Flag Counter

Flag Counter

Thursday, November 10, 2022

من هو المسؤول عن الحرب العالمية الثانية وأحداثها الدموية؟

كشفت الوثائق التاريخية التي تعود الى فترة الحرب العالمية الثانية أن هتلر لم يكن إلا واجهة سعت الدول الغربية من خلالها الى إشعال فتيل الحرب التي كان هدفها الرئيسي دفع هتلر الى شنِّ عدوان عسكري ضد الإتحاد السوفياتي والقضاء على الشيوعية. الحرب بالوكالة هو ما كانت تهدف إليه الدول الغربية, الهجوم على الإتحاد السوفياتي من خلال طرف ثالث قوي وبذلك يتم استنزاف الطرفين الأقوياء ويضعف تهديدهم للهيمنة الأنجلو-ساكسونية على العالم.

بنوك وول ستريت, بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا مولوا الحركة النازية لأنهم وجدوا في أدولف هتلر ضالتهم الأيدولوجية المعارضة للشيوعية التي كانوا يبحثون عنها, شخص ما ليس لديه شكلة في إغراق أوروبا والعالم في حمام دم. وقد كان ضباط المخابرات البريطانيون والأمريكيون يلتقون هتلر منذ الفترة التي سبقت انقلاب البيرهول الفاشل سنة ١٩٢٣م والذي دخل على أثر ذلك السجن وقام بتأليف كتاب كفاحي.

وعند هذه النقطة, علينا أن نقرأ ونفهم تسلسل الأحداث بطريقة منطقية وعقلانية. المرابون العالميون أو المصرفيون في وول ستريت نيويورك مولوا الحركة الشيوعية وخطة ستالين الاقتصادية الخمسية الأولى. وفي الوقت نفسه قدموا الى هتلر التمويل ونقلوا اليه كل تكنولوجيا غربية ممكنة خصوصا في مجال صناعة الأسلحة. وقد كان على رأس الشركات الأمريكية ورجال الأعمال الذين تعاونوا مع الإتحاد السوفياتي الشيوعي وفي الوقت نفسه مع ألمانيا النازية هنري فورد, جي بي مورغان و ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا.

إن صمت الدول الغربية عن كثير من الأمور والأحداث في ألمانيا النازية هو أمر مثير للتساؤل. ففي الوقت نفسه الذي كشَّرَ هتلر عن أنيابه وبدأ في القضاء على المعارضة السياسية, لم يسمع أحد أي أصوات احتجاجية في الدول الغربية. إنَّ أول مابدأ هتلر في القضاء عليهم هم الشيوعيون والذين كانوا من الصعوبة أن يحصلوا على أي تعاطف من الغرب ثم بدأ في ملاحقة الأحزاب التي توصف بالبرجوازية وقام بإفتتاح معسكرات الإعتقال سيئة السمعة.

ولكن لو افترضنا صمت الحلفاء عما قام به أدولف هتلر من أعمال دموية ضد خصومه السياسيين من الشيوعيين والأحزاب البرجوازية ذات الفكر الغربي بإعتبار ذلك أضراراً موازية, لم يفهم أحد الأسباب التي دفعت الدول الغربية الى الصمت عن التمييو العنصري الذي تعرَّضَ له اليهود في ألمانيا وإعتبارهم مواطنين درجة ثانية معاملتهم بطريقة تذكرنا بمعاملة السود في الولايات المتحدة مثل منعهم من الجلوس في أماكن البيض في الحافلات وحتى إستخدام مدخل مختلف في المطاعم وطاولات منفصلة عن الطاولات التي يجلس عليها ذوي البشرة البيضاء.

إن هتلر وفي الوقت نفسه الذي قام فيه بإفتتاح معسكرات الاعتقال التي أرسل إليها خصومه السياسيين من شيوعيون و برجوازيين ويهود, استضافت ألمانيا الألعاب الأولمبية سنة ١٩٣٦م, كما أنَّ هتلر كان أحد المرشحين للفوز بجائزة نوبل للسلام. ولكن كل من يقرأ ويتعمق في عالم السياسة الغربية وممارساتها القذرة والغير أخلاقية, عليه أن يضع ملحا على الجرح كما يقول المثل لأن ذلك ليس نهاية الحكاية. إنَّ إقامة الألعاب الأولمبية الصيفية ١٩٣٦م والتي أقيمت في العاصمة برلين والتي شاركت فيها الولايات المتحدة ودول أوروبية كأن هتلر نال اعترافا دوليا على الرغم من تمزيقه بنود معاهدة فرساي برفضه الإستمرار في دفع تعويضات الحرب وفرض قانون التجنيد العسكري الإجباري وإعادة بناء القوة العسكرية الألمانية.

ولأنه ليس بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي الشيوعي حدود مشتركة, فقد كان لابد من أن توجد تلك الحدود من أن أجل جعل عملية الحرب المباشرة بين الدولتين أمرا ممكنا. هتلر نجح في ضم النمسا في مارس/١٩٣٨ ثم منطقة السوديت في تشيكوسلوفاكيا أكتوبر/١٩٣٨ والتي كانت تسكنها غالبية سكانية من أصول ألمانية وذلك مقابل تعهد سرعان ما نقضه بعدم غزو دولة تشيكوسلوفاكيا ولكنه لاحقا قام بغزوها واحتلالها بكاملها. الدول الغربية لم تكتفي بالصمت عن أعمال هتلر العدائية ضد تشيكوسلوفاكيا ولكنهم ضغطوا على الحكومة هناك حتى تقبل بضم منطقة السوديت مقابل وعود سرعان ما نقضوها هم أيضا بتقديم الحماية ضد أي أعمال عدائية أخرى من المانيا ضِدَّهُم.

وقد كانت عملية تقسيم بولندا بين هتلر وستالين وفق بنود إتفاقية مولوتوف-ريبنتروب الخطوة الأخيرة التي جعلت قوات الفيرماخت(الجيش الألماني) تقف على حدود الاتحاد السوفياتي مباشرة. ولكن مرة أخرى فإن عالم السياسة الغربية القذر والذي يشبه صندوق باندورا, مازال يقدذِم لنا الكثير من المفاجآت. بولندا والتي كانت حليفة لألماتيا قدَّمت إنذارا الى الحكومة في دولة تشيكوسلوفاكيا من أجل ضم أراضي اليها وذلك بعد أن قامت الفوات الألمانية بغزو وضم منطقة السوديت. ولكن القوات الألمانية لاحقا غزت بولندا التي تقاسمت أراضيها مع الإتحاد السوفياتي ومن ثم قامت بغزو الإتحاد السوفييتي نفسه سنة ١٩٤١م حيث أطلق على العملية العسكرية بارباروسا.

إنَّ العلاقة بين هتلر والغرب لم يتم الكشف عن جميع خفاياها حيث مازالت هناك كثير من الوثائق التي لم ترفع السِّرية عنها والتي سوف تكون بالتأكيد صادمة للغاية. هتلر ارتكب خلال الحرب العالمية الثانية الكثير من الأخطاء أو كما يقول بعض المحللين تصرفات لم يجدوا لها تفسيرا مقبولا حتى الآن. كان هتلر يتصرف كأنه سيد أوروبا بدون أن يكون لديه حتى جيش للدفاع حيث حدَّدَت معاهدة فرساي عدد الجيش الألماني أن لا يزيد عن ١٠٠ الف جندي بدون طائرات أو أسطول حربي أو دبابات. حتى في عملية الاستيلاء على منطقة السوديت, كان ميزان القوى متعادلا أو حتى أنه يميل قليلا لمصلحة تشيكوسلوفاكيا

 فقد كان باستطاعته كسر العمود الفقري للقوات البريطانية والفرنسية في أوروبا في معركة ميناء دنكرك حيث حاصر هتلر قوات بريطانية وفرنسية تزيد عن ٤٠٠ ألف جندي ولم تحاول القوات الألمانية إقتحام الميناء أو إستخدام سلاح الجو بفاعلية ضد محاولات إخلاء القوات المحاصرة عن طريق البحر. كما أن هناك آراء ترى أنَّ هتلر لم يكن يسعى للحرب مع بريطانيا أو لم يسعى الى دخول الولايات المتحدة الحرب على الأقل حتى ينتهي من معركته في الشرق مع الإتحاد السوفياتي. كل ذلك عبارة عن أسئلة سوف تبقى الإجابة عليها غامضة حتى تظهر المزيد من الوثائق أو قد لا تظهر أبدا.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية



Wednesday, November 9, 2022

الديمقراطية لا تعني الخبز و الديكتاتورية لا تعني الموت جوعا

الديمقراطية لا تعني الخبز و الديكتاتورية لا تعني الموت جوعا, هل تريد الشعوب أن تشبع من الديمقراطية أم الخبز؟ هناك دول شمولية مثل الصين حقَّقَت نموا إقتصاديا ولكنه يبقى مشوها بسبب عيوب وإختلالات هيكلية سوف تجعل من سقوطه كارثيا بكل المقاييس. بينما هناك أنظمة ديمقراطية مثل الولايات المتحدة حقَّقَت نوا إقتصاديا ولكنها أيضا تعاني من إختلالات هيكلية أدَّت الى نتائج خطيرة للغاية تمثَّلَت في أزمات إقتصادية عالمية سنة ١٩٢٩ و ٢٠٠٨.

وانا استخدم المصطلحات مثل ديمقراطية و ديكتاتورية على وفق ما تناقلته وسائل الإعلام ولكن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة ليست دولة ديمقراطية ولا الصين سوف تتحول الى دولة ديمقراطية في القريب العاجل ولا الآجل. هناك وجهات نظر ترى أنه لايمكن الجمع بين الرأسمالية والديمقراطية وأنَّ التحول الديمقراطي في بلد ما لا يعني تحقيق الإزدهار والرخاء الإقتصادي.

هناك عدة تناقضات في أنظمة توصف بأنها ديمقراطية أو قد تجعل العملية الديمقراطية مشوَّهة الى درجة أنها سوف تؤدي الى نتائج عكس المتوقع منها. البنوك المركزية التي تمسك بنواصي الإقتصاد في أغلب دول العالم هي عبارة عن مؤسسات وكيانات غير منتخبة و تتبع جهات خاصة وليست مؤسسات حكومية وبالتالي فإنها قادرة على طباعة العملة وتمثِّلُ المصالح الخاصة ويمتلك أسهمها من يطلق الإعلام عليهم المرابين الدوليين أو لصوص العصر الحديث أو المصرفيين. هنا عدد قليل من الدول التي تتبع بنوكها المركزية الحكومة مثل سوريا, إيران وكوريا الشمالية وأعتقد ربما السودان وجميعها دول تخضع الى الحصار والعقوبات والتدخلات الأمريكية الدموية في شؤونها الداخلية.

الإتحاد الأوروبي هو نموذج يتم الترويج له إعلاميا بأنه ديمقراطي ولكن الكثير من هيئات ومراكز صنع القرار ومنها البنك المركزي الأوروبي غير منتخبة. هناك عدة أزمات تواجه الإتحاد الأوروبي منها أزمة اللاجئين وتوزيع الحصص على الدول الأوروبية. المانيا التي كانت الوجهة المفضلة للاجئين فرضت قانون البصمة حيث يقوم اللاجئ بتقديم طلب اللجوء في أول دولة تقوم بأخذ بصمته وبياناته الشخصية وذلك يعني زيادة الضغط على دول أوروبا الشرقية مثل بولندا التي رفضت الانصياع الى تلك القرارات التي تهدد أمنها وتوازنها الديمغرافي.

العملية الإنتخابية هي أحد مظاهر الديمقراطية ولكن هناك فرق يزداد اتساعا بين وعود السياسيين وتنفيذ تلك الوعود على أرض الواقع ورغبات الناخبين. كما أنَّ العملية الإنتخابية هي في حد ذاتها قد تؤدي الى نتيجة سلبية مثل النظام النازي و أدولف هتلر أو الى وصول فاشيين إسلاميين الى السلطة كما في تونس ومصر خلال الإنتخابات التي أعقبت أحداث الربيع العربي. العملية الإنتخابية تعطي الناخبين الحق في تغيير السياسيين الكاذبين بأخرين أكثر قدرة على الكذب وخداع الناخبين أو أكثر قدرة على تقديم المزيد من الوعود حتى أكون أكثر دقَّة في التعبير. 

ولكن هل تعني العملية الإنتخابية الديمقراطية تجاهل آمال وتطلعات وأحلام فئات من الناخبين؟ الإجابة هي نعم, العملية الإنتخابية تعني تجاهل تطلعات وأحلام وآمال الناخبين الذين يصوتون الى الجهة الخاطئة أو يقومون بإختيار إنتخابي غير مناسب. إذا فإنَّ جوهر العملية الإنتخابية هو إقصائي غير ديمقراطي. حركة حماس التي فازت في انتخابات عام ٢٠٠٦ في فلسطين سارعت إلى الإستيلاء على قطاع غزة حيث تتمتع بنفوذ قوي وشعبية جماهيرية وذلك من خلال القوة العسكرية وطردت منافسيها السياسيين من حركة فتح الذين ردوا ديمقراطيا على حركة حماس في الضفة الغربية حيث مناطق نفوذ حركة فتح وقبضوا على أعضاء من حركة حماس وأودعوهم في السجون. هتلر في ألمانيا وموسوليني في إيطاليا سارعوا بعد فوزهم في الإنتخابات الى قمع منافسيهم السياسيين ديمقراطيا وقبضوا على بعضهم في السجون أو قتلوا بعضهم الأخر. 

الديمقراطية الليبرالية والتي يعتبرها بعض المفكرين مثل فرانسيس يوكوهوما نهاية التاريخ وإعلان إنتصار الرأسمالية على الشيوعية ليست إلا شكلا أخر من أشكال الحكم الشمولي حيث تلغى القوميات وسيادة الدولة بفعل تأثير إتفاقيات التجارة الحرَّة ونفوذ الشركات المتعددة الجنسيات. فقد أصبح من الممكن في عصر العولمة أن تقوم الشركات العابرة للقارات بمقاضاة الحكومات في هيئات دولية هي نفسها عابرة للقارات ومدعومة بالقوة العسكرية والأساطيل الحربية الأمريكية والبريطانية والفرنسية.

هناك نماذج قليلة للغاية على دول حقَّقَت نموا إقتصاديا مترافقا مع عملية ديمقراطية يمكن أن توصف بأنها نزيهة وعلى قدر من تلبية معايير الشفافية. هناك دول مثل النرويج التي تفرض على شركات البترول ضرائب مرتفعة تصل الى 80% وتستثمر العائدات في صندوق ثروة سيادي هو الأكبر في العالم. فنلندا هي أحد الدول الإسكندنافية التي لا يحصل فيها السياسيون على دخل سنوي يزيد عن متوسط معدل الرواتب. ولكن الحكومة الفنلندية إتَّخذت وبدون تصويت شعبي القرار مؤخرا بأن تنضم الى تحالف الناتو على الرغم من أنها تعلم علم اليقين أن ذلك القرار لا يلقى القبول بين المواطنين والذي يرى بعض المحللين أن الهدف منه هو جر فنلندا الى دائرة الصراع الأمريكية-الروسية وتدمير نموذجها في الرفاه الإجتماعي الذي يعتبر مثالا تطمح الكثير من الدول الأخرى الى الإقتداء به.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Tuesday, November 8, 2022

الحرب العالمية الثانية و الهجوم الياباني على بيرل هاربر

كان الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر في ٧/ديسمبر/١٩٤١ نقطة تحول رئيسية في مسار الحرب العالمية الثانية نتيجة دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب الحلفاء بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى ضد ألمانيا النازية, اليابان وإيطاليا. ولكن ذلك الهجوم لم يكن إلا ذريعة استخدمتها الولايات المتحدة من أجل تهيئة الرأي العام الأمريكي الذي كان معارضا تَدَخُّلَ القوات الأمريكية في المعارك حيث لم تتعرض أراضي الولايات المتحدة الى اي تهديد مباشر من أحد أطراف النزاع.

ولكن على الرغم من ذلك فقد كانت هناك مجموعة من العوامل التي جعلت الإدارة الأمريكية على يقين بأن دخولها الحرب هو مجرد مسألة وقت. المصالح الأمريكية خصوصا في المحيط الهادي كانت تتعرض الى تهديد متزايد من اليابان هو أحدها. كما أن ألمانيا النازية, اليابان وإيطاليا قد وقعوا على الاتفاقية الثلاثية في برلين في تاريخ ٧/ديسمبر/١٩٤٠ ينص على مجموعة من بنود التعاون المشترك أحدها أن تعرض أي من دول الحلف إلى الهجوم من دولة أخرى باستثناء الاتحاد السوفياتي يؤدي إلى مساندة الدول الأخرى لها عسكريا.

الزعيم الألماني أدولف هتلر أعلن الحرب على الولايات المتحدة في ١١/ديسمبر/١٩٤١ تنفيذا للاتفاقية الثلاثية وذلك بعد أربعة أيام من الهجوم الياباني على بيرل هاربر وإعلان الولايات المتحدة الحرب على الإمبراطورية اليابانية. ولكن الحقيقة أنَّ حالة العداء بين الولايات المتحدة واليابان تعود الى فترة سابقة حيث كانت دوائر صنع القرار الأمريكية تشعر بالقلق من سياسة التوسع اليابانية في الصين وقيام الجيش الإمبراطوري الياباني بعملية غزو الصين سنة ١٩٣٧ وإرتكاب المذابح لعل أشهرها مذبحة نانكينغ وأحداث مأساوية أخرى. 

الولايات المتحدة بدأت في الرد على العمليات العسكرية اليابانية في الصين من خلال العقوبات والحظر التجاري الذي كان يستهدف بشكل مباشر خطوط الإمداد البحرية التي جعلت من الصعوبة حصول اليابان على السلع والمواد الأولية خصوصا النفط. ولكن ذلك أدى الى زيادة تصميم اليابان على سياستها التوسعية حيث كانت تعتبرها معركة وجود وليس مجرد سياسة توسعية هدفها مجرد ضم المزيد من الأراضي بل الحصول على المواد الخام والموارد الضرورية التي كانت تفتقر اليها اليابان.

القيادة العسكرية اليابانية التي كانت تدرك أنَّه من غير الممكن تحقيق هزيمة عسكرية حاسمة ضد الولايات المتحدة ولكنها كانت تعتبر في الوقت نفسه أنَّ الضربة العسكرية ضد ميناء بيرل هاربر هي ضرية وقائية سوف تؤدي الى تحقيق التفوق البحري الياباني من خلال تدمير أسطول المحيط الهادي الأمريكي وتحقيق التفوق العسكري الياباني على الولايات المتحدة في تلك المنطقة بينما تتولى المانيا المسؤولية الرئيسية عن مسرح العمليات في أوروبا والقوات الإيطالية في إفريقيا وبذلك يتم إشغال القوات الأمريكية على عدة جبهات وتعطيل خطوط إمدادها. 

ولكن الحسابات اليابانية كانت خاطئة لأن الولايات المتحدة لم تكن الدولة الوحيدة في الحرب العالمية الثانية التي كانت تقاتل على عدة جبهات. قوات الفيرماخت بدأت في تنفيذ العملية العسكرية بارباروسا ضد الإتحاد السوفياتي سنة ١٩٤٢ كما أن القوات الإيطالية في إفريقا واجهت تعثُّرا في تحقيق أهدافها حيث أرسل هتلر قوات المانية بقيادة ثعلب الصحراء رومل من أجل تقديم الدعم الى حليفه موسوليني في إحتلال مصر والضغط العسكري على بريطانيا من خلال تهديد مستعمرتها في الهند التي كانت تعتبر درة التاج البريطاني.

الولايات المتحدة كانت تمتلك القدرات البشرية والعسكرية التي تجعل من دخولها الحرب على عدة جبهات أمرا ممكنا حيث لم تتأثر قدراتها الصناعية بسبب البعد بين أراضيها ومسرح الأحداث في الحرب العالمية الثانية. بريطانيا كانت لديها قدرات لوجستية وبشرية من خلال سيطرتها على عدد من المستعمرات في الهند والشرق الأوسط وفرنسا التي وإن تلقَّت هزيمة عسكرية من القوات الألمانية التي نجحت في السيطرة على العاصمة الفرنسية باريس, إلا أنها كانت ماتزال تسيطر على عدد من المستعمرات وليدها قوات عسكرية كبيرة بقيت سليمة وفي حالة جهوزية قتالية عالية.

الهجوم الياباني على بيرل هاربر لم يؤدي الى تدمير الأسطول البحري الأمريكي حيث بقيت حاملات الطائرات سليمة لم تتأثر بالهجوم حيث يعتقد على نطاق واسع أن الولايات المتحدة كانت لديها معلومات مسبقة عن النوايا اليابانية ولذلك قامت بإبعاد حاملات طائراتها عن الميناء. كما أنه تم إصلاح السفن المعطوبة بسرعة قياسية وتعويض الخسائر البشرية التي لم تزد على ٢٤٠٠ بحار أمريكي. هناك سبب آخر يعزو إليه الخبراء فشل الهجوم الياباني وهو أنه لم يستهدف المنشآت الأكثر حيوية في الميناء مثل مستودعا تخزين النفط وأحواض السفن البحرية ومنشئات إصلاحها مما جعل عملية التعافي الأمريكية من الهجوم ممكنة وبوقت قياسي.

إنَّ نتيجة الهجوم الياباني على بيرل هاربر الذي عارضه كبار القادة العسكريين اليابانيين كانت كارثية على اليابان على الرغم من هزيمة الولايات المتحدة وحلفائها في عدة معارك حربية في المحيط الهادي, إلا أنها القوات الأمريكية تمكنت من إمتصاص الصدمة وتحقيق الانتصار العسكري على اليابان واحتلال الأراضي اليابانية وصولا الى العاصمة طوكيو التي تم قصفها و مدينة ناغازاكي بالقنابل الذرية وتوقيع اليابان اتفاقية استسلام غير مشروط بعد أن بقيت وحيدة بسبب هزيمة ألمانيا النازية وإعلان الإتحاد السوفياتي الحرب ضد اليابان الذي بدأ من خلال هجوم قوات الجيش الأحمر على الجبهة اليابانية في منشوريا.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية



Monday, November 7, 2022

سوناك يطالب مصر بإطلاق سراح علاء عبد الفتاح

رئيس وزراء الصدفة في بريطانيا ريشي سوناك قرَّرَ أن يبدأ مهمته في قيادة بريطانيا بالتدخل في الشأن المصري خلال مشاركته في قمة المناخ المنعقدة في مدينة شرم الشيخ المصرية وذلك في قضية الناشط المصري المضرب عن الطعام في سجن العقرب علاء عبد الفتاح.

الناشط المصري الذي يقضي مدة حكمه خمس سنوات في السجن وذلك بتهمة نشر أخبار كاذبة تم منحه مؤخرا الجنسية البريطانية حيث أن والدته ولدت في أراضي المملكة المتحدة. منظمة العفو الدولية تحذِرُ مصر بأن أمامها ٧٢ ساعة من أجل إطلاق سراح علاء عبد الفتاح وإلا فإنه سوف يتوفى خلال فترة انعقاد قمة المناخ كوب-٢٧ في مصر.

وأنا أدعو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى أن يرفض كل تلك المطالبات والتدخلات وأن يقبض على جميع رموز تلك الثورة المزعومة الملعونة ٢٥ يناير حتى يدفعوا ثمن الفوضى والخراب التي عانت منها مصر عدة سنين. طبعا تسمية نشطاء تطلق على من لاعمل له يسمي نفسه ناشطا ويقدم نفسه الى الإعلام بتلك التسمية.

ولكن علاء عبد الفتاح ليس ناشطا بل مخرِّب وكل من شارك في مهزلة ٢٥ يناير هو مخرب عليه أن يقضي حكما بالسجن حتى يدفع ثمن حماقاته. في زمننا هذا أصبحت الخيانة مجرد وجهة نظر وأصبح إقتحام المقرات الأمنية وسرقة الوثائق ونشرها في الإعلام والهجوم على مراكز الشرطة من أعمال المظاهرات السلمية. ولو أن علاء عبد الفتاح و حثالات ٢٥ يناير قاموا بتلك الأعمال في دولة أجنبية, كانت فترة ٥ سنين في السجن هي أقل ما يمكن أن يحصلوا عليه.

أما بالنسبة الى رئيس وزراء الصدفة في بريطانيا فإنه ليس إلا منافق سياسي يحاول أن يبرز الى الواجهة قبل أن يتم ترحيله من منصبه الى أحد مزابل التاريخ وهو لن يتجرأ على مطالبة دولة الكيان الصهيوني بأن تكشف عن أوضاع الأسرى لديها أو أن تطلق سراح أسير فلسطيني لو أنه كان مضربا عن الطعام منذ سنين وليس بضعة أسابيع.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية



Saturday, November 5, 2022

النفط, الحرب والدولار

كانت الحرب العالمية الأولى نقطة تحول رئيسية في تاريخ النفط الذي كان قبل ذلك مجرَّدَ سلعة يستخرج منها بشكل رئيسي وقود الكيروسين المستخدم من أجل الإنارة ومنتجات ثانوية أخرى مثل وقود السيارات و زيوت تشحيم الآليات والمركبات. الإمبراطورية البريطانية التي كانت في تنافس مع ألمانيا القيصرية أدركت أهمية النفط خلال فترة بدأت في تحويل أسطولها البحري والحربي الى إستخدام الوقود بديلا عن الفحم.

إن أحد أهداف الحرب العالمية الأولى كان تقسيم ممتلكات الإمبراطورية العثمانية التي وصفت بأنها رجل أوروبا المريض حيث ضمَّت بريطانيا الى إمبراطوريتها الواسعة العراق الغني بحقول النفط خصوصا منطقة الموصل وعملت على تأسيس دولة كردستان الكبرى لولا ظهور مصطفى كمال أتاتورك في تركيا والذي أفسد ذلك. كما عملت بريطانيا على تحقيق وعد بلفور و تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين بهدف إيجاد وكيل لها في المنطقة ومنع ظهور تكتلات سياسية تستفيد من النفط في تحقيق استقلالها السياسي والاقتصادي بعيدا عن السيطرة الاستعمارية البريطانية.

وفي الوقت نفسه, فقد كانت الولايات المتحدة تراقب الوضع الجيوسياسي في المنطقة العربية وتنتظر الفرصة المناسبة من أجل الاستحواذ على حصتها من النفوذ والثروات الطبيعية وعلى رأسها النفط. إنَّه من الثابت تاريخيا ومن خلال الوثائق التي رفعت عنها السِّرية والأحداث التي ترافقت مع الحرب العالمية الأولى أن رؤوس الأموال الأمريكية التي تمثلها مصارف وول ستريت هي التي كانت من وراء الستار تحرِّك الأحداث وترسم خطوط الصراع العالمية.

إنَّ الحرب العالمية الثانية كانت هي الفرصة التي تنتظرها الولايات المتحدة التي دخلت الحرب متأخِّرة عن الدول الأخرى وبذلك ضمنت إستنزاف جميع الأطراف وتحقيق النصر بأقل التكاليف والخسائر البشرية. الإمبراطورية اليابانية التي كانت تفتقر الى الموارد الطبيعية خصوصا النفط تعرَّضَت خلال الفترة التي سبقت الحرب الى حصار أمريكي غير مباشر من خلال سيطرة رؤوس الأموال الأمريكية على شركات الشحن مما أثَّرَ على واردات اليابان من النفط التي وجدت نفسها مضطرة الى إعلان الحرب على الولايات المتحدة وكان الهجوم على بيرل هاربر هو البداية.

إنَّ تأثير النفط على مسار العمليات العسكرية في الحرب العالمية الثانية هو أمر أصبح واضحا للكثير من المؤرخين حيث لعب دورا رئيسيا في هزيمة القوات الألمانية في معارك الجبهة الشرقية وفي معركة الأردين ١٩٤٤م التي كانت تعتبر نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب. فقد توقفت كتائب الدبابات الألمانية التي كان يعتمد عليها بشكل رئيسي في المعركة عن الحركة وذلك بسبب نقص الوقود. الولايات المتحدة نجحت في اتفاقية بريتون وودز ١٩٤٤م ومن خلال ما تمتلكه من نفوذ سياسي وقوة عسكرية في أن تفرض الدولار عملة احتياط عالمية. كما نجحت في أن تفرض على بريطانيا التخلي عن عدد من مستعمراتها من خلال منحها الإستقلال تمهيدا لأن تحل مكانها وفق نظرية الفراغ والتي طورتها لاحقا الى نظرية عرفت بإسم الفوضى الخلاقة.

الدول الأوروبية في ستينيات القرن العشرين بدأت تشعر بالقلق من زيادة كمية الدولارات التي تطبعها الولايات المتحدة وذلك بسبب حرب فيتنام و سياسات الرئيس ليندون جونسون الإقتصادية التي عرفت بخطة المسدس والزبدة(Guns&Butter). الدول الأوروبية بدأت في مبادلة الدولار مقابل الذهب مما أدى إلى إنخفاض حاد في إحتياطي الذهب لدى الحكومة الأمريكية وإعلان الرئيس ريتشارد نيكسون وقف مبادلة الدولار مقابل الذهب سنة ١٩٧١م.

ولكن الولايات المتحدة كانت في حاجة إلى بديل عن الذهب من أجل الحفاظ على قوة الدولار ومركزه بوصفه العملة الاحتياطية العالمية. ريتشارد نيكسون مستشار الأمن القومي الأمريكي نجح في سنة ١٩٧٥م أن يعقد اتفاقا مع المملكة العربية السعودية في أنها تبيع نفطها حصريا بالدولار الأمريكي مقابل قيام الولايات المتحدة بحماية العرش السعودي. السعودية بوصفها أكبر دولة منتجة للنفط في منظمة أوبك كانت مؤثرة على سياسات المنظمة وفرضت ذلك على باقي الأعضاء.

الولايات المتحدة كانت تعاقب أي دولة تخالف ذلك وتبيع نفطها مقابل أي عملة أخرى كما حصل في العراق سنة ٢٠٠٣م حين أسقطت نظام حكم الرئيس العراقي صدام حسين لأنه أعلن أنه سوف يبيع النفط مقابل الدينار العراقي واليورو بينما الرئيس الليبي معمر القذافي كان ينوي أن يمتنع عن بيع النفط الليبي إلا مقابل الدينار الذهبي الإفريقي. بل وأثار غضب الولايات المتحدة لأنه كان يحرِّضُ دولا إفريقية على بيع النفط والثروات الطبيعية الأخرى مقابل الدينار الذهبي الإفريقي الذي سوف يصبح عملة القارة الإفريقية في تعاملاتها الدولية.

الولايات المتحدة مستمرة في إفتعال الأزمات بهدف الحفاظ على هيمنتها على إقتصاد العالم بواسطة الدولار الأمريكي الذي مازال يعتبر عملة الإحتياط العالمي وتقدَّر نسبته من الكتلة النقدية في العالم ٦٠% تقريبا. في السابق, كانت وسيلتها المفضَّلة هي الحروب, الغزو العسكري المباشر. ولكن حاليا فإنَّ ذلك أمر صعب التحقيق لأنه يعني سقوط عدد كبير من الجنود قتلى مما يؤثر على الرأي العام. البدائل متوفرة من خلال حروب الجيل الرابع والخامس بإستخدام الإعلام, وسائل التواصل الإجتماعي, حقوق الإنسان والحريات وربما أهم اداة وهي الحرب على الإرهاب, تنظيمات غامضة تنفذ عمليات غامضة الأهداف وتتلقى تمويلها وأوامرها من أجهزة مخابرات غربية.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


من الألف الى الياء, سيرة حياة إمبراطور النفط جون روكفلر

كان شهر فبراير/١٨٦٥ يوما لن ينساه إمبراطور النفط الأمريكي جون دافيسون روكفلر حتى بعد مضي خمسين عاما حين صرَّحَ بأنه يشير الى ذلك اليوم على أنه بداية النجاح الذي حقَّقَه في حياته. مدينة كليفلاند في ولاية أوهايو كانت على موعد مع القَدَر في ذلك التاريخ حيث شهدت بداية شركة ستاندرد أويل التي أصبحت أحد أكبر الاحتكارات النفطية في التاريخ. جون روكفلر و موريس كلارك كانا شريكين في واحدة من أكثر مصافي النفط نجاحا في ولاية أوهايو, كليفلاند, تلك المدينة الصغيرة التي استفادت من الحرب الأهلية الأمريكية و التوسع في مجال التنقيب واستخراج النفط. ولكن الخلاف وقع بين الشريكين حول سياسة الشركة في التوسع التي كان جون روكفلر يدفعها للأمام بقوة بينما كان شريكه أكثر حذرا. وأثناء النقاش بينهما, إتَّفقَ الشريكان على تصفية الشركة وعقد مزاد بينهما في نفس اللحظة وفورا. وقد فاز جون دافيسون روكفلر في المزاد وقام بشراء حصة شريكه مقابل ٧٥ ألف دولار أمريكي.

ولد جون دافيسون روكفلر أو جون د.روكفلر سنة ١٨٣٩م في ريف ولاية نيويورك الأمريكية وتوفي سنة ١٩٣٧م. ويليام روكفلر, والد جون, كان تاجر أخشاب وملح انتقل بأسرته إلى ولاية أوهايو حيث أصبح يتاجر بالأدوية والأعشاب الطبية ولقبه د.ويليام روكفلر.

كانت ملامح شخصية جون روكفلر بدأت تظهر في سن مبَكِّرَة فقد كان متدينا, مثابرا و نابغة في الرياضيات. نجح جون روكفلر في تأسيس أول نشاط تجاري له في سن السابعة حيث كان يبيع الديك الرومي. وليام روكفلر كان حريصا على تعليم أبنائه مهارات تجارية. إنَّ طموح روكفلر قاده وهو في سن السادسة عشرة الى العمل في أحد المكاتب التجارية في مدينة كليفلاند حيث التقى شريكه موريس كلارك. المكتب الذي أسَّسَه الشريكان كان يتاجر في كل شيئ تقريبا, القمح من أوهايو, الملح من ميتشيغان, لحم الخنزير من ولاية إلينوي وحتى نفط ولاية بنسلفانيا.

ولكن الحظ في كثير من الأحيان يلعب دورا مهما في تحقيق النجاح. سنة ١٨٦٣م تم بناء خط سكة حديد يمر في ولاية كليفلاند مما جعل من الممكن زيادة تنافسية الولاية في سوق النفط الأمريكية. مصفاة تكرير النفط التي أسسها جون روكفلر وشريكه في أحد المواقع على طول خط السكة الحديد كانت أكبر مصفاة تكرير للنفط من بين ٣٠ مصفاة أخرى في ولاية كليفلاند وأكثر تنظيما وتمويلا.

كانت هناك مهمة صعبة أمام الولايات المتحدة خلال الفترة التي أعقبت الحرب الأهلية الأمريكية(١٨٦١-١٨٦٥) وهي التحول من بلد زراعي إلى صناعي وتأسيس الصناعات الأمريكية مثل صناعة الحديد و تعليب اللحوم و النفط وهو ما وقع عبئه على أشخاص مثل جون روكفلر. كانت تلك الفترة قد تميَّزت بالتحالفات وإندماج الشركات والمنافسة الشرسة حيث بنى جون روكفلر مصفاة تكرير أخرى وإستمر في إستثمار أمواله وأرباحه توسيع أعماله وزيادته حصَّته من السوق.

إنَّ عدوى التنقيب عن النفط كانت قد أصابت الكثيرين, حتى اللحام وصانع الشموع دخلوا في ذلك المجال. هناك قصة طريفة تروى عن جون روكفلر وشقيقه ويليام هي أنَّ خبازا المانيا مفضلا لديهم قد تخلى عن مخبزه من أجل شراء مصفاة تكرير للنفط بدائية التجهيز ولذلك قاما بشراء المصفاة وإعادته الى مهنته الأصلية. كان جون روكفلر حريصا على المحافظة على إستمرار توسُّع شركته والحفاظ على الجودة وتكاليف التشغيل المنخفضة في الوقت نفسه. أحد أهم الخطوات التي إتَّخذها من أجل حماية شركته من تقلبات السوق وزيادة مستوى أعمالها وأرباحها وهو دخول مجال التنقيب عن النفط وذلك من خلال شراء أراضي يحتمل تواجد الذهب الأسود فيها. إنَّ المصفاة التي يمتلكها جون روكفلر قد أصبحت خلال ستينيات القرن التاسع عشر أكبر مصفاة للتكرير ليس في الولايات المتحدة بل وفي العالم. 

ولكن جون روكفلر كانت سنة ١٨٦٧م مع القدر حيث التقى مع هنري فلاغر والذي يعود الفضل إليه في إقناع روكفلر بتأسيس شركة ستاندرد أويل. كان فلاجر شخصا عصاميا بدأ العمل في سن الرابعة عشرة في أحد المتاجر ونجح عند بلوغه منتصف العشرينيات في تكوين ثروة صغيرة حيث عمل في مجال صناعة الويسكي وحقق نجاحا كبيرا ولكنه تخلى عنه لاعتبارات أخلاقية. إنَّ نقطة التحول في حياة فلاجر هي إعلان إفلاسه بسبب خسارته أمواله في صناعة الملح التي إنخرط فيها في ولاية ميتشغان حيث المنافسة الشرسة بين صغار المُصَنِّعين والفوضى التي تنتج عن ذلك مما أقنعه بأهمية أعمال الإندماج وتأسيس التحالفات وتأسيس الشركات الإحتكارية.

هناك حكمة مأثورة في عالم المال والأعمال تنصى على أنَّ:" الصداقة المبنية على المصلحة خير من المصلحة المبنية على الصداقة." إنَّ تلك الحكمة قد رسمت تاريخ العلاقة بين جون روكفلر وهنري فلاغر فقد أصبح الرجلان مع مرور الوقت لا يفترقان ويشغلان مكتبين متجاورين في الغرفة ذاتها حيث يديران أعمال الشركة وإقترن إسمهما ببعضهما البعض وبصناعة النفط. كان هنري فلاغر لا يهتم إلا للمصلحة التجارية ولا مكان لكلمة ضمير في قاموسه. كان هنري فلاغر شخصا طموحا لعب دورا رئيسا في بناء خط السكة الحديد في ولاية فلوريدا ويعود الفضل إليه في بروز منطقة بالم بيتش التي تحولت لاحقا الى منطقة سياحية واقتصادية وهي كذلك إلى يومنا هذا. كانت مسؤولية هنري فلاغر في شركة ستاندر أويل هي الجانب اللوجستي الذي يشمل النقل والشحن والذي لعب دورا رئيسا في نمو الشركة ولم يكن وجود الشركة التي تحولت الى عملاق في صناعة النفط واستمرارها ممكنا من دون طموحة ومثابرته وعمله الدؤوب. 

إنَّ شركة ستاندرد أويل تمكنت بفضل جهود هنري فلاغر وسياسته من الحصول على أسعار مخفَّضة على نقل منتجاتها أكثر مما يحصل عليه منافسوها مما أدى الى زيادة أرباح الشركة. ولكن في الوقت نفسه فإنَّ ماقام به هنري فلاغر أدى الى إثارة الجدل حول المنافسة الغير عادلة رغم أن ذلك كان أمرا معتاداً بين شركات السكة الحديدة المختلفة التي كانت تمنح زبائنها خصومات على أسعار نقل شحنات النفط, كلما زادت شحنات النفط الذي تنقله تلك شركات السكة الحديد, كلما انخفضت أسعار الشحن. على سبيل المثال فقد كانت شركة ستاندرد أويل تتلقى من شركات السكك الحديد ما نسبته ٢٥% على كل دولار تكلفة نقل شحنات نفط الشركات المنافسة مقابل شحنات النفط الخاصة بها حيث كان ذلك ممكنا بفضل التأثير الذي تمتلكه شركة ستاندرد أويل التي تمتلك حقول إنتاج النفط الخاصة بها.

ولكن في الوقت نفسه الذي ساعد نمو سوق النفط جون روكفلر وهنري فلاغر على زيادة أعمالهم وأرباحهم, إلا أنه في الوقت نفسه فإن نمو الطلب كان أقل من العرض مما أدى إلى انخفاض في الأسعار بداية ١٨٦٥م وبلغ ذروته ١٨٧٠م حيث هبطت أسعار الكيروسين ٥٠%. إنَّ أزمة إنخفاض أسعار النفط لم تكن غائبة عن تفكير جون روكفلر ولكنها أيضا كانت أزمة يمكن الإستفادة منها حيث عمل جون روكفلر مع شركاء أخرين منهم هنري فلاغر على تأسيس شركة ستاندرد أويل التي قامت بشراء شركات مصافي النفط التي أعلنت إفلاسها وبدأ التحول الكبير في أسلوب عمل شركة ستاندرد أويل الذي حوَّلها من أحد الشركات المنتجة للنفط الى عملاق إحتكاري في الولايات المتحدة ولاحقا على مستوى عالمي.

هنري فلاغر الذي لعب دورا رئيسيا في تأسيس شركة ستاندرد أويل كان يرغب في زيادة الأموال المستثمرة في أعمال الشركة لكن من دون التأثير على الأرباح. وقد كانت طريقة تحقيق ذلك هي تحويل الشركة التي أسسها مع جون روكفلر إلى شركة مساهمة برأسمال مليون دولار ومجلس إدارة يتألف من خمسة أعضاء مؤسسين هم: جون روكفلر, هنري فلاغر, المخترع الكيميائي البريطاني صمويل أندروز, وليام روكفلر الإبن شقيق جون روكفلر و رجل الأعمال الشهير ستيفن هاركنس. الشركة التي تم تأسيسها كانت تسيطر على ١٠% من إنتاج وتكرير النفط في الولايات المتحدة ولكن ذلك سوف يتغير مع مرور الوقت الأمر الذي سوف يفاجئ جون روكفلر نفسه الذي صرَّحَ أنه لم يتوقع نمو الشركة ونجاحها الى ذلك المستوى.

سنة ١٨٧١م كانت الأمور في مجال صناعة النفط وتكريره تسير من السيئ الى الأسوأ حيث انخفضت الأسعار الى مستويات غير مسبوقة وأعلنت عدد من شركات النفط ومصافي التكرير إفلاسها. السبب هو أنه على الرغم من نمو سوق النفط إلا أن ذلك رافقه نمو متزايد في الإنتاج خرج عن السيطرة. كان الوضع سيئا الى درجة أن جون روكفلر أخبر زوجته أنهم:"أثرياء بشكل مستقل بدون الإعتماد على صناعة النفط." ولكن إمبراطور النفط العصامي كان يراقب الوضع ويرسم ملامح خطوته القادمة.

إنَّ أول خطوة إتَّخذها جون روكفلر كانت زيادة رأسمال الشركة من أجل صفقات الإستحواذ التي كان ينوي القيام بها. الخطوة التالية فاجئت الكثيرين وأثارت القيل والقال في الصحف حيث أنه بتاريخ فبراير/١٨٧٢ إتَّخَذَ أحد موظفي شركة السكة الحديد المحلية في ولاية بنسلفانيا وبدون أي سبب مفهوم قرارا بزيادة رسوم النقل التي تدفعها شركات إستخراج وتكرير النفط. وقد ظهرت من العدم شركة(The South Improvement Company) التي لم تكن معروفة قبل ذلك والتي كان يمتلكها من الباطن جون روكفلر وأن عدة صحف حذَّرَت من نواياه في تأسيس شركات إحتكارية في مجال النفط وهو أمر كان مستهجنا خلال تلك الفترة. ولكن ذلك لم يكن إلا أحد جوانب خطة روكفلر من أجل السيطرة على سوق النفط في الولايات المتحدة.

الجانب الأخر كان ليس من أفكار جون روكفلر ولكنه في النهاية فإنه وكما يقول المثل كل الطرق تؤدي الى روما. بتاريخ فبراير/١٨٧٢, شركات السكة الحديد المحلية عقدت إتفاقا مع شركات النفط قسَّمت بموجبه الأسواق وأي شركة لم تنضم الى الإتفاق كانت تدفع رسوما مضاعفة على شحن منتجاتها من النفط ومشتقاته وتوزيع الفرق في أسعار الشحن على الشركات الأعضاء في الإتفاقية. ومجدَّدا, تظهر شركة The South Improvement Company في جميع تفاصيل تلك الإتفاقية الاحتكارية.

ولكن الأمر لم يستمر طويلا لأنَّ ثلاثة آلاف من صغار المنتجين والمستقلين تجمعوا في دار الأوبرا في مدينة Titusville معترضين على ممارسات جون روكفلر وشركة The South Improvement Company وشركات السكة الحديد ومعلنين بداية حرب النفط. الإحتجاجات إنتقلت من بلدة إلى بلدة حيث أدان المحتجون بغضب تلك الممارسات التي وصفوها بأنها وحش وأنها شركة الأربعين لصا. المنتجون المستقلون و صغار ملاك مصافي التكرير قرروا مقاطعة شركات النفط والسكة الحديد الأعضاء في ذلك الإتفاق الإحتكاري. وقد كانت المقاطعة فعالة للغاية حتى أن مصافي شركة ستاندرد أويل في مدينة كليفلاند والتي كانت يعمل فيها ١٢٠٠ موظف لم تكن قادرة على توظيف أكثر من ٧٠ بسبب انخفاض كميات النفط التي تقوم بتكرارها.

جون روكفلر لم يتراجع ولم يغيِّر في مخطَّطِه من أجل السيطرة على سوق النفط في الولايات المتحدة بل على العكس فقد زاد من تصميمه على ذلك. وبحلول ربيع سنة ١٨٧٢م, كانت شركة ستاندرد أويل قد نجحت في شراء أغلب مصافي تكرير النفط في ولاية كليفلاند وأهم وأكبر المصافي في ولاية نيويورك وتم إغلاق شركة The South Improvement Company بعد إنتهاء الغرض من تأسيسها. جون روكفلر كان هو المستفيد الرئيسي من حرب النفط وانخفاض الأسعار التي أدت إلى إفلاس عدد كبير من المنتجين ومصافي تكرير النفط المستقلة والتي كان مصيرها استحواذ شركة ستاندرد أويل عليها والتي أصبحت أكبر شركة تكرير النفط في العالم.

إنَّ فترة سبعينيات القرن التاسع عشرة زيادة غير مسبوقة في مستويات الإنتاج على الرغم من محاولات المنتجين الرئيسيين تخفيضها. فقد كان هناك عدد كبير من المنتجين الذين كانوا غير ملتزمين بأي إتفاقيات أو مرتبطين مع شركات إنتاج النفط الرئيسية. كما أنَّه كانت هناك حقول جديدة يتم إكتشافها بإستمرار حيث فشلت جميع محاولات تنظيمها أو إقفال بعض مناطق الإنتاج. سعر برميل النفط بسبب تخمة الإنتاج خلال تلك الفترة انخفض إلى مستوى ٤٨ سنت/برميل, أقل ٣ سنتات من سعر كمية مماثلة من المياه التي كانت ربات البيوت تقوم بشرائها. جون روكفلر الذي كان يشعر بالقلق من الوضع الحالي كان يخطِّطُ من أجل خطوته التالية بعد فشل جميع المحاولات السابقة وكان هدفه هو شركات تكرير النفط.

وليام روكفلر عضو مؤسس في شركة ستاندرد أويل وشقيق جون روكفلر وصف الإجراءات التي اتخذها شقيقه بأنها أشبه ما تكون بإعلان الحرب. جون روكفلر كان يرسل مندوبين الى مصافي تكرير النفط في مناطق معينة ويعرض شرائها أو انضمامها إلى ستاندرد أويل وإذا كان الجواب هو الرفض, فقد كان يقوم ومن خلال منتجين تابعين له من الباطن بتخفيض الأسعار في تلك المنطقة حتى يعلن خصومه إفلاسهم ويقوم بشراء شركاتهم بأبخس الأسعار. ومع حلول نهاية سنة ١٨٧٩م, كان جون روكفلر قد نجح في الاستحواذ على ٩٠% من مصافي النفط في الولايات المتحدة. ولكن على الرغم من ذلك فقد كانت هناك المزيد من التحديات في طريقه من أجل تنفيذ خطته والنجاح في تحقيق إحتكار شركة ستاندرد أويل صناعة التنقيب عن النفط وتكريره في الولايات المتحدة والعالم.

كان جون روكفلر يعتقد مع إقتراب فترة تسعينيات القرن التاسع عشر من نهايتها أنه قد حقَّق السيطرة الكاملة على سوق النفط. ولكن المنتجين المستقلين قاموا بمحاولة أخيرة في سبيل الإفلات من براثن شركة ستاندرد أويل وكسر احتكارها سوق النفط في الولايات المتحدة حيث قاموا ببناء أول خط أنابيب طويل المدى عابر للولايات وأطلقوا عليه الإسم تايد ووتر(Tidewater).

إن تنفيذ ذلك المشروع على أرض الواقع كان بالغ الصعوبة من الناحية التقنية حيث أن طوله يبلغ ١١٠ أميال يمتد من مناطق الإنتاج الرئيسية الى نقطة توزيع في ولاية بنسلفانيا وتقاطع خطوط السكة الحديد من أجل تحقيق المرونة في عملية النقل والتوزيع. ولكن على عكس التوقعات فقد بدأ النفط يتدفق من خلال خط الأنابيب في مايو ١٨٧٩م ونجح في منافسة منظومة السكك الحديدية التي كانت شركة ستاندرد أويل تتحكم فيها بطريقة أو بأخرى. ولكن شركة ستاندرد أويل لم تقف موقف المتفرج بل سارعت وفي فترة قياسية إلى بناء أربعة خطوط أنابيب طويلة المدى من مناطق الإنتاج الرئيسية إلى ولاية كليفلاند, نيويورك وبنسلفانيا. حتى أنه مع حلول سنة ١٨٨١م, كانت شركة ستاندرد أويل تملك حصة ثانوية في خط أنابيب تايد ووتر(Tidewater) مما جعل من الممكن عقد اتفاق معها حول تنظيم المنافسة وتوزيع الحصص في مناطق الإنتاج. إن فكرة خطوط أنابيب نقل النفط العابرة للولايات قد جعلت شركة ستاندرد أويل تسيطر على جميع خطوط الأنابيب في الولايات المتحدة باستثناء تلك التي تملكها شركة الإسم تايد ووتر(Tidewater).

إنَّ خصوم ومنافسي جون روكفلر وشركة ستاندرد أويل لم يقفوا متفرجين وقد بقي لديهم وسيلة واحدة من أجل محاولة كسر إحتكار الشركة وذلك من خلال المحاكم ولوبيات الضغط السياسي. ومع اقتراب القرن التاسع عشر من نهايته فقد تم تسجيل عدد من القضايا في محاكم ولاية بنسلفانيا ضد ممارسات شركة ستاندرد أويل الاحتكارية خصوصا سياسة أسعار النقل التمييزية التي كانت تمارسها شركات السكة الحديدية المحلية بتأثير من جون روكفلر والهدف كان توجيه تهم جنائية ضد الشركة ورئيس مجلس إدارتها. وفي الوقت نفسه, عقدن جلسات إستماع قانونية في ولاية نيويورك ضد ممارسات شركات السكة الحديد ركَّزت على جون روكفلر والتأثير الذي يمارسه في ذلك القطاع على أسعار النفط ومشتقاته.

إن تلك الحملة في ولاية نيويورك وبنسلفانيا كانت هي أول مناسبة تم من خلالها تسليط الضوء على النشاط الاحتكاري الذي كانت شركة ستاندرد أويل تقوم بممارسته. وقد بذلت محاولات قانونية محمومة من أجل إعتقال جون روكفلر في ولاية نيويورك وترحيله الى ولاية بنسلفانيا من أجل محاكمته هناك إلا أنه نجح وبفضل نفوذه لدى حاكم نيويورك في إفشال تلك المحاولات. ولكن كل ذلك أدى الى توجه سلبي لدى الرأي العام ضد شركة ستاندرد أويل وضد شخص جون روكفلر بوصفه شخصا لايرحم منافسيه ويقوم بتنفيذ مخططاته بدون أو شعور بالندم أو أي رادع أخلاقي.

الصحفي هنري لويد(Henry Demarest Lloyd) نشر مجموعة من المقالات في صحيفة (Chicago Tribune) ومن ثم مقالا في صحيفة (Atlantic Monthly) بعنوان (The Story of Great Monopoly) حول شركة ستاندرد أويل وممارساتها الاحتكارية. وقد كانت كانت الحملة الإعلامية ضد جون روكفلر وشركته في ذروتها حتى أنَّ عدد مجلة(Atlantic Monthly) الذي نشر المقال قد أعيدت طباعته سبعة مرات. الصحفي هنري لويد ومن خلال المقالات التي نشرها كان أول من تحدَّث بالتفصيل عن شركة ستاندرد أويل وكشف عن ممارساتها وسياستها في خنق الأسعار من أجل إفلاس المنافسين. جون روكفلر لم يعد قادرا على الإستمرار في البقاء في الظل بعيدا عن أضواء الإعلام وأقلام الصحفيين. ولكن على الرغم من كل ذلك ومن الحملة الإعلامية ضِدَّه, إلا أن تأثيرها عليه وعلى أعمال شركته بقي تأثيره على المدى القصير محدودا للغاية.

كان على جون روكفلر أن يكون خلال تلك الفترة العصيبة في تاريخ شركة ستاندرد أويل أكثر حذرا في بناء هيكلية الشركة وذلك من الناحية القانونية خصوصا مع الحملة الإعلامية ولجوء خصومه الى المحاكم ولوبيات الضغط. جون روكفيلر لم يكن ينقصه الذكاء ودقة التخطيط حيث تحكَّمَ بطريقة غير مباشرة بعشرات الشركات الفرعية ولم يترك للخصوم أي ثغرة قانونية يستغلونها في دعاوي مكافحة الإحتكار التي أقيمت ضدَّه. فقد كانت شركة ستاندرد أويل أشبه ما تكون بصندوق ائتماني يمتلك المساهمون فيه وليس الشركة الأم تلك الشركات الفرعية ولكنهم في الوقت نفسه مسؤولون أمام جون روكفلر الذي بإمكانه أن ينكر تحت القسم أن شركة ستاندرد أويل لا تمتلك أي حصص في شركات أخرى.

خلال شهادته أمام اللجنة التشريعية في ولاية نيويورك, تحدَّث أحد أعضاء مجلس الإدارة أن شركات ومصافي تكرير النفط تعمل في تناغم طوعيا من أجل حماية مصالحها. بينما وصف أحد المساهمين في شركة ستاندرد أويل والذي يرأس مجلس إدارة أحد الشركات الفرعية أمام نفس اللجنة أن شركته ليس بينها وبين ستاندرد أويل أي روابط قانونية وأن علاقاته مع الشركة ليست إلا علاقات شخصية.إن الأسهم في الشركات الفرعية كانت مملوكة من مساهمين في شركة ستاندرد أويل في أوهايو وليس من الشركة نفسها. 

إنَّ مفهوم الصندوق الإئتماني(Trust Fund) الذي عملت وفق بنوده شركة ستاندرد أويل قد تمت صياغته بتاريخ ٢/يناير/١٨٨٢ وذلك ردا على المشكلات القانونية التي تمت إثارتها ضد الشركة نهاية السبعينيات وبداية ثمانينيات القرن التاسع عشر. وفي الوقت نفسه الذي تم الإعلان عن تأسيس شركة ستاندرد أويل شركة مساهمة في ولاية أوهايو, فقد تم تأسيس شركات فرعية في ولايات أمريكية كانت تسيطر من خلال حملة الأسهم أعضاء مجلس إدارتها والذي هم في الوقت نفسه مساهمين في الشركة الأم على الشركات الفرعية في تلك الولاية. وفي سبيل تحقيق أكبر قدر من المرونة في عمل الشركة, تم تأسيس لجان متخصصة كل في مجاله, لجنة التجارة المحلية, لجنة للصادرات و لجنة خطوط الأنابيب وأخرى صناعية تختص بعمليات تصنيع المنتجات المختلفة مثل الكيروسين و٣٠٠ منتج مختلف تنتجها مصافي التكرير التي تتبع الشركات الفرعية الأخرى. بينما على رأس الهرم اللجنة التنفيذية التي كانت تصدر ليس الأوامر بل التوصيات والإقتراحات ولكن لم يكن هناك أي شك في سلطتها ونفوذها. إنَّ طريقة عمل الشركة يمكن تلخيصها في أحد تصريح جون روكفلر خلال أحد المناسبات:" أنتم أيها السادة لديكم القدرة في إصدار القرارات على أرض الواقع أفضل منا, ولكن دعونا لا نعتمد صيغة اتفاق رسمي تجعل من غير الممكن التحكم في سياسة الشركة."

إن الخطوط الرئيسية في إستراتيجية الشركة والتي كانت تحكم أسلوب عملها يمكن تلخيصها في الحفاظ على التكاليف منخفضة قدر الإمكان. وقد كان ذلك يتطَلَّبُ تحقيق أقصى كفائة عملياتية, إتقان التحكم والسيطرة على التكاليف, مستوى الإنتاج المرتفع, التطوير المستمر في التكنولوجيا المستخدمة في عمليات الشركة المختلفة والتوسع المستمر من خلال البحث عن أسواق جديدة. 

إن سياسة روكفلر في توسيع سيطرة الشركة على مصافي النفط المنافسة وذلك في سبيل تحقيق أفضل كفاءة ممكنة قد جعلت من مصافي الشركة الأربعة في كليفلاند, بايون-نيوجيرسى و فيلادلفيا مسؤولة عن ربع الإنتاج العالمي من مادة الكيروسين. شركة ستاندرد أويل كانت تمتلك نظام إدارة وأرشيف متطوِّر للغاية في أساليبه حيث كانت هناك سجلات مفصَّلة عن المنافسين وكل مشتري للنفط في طول الولايات المتحدة وعرضها, حيث يشمل ذلك خريطة تُظهِرُ موقع كل برميل نفط يتم شحنه من خلال المنتجين المستقلين ووجهته النهائية و مكان كل محل بقالة يشتري الكيروسين والشركة التي يقوم بالشراء منها. أسلوب في الإدارة من الإحترافية بحيث لايمكن إنجازه في عصرنا الحالي إلا من خلال عدد كبير من الموظفين الذين يستعينيون بكل أدوات التكنولوجيا المُتَوَفِّرة من الإنترنت, أجهزة الكمبيوتر, الإيميل الإلكتروني, أنظمة الجي بي إس(تحديد المواقع من خلال الأقمار الصناعية), الهواتف المحمولة وأحدث أجهزة الإتصالات.

إن سيطرة جون روكفلر بواسطة شركة ستاندرد أويل على جانب الإنتاج من صناعة النفط كان لابد من أن يرافقه سيطرة مماثلة على الجانب التسويقي الذي يتمثل في كفاءة المبيعات وتحقيق أفضل نتيجة ممكنة من أحدث تقنيات الدعاية والبروباغندا المتوفرة خلال تلك الفترة. مع إقتراب ثمانينيات القرن التاسع عشر من نهايتها, كانت شركة ستاندرد أويل تسيطر على السوق بفضل الإختراعات وطرق الدعاية المبتكرة بعد أن سيطرت على إنتاج النفط وتكريره. مندوبي المبيعات التابعين للشركة تم تدريبهم من أجل تحقيق أفضل نسبة مبيعات مهما كان الأسلوب المستخدم حتى لو كان ذلك يعني استفزاز المنافسين والزبائن في الوقت نفسه. الإبتكارات ساهمت أيضا في زيادة الحصة السوقية للشركة مثل إستبدال البراميل الخشبية بصهاريج معدنية وتوزيع النفط من خلال عربة صهريج يجرها حصان. إبتكار آخر ساهم في نقلة نوعية في أحد أهم جوانب عمل الشركة وهو استبدال عربات القطار التي كانت تنقل من خلالها براميل النفط الى عربات صهريج مما يعني زيادة الكمية التي يمكن نقلها وتقليل الفاقد.

كان جون روكفلر على الجانب الشخصي يفضِّلُ أن يحافظ على مسافته من الأخرين فقد كان الوصول اليه صعبا وظهوراته العامة قليلة للغاية. كما أنه خلال اجتماعات العمل, يفضِّلُ الإستماع أكثر من الكلام. أحد العاملين معه يصفه بأنه كان شخصا بدون أي مشاعر حيال ما يقوم به من جهود في سبيل تحويل ستاندرد أويل إلى أكبر شركة احتكارية للنفط في العالم. إن الفترة الزمنية (١٨٧٠-١٨٨٠) هي الفترة التي بدأت فيها خطط توسيع الشركة تحقق أهدافها. ولكنها في الوقت نفسه كانت فترة عصيبة للغاية على ستاندرد أويل وعلى جون روكفلر شخصيا الذي تعرَّض الى حملات إعلامية وسياسية أصابته بالتوتر والإرهاق.

كان جون روكفلر وعلى الرغم من أنه أثرى شخص في الولايات المتحدة إلا أنه كان مقتصدا في الإنفاق حتى على نفسه مما كان يثير حيرة عائلته نفسها. فقد كان يصِرُّ على إرتداء البدلة الرسمية نفسها حتى ذهبت الوانها وأصبح إستبدالها أمرا لا مفرَّ منه. كما أنَّ وجبته المفضَّلة كانت الحليب مع الخبز. وهناك حادثة مشهورة عنه جون روكفلر هي أنه قام بدعوة أحد رجال الأعمال البارزين في مدينة كليفلاند رفقة زوجته من أجل أن يمضي الصيف في إقطاعيته الفارهة التي تقع في أحد ضواحي المدينة ولكنه أرسل له لاحقا فاتورة بقيمة ٦٠٠ دولار هي تكاليف إقامته ستة أسابيع. كان جون روكفلر من الأشخاص الذين لا يتمتعون بحس الفكاهة والدعابة ولا يظهر أي إحساس بذلك إلا ضمن إطار الدائرة العائلية الضيقة, خلال الغداء على سبيل المثال, قد يغني للجالسين على المائدة أو يلقي بعض النكات.

كما كان جون روكفلر ملزما دينيا مع كنيسته المعمدانية(The Baptist Church) حيث كان مسؤولا عن مدرسة يوم الأحد في الكنيسة حيث تلقى عظات دينية ويعقد الحاضرون اجتماعا يتدارسون فيه الكتاب المقدس.

كان جون روكفلر يقوم بالتبرع الى كنيسته المعمدانية منذ اللحظات الأولى التي بدأت فيها يكسب مالا, منذ سن السابعة حين كان يبيع طيور الديك الرومي. وقد ازدادت تلك التبرعات الى الكنيسة مع إزدياد ثروته. وقد كان جون روكفلر متبرعا سخِّيا ولكنه في مجال التبرعات والأعمال الخيرية فقد كان يتَّبِعُ نفس المعايير التي يطبقِّقها في شركته وأعماله الخاصة. سنة ١٨٩٠م, قام جون روكفلر بتأسيس جامعة شيكاغو وأصبح أكبر متبرع لها. فقد تبرع سنة ١٩١٠م إلى جامعة شيكاغو مبلغ ٣٥ مليون دولار مقارنة مع مجموع التبرعات الأخرى في تلك السنة التي بلغت ٧ مليون دولار. وعلى الرغم من تبرعات جون روكفلر إلى جامعة شيكاغو إلا لم لم يكن يتدخل في شؤون الجامعة خصوصا الأكاديمية ولكن عليها أن تكون ملتزمة بأن لاتخرج عن ميزانيتها السنوية.

جون روكفلر وزوجته كانا يعاملان أولادهما بحرص شديد حتى لا يفسدهم الثراء. الأولاد كانوا يعملون في العطلة المدرسية في حدائق الإقطاعية حيث يقع منزل الأسرة ويتقاضون أجرا مماثلا لما يتقاضاه العمال الآخرون. كما أنهم كانوا يتناوبون على ركوب الدراجة الهوائية ذاتها حتى يتعلموا قيم الإيثار و المشاركة بين بعضهم البعض. جون روكفلر جونيور(الإبن) كان يمشي من المنزل إلى المدرسة والعكس وليس مثل أولاد الأثرياء الذين كانوا يركبون رفقة الخدم العربات التي تجرها الأحصنة. ويذكر جون روكفلر الإبن رحلته رفقة والده, والدته وإثنين من قساوسة الكنيسة الى أوروبا مدَّة ثلاثة أشهر حيث كان جون روكفلر الأب يدقِّقُ في الفواتير ويقرئها بندا بندا ولايدفع قرشا واحدا بدون أن يكون متأكدا من الفاتورة.

إنَّ شركة ستاندرد أويل توسَّعت خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر وضمَّت قسما للأبحاث العلمية فقد كان شعار الشركة كمذ بدايتها هو الحفاظ على الجودة مع الحفاظ على الأسعار المنخفضة لمنتجاتها في الوقت نفسه. الحوادث والإصابات بسبب الكيروسين سيئ التصنيع في الولايات المتحدة بلغت 6 آلاف وفاة وعدد آخر من الإصابات المختلفة. ولكن جون روكفلر كان مصرَّاً منذ اليوم الأول على الحفاظ على معايير الجودة في منتجات شركته وذلك كان مستمدا من إسمها (Standard).ولكن الكيروسين المستخرج من النفط ليس المنتج الوحيد للشركة بل كانت هناك عشرات المنتجات الأخرى لعل أشهرها الفازلين. وهناك أيضا منتجات مثل الديزل, زيوت التشحيم و البرافين الذي يستخدم في صناعة الشموع.

إنَّ الحديث عن تاريخ جون وركفلر وشركة ستاندرد أويل كان يشمل سيطرة الشركة على سوق المنتجات النفطية من خلال سيطرتها على مصافي تكرير النفط وبراعتها في الدعاية والتسويق. ولكن هناك جانب أخر لايقل أهمية وهو إنتاج النفط من خلال حقول ولاية بنسلفانيا حيث حقول إنتاج النفط الرئيسية والتي حذَّرَ الخبراء من أن جفافها من النفط السطحي مجرَّدُ مسألة نفط. هناك مصطلح شائع في بدايات استخراج النفط في الولايات المتحدة وهو وايلد كاترز(Wildcatters) حيث يمكن إيجاد النفط على بعد أمتار قليلة داخل الأرض. إن تكنولوجيا الحفر التي كانت تستخدم خلال تلك الفترة كانت بدائية وليست على درجة من التطور بحيث تسمح بإيجاد النفط على مسافات بعيدة من سطح الأرض. الخطوة الأخيرة التي قام بها جون روكفلر في سبيل تحقيق سيطرته الكاملة على قطاع النفط في الولايات المتحدة هو مجال إستخراج والتنقيب عن النفط.

ولاية أوهايو وتحديدا الأراضي التي تقع في الجزء الشمالي الغربي من الولاية كانت تعتبر المكان التالي بعد حقول النفط في ولاية بنسلفانيا حيث يمكن أن تجد شركات النفط موطئ قدم لها هناك حيث أنه ومع حلول نهاية فترة ثمانينيات القرن التاسع عشر, كانت تلك الحقول تنتج ثلث إنتاج النفط في الولايات المتحدة. حقل ليما(Lima) الذي يقع على الحدود بين ولاية أوهايو وانديانا يعتبر أحد حقول الإنتاج الرئيسية.

كانت حقول إنتاج النفط في ولاية أوهايو وحقل ليما على وجه الخصوص بمثابة فرصة لاتعوض للشركة من أجل تحقيق سيطرة أكبر وحماية نفسها من تقلبات الأسعار واحتكار شركات إنتاج النفط والمنتجين المستقلين. جون روكفلر ساع إلى استغلال تلك الفرصة ولكن كان أمامه عقبتين رئيسيتين, الأولى هي نوعية النفط الذي كان يتم إستخراجه في تلك المنطقة والذي كان يتميز برائحة نفاذة نتيجة تركيبته التي تحتوي على نسبة مرتفعة من مادة الكبريت. بينما الثانية هي شركاء روكفلر وأعضاء مجلس الإدارة المتردِّدين والذين يعتبرون أن دخول الشركة مجال إستخراج النفط أو شرائه وتخزينه بكميات كبيرة على الرغم من إنخفاض الأسعار كان مخاطرة كبيرة. أسعار النفط خلال الفترة ١٨٨٦-١٨٨٧ انخفضت من ٤٠ سنت/برميل إلى ١٥ سنت/برميل وكان توجه جون روكفلر هو شراء كميات كبيرة وتخزينها في منشآت تخزين وصهاريج في طول الولايات المتحدة وعرضها, ولكنه واجه اعتراضات أعضاء في مجلس إدارة الشركة ضد تلك الخطوة.

إنَّ إصرار جون روكفلر على رأيه أثبت صوابه في النهاية فقد نجح في شراء ٤٠ مليون برميل من النفط وتخزينها في الوقت نفسه إرتفعت أسعار برميل النفط المستخرج من حقول ليما من ١٥ سنت/برميل الى ٣٠ سنت برميل. كما أنَّ هيرمان فراش(Herman Frasch) نجح في فصل الكبريت عن النفط وذلك بإستخدام مادة أوكسيد النحاس مما جعله صالحا للاستخدام في إنتاج مادة الكيروسين بعد تخليصه من تلك الرائحة الكريهة التي تشبه رائحة البيض المتعفن. جون روكفلر نجح في تحقيق خطوته الأخيرة من أجل السيطرة على قطاع النفط في الولايات المتحدة من خلال شراء مساحات واسعة من مناطق التنقيب التي أثبتت الدراسات إحتمال تواجد كميات كبيرة من النفط فيها. سنة ١٨٩١م وعلى الرغم من أنَّ شركة ستاندرد أويل كانت غائبة عن مجال إنتاج النفط ف السنوات التي سبقتها, إلا أنها نجحت في تحقيق مستوى إنتاج النفط الخاص بها يعادل ربع كمية النفط الذي يتم إنتاجه في الولايات المتحدة.

أسلوب السرية والكتمان كان ومازال يحكم عمل شركة ستاندرد أويل حيث كانت عملية بناء أكبر مصفاة تكرير للنفط على ضفاف بحيرة ميشيغان في ولاية إنديانا تجري على قدم وساق. مراسل صحيفة شيكاغو تريبيون(Chicago Tribune) وجد أنه من المستحيل الحصول على أي تصريح من مدير المشروع Mr. Marshal الذي كان يجري بناؤه في منطقة وايتينغ (Whiting). المراسل كان يعتقد أنَّ المشروع الذي تشير التقارير الأولية الى أنه عبارة عن مصنع لحوم الخنازير وأن تكلفته تزيد عن ٥ مليون دولار ولكنه كان عاجزا عن الحصول على إجابة أو معلومة مؤَكَّدة.

إنَّ دخول شركة ستاندرد أويل مجال إنتاج النفط أدى الى نقلة نوعية للشركة وقطاع النفط في الولايات المتحدة. السبب هو أنه في السابق, كانت الشركة تقوم بشراء النفط من خلال السوق المفتوح في بورصة نيويورك ومن منتجين مستقلين حيث كانت تقلب الأسعار هبوطا أو صعودا أمرا خارجا عن سيطرتها.

 وكالة جوزيف سييب(Joseph Seep) التي كانت عبارة عن شركة تتبع ستاندرد أويل وتقوم بشراء النفط لحساب الشركة قامت بإرسال رسالة بعنوان (Notice to Oil Producers) مفادها أنَّ أسعار النفط في البورصة لايمكن أن تعتبر منذ تلك اللحظة مصدرا موثوقا من أجل تحديد مصداقية ودقة الأسعار وأن عمليات الشراء سوف تكو بسعر السوق ولكن ليس بالضرورة أن يكون ذلك السعر مرتبطا مع نظيره في البورصة حيث يجري تبادل عقود شراء وبيع النفط. كما أضافت الرسالة أنَّ أسعار شراء النفط الخام سوف يكون مصدرها حصريا من مكتب الشركة. إن شركة ستاندرد أويل بوصفها تسيطر على ٨٥%-٩٠% من إنتاج النفط في حقول منطقة بنسلفانيا و ليما-إنديانا, قد أصبحت هي المسؤولة عن تحديد سعر شراء برميل النفط في الولايات المتحدة.

توفي جون روكفلر سنة ١٩٣٧م عن عمر ثمانية وتسعين ولكنه ترك ورائه إرثا أسطوريا بكل ماتحمله الكلمة من معنى. فقد كان أول ملياردير في تاريخ الولايات المتحدة وقيمة ثروته عند وفاته بلغت ٤٠٠ مليار دولار مما جعل التاريخ يخلِّد إسمه بوصفه حتى تاريخ كتابة هذا الموضوع أنه أغنى شخص وفي الوقت نفسه أغنى رجل أعمال في العالم ولم ينافسه في ذلك إلا ملك مملكة مالي منسي الأول(١٢٨٠م-١٣٣٧م) الذي إقتربت ثروته بمعايير هذه الأيام من حاجز ٤٠٠ مليار دولار.

كانت شركة ستاندرد أويل إنجازا عملاقا عجز عن التفوق عليه المنافسون. لكن الشركة لم تكن إحتكارا كما يصفها المنافسون بل تسيطر على ٨٠% من سوق النفط في الولايات المتحدة وهو أمر كان مرضيا بالنسبة الى مدرائها التنفيذيين ورئيس مجلس إدارتها جون روكفلر خصوصا أنَّ تلك النسبة كانت تضمن القدرة على التحكم في فوضى الأسعار التي سادت في سوق النفط فترة زمنية طويلة.

إنَّ حجم الإنجاز الذي تمكن جون روكفلر من تحقيقه بواسطة شركة ستاندرد أويل أثارة حيرة رجال أعمال أخرين وحتى جهات حكومية أمريكية مثل إدارة التعدين والمصادر الطبيعية(Mineral Resources) التي صرَّحت سنة ١٨٨٢م أنَّ ماقامت به الشركة بلا شك هو عمل عظيم ولكن الحكم عليه من منظور الخير والشر هو أمر غير ممكن. الشركات المنافسة وصفت ستاندرد أويل بأنها أخطبوط وأن جون روكفلر وحش عديم الرحمة وقلبه خالي من المشاعر مما أثار غضب العاملين والمدراء في الشركة. ولكن بالنسبة إلى جون روكفلر, فقد كان لا يهتم لتلك الانتقادات والتي كان بعضها حاداً لأقصى درجة وذلك لأنه كان يعتبر ما قام به لا يخرج عن جوهر و روح الرأسمالية حيث أنه تمكن من تحقيق الإستقرار والقضاء على الفوضى في سوق النفط.

وفي الوقت نفسه, فشل المدراء الذي خلفوا جون روكفلر في إدارة الشركة في محاولتهم تحقيق السيطرة على سوق النفط العالمي حيث برز الى الوجود رجال أعمال وشركات أخرى خارج الولايات المتحدة في أماكن مثل باكو, سومطرة, بورما وإيران تمكنوا من إثبات وجودهم منافسين حقيقيين وإن بقيت السيطرة للشركة والشركات الأخرى التي تفرعت عنها(الأخوات السبعة) ولكنها وجدت نفسها في وضع اضطرت إلى التعايش معه واقتسام سوق النفط مع آخرين.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والمعرفة

رابط الموضوع على مدونة علوم وثقافة ومعرفة

https://science-culture-knowledge.blogspot.com/2022/11/blog-post_5.html

الرجاء التكرم الضغط على رابط الموضوع بعد الإنتهاء من قرائته لتسجيل زيارة للمدونة

النهاية


الحرب هي وسيلة الولايات المتحدة من أجل إنقاذ الدولار

إن سنة ١٩١٣م كانت علامة فارقة في تاريخ البشرية فقد أعلن رسميا عن إنشاء بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة حيث بدأت الخطة العملية من أجل تحقيق سيطرة الدولار على إقتصاد العالم وتحويله إلى عملة احتياط عالمية. ولعله من المفاجئ أن كثيرين ومن بينهم طلاب يدرسون من أجل حصولهم على شهادة في الإقتصاد لايعلمون أنَّ بنك الإحتياطي الفيدرالي هو مؤسسة خاصة تقوم بطباعة الدولار الأمريكي ويمتلكها أشخاص مجهولون.

ولعلها من الصدفة أنه خلال الفترة التي سبقت عام ١٩١٣م, لم يكن هناك قانون ضريبة على الدخل في الولايات المتحدة. ولكن مؤسسة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي التي تطبع الدولار من خلال إصدار الإئتمان, كانت بحاجة الى ضمانة من أجل تسديد تلك القروض وبالتالي تم إصدار قانون ضريبة الدخل حيث يتم تسديد تلك القروض من خلال أموال دافعي الضرائب.

الحقيقة هي أنه في عالم السياسة الدولية, ليس هناك مكان للصدفة بل هي كلمة قد تستخدم من البعض على سبيل السخرية من الحال الذي وصل إليه العالم حيث تندلع الحروب هكذا فجأة وتبقى أسبابها الحقيقة مجهولة. في السنة التالية لإنشاء بنك الإحتياطي الفيدرالي, اندلعت أحداث الحرب العالمية الأولى والتي استمرت من ١٩١٤م إلى ١٩١٨م حيث قتل ما يزيد عن ٢٠ مليون شخص أغلبهم من المدنيين وتم تفكيك الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية وإمبراطورية روسيا القيصرية وفرض تعويضات حرب ضخمة على ألمانيا. الولايات المتحدة دخلت الحرب متأخِّرة سنة ١٩١٧م بعد أن إستنفذت جميع الدول الأخرى قواها ونجحت في تحقيق الإنتصار وفي وضع حد للحرب من خلال إتفاقية فرساي.

ومازلنا نكتشف من خلال المؤرخين ومن خلال الوثائق السرية التي يفرج عنها أسرار الحرب العالمية الأولى. الولايات المتحدة قدَّمت التمويل من خلال القروض الى كل من بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى مقابل الذهب حيث لعب جي بي مورغان دورا رئيسيا وكان هو الوكيل التجاري الوحيد للدول الأوروبية في الولايات المتحدة. فقد كان يشتري الأسلحة والذخائر من المصانع الأمريكية التي يمتلك في الغالب أسهمها ويبيعها الى دول الحلفاء بأسعار مضاعفة ويحقِّقُ أرباحا هائلة.

القروض التي كان ورغان يمنحها الى دول الحلفاء كانت بالدولار الأمريكي حيث ما كان هناك نوع من المعيار الذهبي الذي تعتمد عليه العملة الأمريكية في الحفاظ على ثقة المتعاملين وثبات قيمتها. ولكن في الوقت نفسه لم تكن هناك عملات أوروبية منافسة خلال الفترة التي أعقبت الحرب والسبب هو أن عملات أوروبا قد تحطَّمت وإختفت من الوجود أو إنخفضت قيمتها بسبب الحرب.

سنة ١٩٣٩م اندلعت أحداث الحرب العالمية الأولى بعد هجوم الجيش الألماني على بولندا وتقاسمها وفق إتفاقية شهيرة بين ألمانيا والاتحاد السوفياتي عرف بإسم اتفاقية مولوتوف-ريبنتروب ولكن الحقائق التي تم الكشف عنها لاحقا أثبتت بما لايدع مجالا للش أن بنوك وول ستريت وكما موَّلت ودعمت البلاشفة الشيوعيين ضد روسيا و المانيا القيصرية, فقد كرَّرَت الأمر نفسه مع هتلر والحركة النازية.

الأمر بالنسبة الى الولايات المتحد هو ربما كانت تخطط حربها الجديدة من أجل إستمرار إنقاذ الدولار وبقائه على عرشه. سنة ١٩٤٤م, عقدت إتفاقية بريتون-وودز والتي فرضت خطة مارشال من إعادة إعمار أوروبا وتم قبول الدولار عملة احتياط عالمية. كما تم الإعلان عن إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير. سنة ١٩٧١م, تخلَّت الولايات المتحدة عن إتفاقية بريتون وودز من خلال إعلان الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون التوقف عن مبادلة الدولار مقابل الذهب. ولكن مرة أخرى تلعب تلك الصدفة الملعونة لعبتها من أجل إنقاذ الدولار وتندلع حرب رمضان ١٩٣٧م بين الدول العربية على رأسها سوريا ومصر وبين دولة الكيان الصهيوني وترتفع أسعار النفط ٤٠٠% بسبب الحظر النفطي ضد الولايات المتحدة والدول التي تقدِّم الدعم الى دولة الكيان الصهيوني.

سنة ١٩٧٥م, عقدت اتفاقية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية عرابها كان مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر. إن تلك الإتفاقية تنص على أن السعودية تبيع النفط بالدولار الأمريكي حصريا ومقابل ذلك تقوم الولايات المتحدة بتوفير ضمانات أمنية للعرش السعودي وأولوية في بيع أحدث الأسلحة الأمريكية. الملك فيصل آل سعود تم إغتياله بعد عقد تلك الإتفاقية ببضعة شهور في حادثة لا تزال محاطة بكثير من الغموض حتى يومنا هذا. الولايات المتحدة نجحت مجدَّدأً في أن تفرض الدولار على العالم من خلال إتفاقية جامايكا ١٩٧٦م حيث تم تعويم الدولار الأمريكي أمام العملات الأخرى وإتفاقية بلازا١٩٨٥م حيث تم تحديد أسعار صرف الدولار مقابل العملات الأخرى وهي اتفاقية مكملة للاتفاقية السابقة.

إن سياسة الولايات المتحدة من أجل أن تبقي على الدولار عملة التداول و الإحتياطي العالمي هي افتعال الأزمات الإقتصادية والسياسية والحروب واستخدام مصطلحات براقة يتم تلميعها إعلاميا ومنها الحرب على الإرهاب وهو أحد تلك المصطلحات التي ظهرت خلال الفترة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر. هناك جماعات غامضة الهوية تفجِّر القنابل والفنادق في دول مثل مصر أو تقوم بتفجيرات في العراق وتقاتل القوات الحكومية السورية ولكنها لاتقترب من دولة الكيان الصهيوني.

والسؤال هو أين يقيم قادة تلك الجماعات التي توصف بأنها إرهابية والتي تتبنى هوية إسلامية؟

الجواب هو أنَّهم يقيمون في عواصم الدول الغربية في لندن وباريس وبروكسل واستوكهولم والتي منحتهم صفة لاجئ سياسي ومنزل و راتب من أجل العمل بدوام كامل بوظيفة إرهابي لدى أجهزة الإستخبارات الأجنبية.

إنَّ كل تلك الأمور هي واضحة للغاية ولكن وسائل الإعلام الغربية تعمل على غسيل العقول بأحدث طرق الدعاية والبروباغندا. مراسلة إحدى المحطات الإخبارية الأمريكية تسأل وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف عن القتلى المدنيين في أوكرانيا خصوصا النساء والأطفال ولكنها لا تتجرأ على طرح مثل هذا السؤال على رئيس وزراء دولة الكيان الصهيوني التي في إحدى المناسبات قصفت طائرات إف-١٦ مربعا سكنيا كاملا في قطاع غزة وهدمت العمارات على رؤوس ساكنيها من النساء والأطفال من أجل اغتيال أحد قادة المقاومة الفلسطينية. أو من الممكن أن تسأل تلك المذيعة رئيس الولايات المتحدة السابق باراك أوباما وهو أقرب إليها عن مدينة سرت الليبية التي هدمها طيران الناتو على رؤوس ساكنيها من النساء والأطفال.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية