Flag Counter

Flag Counter

Saturday, September 21, 2019

لماذا تقامر إيران في مهاجمة منشآت نفطية سعودية؟

لماذا تقامر إيران في مهاجمة منشآت نفطية سعودية؟
إن ذلك عنوان موضوع نشره موقع البي بي سي على الإنترنت وقد ذكرت بعض النقاط المهمة وتم تجاهل بعضها الآخر. النقطة الأولى هي تخبط الإعلام الحكومي السعودي والإعلام الموازي(الغير رسمي) في إلقاء اللوم في الهجمات الأخيرة على العراق أو إيران أو الحوثيين في اليمن أو حتى أن مصدر الهجمات خلايا حوثية أطلقت الصواريخ والمسيرات من داخل الأراضي السعودية. على الرغم من تبني جماعة الحوثيين في اليمن تلك الهجمات, إلا أن إيران هي المسؤولة, أو تلك الرواية التي يريد الإعلام من الجميع أن يصدقها. عشرات المليارات من الدولارات وأكثر أنظمة الدفاع الجوي تقدما فشلت في منع الهجمات على منشآت حيوية داخل الأراضي السعودية, السلاح الأمريكي فاشل, مجرَّد خردة. وحتى إطلاق الهجمات من داخل الأراضي السعودي يعني فشلا أمنيا بكل المعايير والمقاييس حيث يعني ذلك أن كل تلك القوات والمعدات التي تم حشدها للمساهمة في عاصفة الحزم قد فشلت في تأمين الحدود وأن جماعة الحوثي قادرة على تهريب عشرات الصواريخ والمسيرات عبر الحدود وإطلاقها من داخل الأراضي السعودية. النقطة الثانية أن صواريخ كروز هي صواريخ أمريكية وأن إيران لاتمتلكها ولا تمتلك تكنولوجيا إنتاج صواريخ وطائرات مسيرة قادرة على إصابة أهدافها بتلك بدقة وبهامش خطأ صفر. وحتى لو افترضنا صحة المزاعم بأن صواريخ كروز إيرانية هي المسؤولة عن هجمات بقيق وخريص, تلك دعاية مجانية للصناعات العسكرية الإيرانية التي نجحت ورغم الحصار الإقتصادي والبحري في إنتاج وامتلاك تلك التكنولوجيا المتقدمة.
الولايات المتحدة ودولة الكيان الصهيوني هم المستفيدون من إطلاق تلك الهجمات لان استهداف منشآت نفطية سعودية بتلك الأهمية سوف يؤدي الى إرتفاع سعر النفط وزيادة أرباح شركات النفط الأمريكية. دولة الكيان الصهيوني تقع على مسافة جغرافية من السعودية مساوية تقريبا للمسافة من اليمن الى مواقع المنشآت في بقيق وخريص. الرواية بأن صواريخ ومسيرات أطلقتها ميليشيات عراقية وعبرت الحدود الكويتية الى مواقع شركة ارامكو في بقيق وخريص لا تتمتع بأي مصداقية وليس هناك دليل على صحتها. كما أنها تعتبر فضيحة أخرى للسلاح الأمريكي الخردة العاجز عن التصدي لصواريخ وطائرات بدون طيار أنتجتها دولة تحت الحصار الإقتصادي العدواني الأمريكي. أو هناك إحتمال أن يكون الهجوم له علاقة بمسألة طرح نسبة 5% من ارامكو للإكتتاب وأن الهجوم سوف يجعل أسعار الطرح الأولي منخفضة وأقل من المتوقع. هناك منافسة أمريكية-بريطانيا شديدة بين بورصة نيويورك وبورصة لندن أي من البورصتين سوف يتم طرح الأسهم من خلالها.
في الختام, إن جميع الإتهامات الموجهة لإيران أو جماعات الحوثي في اليمن أو ميليشيا الحشد الشعبي في العراق هي إتهامات بدون دليل. تلك الهجمات يعتبر انتحارا سياسيا وعسكريا. إن إعلان جماعة الحوثي في اليمن مسؤوليتها عن الهجمات لايعني أنها هي من قام بإطلاقها وإنما قد يكون للإستفادة من الزخم الإعلامي لتلك الهجمات بسبب حجمها ودقتها. هناك دول قليلة قادرة على إمتلاك صواريخ يمكنها إصابة أهدافها بهامش خطأ يساوي صفر. الولايات المتحدة, بريطانيا, فرنسا ودولة الكيان الصهيوني هي من الدول التي تمتلك تلك التكنولوجيا. المملكة العربية السعودية أو الولايات المتحدة لم تقدمان دليلا واحدا على مصدر تلك الهجمات أو مصدر الأسلحة المستخدمة فيها. المصلحة الأمريكية والصهيوني لها اليد العليا في تلك الهجمات والنتائج المترتبة عليها بينما القيام بتلك الهجمات أو مجرَّد التفكير في التورط فيها هو إنتحار سياسي لإيران حيث نفت تورطها فيها.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

الولايات المتحدة والمعضلة الإيرانية

ليس هناك أي دوافع إنسانية تقوم الولايات المتحدة بموجبها فرض عقوبات على إيران وآخرها عقوبات ضد البنك المركزي الإيراني. إن دوافع تلك العقوبات سياسية وتتعلق بفرض الولايات المتحدة سلطتها على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كما أن تلك العقوبات ربما تتسبب بصعوبات معيشية للشعب الإيراني ولكنها لن تقتله لأنه كما يقول المثل, الضربة التي لن تكسر الظهر سوف تجعله أقوى. وبالتأكيد لن يكون هناك أي تأثير على القيادة السياسية الإيرانية. إن ذلك يذكرِّني بالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على العراق ولم تنجح من خلالها بالتأثير على القيادة السياسية العراقية ولا على قراراها حتى قامت الولايات المتحدة بغزو العراق عسكريا بعد إستنفاذ جميع خياراتها الأخرى. وهناك في السابق محاولة فرض الإرادة الأمريكية على الرئيس السابق جمال عبد الناصر عبر حظر توريد الحبوب الى مصر من خلال برنامج المساعدات الغذائية والتي تحدث عنها في إحدى خطاباته موجها كلامه الى الولايات المتحدة بأن معونتهم على الجزمة.
هناك ثلاثة عوامل رئيسية تقف وراء عملية التدخل الأمريكي في أي بلد. وقد تجتمع العوامل الثلاثة أو يكون أحدها بارزا أكثر من الآخر, كل عملية تدخل هي حالة يجب دراستها بشكل منفصل. وأنا هنا أتحدث عن الحالة الإيرانية أو المعضلة الإيرانية. العوامل الثلاثة هي: النفط, البنك المركزي,  الإقتصاد. وقد يتسائل أحدهم أن تلك العوامل هي كلها مرتبطة بالجانب الإقتصادي. ولكن تلك وجهة نظر قاصرة عن فهم طريقة التفكير الأمريكية وتعاملها مع المعضلات التي تواجهها على الساحة الدولية. العوامل الثلاثة متوفرة في الحالة الإيرانية. إيران تمتلك قرارا سياسيا مستقلا سواء إتفقنا أو اختلفنا مع القيادة السياسية الإيرانية. إيران تمتلك قرارا إقتصاديا مستقلا لأن بنكها المركزي يخضع الى سلطة الحكومة الإيرانية وليس الى سلطة مستثمرين وبنوك خاصة مما يعني أن القرارات التي يتم اتخاذها بخصوص سعر الفائدة والعملة الإيرانية هي قرارات تتمتع بالاستقلالية. إيران تحوز على إحتياطيات نفطية هائلة تتجاوز الأرقام المعلن عنها, لا يوجد دولة في العالم تعلن عن جميع احتياطياتها النفطية أو ثرواتها الطبيعية.
الولايات المتحدة ترغب في أن تسيطر على نفط العالم حتى تتحكم بالاقتصاد العالمي وبالتالي بالقرار السياسي العالمي. وليس بالضرورة أن تكون قادرة على إستهلاك كل تلك الكمية من النفط, ذلك أمر مستحيل. الولايات المتحدة تستطيع التأثير على أسعار النفط صعودا أو هبوطا بدون تدخل منظمة الأوبك أو دول مثل المملكة العربية السعودية. وقد تقوم الحكومة الأمريكية بالإعلان عن بيع كميات من احتياطيها النفطي أو زيادة الكمية التي يتم تخزينها منه. أو قد تقوم بزيادة الإستثمارات في مجال النفط الصخري أو التحول من استهلاك النفط الى الغاز مما يؤدي الى توفُّر كميات لطرحها على مشترين دوليين. كما أنه علينا أن لا ننسى أن الحكومة الأمريكية تقوم بالتلويح بالعصا الغليظة لأي دولة تفكِّرُ أن تخرج عن الخطوط الحمراء الأمريكية المتعلقة بالنفط. تلك الخطوط قد خرج عنها الرئيس العراقي السابق صدام حسين عندما بدأ ببيع النفط العراقي باليورو وليس بالدولار. كما أن الرئيس الليبي السابق معمر القذافي قد خرج عنها عندما بدأ يطالب ببيع نفط ليبيا بل وأفريقيا مقابل الدينار الذهبي الأفريقي. الرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز طالب الولايات المتحدة, بل ونجح في إستعادة إحتياطي الذهب الفنزويلي الذي تم إيداعه هناك في السابق مما شجَّع دولار أخرى على المطالبة بذلك.
ولكن ما علاقة ذلك بالصين والهجمات التي تم شنها على منشآت نفطية سعودية خصوصا الهجمات التي تعرضت لها مواقع نفطية هامة تتبع شركة آرامكو في البقيق وخريِّص؟ الولايات المتحدة تسعى في إطار حربها الاقتصادية ضد الصين الى خنقها اقتصاديا عبر التحكم في مصادر توريد النفط اليها. فنزويلا وإيران هي أحد أهم الدول التي تقوم بتصدير النفط للصين. السعودية تعتبر مصدرا هاما للنفط الذي تستورده الصين حيث تأجلت صادرات السعودية من النفط الى الصين بسبب الهجمات في بقيق وخريِّص. أسعار النفط العالمية ارتفعت 15% وانخفض الإنتاج عالميا بأكثر من 5% والصين أحد المتضررين الرئيسيين. وتلك ليست أول حادثة تستهدف دولا على خلاف في الملف الاقتصادي مع الولايات المتحدة. خلال الفترة(1974-1975) تم إخراج سيناريو الأزمة النفطية(Oil Shock) والتي رفعت أسعار النفط الى مستويات غير مسبوقة حيث استهدف ذلك اقتصادات الدول الأوروبية والآسيوية على رأسها ألمانيا واليابان. وخلال فترة الثمانينيات وبطلب أمريكي من المملكة العربية السعودية زيادة إنتاج النفط على الرغم من أن الأسواق الدولية مصابة بالتخمة وذلك للتأثير على إقتصاد الإتحاد السوفياتي. ولكن ذلك ليست أول محاولة استخدام سلاح النفط ضد الإتحاد السوفياتي, أسعار النفط هبط حوالي 50% خلال (2013-2014) عبر عمليات تلاعب بعقود المستقبليات بشكل رئيسي وكان المستهدف إيران وروسيا.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Wednesday, September 18, 2019

الولايات المتحدة تعلن الجهاد المقدس ضد البوذيين في بورما

يبدو أن التمهيد الإعلامي لبدء حرب الولايات المتحدة الجهادية ضد الصين قد بدأ من بورما بفيديو لحساب مجهول الهوية على اليوتيوب يعلن فيه دخول دفعات ممن يصفهم بأنهم مجاهدون باكستانيون الى بورما. ورغم أنني بحثت في الشبكة العنكبوتية عن مزيد من المعلومات إلا أنني لم أجد تفاصيل تكفي لإصدار حكم على فيديو مجهول المصدر ومكان التصوير غير معروف. يذكرني ذلك بفيديو اقتحام عصابات مرتزقة الناتو في ليبيا باب العزيزية في طرابلس وهو فيديو تم تصويره في قطر بإشراف خبراء ممن يعملون في قناة الجزيرة.
الولايات المتحدة لن ترتاح حتى تحكم قبضتها على العالم وعلى مصادر الطاقة فيه وبالتالي تسيطر على الاقتصاد العالمي وتتحكم في السياسة العالمية. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يمارس صلاحياته من خلال تويتر مستاء من الصين حيث يتهمها بالتلاعب بسعر صرف عملتها(اليوان) من أجل منح أفضلية للصادرات الصينية. دونالد ترامب أعلن فرض تعريفات جمركية على ما قيمته عشرات المليارات من الصادرات الصينية الى الولايات المتحدة. الاتحاد الأوروبي من جانبه يفرض رسوما حمائية على استيراد بعض السلع والبضائع من الخارج خصوصا من الصين، بضائع مستوردة مثل الملابس أو الدراجات الهوائية قد تتعرض الى ما نسبته 20% رسوم جمركية بهدف حماية المصنعين المحليين.
في لقاء مع جاك ما مؤسس موقع علي بابا، أكبر موقع للتجارة الإلكترونية في الصين والعالم، أجاب على سؤال حول الاتهامات الأمريكية للصين بأنها تسرق الوظائف من سوق العمل الأمريكي وأنها تتلاعب بقيمة عملتها، بأن الولايات المتحدة تصرف تريليونات الدولارات في الحروب والتدخل في شؤون الدول الأخرى بدلا من أن تصرفها إصلاح البنية التحتية المتهالكة في مدنها المختلفة. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يمارسان بلطجة اقتصادية وسياسية في أفريقيا وآسيا والوطن العربي وذلك باسم العولمة والتجارة الحرَّة. ولم يسلم من الرعونة الأمريكية حتى جيران الولايات المتحدة في المكسيك وكندا. الولايات المتحدة تلاعب بسعر صرف الدولار الأمريكي عبر طباعة كميات ضخمة منه عبر التيسير الكمي (Quantitative Easing-QE) بدون أي تغطية حقيقية وبدون أي رقابة دولية من جهة مستقلة وحيادية. الولايات المتحدة تسرق العالم وتتهم الآخرين بأنهم لصوص وقطاع طرق.
الولايات المتحدة تفرض رسوما جمركية على استيراد المحاصيل الزراعية وتقدِّمُ الدعم للمزارعين المحليين والشركات الزراعية ولكنها في الوقت نفسه تقوم بتوقيع اتفاقيات للتجارة الحرَّة مع دول أخرى تمنعها من تقديم أي دعم لمزارعيها مما يجعلهم غير قادرين على المنافسة مع المنتجات الأمريكية المستوردة الى بلدانهم. تلك المعايير المزدوجة يتم التعامل بها مع الصين حيث يذكرني ذلك بإجبار الصين على استيراد الأفيون ودفع ثمنه ذهبا وفضة. الزمن اختلف والبضاعة التي ترغب الولايات المتحدة في إجبار الصين على شرائها ليس الأفيون ولكن يبقى المبدأ هو نفسه. وكما يقول المثل بأنَّ شر البلية ما يضحك، فإن الولايات المتحدة خلال فترة حكم الرئيس السابق بيل كلينتون قد تدخَّلت لصالح الصين من أجل الانضمام الى منظمة التجارة العالمية ودخولها رسميا في منظومة العولمة واتفاقيات التجارة الحرَّة.
إن إعلان الجهاد في بورما ليس إلا ندفة الثلج التي سوف تكون السبب في انهيار ثلجي سوف يدمِّرُ كل ما أمامه على طريقة الربيع العربي المشؤوم إن لم يتم تدارك الموقف. مقاتلون أشباح يعملون بإشراف شركات أمنية أجنبية ومصورون محترفون يلتقطون بعض الصور والفيديوهات الدعائية يتبع ذلك حملة إعلامية احترافية على مستوى عالمي ثم دعوات للتدخل الدولي وربما فرض عقوبات اقتصادية. الصين سوف تتدخل في بورما منعا للنظام من الانهيار وحماية لمصالحها الاقتصادية مما سوف يعرِّضها لحملة دعائية بأنها تدعم النظام البورمي الذي يقتل المسلمين ويدفنهم أحياء أو يحرقهم ومن ثم تبدأ دعوات للجهاد ضد الصين. تلك الدعوات سوف تلقى لها أذانا صاغية خصوصا أنه هناك عددا لا بأس به من المسلمين الصينيين من أصول تركية من قومية الإيغور ولائهم ليس لوطنهم الأم في الصين بل تركيا.
إن إعلان الجهاد في بورما سبقته حملة دعائية مكثفة لعدة سنين على طريقة الربيع العربي حيث تزييف الحقائق وفبركة الصور وتصوير فيديوهات ومظاهرات مدفوعة مسبقا. صور مثل جثث ضحايا أحد الزلازل في الصين تتحول بقدرة قادر الى جثث المدنيين الأبرياء الذي قتلتهم القوات البورمية أو جثة صحفي في بلد آسيوي قد يكون الصين أو حتى بورما انتحر بإحراق نفسه على طريقة البوعزيزي في تونس، يتم إلقاء التهمة على قوات الأمن البورمية التي أحرقته بسبب معارضته للحكومة وفضح جرائمها. كله كلام كذب في كذب ليس له أي قيمة. حتى أن موقف زعيمة المعارضة البورمية السابقة(...) التي أصبحت رئيسة للوزراء غير واضح. كما أن موقف الدالاي لاما، الزعيم الروحي للبوذيين، من أحداث بورما هو أيضا غير واضح. البوذيون الذين يحرمون قتل حتى الحشرات، يقومون بكل تلك الأعمال العدوانية والوحشية. يذكرني ذلك بأحداث العنف الطائفية في العراق في مدينة سامراء سنة 2006 حيث تم تفجير مراقد شيعية مقدسة مما أعقبه أعمال عنف طائفية راح ضحيتها المئات من المواطنين العراقيين الأبرياء. فتنة طائفية وعرقية في بورما أشعلتها أصابع أمريكية بمساعدة راهب بوذي أحمق يتبعه عدد من أشياعه الحمقى الذين غسل دماغهم بدعايته المضَلِّلة، تماما مثل ما يقوم المشايخ والمطاوعة في الوطن العربي يغسلون دماغ شباب المسلمين وإقناعهم بالجهاد فيما يسمى البقع الساخنة مع إبقاء عيونهم بالطبع على بيت المقدس.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Tuesday, September 17, 2019

الذهب الأسود...النفط مقابل الدم

إن الحرب العراقية-الإيرانية(1980-1988) هي أحد أكثر فصول الصراع في المنطقة دموية حيث لعبت مصالح الشركات النفطية دورا مهما في كونها العامل المحرك لذلك الصراع والدافع الرئيسي له. بتاريخ سبتمبر 1980 قام الجيش العراقي بالهجوم على مواقع القوات الإيرانية في الحدود المشتركة بين البلدين وكذلك قصف المدن الرئيسية الإيرانية. الذريعة التي كانت السبب في ذلك الهجوم هو إعتداء القوات الإيرانية بالقصف المدفعي على مواقع حدودية عراقية, وهي تهمة لم تثبت ولم يتم تقديم أي دليل مقنع عليها. وحتى لو تم التثبت من تلك المزاعم بأن القوات الإيرانية هي التي بدأت بالهجوم على مواقع القوات العراقية وقصفت مدنا حدودية عراقية, فذالك يطرح سؤالا مهما حول مصلحة النظام الإيراني الممثل بالثورة الإسلامية الإيرانية في أن تشعل حربا بينه وبين جارته القوية. وفي الحقيقة وسوف يكشف التاريخ أن جميع تلك المزاعم خالية من الصحة حيث لم تكن بداية تلك الحرب إلا عبارة عن بروباغندا إعلامية, ولكن ربما علينا أن ننتظر 50 عاما حتى يتم الإفراج عن بعض الوثائق الأمريكية والبريطانية بموجب قانون رفع السرية عن المعلومات لعل وعسى نتعلم من دروس التاريخ ولو بعد حين.
الخسائر البشرية كانت مرتفعة لطرفي النزاع, أكثر من 1.5 مليون سقطوا بين قتيل أو جريح أو مفقود بينما تشرَّدَ الملايين وخسروا منازلهم وتحولوا الى لاجئين داخل أوطانهم خصوصا في المناطق الحدودية. الخسائر العراقية بلغت 375 ألف جندي قتلوا خلال فترة النواع و60 ألف تم أسرهم. الخسائر الإيرانية بلغت أكثر من مليون بين قتيل وجريح ومفقود. كما تم أسر آلاف الجنود الإيرانيين. الخسائر الاقتصادية بلغت أكثر من تريليون دولار من المعدات العسكرية والخسائر الاقتصادية حيث تدمرت مناطق كاملة في كلا البلدين وأصبحت غير صالحة للعيش بسبب عمليات القصف المتبادل والغارات الجوية. الولايات المتحدة سلَّحت طرفي الصراع حيث لعب مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر دور العرَّاب. الرئيس الأمريكي رونالد ريغان ونائبه جورج بوش الأب كانا يعقدان إجتماعات سرية مع طرفي النزاع منذ سنة 1980 على الرغم من أن الموقف المعلن للولايات المتحدة كان الحياد. هنري كيسنجر إستخدم برنامج المساعدات الغذائية الحكومية المقدمة الى للعراق غطاء لتمرير ما مقداره 5 مليارات دولار من الأسلحة حيث إستخدم بنك (BNL), بنك حكومي إيطالي له فرع في مدينة أتلانتا التي تعتبر عاصمة ولاية جورجيا الأمريكية لتمرير تمويل الصفقة دون إثارة اي شبهات. هنري كيسنجر والذي لم يكن يشغل منصبا رسميا خلال تلك الفترة رغم نفوذه الواسع, كان عضوا في مجلس إدارة بنك (BNL).
ولكن التورط الأمريكي في الصراع العراقي-الإيراني لم يقتصر على تزويد الطرفين بالأسلحة والمعلومات الإستخبارية بل تعداه الى ماهو أبعد من ذلك. عضو الكونجرس الأمريكي لي هاملتون ترأس سنة 1992 لجنة من الكونجرس مهمتها التحقيق في بعض الجوانب الخفية لأزمة الرهائن الأمريكيين التي أعقبت إقتحام السفارة الأمريكية في طهران. لي هاملتون أرسل طلبا رسميا للإتحاد السوفياتي سنة 1993 للإستفسار عن معلومات حول تورط المرشح الجمهوري رونالد ريغان ونائبه جورج بوش الأب ومجموعة أخرى من المسؤولين الأمريكيين في مفاوضات سرية مع جهات إيرانية لتأجيل إطلاق سراح الرهائن حتى إنتهاء الإنتخابات الرئاسية الأمريكية وذلك لمنع إعادة إنتخاب الرئيس جيمي كارتر الذي كانت آمال مستشاريه معلَّقة على نجاحه في إطلاق سراح الرهائن لضمان إعادة إنتخابه. المذِّكرة الروسية أكدت المعلومات التي في حوزة لجنة التحقيق الأمريكية وأن مسؤولين أمريكيين على صلة مع الرئيس جورج بوش الأب وهنري كيسنجر نجحوا في تأمين إستضافة الشاه محمد رضا بهلوي في الولايات المتحدة للعلاج رغم أن التقارير أكدّت ردة الفعل الإيرانية العنيفة على ذلك قد تصل الى إحتلال السفارة الأمريكية في طهران وتهديد المصالح الأمريكية في المنطقة. الهدف هو البحث عن ذريعة تبرِّر مصادرة أرصدة الحكومة الإيرانية في البنوك الأمريكية لصالح تلك ديون مترتبة على إيران تعود الى فترة حكم النظام السابق للشاه.
عرّاب تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن, زيغينو بريجنسكي, مستشار الأمن القومي خلال فترة حكم الرئيس جيمي كارتر هو من تولى مهمة العلاقات مع العراق في فترة الشهور الباقية من رئاسة الأخير. وجهة نظر بريجنسكي كانت دعم العراق ومحاولة استمالته للجانب الأمريكي وتشجيعه للانفصال عن الاتحاد السوفياتي خصوصا أن علاقة الحكومة العراقية مع الحزب الشيوعي العراقي لم تكن على مايرام في يوم من الأيام. الإدارة الأمريكية نجحت في  طمئنة الرئيس العراقي بأن هجومه على إيران سوف لم يواجه إعتراضا من الولايات المتحدة, نفس الأمر الذي تكرَّرَ سنة 1990 حين غزا العراق دولة الكويت. مع مقارنة 1980, بداية إجتياح القوات العراقية للأراضي الإيرانية, و1990, إجتياح الجيش العراق للكويت, فإن ازدواجية الموقف الأمريكي واضحة ولا يمكن إنكارها. حيث أنه سنة 1980, لم يكن هناك بيانات إدانة ودعوة لفرض حظر سلاح والتهديد بإستخدام القوة لوقف أعمال الحرب العراقية ضد إيران. وزير الخارجية الأمريكي الذي تسَّلمَ مهامه سنة 1981, وفي أولى جولاته الخارجية الى السعودية ومصر, ذكر أن السعودية ومصر كانتا تتعاونان مع العراق وتزودانه بمعلومات عن إيران وتحركات القوات الإيرانية. كما ذكر في تقريره عن الزيارة أن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أرسل رسالة للرئيس العراقي عبر وسيط من خلال الملك فهد, ملك المملكة العربية السعودية, أنه يمنح العراق الضوء الأخضر لبدء الحرب ضد إيران.
الولايات المتحدة هي أشبه مايكون بعصابة المافيا حيث يتحد فيها الجميع من أجل تحقيق مصالح فئوية محدَّدّة. في تلك الدولة, عليك التخلي عن كل شيء بكل مايحمله ذلك من معنى. عليك التخلي عن أخلاقك, أهلك, دينك,ربِّكَ وأمور أخرى. في سبيل السيطرة على منابع الطاقة العالمية, قتلت الولايات المتحدة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عشرات الملايين من البشر, مدنيين مسالمين أبرياء, أطفال ونساء وشباب ذهبوا ضحية حروب النفط الدموية حيث رفعت الولايات المتحدة شعار "النفط مقابل الدم."



مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

النفط...ثم النفط...ثم النفط...ثم لاشيء

إن جذور الحرب العراقية-الإيرانية تعود الى سنة 1975, تاريخ توقيع إتفاقية بين العراق وإيران في الجزائر لها علاقة بتقاسم الحدود في منطقة شط العرب الحيوية للبلدين حيث اضطر العراق الى توقيعها على الرغم من أنها غير عادلة من وجهة نظره وذلك للتفرع لمسألة تمرد الأكراد الذي كانت تلعب فيه أصابع دول أجنبية. إن أحد أهداف الحرب, على الأقل ما تسرب من الجانب العراقي هو تحطيم تلك الإتفاقية. إن طرفي النزاع قاموا بالهجوم على على المنشآت والمرافق النفطية على الجانب الأخر من الحدود حيث استولت القوات العراقية على مدن حدودية مهمة كمدينة عابدان وخرمشهر(المحمرة) حيث تقع منشآت نفطية رئيسية, العصب الاقتصادي الحيوي لكلا البلدين. إن الولايات المتحدة وشركات روكفيلر النفطية المعروفة بالأخوات السبعة وشركات مثل رويال شل دتش الهولندية و بي بي(BP) البريطانية كانت من أكبر المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط حيث تتناقص الإمدادات بسبب الحرب و شركات السلاح الأمريكية التي قام ببيع الأسلحة لكل من طرفي النزاع ووزارة الدفاع الأمريكية التي تمكنت من التخلص من مخزون الأسلحة الزائد عن الحاجة منذ أيام حرب فيتنام. ولكن الولايات المتحدة لم تكفي ببيع السلاح للعراق وإيران, بل زودَّت كلاً من البلدين بمعلومات إستخبارية عن تحركات قوات الطرف الآخر وتموضعها في محاولة لإستنزاف العراق وإيران في تلك الحرب العبثية.
وبحلول سنة 1983 انخفضت صادرات العراق النفطية إلى 700 ألف برميل يوميا كما تضررت أكبر منشآت تصدير النفط الإيرانية في جزيرة الخرج على الجانب الشمالي من شط العرب والتي كانت قادرة على تصدر 7 ملايين برميل يوميا بسبب 8 سنين من الحرب بين البلدين وآلاف من غارات سلاح الجو العراقي.ومنذ بداية سنة 1984, فقد إتخذت الحرب منحى خطيرا بهجوم عراقي هو الأول من نوعه على ناقلة نفط يونانية جنوب جزيرة الخرج حيث تقع أحد أكبر منشآت تصدير النفط الإيرانية. القوات المسلحة الإيرانية ردت على الهجمات العراقية بقصف ناقلة بضائع هندية وناقلات نفط كويتية وسعودية. إن حرب الناقلات قد أدت إلى تناقص صادرات النفط الإيرانية إلى النفط تقريبا بالإضافة إلى أثارها على حركة الشحن العالمية عبر تلك المنطقة الحيوية التي انخفضت بنسبة 25% وإرتفاع قيمة التأمين على ناقلات النفط وسفن شحن البضائع.
إن أسعار النفط قد ارتفعت بسبب الحرب العراقية-الإيرانية حتى لامست سقف 30 دولارا للبرميل بزيادة تقدر 300% من سعرها قبل بداية الحرب. كما إختفى أي حديث عن تخمة نفطية قدرت سنة 1980 في الفترة التي سبقت بداية الحرب بثلاثة ملايين برميل يوميا من فائض الإنتاج. أصابع الإتهام وجِّهت للولايات المتحدة في إشعال فتيل الحرب لأنها هي المستفيد الأكير منها. السؤال حول من بدأ الحرب يبقى بدون إجابة واضحة حتى يومنا هذا. ولكن المستفيدين من الحرب كانوا معروفين وهم شركات النفط التي تتبع اسرة روكفلر(الأخوات السبعة) وتجار السلاح وبنوك وول ستريت وحي المال والبورصة في لندن(سكوير مايلز) الذي أصيبوا بالتخمة المالية بسبب ارتفاع سعر النفط وإيداع عائداته في بنوكهم مما جعلهم قادرين على الإستمرار بمنح القروض بفوائد مرتفعة لدول العالم الثالث وأمريكا اللاتينية وجني أرباح هائلة. إن بنوك وول ستريت وسكوير مايلز كانت من أكبر المستفيدين بعد فترة من الكساد الاقتصادي وضعف السيولة بسبب سياسات محافظ بنك الإحتياطي الفدرالي بول فولكر الذي أبقى أسعار الفائدة مرتفعة مما أدى الى اسوأ أزمة كساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حيث لم تبدأ الأزمة بلملمة ذيولها والرحيل إلا عندما اندلعت الحرب العراقية-الإيرانية وبدأ إستهداف ناقلات النفط والسفن التجارية التي تمر في المنطقة. المملكة العربية السعودية قد منحت العراق مامقداره مليار دولار شهريا خلال الفترة بين 1980 وحتى ربيع سنة 1982 على الأقل. العراق أنفق مامقداره 200 مليار دولار على الأسلحة خلال فترة الحرب التي امتدت 8 سنين وإنتهت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 598.
وكما كانت الحكومات الأمريكية المتعاقبة قادرة على التلاعب بأسعار النفط صعودا, فإنها كانت قادرة أيضا على تلاعب بها هبوطا. سنة 1985, عقد وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز اجتماعا ضم عددا من المسؤولين الحكوميين بهدف البحث في طلب مساعدة المملكة العربية السعودية من أجل إحداث صدمة نفطية معاكسة, تخفيض أسعار النفط عبر زيادة الإنتاج على الرغم من التخمة في الإنتاج التي كانت تمر بها أسواق النفط. إن ذلك كان يهدف الى تحقيق هدفين: الهدف الأول هو التأثير الموارد المالية للإتحاد السوفياتي والذي كان يعتبر ثاني أكبر منتج للنفط بعد المملكة العربية السعودية, الهدف الثاني كان إخراج الإقتصاد الأمريكي من حالة الكساد ولو مؤقتا تمهيدا لحملة ترشيح نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب للإنتخابات الرئاسية سنة 1988. الملك فهد بن عبد العزيز زار الولايات المتحدة بتاريخ 11/فبراير/1985 بهدف لقاء الرئيس ريغان لبحث العلاقات الأمريكية-السعودية في مجال الطاقة والإقتصاد. وزير النفط السعودي زكي اليماني التقى على هامش الزيارة نائب الرئيس جورج بوش الأب, وزير الخزانة جيمس بيكر ووزير الطاقة جون هارينغتون حيث تم التأكيد أثناء ذلك اللقاء على أن السوق هي من يحدد سعر النفط وليس منظمة الأوبك. جورج شولتز كان صديقا مقربا من رجل الأعمال ديفيد روكفلر حيث كان يشغل منصب وزير الخزانة في السابق وكان له دور مهم في إقناع الرئيس السابق ريتشارد نيكسون سنة 1971  إلغاء العمل بإتفاقية بريتون وودز والتخلي عن المعيار الذهبي مما ساهم في إرتفاع أسعار النفط وصولا الى 400% سنة 1974.
يخطئ من يتعاطى مع الولايات المتحدة على أن تغيير الرؤساء يعني تغيير رئيسي في السياسة الأمريكية خصوصا في منطقة الشرق الأوسط. الولايات المتحدة ليست عبارة عن انتخابات يتنافس خلالها مرشحان يمثل كل منهما حزبا من الحزبين, الديمقراطي أو الجمهوري, حيث تنتهي بفوز أحدهما ويحق للفائز أن يعيد ترشيح بعد أربعة سنوات بحد أقصى فترتين رئاسيتين, 8 سنوات. الولايات المتحدة عبارة عن منظومة متكاملة يمثل الرئيس الأمريكي واجهتها الأمامية أمام الرأي العام المحلي والدولي, ولكن من وراء ستار, بنوك وول ستريت ولوبيات الضغط والشركات العابرة للقارات والمتعددة الجنسيات هي من يتحكم بسياسة الولايات المتحدة الداخلية والخارجية على حد سواء. إن تلك الشركات لايهمها إلا مصالحها وتحقيق الأرباح لو سفك في سبيل ذلك أرواح ملايين البشر. على رأس الهرم في تلك المنظومة هي شركات النفط حيث يعتبر النفط عصب الحياة الاقتصادية والأساس الذي بنيت عليه حركة التجارة العالمية. النفط هو الذي جعل ظواهر مثل الرأسمالية والعولمة قابلة لأن تصبح أمرا واقعا. حكومة الولايات المتحدة سخَّرت كامل إمكانياتها في سبيل التحكم والسيطرة بالمصدر الأولى للطاقة في العالم, دبَّرت الإنقلابات العسكرية وشنت الحروب وإغتالت رؤساء دول في سبيل ذلك. شركات النفط لم تكن ببعيدة عن كل ذلك, المهم هو النفط...ثم النفط...ثم النفط ثم لاشيء.


مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Thursday, September 12, 2019

إقتصاد النُدرَة وخرافة المالثوسية المعاصرة

إن اقتصاد العالم قائم بأكمله على مفهوم النُدرَة, إمتلاك البشر لحاجات ورغبات غير محدودة في عالم محدود الموارد. ولكن أنصار مفهوم النُدرَة يلقون معارضة شديدة ترى أن تعميم ذلك المفهوم ليس إلا أحد الوسائل المستخدمة في سبيل زيادة أرباح الشركات العابرة للقارات وكبار بنوك وول ستريت والمؤسسات المالية الدولية التي تتحكم بأسعار المواد والسلع وتتلاعب بها خدمة لمصالحها. هناك أمثلة عديدة من الممكن الاستعانة بها دليلا على صحة الانتقادات الموجهة لمفهوم النُدرَة مثل إرتفاع ثمن الألماس وأنه لا يمكن التوسع في إنتاج الذهب بما يساوي حجم حركة التجارة العالمية سنويا وأن النفط هو مورد أساسي وحيوي ولكنه قابل للنفاذ في يوم من الأيام. كل ذلك عبارة عن أكاذيب يتم الترويج لها في وسائل الإعلام المختلفة بإحترافية عالية وبإستخدام خبراء في مجال التسويق والدعاية وعلم النفس. في موضوع منفصل, سوف أتحدث عن عمليات التضليل الإعلامي التي تستخدم مبدأ الندرة بالتفصيل ولكن سوف أتوقف هنا حتى لا أخرج عن سياق الموضوع.
توماس روبرت مالتوس (14 فبراير 1766 - 23 ديسمبر 1834) هو عالم إقتصاد وسياسي إنجليزي ولد في أسرة مثقفة من ملاك الأراضي وتخصص في الرياضيات بالإضافة الى عدة علوم أخرى. إشتهر توماس مالتوس بنظريته حول السكان حيث قام بتأليف عدد من الكتب لعل أشهرها "مقالة حول مبدأ السكان" شرح فيها نظريته التي ملخصها أن الإنتاج الزراعي الذي يتزايد وفق متوالية عددية لا يمكنه مواكبة عدد السكان الذي يتزايد وفق متوالية هندسية مما يؤدي الى انتشار البؤس والفقر والمجاعات والأوبئة. ولكن الإقتصادي والمصلح الإجتماعي الإنجليزي مايكل توماس سادلر ذكر في مجلد ضخم من جزأين بعنوان "قانون السكان" قام بتأليفه سنة 1803 أن مالتوس سرف نظرية السكان من الطبيب الإنجليزي جوزيف تونسد(4 نوفمبر 1739 – 9 أبريل 1816) وأن هناك تشابها في الأفكار حول نظرية السكان بين توماس مالتوس والخبير الإقتصادي الفرنسي ريتشارد كانتيلون والإقتصادي الإنجليزي جون ستيوارت. فقد ألَّف جون ستيوارت كتابه "بحث في طبيعة التجارة بصفة عامة" سنة 1755 خصَّصَ قسما منه للحديث حول المسألة السكانية. أما جون ستيوارت فقد تحدَّثَ في كتابه "مبادئ الإقتصاد السياسي(1767) عن المسألة السكانية ووصل في تحليله لها الى النواه الأساسية لنظرية مالتوس.
وقد تعرَّضَت نظرية مالتوس الى إنتقادات عنيفة لانها وكما بين المعترضون قد بنيت على إفتراضات خاطئة وإستمدت بنيتها الأساسية من عوامل فكرية لا أخلاقية ولا إنسانية. وقد كان عالم الأحياء الإنجليزي تشارلز داروين من المعجبين بنظرية مالتوس حول السكان لأنها كانت تدعم وجهة نظره حول النشوء والارتقاء التي عبر عنها في عدد من مؤلفاته منها "أصل الأنواع" وكتاب "نشوء الإنسان والانتقاء الجنسي." ولكن في سبيل الرد على نظرية مالتوس. أرى أنه من المناسب أن نستحضر عالم الإجتماع الشهير إبن خلدون وكتابه الرائع "المقدمة" حيث عرض وجهة نظره الخاصة حول المسألة السكانية والتي مازالت تصلح للرد على مالثوس وأنصار المالتوسية المعاصرة. وقد كان إبن خلدون يرى أن سكان المدن كثيرة السكان أعلى رفاهية من سكان المدن الأقل سكانا لأن النمو السكاني يخلق الحاجة الى التخصص في الوظائف(تقسيم العمل) مما يؤدي الى مزيد من التحسن في أحوال السكان الإقتصادية. ويرى ابن خلدون أن زيادة عدد السكان تؤدي الى زيادة الأيدي العاملة وزيادة التخصص في الوظائف وبالتالي زيادة الإنتاج والبضائع المعروضة في الأسواق وزيادة رفاهية السكان. ولذلك فإن المدن قليلة السكان يقل عدد البضائع المعروضة في أسواقها وترتفع فيها الأسعار لانخفاض الإنتاج. إن نظرية ابن خلدون حول السكان والنمو السكاني التي عبَّرَ عنها في كتابه "المقدمة" وتعتبر سابقة لزمنها ولكنها مازالت صالحة في زمننا الحالي للرد على مالتوس وأنصاره المعاصرين.
إن أجندات الأمم المتحدة المتعلقة بالحد من النسل وتحديد عدد السكان تحمل أهدافا مزدوجة لا تخفى على أي عاقل. تلك الأجندات يتم استخدامها لأهداف سياسية ضد دول مثل الصين أو الهند أو باكستان أو دول عربية مثل المملكة العربية السعودية. ولكن دولا أخرى تعاني من تناقص حاد في معدل الولادات بما يهددها وحضارتها بالإنقراض, دول مثل اليونان, وإيطاليا وإسبانيا لا تزيد نسبة الولادات عن 1.3%. الدول الإسكندنافية تعاني من تناقص حاد في عدد المواليد حاولت التعويض عنه بتشجيع الهجرة إليها من دول ذات كثافة سكانية خصوصا دول عربية مثل العراق وفلسطين. لايمكن تحقيق أجندات تقليص سكان العالم لأنها تفتقد الى المنطق والعقلانية في تبرير الأسباب التي تدفع القائمين عليها الى تبنيها. هل تذكرون ذلك النصب الحجري الغامض في ولاية جورجيا الأمريكية الذي يتحدث عن تقليص عدد سكان العالم الى 500 مليون, ذلك جنون ولايمكن تحقيقه. إقتصاد العالم في تلك الحالة سوف ينهار ولن يجد أولئك الأثرياء النخبة ممن سوف يبقون على قيد الحياة عددا كافيا من الأشخاص ليقوموا بشراء منتجاتهم وسوف تصبح التكنولوجيا بدون أي معنى لأنها سوف تفتقد الى الأسواق وهو شرط من شروط تحقيق الرأسمالية. هل يخطط الحمقى المسؤولين عن نصب جورجيا الغامض الى تقليص عدد سكان العالم الى 500 مليون ملياردير؟ 
إن مشكلة الكثافة السكانية ليست إلا شماعة يعلِّق المسؤولون الحكوميون عليها فشلهم وفشل سياساتهم الإقتصادية. إن سوء توزيع الموارد الإقتصادية خصوصا توزيع الأراضي الزراعية والتعدي عليها بالبناء وسوء إستغلال المساحات المتبقية منها مسؤول عن حالات نقص الغذاء في عدد من البلدان العربية والآسيوية ذات الكثافة السكانية المرتفعة. مخرجات الأنظمة التعليمية الفاشلة في الوطن العربي مسؤولة عن كوارث تحتاج الى مجلدات لشرح تفاصيلها. هناك إهمال في الوطن العربي للعلوم الاجتماعية مثل علم الاقتصاد والاجتماع وعلم النفس, الجميع يريد أن يصبح مهندسين وأطباء. كما أن سوء استغلال موارد الكرة الأرضية مسؤول عن انتشار الفقر والمجاعة واللامساواة حيث تلقى آلاف الأطنان من الحبوب والمحاصيل الزراعية في البحر للمحافظة على سعر مرتفع في الأسواق العالمية بدلا من توزيعها على ملايين الجائعين خصوصا في أفريقيا. إن الجشع والأنانية هما سبب مشاكلنا وليس زيادة نسبة السكان والحل هو في توزيع عادل للموارد واستغلالها بأفضل الطرق بدلا من تقليص عدد سكان الكرة الأرضية.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Tuesday, September 10, 2019

مملكة الجبل الأصفر والنخيل والمَلِك المجهول

نادرة ناصيف التي أعلنت من مدينة أوديسا الأوكرانية قيام مملكة الجبل الأصفر ليست أول شخصية تقوم بذلك. فقد أعلن من قبل مواطن أمريكي من ولاية فيرجينيا يدعي جيرمي هيتون إنشاء مملكة شمال السودان في منطقة حدودية بين مصر والسودان تدعى بير طويل وتنصيب إبنته ملكة عليها. المنطقة تبلغ مساحتها حوالي 2000 كم/مربع. كما أن مواطنا هنديا يدعى سوياش ديكسيت أعلن تنصيب نفسه ملكا على المنطقة.
لم تعلن أي من مصر أو السودان تبعية تلك المنطقة اليها وذلك له علاقة بترسيم الحدود بين البلدين خصوصا منطقتي حلايب وشلاتين حيث أن الدولة التي سوف تعلن تبعية بير طويل إليها سوف تفقد أحقيتها في المنطقتين بموجب إتفاقية الحدود التي وقع عليها البلدان أثناء فترة الإحتلال البريطاني. 
 بير طويل(مملكة الجبل الأصفر) هي منطقة بدون أي موارد حدودية أو مقومات قيام دولة قادرة على إعانة ملايين السكان. نادرة ناصيف هي شخصية ذات أصول مجهولة ولايعرف عنها إلا أنها تحمل جواز سفر أمريكي وشهادة دكتوراه في علم الأحياء.  ويقال أنها من أصول سعودية أو لبنانية ولكن لا أحد يمكنه تأكيد ذلك. 
ولكن دكتورة نادرة ناصيف هي أحد مؤيدي رؤية 2030 في السعودية, صدفة محضة. يشاع على نطاق واسع أنها من أصول سعودية, صدفة أخرى. علم مملكة الجبل الأخضر يحمل رمز النخلة, صدفة. شعار وزارة داخلية الجبل الأخضر يحمل رمز النخلة و شعار وزارة الداخلية السعودية يحمل رمزا مماثلا, صدف. نادرة ناصيف أعلنت أنها مملكة وأن لها ملك ولكنها لم تذكر اسمه, صدفة. كما أنها أعلنت عن المملكة الوليدة بعد إجتماع في مدينة أوديسا الأوكرانية حضرة ملك مملكة الجبل الأصفر وأعضاء مجلس الوزراء بدون أن تذكر إسمها واحدا أو إسم ملك المملكة الوليدة.
هل لمملكة الجبل الأصفر علاقة بالسعودية أو الترويج لصفقة القرن؟
قد يكون للملكة العربية السعودية علاقة أو قد لايكون. أو قد تكون القضية فرقعة إعلامية قطرية للإسائة الى سمعة السعودية. وقد تكون تلك المسألة لها علاقة بخطوات تتخذها دولة الإحتلال الصهيوني لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر ترحيلهم الى تلك البقعة القاحلة من الأرض.
ولكن قبل توجيه أي إتهام, دعونا نعود بالذاكرة الى تصريحات الجنرال أنور عشقي والذي كان يشغل مناصب أمنية رفيعة في المملكة العربية السعودية وحاليا يشغل منصب رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية. كما أنه يتم الترويج أن أنور عشقي ينتمي الى نسل الحسين إبن علي إبن أبي طالب رضي الله عنهما وذلك بهدف منح شرعية دينية للتغطية على تحركاته المشبوهة.  أنور عشقي زار دولة الكيان الصهيوني قبل ذلك وإلتقى مسؤولين صهاينة خلال زيارته وإلتقى عددا منهم خلال مؤتمرات خارجية مختلفة وتصريحاته مؤيدة للكيان الصهيوني وتصفية القضية الفلسطينية وتقسيم اليمن. كما أنه طالب قي أحد المؤتمرات بإنشاء دولة كردستان الكبرى وذلك عبر اقتطاع أراضي من العراق وتركيا وإيران. 
وفي الختام فإن الهدف من إعلان مملكة الجبل الأصفر وعلاقة ذلك بصفقة القرن وتصريحات الجنرال أنور عشقي وتحركاته المشبوهة هو أمر سوف تكشفه لما الأيام.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية