكية بنسبة 1.3% سوف تحدث تأثيرا هائلا يتمثل في رفع نسبة النمو من 2.6% إلى نسبة 3.9% وهي تعد نسة نمو حقيقية وصحية. الرئيس الأمريكي قام بالإعلان في خطابه السنوي إلى الأمة بتاريخ 27 يناير 2010 عن مبادرة الصادرات الوطنية والتي تهدف لزيادة نسبة الصادرات الأمريكية إلى الضعف.
ولكن لماذا التركيز على الصين؟ ولماذا إستخدام إجتماعات قمة العشرين كمنصة لتمرير القرارات التي تخدم المصالح الإقتصادية للولايات المتحدة؟
ذكرت في مواضيع سابقة كيف أن الصين كانت تستبق إجتماعات قمة العشرين بخطوة تعبر عن حسن نية وأحيانا لتجنب فرض عقوبات من قبل وزارة الخزانة الأمريكية بتهمة التلاعب بسعر صرف اليوان الصيني. تلك الخطوة تتمثل برفع قيمة عملتها حيث قامت بذالك عدة مرات وجرى إرتفاع ملحوظ في قيمة اليوان الصيني مما يؤدي بالمحصلة إلى إنخفاض قيمة الدولار الأمريكي في المقابل. ولكن علينا عمل مقارنة بسيطة بين الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة والصين. النمو الإقتصادي للصين يعتمد على الإستثمارات بنسبة 48% مقارنة بنسبة 12% للولايات المتحدة. تنخفض نسبة الإستهلاك في الصين مقارنة بالولايات المتحدة وذالك يرجع لإنخفاض إنفاق المواطن الصيني لضعف شبكة الأمان الإجتماعية أو الخدمات الإجتماعية التي تقدمها الحكومة الصينية لمواطنيها وفق مبدأ (Iron Rice Bowl) والذين يلجأون للإدخار كردة فعل على ذالك. كما أن الثقافة الكونفوشية في الصين لا تشجع على إظهار الثروة أو التفاخر بها. إن زيادة صادرات الولايات المتحدة للصين من منتجات وخدمات كبرامج الكمبيوتر, أفلام هوليود وألعاب الفيديو حيث يمكن للبلدين أن يحققا النمو الإقتصادي. الصين تعد سوقا مغلقة بالنسبة لبعض الخدمات والمنتجات الأمريكية كجوجل مثلا كما أن تقليد المنتجات والماركات المشهورة في الصين خصوصا الأفلام وبرامج الكمبيوتر وحتى الهواتف النقالة تعد صناعة بمليارات الدولارات مما يفسر سبب إتهامات الحكومة الأمريكية المستمرة لنظيرتها في الصين بعد إتخاذ إجرائات فعالة للحد من تلك الظاهرة والتي تسبب نزيفا مستمرا للإقتصاد الأمريكي. إجتماع قمة العشرين في مدينة بيتسبرغ قد أدى إلى تقدم مفاجئ بخصوص مايسمى إعادة التوازن للإقتصاد العالمي والذي في المحصلة يعني تطبيق الأجندات الأمريكية وإعطائها أولوية على غيرها. لم يتم ذكر خطة واضحة متعلقة بجعل مفهوم إعادة التوازن موضع التطبيق ولكن عبارة غير واضحة تم ذكرها في القسم عشرين من إطار عمل للقمة متعلقة بدور أكثر فعالية لصندوق نقد دولي في تحقيق الإستقرار الإقتصادي وإعادة التوازن للنمو الإقتصادي العالمي.
مدير صندوق النقد الدولي في ذالك الوقت دومينيك ستراوس إستقبل ذالك الإعلان بترحاب كبير لأنه يعطي دفعة معنوية لصندوق النقد الدولي بعد تضائل دوره في السنوات الأخيرة. فقد كانت مهمته في السنوات الممتدة بين 1950-1960 بمنح قروض للبلدان التي تعاني من عجز مؤقت في ميزان المدفوعات لإبقاء للمحافظة على سعر صرف عملاتهم المرتبطة بالدولار. وفي الفترة الممتدة بين 1980-1990  بمساعدة البلدان النامية التي تعاني من إختلال في إحتياطياتها النقدية من العملة الصعبة حيث قدم تمويلا إقتصاديا مرتبطا بشروط تقشف مصممة لحماية البنوك الأجنبية وحملة سندات الدين الحكومية. قمة الدول العشرين قامت على نحو فجائي بمنح صندوق النقد الدولي دورا يماثل البنك الدولي وصلاحيات واسعة لتطبيق مفهوم إعادة التوازن للإقتصاد العالمي. صندوق النقد الدولي قام من ناحيته بعمل دراسات واسعة للمارسات الإقتصادية في كل بلد بشكل منفصل ولكن أهداف خطة إعادة التوازن تم تجاهلها من قبل العديد من البلدان خصوصا الصين. النتيجة أن الولايات المتحدة توصلت إلى قناعة أنه إذا أرادت زيادة نسبة صادراتها عبر تخفيض قيمة الدولار الأمريكي فما عليها إلا أن تعمل على ذالك بنفسها وليس من خلال إجتماعات قمة العشرين والمؤسسات الدولية التي أثبتت عجزها وفشلها لتحقيق تلك الغاية والتي تتمثل في مفهوم إعادة التوازن. ولكن كيف عملت الولايات المتحدة لفرض مفهوم إعادة التوازن بعد فشل الإجتماعات والمؤسسات المالية الدولية عن فرض ولو الحد الأدنى من الإلتزام بين دول العالم فذالك سوف يكون محور الموضوع القادم إن شاء الله.
مع بالغ تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية