Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label صندوق النقد الدولي. Show all posts
Showing posts with label صندوق النقد الدولي. Show all posts

Sunday, June 12, 2016

العولمة والطوفان القادم

هناك مفاهيم مثل العولمة وإتفاقيات التجارة الحرة كالجات والنافتا وغيرها قد طغت على أحاديث المجالس والنقاشات في الفترة الأخيرة حيث تنوعت الأراء وتعددت مابين مؤيد ومعارض. الأحاديث لم تقتصر على الأشخاص العاديين بل كبار الكتاب والصحفيين وليست محصورة ببقعة جغرافية معينة. يتم إستغلال الجهل المتفشي والأمية التعليمية والثقافية المنتشرة في بلدان كثيرة لتسويق المفهوم البراق لفكرة العولمة ومصطلحات مرتبطة بها كالرأسمالية وإتفاقيات التجارة الحرة.
لست أظن أن هناك شخصان سوف يتفقان على تعريف مفهوم العولمة ولكن برأي الشخصي فإن التعريف الأنسب لمفهوم كلمة العولمة هي أنها حركة عالمية إقتصادية, ثقافية وسياسية تقوم على مبدأ إلغاء كافة أنواع الحواجز الجمركية والحمائية على المستوى الدولي وتحويل العالم إلى قرية صغيرة.
التقدم المذهل في تكنولوجيا الإتصالات والمواصلات كان السبب الرئيسي في تقديم مصطلح العولمة للعالم وجعله أوسع إنتشارا ولكنه سوف يكون السبب الرئيسي أيضا في تأكل تلك المنظومة بالتدريج وإنهيارها وصولا إلى مرحلة الفوضى.
ولكن السؤال هو هل يعيش العالم بداية تلك المرحلة؟
الإجابة هي نعم والسبب بسيط جدا وهو أن التطبيق الإنتقائي لمفاهيم تمثل جذور الفكرة الأساسية وهي العولمة قد أدى إلى خلق فجوة إقتصادية على وجه الخصوص تزداد مع مرور الوقت. المفاهيم التي تمثل جذور فكرة العولمة هي بإختصار الرأسمالية, التجارة الحرة وثورة الإتصالات وكما يقول المثل فإن الفقراء عندما لن يجدوا مايأكلوه فسوف يلتهمون الأغنياء. حكومات عديدة حول العالم قامت خصوصا أثناء الأزمة الإقتصادية 2007\2008 بضخ كميات كبيرة من أموال دافعي الضرائب لإنقاذ شركات مالية وبنوك متعثرة وفق مفهوم (أكبر من أن تفشل) كما قامت بنقل ملكية عدد من الأصول المتعثرة لجهات حكومية أهمها البنوك المركزية وبنك الإحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة وتم دفع حوافز مالية بالملايين لمدراء تلك الشركات مكافأة لهم على فشلهم. إن ذالك يعد تأميما حكوميا للملكية ويعد وفق مفاهيم العولمة والتجارة الحرة خرقا يصعب رتقه لتعارضه مع أبسط مفاهيمها القائم على الدور الإشرافي للحكومة على حركة التجارة وتعزيز دور الملكية الخاصة.
لايمكن الحديث عن العولمة أو الرأسمالية بدون ان نذكر أهم الشخصيات التي ساهمت بخروج تلك المصطلحات إلى حيز الوجود وتشكيل الوعي حول تلك المفاهيم. الفيلسوف وعالم الإقتصاد السياسي الإسكتلندي أدم سميث وكتابه ثروة الأمم, الفيلسوف وعالم الإجتماع والإقتصاد الألماني كارل ماركس وكتابه رأس المال والإقتصادي البريطاني الأشهر جون كينز مؤلف كتاب النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود.
لم أكمل بعد قرائة كتاب ثروة الأمم للفيلسوف ومنظر الإقتصادي السياسي, الإسكتلندي أدم سميث حيث يتفق الكثير من الخبراء على كونه المؤسس للإقتصاد الحديث والأب الروحي لمفهوم الرأسمالية والذي إنحرف من الناحية التطبيقية عن الصورة التي وضعها سميث في كتابه. أما بالنسبة لكارل ماركس وجون كينز فقد إنهارت نظريتهم بإنهيار جدار برلين بالنسبة لماركس والفقاعات الإقتصادية التي تسببت بها نظرية الفائدة صفر لمحاربة الكساد الإقتصادي بالنسبة لكينز.
إن نظرية الفائدة صفر التي تبناها جون كينز قد تسببت بحركة رؤوس الأموال من البلدان الصناعية بإتجاه البلدان النامية حيث قامت ومع إنهيار جدار برلين وتبني عدد من الدول خصوصا التي كانت تدور في فلك الشيوعية للرأسمالية والخصخصة بشراء الأصول والشركات ومصادر الموارد الطبيعية. السبب بسيط جدا وهو أن رؤوس الأموال تلك تبحث عن معدل أعلى للربح بسبب إرتفاع الفائدة في البلدان النامية والتي يعد تصنيفها الإئتماني منخفضا.
إتفاقيات التجارة الحرة هي السبب الرئيسي في الفجوة الإقتصادية التي بدأت بالإتساع منذ بداية التسعينيات مع تفكك الإتحاد السوفياتي وإنهيار جدار برلين. الشركات العالمية العملاقة ورؤوس الأموال العابرة للقارات تقوم بشراء المواد الخام من الدول النامية والفقيرة وبأرخص الأسعار عبر شركات إحتكارية ثم تعيد بيعها لتلك الدول على شكل بضائع وبأسعار مرتفعة. شركة الهند الشرقية البريطانية  كانت أهم من ساهم في التأسيس لتلك الممارسات وإستخدام القوة العسكرية في حال رفض الدول والأفراد القبول بمنح الإمتيازات لممثليها في المناطق التي تسيطر عليها الشركة بإسم الإمبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس.
الشركات المحلية خصوصا في الدول النامية سوف يكون مفروضٌ عليها المنافسة ولكن على مستوى عالمي وفق إتفاقيات التجارة الحرة وتحرير التجارة التي تلزم الدول الموقعة لها على إزالة الحواجز التجارية والتعرفات الجمركية الحمائية بما يعرضها لمنافية شرسة من شركات عابرة للقارات تمتلك الخبرات التقنية ورأس المال. النتيجة هي تركيز الثروة في يد الأقلية(النخبة), إقفال عدد كبير من الشركات التجارية الصغيرة والمتوسطة أبوابها وزيادة نسبة البطالة وإنخفاض مستوى الدخل وذالك لعجز تلك الشركات عن المنافسة, فحتى لو كان رأس المال موجودا فسوف تنقصها الخبرة والعكس صحيح.
إن الشروط التي تضعها المؤسسات الإقتصادية والمالية الدولية التي أنشئت بموجب إتفاقية بريتون وودز 1944 كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي على الدول مقابل القروض الممنوحة لها هي كارثة بكل المعايير والمقاييس وتعد شكلا من أشكال العبودية الإقتصادية. وعلى رأس تلك الشروط هو إنضمام تلك الدول لإتفاقيات التجارة الحرة والخصخصة حيث تكون النتيجة تخلي الدولة عن دورها الرئيسي كمسؤولة أمام المواطن عن تقديم الخدمات إلى دور إشرافي. حتى أنه في اغلب الدول التي إبتليت بداء إتفاقيات التجارة الحرة كالجات فإن ذالك الدول الإشرافي يكون مجرد حبر على ورق.
إن إستمرار الأمور في نفس المسار التي هي عليه حاليا خصوصا حركة تحرير التجارة وسيطرة الشركات ورؤوس الأموال العابرة للقارات وتحكمها في حركة التجارة الدولية بل وبالسياسات التي تحكم تلك الحركة التجارية, فإن الإقتصاد العالمي يسير نحو حافة الهاوية بخطى متسارعة. كما أن الحركة الإنسانية تعاني من التفسخ والإنحلال تحت تأثير بريق العولمة المغري للكثيرين مالم يكن هناك تدخل من حركة عالمية تقوم بالتوعية ويكون هدفها الأسمى مصلحة البشرية والإنسانية.
النهاية

Tuesday, December 15, 2015

هل سوف تنقذ حقوق السحب الخاصة(SDR) العالم من أزمته الإقتصادية القادمة؟

بتاريخ إبريل\26\2011 صرح وزير الخزانة الأمريكي تيموثي غينر(Timothy Geithner) بأنه لا مصلحة للولايات المتحدة بدولار ضعيف لتكتسب أفضلية على شركائها التجاريين فمنذ إتفاقية بريتون وودز سنة 1944 فإن الدولار يعد العملة الإحتياطية العالمية لعدة أسباب منها خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب العالمية الثانية منتصرة وببنية تحتية ومالية لم تتضرر من أثار الحرب والحاجة الملحة في اوروبا لأموال إعادة الإعمار الأمريكية بموجب خطة مارشال.
يعد الإحتياطي الذي تراكمه الدول بسبب الفوائض التجارية التي تنتج عن التجارة الخارجية أو الصادرات أو المشاريع الحكومية بمثابة رصيد إحتياطي للأيام السوداء حيث يمكن إستثماره من قبل الصناديق السيادية في مشاريع خارجية أو إيداعه في البنك المركزي لدعم العملة المحلية أو دعم الصادرات.
حاليا فإن الدولار لايشكل العملة الإحتياطية الوحيدة في العالم وخصوصا بعد إنهيار إتفاقية بريتون وودز بإعلان الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون سنة 1971 إلغاء عملية إستبدال الدولار الأمريكي مقابل الذهب بسعر 35 دولار للأونصة بموجب الإتفاقية. يشكل الدولار بحسب إحصائيات صندوق النقد الدولي فإن الدولار الأمريكي يشكل مانسبته 61% من الإحتياطي النقدي العالمي مقابل 25% لليورو. ولكن موقع الدولار كعملة إحتياطية ينحدر ولو ببطئ حيث كان يشكل سنة 2000 مانسبته 71% من الإحتياطي النقدي العالمي حيث كان ذالك نتيجة زيادة نسبة التجارة بين أوروبا وأسيا وبين الدول الأسيوية نفسها.
ولكن ماهي اللحظة التي يمكن إعتبار الدولار فقد مركزه كعملة إحتياطية عالمية؟ هل عندما تبلغ نسبته كعملة إحتياطية نسبة 49%, أو عندما تتساوى نسبته العملة الإحتياطية الأخرى المقابلة وهي على الأرجح سوف تكون اليورو؟
في الحقيقة فإن الدولار في الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى قد أصبح بحكم الواقع العملة الإحتياطية الرئيسية في العالم حيث تبادل الأدوار مع الجنيه الإسترليني خصوصا سنة 1933 حين تم تخفيض قيمة الدولار الأمريكي لصالح الصادرات وإنعاش الإقتصاد إثر أزمة الكساد العظيم.
في الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى حتى إتفاقية بريتون وودز سنة 1944 فإن كلا من الجنيه الإسترليني والدولار الأمريكي على الرغم من تبادلهما الأدوار كعملات إحتياطية فإنهما بقيا مرتبطين بالذهب ولكن في الفترة التي تلت الإتفاقية فقد أصبح الدولار هو العملة الإحتياطية الوحيدة عالميا وفي الفترة التي تلت سنة 1971 فقد تم فك إرتباطه بالذهب.
إن سياسة تكوين تحالفات تجارية مثل البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون قد تساهم في ظهور تكتلات تعتمد عملة أحد الدول الأعضاء كعملة إحتياطية خاصة بها مما سوف يساهم بظهور أكثر من عملة إحتياطية على المستوى العالمي مما يهيئ المسرح لنوع من المنافسة بدلا من الإنحدار إلى جولة مضاربات جديدة بين عشرات العملات مما ينذر بالفوضى والحروب الإقتصادية.
إن حقوق السحب الخاصة تعد من أكثر مظاهر النظام المالي العالمي غموضا وإسائة للفهم. إن ذالك يعود لمجموعة أسباب لعل أهمها أنها لم توضع محل الإستخدام إلا في مناسبات نادرة ومعدودة.
حقوق السحب الخاصة عبارة عن عملة عالمية يصدرها من العدم(الفراغ) صندوق النقد الدولي ويتحكم فيها حيث يتم إرسالها فورا لحساب الدولة المتلقية وتودع كعملة إحتياطية.
البعض يعتبر أن وصف حقوق السحب الخاصة بالنقود غير منصف حيث أنه لايمكن تداولها بين الناس ولكن هناك رأي أخر يعتمد مجموعة عوامل تجعل إعطائها صفة نقود أمر مقبولا وواقعيا. أول تلك العوامل هو أن عددا من الدول تقوم بالإحتفاظ بجزء من إحتياطيها النقدي على شكل حقوق سحب خاصة. ثاني تلك العوامل أن الدول تقوم بتسوية مدفوعات الفوائض التجارية أو تلك الناتجة عن العجر التجاري المتبادل بموجب حقوق السحب الخاصة. ثالث تلك العوامل هو أن صندوق النقد الدولي يحتفظ بسجلات مالية مفصلة لإصدارات حقوق السحب الخاصة يضاف إلى ذالك إحتفاظه بعدد من أصوله مقومة بموجب تلك العملة.
الفرق بين حقوق السحب الخاصة وغيرها من العملات الورقية هو أن حقوق السحب الخاصة لايمكن تداولها بين المواطنين والشركات. ولكن تلك مشكلة يعمل صندوق النقد الدولي على حلها حيث يعتزم إصدار حقوق سحب خاصة تراعي تلك النوعية من العقبات التي تمنع إنتشارها وتعميمها.
هناك سبب أخر لرفض وصف حقوق السحب الخاصة بكونها نقود وهو له علاقة بكونها أداة تقييم أو سلة لعملات أخرى(سلة عملات) أو أداة تسعير وبالتالي هي لا تمتلك قيمة منفصلة بذاتها عن العملات الورقية. إن تلك المزاعم باطلة لسببين, الأول هو أن إصدار أي كمية من حقوق السحب الخاصة غير مرتبط بأي من العملات الورقية لسلة العملات التي تعد حقوق السحب الخاصة اداة لتقييمها وبالتالي فإن غير ملزمة بالإرتباط بتلك العملات خصوصا من ناحية الكمية.
السبب الثاني هو أنه سلمة العملات تلك غير ثابته ويمكن تغييرها وهو مايفكر فيه صندق النقد الدولي ومنح اليوان الصيني دورا في سلة العملات مقابل إنخفاض الدور الذي يلعبه الدولار الأمريكي في تكوين تلك السلة.
خرجت حقوق السحب الخاصة(SDR) للوجود سنة 1969 والتي تميزت بحالة عدم إستقرار إقتصادي وسياسي خصوصا حرب فيتنام وتخفيض قيمة الدولار الأمريكي مما جعل إحتياطيات بعض الدول من العملة الصعبة في وضع لا تحسد تلك الدول عليه. بين سنتي 1969-1981 فقد تم إصدار عدد من حقوق السحب الخاصة ولكن بكميات صغيرة نسبيا تعادل 33.8 مليار دولار بسعر صرف أبريل 2011. الإصدار الأصلي لحقوق السحب الخاصة تم بالإعتماد على وزن الذهب والذي تم إلغائه بدلا من ذالك والإعتماد على سلة عملات لتقييم حقوق السحب الخاصة.
في سنة 2008 وبسبب الأزمة المالية التي بدأت في الولايات المتحدة وإجتاحت الأسواق المالية العالمية فقد برزت الحاجة لكمية ضخمة من المال وبسرعة لمساعدة الأسواق على التعافي. الجهود التي قادتها مجموعة(G-20) وتم فيها إستخدام صندوق النقد الدولي كأداة حيث تم إصدار 289 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة بسعر صرف إبريل 2011. تلك الجهود والتي تم تعمد تجاهلها من قبل الإعلام والصحافة الإقتصادية تعد بداية الترويج لحقوق السحب الخاصة لتحل محل الدولار كعملة إحتياطية عالمية. وعلى الرغم من ذالك فإن العملات التقليدية لن تختفي من التداول بل سوف تعزز دور حقوق السحب الخاصة التي سوف يتم إستخدامها بين الدول لتسوية ميزان المدفوعات التجارية والصفقات التجارية بين الدول.
صندوق النقد الدولي قام بتوسيع قدراته للإقراض بواسطة حقوق السحب الخاصة من 250 مليار دولار إلى 580 مليار دولار سنة 2011 وذالك بواسطة قروض من الدول الأعضاء في الصندوق والتي يصدر في مقابلها حقوق السحب الخاصة لتلك الدول.
ولكن هل تعد حقوق السحب الخاصة تمهيدا لمنح دور أكبر لصندوق النقد الدولي ليقوم بدور البنك المركزي العالمي تحت توجيها مجموعة(G-20)؟
قد يكون الجواب نعم إن كان هناك توافق دولي على ذالك وخصوصا أن صندوق النقد الدولي يقوم حاليا بكافة مهمات البنوك المركزية فهو يقوم بإصدار عملته(حقوق السحب الخاصة) والتي تعد مقبولة عالميا ويقوم بإقراض الدول والإقتراض منها ودوره يتزايد بإستمرار على المستوى العالمي مساهما في حل الأزمات والإنهيارات الإقتصادية التي تتعرض لها دول العالم.
المشكلة أنه لتعميم حقوق السحب الخاصة وتمكينها من لعب دور عملة إحتياطية بديلة عن الدولار الأمريكي فيجب أن يكون هناك سوق يتم تداول تلك الحقوق فيه مشابه لأسواق الأسهم والسندات وأن يكون هناك إصدار سندات دين حكومية بحقوق السحب الخاصة ومتعاملين وبائعين وعقود مستقبلية ومشتقات لتوفير السيولة. حل تلك المشكلة وإيجاد تلك الأسواق والبورصات يحتاج إلى فترة زمنية طويلة لا يمتلكها المخططون الإقتصاديون حيث أن بنك الإحتياطي الفيدرالي سنة 2011 قد أصبح غير بجهوده الفردية على توفير السيولة على المستوى العالمي. الدولار تنخفض قيمته وهناك خطط فعلية لإزاحته من عرشه الذي إحتله منذ سنة 1944 كعملة إحتياطية عالمية. اليوان الصيني ليس جاهزا ليحل محل الدولار الأمريكي. اليورو يمر بأزمة ديون سيادية أوروبية لم تتضح بعد كامل نتائجها أو التوقيت اللازم للتعافي منها.
على صندوق النقد الدولي التصرف وبسرعة وقد فعل ذالك. في سنة 2011 تم تقديم ورقة بحث من قبل الصندوق عنوانها (Enhancing International Monetary Stability-A role for the SDR تعزيز إستقرار النظام المالي العالمي - دور لحقوق السحب الخاصة؟) حيث تحتوي تلك الورقة على خارطة طريق لإحلال حقوق السحب الخاصة مكان الدولار كعملة إحتياطية عالمية. خارطة الطريق تتضمن كل الخطوات اللازمة والمعلومات الضرورية لإنشاء سوق سيولة مالية لحقوق السحب الخاصة, الخطوات اللازمة لتحويلها لعملة الإحتياط العالمية, الجهات المحتمل أن توكل بمهمة إصدار تلك الحقوق, البائعون والمشترون المحتملون, ألية تسعير وتواريخ الإستحقاق, عبارة عن ألية متكاملة خطوة بخطوة. حتى أنه كان هناك إقتراح لمنح دور أكبر لليوان الصيني على حساب الدولار الأمريكي فيما يتعلق بحقوق السحب الخاصة فهل كان قرار صندوق النقد الدولي والذي تم إتخاذه مؤخرا-2015 بإدخال اليوان في سلة عملاته الدولية الخطوة الأولى في خارطة الطريق المتعلقة بإحلال حقوق السحب الخاصة مكان الدولار كعملة إحتياطية عالمية؟ هناك أيضا من يتسائلون عن الخطط المتعلقة بإعطاء الصين صوتا مضاعفا عند التصويت على القرارات المتخذة في صندوق النقد الدولي فهل ذالك أيضا يدخل ضمن الخطط المتعلقة بحقوق السحب الخاصة كعملة أحتياطي عالمية؟
الخطة بشكل عام كانت متفائلة بخصوص توقيت التنفيذ وسريته وبأقل قدر ممكن من الدعم من قبل العامة وإقترحت مبدئيا طباعة وطرح 200 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة في الأسواق كل سنة وأن ذالك سوف يكون كافيا كبداية.
ويبقى السؤال هو هل سوف يستطيع صندوق النقد الدولي تنفيذ ماورد في ورقته البحثية في فترة زمنية مدتها خمسة سنين, أي بحلول نهاية عام 2016 تقريبا أو قبل حلول الأزمة الإقتصادية القادمة والتي يزعم المتخصصون أنها سوف تتجاوز أزمة 2007\2008 بمسافة كبيرة خصوصا مع تذبذب سعر صرف الدولار الأمريكي, فقاعة الأصول العقارية في الصين, نمو حجم الدين السيادي الأمريكي ومشكلة الديون السيادية الأوروبية؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Wednesday, January 21, 2015

ماهي العوامل التي أدت إلى الإعلان عن إنهيار إتفاقية بريتون وودز سنة 1973؟

عندما كانت الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها, فإن تحالفا من الدول المنتصرة في الحرب كان للولايات المتحدة وبريطانيا فيه دور رئيسي, قد قرر وضع أساس نظام مالي وإقتصادي عالمي تمت الترتيبات النهائية له في شهر حزيران 1944 في سلسلة إجتماعات عقدت في فندق مونت واشنطون الذي يقع في غابات بريتون في ولاية نيوهامبشر. النتيجة مجموعة قوانين إستمر العمل بها من سنة 1944 إلى سنة 1973 حيث تميزت تلك الفترة بإنخفاض مستوى التضخم, إزدهار إقتصادي, إنخفاض مستوى البطالة وإرتفاع المستوى الحقيقي للأجور. كما ان إتفاقية بريتون وودز أفرزت البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كمؤسسات للإشراف على التطبيق الدقيق لتلك الإتفاية ومدى إلتزام الدول الأعضاء بها.
كما أن تلك الفترة الزمنية قد إختلفت عن الفترة التي تلت إنتهاء الحرب العالمية الأولى سنة 1921 وصولا إلى سنة 1936 حيث أن إتفاقية بريتون وودز قد أدت إلى إستقرار أسعار الصرف والأسواق المالية نتيجة ربط العملات بطريقة غير مباشرة بالذهب عن طريق سعر ثابت 35 دولار أمريكي للأونصة الواحدة من الذهب. الإقراض قصير الأجل كان يتم من قبل صندوق النقد الدولي لبلدان معينة في حالات خاصة وهي عجز في الميزان التجاري يرافقه تضخم مفرط.
وعلى الرغم من أن هناك العديد من الدول الموقعة على تلك الإتفاقية فإن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي فرضت أغلب الشروط الملائمة لها حيث كانت في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية بلا منافس حقيقي سوى الإتحاد السوفياتي والذي إنهار سنة 1991.
أول بوادر إنهيار تلك الإتفاقية كانت بدأت مع إنتخاب ليندون جونسون سنة 1964 رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية حيث ساهمت سياساته القائمة على الحرب في فيتنام والتوسع في البرامج الإجتماعية والإعفائات الضريبية فيما يعرف بالمسدس والزبدة(Gun and Butter) في تزايد عجز الموازنة بشكل مثير للقلق. إن تلك السياسة والتي أدت إلى زيادة الإنفاق كانت نقطة تحول حقيقية من السياسة الإقتصادية الناجحة والتي إتبعتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكن لأسباب متعلقة بمراكمة الولايات المتحدة لنمو إقتصادي داخلي ونفوذ سياسي خارجي لفترة طويلة فإن الأثار السلبية لتلك السياسة لم تظهر إلا بعد فترة زمنية طويلة.
على الرغم من مركزية السياسات المالية والتضخم في الولايات المتحدة والتي تعلقت بها الجولة الثانية من المضاربة على أسعار صرف العملات على مستوى العالم إلا أن البداية كانت في المملكة المتحدة(بريطانيا) والتي أدت مجموعة أحداث فيها إلى أول تخفيض في قيمة الجنيه الإسترليني في بريطانيا سنة 1967 منذ إتفاقية بريتون وودز.
من المعلوم أنه حتى نهاية الحرب العالمية الثانية فإن الجنيه الإسترليني كان يشكل نسبة كبيرة من العملة الإحتياطية الرئيسية للبنوك المركزية حول العالم أكثر من الدولار الأمريكي ولكن بنهاية سنة 1965 فإن نسبته لم تتعدى 26% مقارنة بالدولار الأمريكي. كما أن ميزان المدفوعات البريطاني بدأ يتدهور منذ سنة 1960 حتى أصبح تدهور بشكل حاد نهاية سنة 1965. أسباب ذالك التدهور قد لاتخفى على الكثيرين حيث أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فقد إستقلت الكثير من البلدان التي كانت تحت الإحتلال البريطاني كالعراق والسودان ومصر والهند والتي كانت تلقب بدرة التاج البريطاني مما أدى إلى خسارة بريطانيا للكثير من الأسواق لتصريف منتجاتها والحصول على المواد الأولية الرخيصة وبالتالي إلى تدهور إقتصادها وقيمة عملتها وحتى مكانتها الدولية بشكل تدريجي.
العجز في الميان التجاري لم يكن هو المشكلة الرئيسية بل الكتلة النقدية المتوفرة من الجنيه الإسترليني خارج المملكة المتحدة والتي من الممكن مبادلتها بالذهب أو بالدولار الأمريكي داخل المملكة المتحدة حيث وصلت سنة 1965 إلى أربعة أضعاف. إن ذالك يعني أنه مقابل كل أربعة جنيهات إسترلينية خارج المملكة المتحدة فإن هناك مايعادل قيمة جنيه واحد بالدولار أو بالذهب يمكن مبادلته داخلها.
كانت هناك مجموعة من الإجرائات من قبل الحكومة البريطانية لمواجهة تلك المشكلة ومنع إنهيار الجنيه الإسترليني منها خطوط إئتمان دولية, مبادلة الخطوط الإئتمانية مع بنك الإحتياطي الفيدرالي في نيويورك, حزمة إجرائات تقشفية وتدخل مفاجئ في سوق العملات.
ثلاثة أزمات مر بها الجنيه الإسترليني في الفترة الممتدة من 1964 إلى 1966 وأمكن تجاوزها ولكن الأزمة سنة 1967 كانت ضربة قاضية لقيمة الجنيه الإسترليني بسبب مجموعة عوامل ساهمت فيها. أول تلك العوامل هو إغلاق قناة السويس في حرب الأيام الستة سنة 1967, التوقعات بتخفيض قيمة الجنيه الإسترليني بسبب إستعداد بريطانيا للإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي. النتيجة كانت أن التضخم بدأ بالإزدياد كما في الولايات المتحدة ولكن الحكومة البريطانية عملت على إبقائه تحت السيطرة لمجموعة أسباب أهمها زياة نسبة البطالة والتي يعني زيادة التضخم تحويلها من سيئ إلى أسوأ.
وبسبب إستمرار عمليات بيع الجنيه الإسترليني وفشل الحكومة البريطانية بالحد منها فقد تم بتاريخ نوفمبر 18 1967 القيام بتخفيض قيمة الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي من 2.80$ إلى 2.40$ لكل جنيه إسترليني, مانسبته 14% تخفيض في القيمة. إن قيام بريطانيا في ذالك التاريخ بتخفيض في قيمة عملتها يعد أول شرخ ملحوظ في إتفاقية بريتون وودز التي بدأت بالتداعي والإنهيار.
كانت هناك بوادر لإنهيار تلك الإتفاقية لعل أولها كانت محاولة العديد من الدول تعزيز إحتياطي الذهب في بنوكها المركزية لظهور علامات غير صحية بخصوص قيمة الدولار الأمريكي ومحافظته على مركزه كإحتياطي عالمي.
منذ سنة 1961 فإن تجمع الدول المتعاملة بالذهب قد إستخدمت لندن كمركز لعمليات الأسواق المفتوحة حيث تقوم الدول المشتركة بإستخدام إحتياطي الدولار والذهب في بنوكها المركزية بشكل مشترك من أجل القيام بعمليات بيع وشراء الدولار والذهب للمحافظة على سعر 35 دولار للأونصة بحسب إتفاقية بريتون وودز. تلك الدول هي الولايات المتحدة, بريطانيا, فرنسا, ألمانيا, بلجيكا, إيطاليا, هولندا, سويسرا حيث تقوم الولايات المتحدة بالمساهمة بما نسبته 50% من المصادر اللازمة للمساهة في الإيفاء بالغاية التي تم تأسيس ذالك التجمع بموجبها وهي المحافظة على سعر 35 دولار لأونصة الذهب.
وهنا سوف نعرج على نقطة بسيطة وهي أنه من المعروف أن إنخفاض قيمة الدولار الأمريكي يقابلها زيادة في شراء الذهب من قبل الحكومات وحتى الشركات والأفراد والعكس صحيح. ذالك التجمع كانت الغاية منه تجنب ماحصل سنة 1960 حين تسبب التدافع في شراء الذهب إلى إرتفاع سعره إلى 40 دولار للأونصة مما أدى إلى إنخفاض في قيمة الدولار والإخلال بشروط إتفاقية بريتون وودز.
كانت البنوك المركزية وبناء على تعليمات حكوماتها تقوم بعمليات البيع والشراء في السوق المفتوح والمحافظة على سعر 35 دولار للأونصة ولكن منذ سنة 1965 فإنه من الملاحظ أن العمليات التي كانت تجري محصورة في البيع فقط.
في فبراير 1965, طالب الرئيس الفرنسي تشارلز دي جالي بإلغاء الإعتماد على الدولار كعملة إحتياطية عالمية والعودة إلى المعيار الذهبي الكلاسيكي كون الذهب يشكل أساس نظام نقدي ومالي لا جدال فيه ولا يحمل هوية أو بصمة دولة معينة. في يناير كانون الثاني سنة 1965 أعلنت فرنسا عن قيامها بتحويل ماقيمته 150 مليون دولار من إحتياطها النقدي إلى ذهب وأعلنت نيتها تحويل 150 مليون دولار أخرى. إسبانيا تبعت فرنسا وقامت بتحويل 60 مليون دولار من إحتياطها إلى ذهب.
ماقامت به فرنسا وإسبانيا بالإضافة إلى إتجاه دول أوروبية للقيام بتحويل إحياطها من الدولار كليا أو جزئيا إلى ذهب, قد جاء في نفس التوقيت الذي كانت فيه الشركات الأمريكية تقوم بشراء أصول في الدول الأوروبية بالدولار الأمريكي المبالغ في قيمته حيث شبه الرئيس الفرنسي تشارلز دي جالي الأمر بأنه أشبه بالمصادرة أو التجريد من الملكية.
كانت هناك مشكلتان تواجهان بشكل مبدئي العودة للمعيارا لذهبي الكلاسيكي وتؤجلان العمل به. المشكلة الأولى كانت الإلتزام بتخفيض قيمة العملات بما فيها الدولار مقابل الذهب مما قد يعني مضاربة على أسعار الصرف بين الدول الموافقة والمعارضة على عودة العمل بالمعيار الذهبي الكلاسيكي. المشكلة الثانية كانت أن المستفيد الأكبر من إرتفاع قيمة الذهب مقابل الدولار هي الدول المنتجة له, نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والإتحاد السوفياتي كانا أكبر المستفيدين كونهما من أكبر منتجي الذهب في العالم.
الولايات المتحدة كان لها حليف في أوروبا وهو ألمانيا الغربية التي أرسل محافظ بنكها المركزي المعروف بإسم دوتشسي بوندزبانك(Deutsche Bundesbank) إلى وليام ماتشينزي مارتن مدير مجلس المحافظين للبنك الفيدرالي الأمريكي رسالة سرية يؤكد له فيها أن ألمانيا لم تقم منذ سنين طويلة بتحويل أي من إحتياطي الدولار لديها إلى ذهب وأنها لا تنوي القيام بذالك في المستقبل القريب. ألمانيا الغربية راكمت إحتياطي من الدولار الأمريكي نتيجة ميزان تجاري إيجابي لصالحها مع الولايات المتحدة بالإضافة إلى تواجد اعداد كبيرة من القوات الأمريكية فيها والتي إستمرت الولايات المتحدة كعرفان باللفتة الألمانية الغربية الإيجابية بإستمرار تحمل تكلفة تلك القوات.
بحلول شهر مارس 1968 فقد كان معدل عمليات البيع من تجمع الدول المتعاملة بالذهب في لندن قد وصل إلى 30 طن متري في الساعة مما أدى بتاريخ 15 من مارس إلى إغلاق السوق لمدة أسبوعين في محاولة يائسة لوقف ذالك النزيف. الكونجرس الأمريكي قد قام بعد أيام قليلة من إغلاق تجمع الدول المتداولة للذهب في لندن بإلغاء قانون يلزم إرتباط العملة الأمريكية بكميات معينة من الذهب مما أدى إلى إطلاق يد الحكومة الأمريكية للمحافظة على سعر 35 دولار للأونصة من الذهب وبالتالي المحافظة على قوة عملتها. ولكن كل تلك الإجرائات كانت بلا فائدة فبنهاية شهر مارس 1968 إنهار تجمع الدول المتعاملة بالذهب في لندن وفق إتفاقية بريتون وودز وأصبح التعامل بالذهب بيعا أو شرائا يمر بمرحلتين. المرحلة الأولى هي مبادلته بسعر 35 دولار للأونصة بحسب إتفاقية بريتون وودز والمرحلة الثانية بيعه بسعر السوق المفتوح وهي 40 دولار أو أكثر للأونصة وتحقيق أرباح وتكرار نفس العملية مما عرض الولايات المتحدة وإحتياطها من الذهب لضغط كبير. ساهمت بعض الإجرائات التي تم إتخاذها من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا خصوصا إجرائات تقشفية في إستعادة التوازن للأسواق المالية في أواخر سنة 1968 وسنة 1969 ولكن لم يعد يخفى على أحد أن إتفاقية بريتون وودز في طريقها للإنهيار الكامل.
صندوق النقد الدولي(IMF) قام سنة 1969 بالإستجابة للنقص في كميات الذهب المعروضة في الأسواق بإنشاء مايسمى حقوق السحب الخاصة(SDR) والتي تكون متناسبة مع حصص كل دولة في الصندوق وتستخدم لتسوية العجز التجاري في ميزانية المدفوعات بين الدول أو بنوكها المركزية. كميات صغيرة من حقوق السحب الخاصة تم إصدارها بين سنتي 1970-1972 ولم يتم إعادة إصدارها حتى سنة 2009 في خضم الأزمة المالية العالمية الأسوأ منذ أزمة الإثنين الأسود سنة 1929.
الثغرة الأخيرة التي أدت إلى الإنهيار الكامل لإتفاقية بريتون وودز وإعلان نيكسون عن إلغاء إرتباط الدولار بالذهب بشكل نهائي سنة 1971 هو إتفاق جينتلمان بين بعض البنوك المركزية الرئيسية بعدم الضغط بإتجاه تحويل الدولار إلى ذهب رغم زيادة كميات الدولار في الأسواق.
نيكسون والذي أعلن قراره في 15 أغسطس 1971 مقاطعا البرنامج التلفزيوني الأكثر شعبية في تلك الفترة (Bonanza) قد قام بتبرير قراره بأنه لن يسمح بترك الدولار رهينة بيد المضاربين الدوليين. ولكن الحقيقة أن السياسات النقدية الأمريكية المتساهلة وخصوصا طباعة كميات كبيرة من الدولار لتغطية نفقات الحرب والبرامج الإجتماعية المتزايدة والعجز في الميزان التجاري للولايات المتحدة هم من كانوا السبب في مشاكل الدولار وليس المضاربين الدوليين.
صدمة نيكسون والتي عرفت بها قرارات سنة 1971 تضمنت ضريبة على كافة المستوردات بنسبة 10% وسياسة تحديد للأجور والأسعار بالإضافة لفك إرتباط الدولار بالذهب قد تم دراستها وإعدادها وإعلانها بطريقة مفاجئة وسرية وبدون إستشارة صندوق النقد الدولي أو حتى شركاء الولايات المتحدة في إتفاقية بريتون وودز. السبب هو الضغوطات التي تعرض لها الدولار الأمريكي في الفترة التي سبقت إتخاذه لتلك القرارات المفاجئة بعدة أسابيع حيث قامت سويسرا بإستبدال دولارات أمريكية بما يعادل 40 طن متري من الذهب وفرنسا التي أصبحت بفضل إتفاقية بريتون وودز تمتلك ثالث أكبر إحتياطي من الذهب خلف الولايات المتحدة وألمانيا وبقيت كذالك حتى سنة 2011 بحسب المعلومات المتوفرة.
الهدف من إعلان نيكسون هو تخفيض في سعر صرف الدولار لجعل الصناعات الأمريكية تنافسية في الأسواق الدولية ولكن المشكلة أن إعلان فك إرتباط الدولار بالذهب لم يكن ليكون له ذالك التأثير فكثير من الدول قامت عمليا بتعويم قيمة عملتها في فترة سابقة لسنة 1971 ولكن قرار 10% ضريبة على المستوردات كان هو الحل السحري بيد نيكسون لإجراء التخفيض المطلوب في قيمة الدولار وإلغاء تلك الضريبة الإستثنائية مع وصول سعر صرف الدولار للقيمة المطلوبة. المفاوضات بذالك الخصوص تولاها سكرتير الخزانة جون كونالي وهو من ولاية تكساس.
وحتى نفهم تأثير ضريبة المستوردات على إنخفاض سعر صرف الدولار مقابل العملات الأخرى فإن أي تخفيض في قيمة الدولار يقابله إرتفاع قيمة صرف العملات الأخرى والتي هي مرتبطة بسعر صرف الدولار بشكل أو بأخر. فعندما أعلنت اليابان تعويم عملتها مقابل الدولار, إرتفعت قيمة الين 7% مقابل الدولار فإذا أضفنا إليها ضريبة المستوردات 10% فتصبح الزيادة في القيمة الإجمالية لأسعار الصادرات اليابانية للولايات المتحدة هي 17% ونقيس على ذالك بقية العملات. تلك الإنعكاسات جعلت قرارات نيكسون موضع ترحيب من قبل أصحاب  صناعة السيارات وصناعة الفولاذ وحديد التسليح وغيرها من الصناعات خصوصا الثقيلة والتي كانت تعاني بشدة من المنافسة في أسواقها الداخلية في الولايات المتحدة من قبل نظرائها في اليابان وألمانيا وغيرها من البلدان.
الإجتماع والذي عقد في أولخر شهر سيبتمبر من سنة 1971 لمجلس الإستشاريين لإتفاقية الجات(الإتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة) للنظر فيما إذا كان قرار الولايات المتحدة بفرض ضريبة الإستيراد 10% تعارض نصوص الإتفاقية. ناثائيل صموئيل ممثل الولايات المتحدة في الإجتماع لم يكلف نفسه عناء تقديم تبريرات أو الدفاع عن موقفه إلا بشكل محدود جدا يكاد لا يذكر كما أن اليابان والدول الأوروبية الأخرى لم تكن ترغب بإستعداء الولايات المتحدة وإتخاذ إجرائات مضادة وخصوصا أنها القوة الوحيدة التي تعد مؤهلة لموازنة التهديد الذي يمثلة الإتحاد السوفياتي خصوصا لدول أوروبا الغربية.
في إجتماع قمة الدول العشرة(G10) والذي عقد في سيبتمبر من سنة 1971 فإن ممثل الولايات المتحدة جون مونالي قد طلب من ممثلي الدول التسعة الاخرى منها سويسرا والتي لم تكن بعد منضمة لعضوية صندوق النقد الدولي, بإتخاذ الإجرائات الضرورية لعكس ميزان المدفوعات التجاري الخاص بالولايات المتحدة من سالب 5 مليار دولار إلى إيجابي 8 مليار من دون تقديم أي توضيحات عن كيفية تحقيق ذالك وترك ممثلي الدول التسعة الأخرى يتناقشون في تلك الوقاحة الغير مسبوقة وتلك النوعية من الشروط.
بعد أسبوعين من إجتماع لندن, وفي أوائل شهر أكتوبر من السنة نفسها فقد تم عقد إجتماع في واشنطون لصندوق النقد الدولي حيث لم يتم تحقيق تقدم يذكر وحيث بدأت أثار ضريبة الإستيراد الأمريكية تظهر أثارها بشدة خصوصا في تصريحات بعض المسؤولين الذين حضروا الإجتماع. وزير التجارة الكندي جان لوك بيبان صرح بأن بلاده سوف تفقد 90 ألف وظيفة تقريبا بسبب ضريبة الإستيراد الأمريكية خلال السنة الأولى لتطبيقها.
صندوق النقد الدولي إقترح مجموعة حلول منها مزيد من القيود حول تذبذب أسعار صرف العملات نتيجة تخفيض في قيمتها, إصدار المزيد من حقوق السحب الخاصة(SDR) وإنشاء بنك مركزي عالمي. ممثل الولايات المتحدة كونالي كان مصرا على مطالبه وليس مهتما بطريقة تحقيقها والتنازل الوحيد الذي قدمته الولايات المتحدة هو رفع ضريبة الإستيراد في حالة شرطها في تعديل الميزان التجاري يسير في الطريق الصحيح حتى لو يصل إلى هدفه النهائي في فترة زمنية محددة.
بحلول شهر ديسمبر, تم عقد إجتماع أخر لمجموعة العشرة(G10) وقد كان كنالي جاهزا لعقد صفقة ملخصها إعادة تقييم قيمة العملات الأجنبية بما معدله 11% يقابلها تخفيض في قيمة الدولار مقابل الذهب 10%. إن ذالك يعني إرتفاع القيمة الدولارية للصادرات الأجنبية للولايات المتحدة إلى 20% تقريبا. مقابل ذالك تقوم الولايات المتحدة بالإلغاء الكلي لضريبة الإستيراد 10%. ومن نتائج ذالك الإجتماع أن رئيس الوزراء الفرنسي بومبيدو وافق على تخفيض ضريبة الإستيراد المفروضة من قبل الإتحاد الأوروبي على واردات الصلب الأمريكية لدول الإتحاد.
الدول الأوروبية واليابان قامت بإجراء تعديلات على أسعار صرف عملتها مقابل الدولار بالزيادة مانسبته 11%-17% بإستثناء فرنسا وبريطانيا والتي إرتفعت بمقدار 9% مقابل الدولار وذالك بسبب إرتفاع أسعار الذهب. اليابان وألمانيا تحملتا العبئ الأكبر حيث إرتفعت قيمة الين مقابل الدولار 17%. الدول الموقعة على محاضر الإجتماعات وافقت على إبقاء الإتفاق الجديد بخصوص أسعار الصرف للعملات في نطاق تداول يتراوح بين 2.5% و 4% كما وافقت الولايات المتحدة وبشكل نهائي على إلغاء ضريبة المستوردات 10%. الإتفاق عرف بإسم سميثسونيان(Smithsonian Agreement).
إرتفعت شعبية نيكسون إثر ذالك الإتفاق كما إرتفعت إثر إعلانه فك إرتباط الدولار بالذهب وتعويم أسعار صرف الدولار الأمريكي. الإتفاق الجديد أدى إلى رفع أسعار الأسهم والسندات خصوصا في مجال صناعة الحديد والصلب وكذالك السيارات حيث من المتوقع أن إيجاد 500 ألف وظيفة جديدة خصوصا في تلك المجالات خلال السنتين القادمتين. كما ان تعويم سعر صرف الدولار أدى إلى تخفيض في قيمته بنسة 5% على الأقل امام العملات الاخرى مما أدى إلى زيادة جاذبية الصادرات الأمريكية مضاف إلى ذالك موافقة فرنسا والدول التي شكلت لاحقا الإتحاد الأوروبي على تخفيض تعريفة الصادرات على السلع والبضائع الأمريكية.
تلك التوقعات المتفائلة لم تتحقق والمنافع من وراء (Smithsonian Agreement) لم تستمر سوى لفترة قصيرة حيث وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة أسوأ موجة كساد إقتصادي منذ إنهيار أسواق المال والأسهم في وول ستريت سنة 1929 والكساد الإقتصادي العظيم الذي إمتد حتى دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية.
بتاريخ 23 حزيران\يونيو 1972 تعرض الجنيه الإسترليني لتخفيض في قيمته بلغت 6% مما أدى إلى موجة تخفيض في قيمة مختلف العملات كحجارة الدومينو خصوصا الليرة الإيطالية, المارك الألماني, الفرنك السويسري والدولار الكندي. السلطات الألمانية فرضت قيودا على تحرك رأس المال لحماية المارك الألماني من عمليات شراء مفرطة نتيجة إتجاه الكثيرين للإستثمار به خوفا من تعرضت قيمة الدولار الأمريكي للمزيد من الإنخفاض في قيمته.
كافة الإجرائات التي تم إتخاذها بموجب إتفاقية بريتون وودز فشلت في إعادة الإستقرار للأسواق المالية وأسعار صرف العملات حيث اعلن صندوق النقد الدولي سنة 1973 أن تلك الإتفاقية قد أصبحت منتهية وبداية مرحلة جديدة في أسواق المال والتجارة الدولية من الممكن أن نطلق عليها مرحلة مابعد إتفاقية بريتون وودز.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية