Flag Counter

Flag Counter

Thursday, March 15, 2018

هل يدحض التاريخ شبهات المستشرقين في قضية حرق المصاحف؟

هناك الكثر من الأسئلة التي تطرح في أوروبا والدول الغربية حول الإسلام خصوصا مع موجة الهجرة الأخيرة ونوعية الأسئلة والقضايا المطروحة للنقاش حول الإسلام أصبحت متكررة وتقليدية: هل إنتشر الإسلام بالسيف؟, قضية الميراث في الإسلام, شهادة المرأة في الإسلام وحتى قضية حرق سيدنا عثمان رضي الله عنه للمصاحف هي مسائل يتم نقاشها بإستمرار. أسباب ذالك قد تنقسم إلى قسمين: الأول هو أن المسلمين وقياداتهم في الدول الغربية والأوروبية لم يقدموا إجابات مقنعة لأنهم إستندوا على النصوص الدينية والتراثية بدون أي خلفية تاريخية, والسبب الثاني هو الطرف الأخر لايريد ان يسمع ولا يريد أن يتحاور. المسألة هي برأي الشخصي تعود للسبب الأول أكثر منها للثاني لأن المسلمين وقياداتهم ورموزهم في الدول الغربية لم يكونوا قدوة أمام الإعلام الغربي بأي شكل من الأشكال وتكرار التصرفات الفردية من قبل أفراد مسلمين وقيادات إسلامية يجعل تلك التصرفات تخرج من دائرة الفردية إلى دائرة العمومية وتكون صورة نمطية من الصعب تغييرها بعد ذالك.
بالنسبة للنصوص الدينية عند المسلمين فبعد القرآن الكريم وهو منزل من الوحي ومتكفل بحفظه من الله تعالى, هناك كتب الأحاديث وعلى رأسها الستة الصحاح خصوصا البخاري ومسلم والتي تحتل مكانة رفيعة عند الأصولية الإسلامية التي لا تقبل نقدا أو تشكيكا في أي نص ورد في الكتابين وتعتبر ذالك يرتقي لمرتبة الكفر-الخروج من الملة لأنه إنكار للوحي. الله تكفل بحفظ كتابه "القرآن" ولم يتكفل بحفظ كتب الأحاديث التي هي نتاج مجهود بشري بحت تم تدوينها سنين طويلة بعد وفاة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ولذالك فالمزاعم بأنها لاتقبل التشكيك أو النقد مغالطة كلفتنا الكثير. فكتب الحديث في النهاية نصوص معرضة لأهواء البشر المتقلبة وقابلة للنقد والتشكيك خصوصا إذا ما تعارضت من النصوص القرأنية. وعند البحث عن النسخ الأصلية لكتاب البخاري ومسلم, لا نجد مخطوطة واحدة أصلية أو نسخة كاملة بخط يد الكاتب حيث من الممكن مقارنتها مع النسخ التي تباع في الأسواق ولا يتم طباعتها من جهة محددة كالقرأن الكريم حيث لايوجد نسخة من القرأن أو طبعة منه لا تتم مراجعتها على الأقل من قبل الهيئات الدينية في السعودية ومصر وسوريا والدولة التي تقوم بالطباعة إن لم تكن من ضمن البلدان الثلاثة السابقة. كما ان وجود مجرد خطأ مطبعي في أي نسخة من القرأن تعرض المسؤولين عن طباعتها للمسائلة والإتهام بالإهمال ويتم سحب جميع النسخ وفورا من الأسواق والمساجد ويتم إصدار تعميم بتسليم تلك النسخة للهيئة الدينية أو دور النشر التي قامت بطباعتها. وفي النهاية نجد أنفسنا في موقف ضعيف من الناحية التاريخية للدفاع عن مصداقية كتب الأحاديث وهالة القدسية التي أحيطت بها وذالك عند البحث في تاريخ المخطوطات المسيحية التي تألف منها الكتاب المقدس. فأحدث المخطوطات التي يتكون منها الكتاب المقدس تعود إلى فترة 300ب.م - 400ب.م وهي المخطوطة السينائية(Codex Sinaiticus) والمخطوطة الفاتيكانية(Codex Vaticanus). أقدم نسخ البخاري ومسلم تعود إلى 300-400 سنة بعد كتابة النسخة الأصلية لكل منهما بما يجعل التشكيك في المصداقية التاريخة للكتابين عملية ليست مستحيلة.
التخلص من العاطفة في دفاعنا عن مصداقية النصوص الدينية أمر لا بد منه حتى نتمكن من إفساح المجال أمام التاريخ لتقديم حججه وبراهينه. قضية حرق سيدنا عثمان رضي الله عنه للمصاحف هي أحد تلك القضايا التي تعرضت لسوء الفهم بسبب تغليب العاطفة الدينية وقدسية النص القرأني وهو أمر لا تفهمه الأطراف الأخرى في النقاش والتي تغلب عليها عاطفتها الدينية الخاصة بها سواء كانت مسيحية أو يهودية أو حتى الإلحاد والذي تحول في الفترة الأخيرة إلى نوع من الدين أو المذهب(Cult). هناك فرق شاسع من الناحية التاريخية بين القرأن الكريم والكتاب المقدس خصوصا فترة التنزيل والتي كانت بالتأكيد أقصر في الحالة الأولى منها في الثانية التي إمتدت لألاف السنين بالإضافة إلى عدم وجود مرجعية موحدة في الحالة الثانية كما هو القرأن الكريم حيث كان الرسول عليه الصلاة والسلام هو المرجعية في حياته بالإضافة إلى وجود من كان يحفظ القرأن عن ظهر قلب من ألاف الصحابة ووجود مخطوطات أصلية كتبت وحفظت من أيام الرسول عليه الصلاة والسلام. وهناك فرق أخر مهم وهو أن القرأن لا يقبل التعبد به باللهجات المحلية أو الأجنبية كما هو الحال مع الكتاب المقدس الذي يقرأ في الكنائس باللهجات المحلية كالإنجليزية بلهجاتها المختلفة والفرنسية والألمانية ووجود عدد من الطبعات المختلفة من الكتاب المقدس والتي تباع في الأسواق مع وجود إختلافات جذرية وأساسية في بعض النصوص. القرأن الكريم تنزل على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بلهجة أهل قريش ويكتب بلهجتهم ويقرأ بلسانهم ولا يقبل التعبد به أو قرأئته في الصلاة إلا بتلك الشروط, فلن تجد باكستانيا يقرأن القرأن بلغة الأوردو أو أفغانيا بلغة البتشون بل يحاولون قرائته ويبذلون جهدهم في ذالك باللغة العربية التي كتب بها. بل وإشترط بعض المشايخ والعلماء لتأهيل رجل الدين المسلم أن يكون ليس فقط حافظا للقرأن وأحكامه بل ملما باللغة العربية وقواعدها وذالك من فرط الإهتمام باللغة التي تنزل بها القرآن الكريم. الخليفة عثمان إبن عفان رضي الله عنه أحرق نسخ القرأن التي كانت تكتب باللهجات المحلية وليس بلسان قريش كما تنزل به الوحي خصوصا بعد دخول الإسلام الكثير من البلدان التي في لسان أهلها عجمة فكان ينسخون القرأن على حال لسان عجمتهم فظهرت الأخطاء اللحن في النسخ فجمعت وحرقت وكذالك كان هناك نسخ من القرأن خاصة بكبار الصحابة فجمعوها وحرقت بحضورهم وتم كتابة نسخة واحدة وهي كانت النسخة المعتمدة.
المثير للدهشة أنه عند نقاش تلك المسألة مع مواطن أوروبي قد يكون معتنقا للمسيحية, يتمسك بأن عثمان رضي الله عنه قد حرق نسخ القرأن الكريم لإخفاء التحريف في أصل النص وتلك مغالطة تاريخية وكذب مفضوح. وفي هذه الحالة علينا أن نقوم بتذكير ذالك الشخص أن الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول وإثر القرارات التي تم إتخاذها في مجمع نيقية 325م, قد أمر بحرق جميع نسخ الكتاب المقدس والكتابات التي تخالف ماتم الإتفاق عليه من قرارات المجمع المسكوني الأول في تاريخ الديانة المسيحية. كما علينا تذكيره بما كان يلي المجامع المسكونية من قرارات يتم إتخاذها بحرق كتاب الجماعات المسيحية المخالفة التي تدينها تلك المجامع وتتهمها بالهرطقة. كما أن التاريخ يحكي تاريخ الإضطرابات التي رافقت صعود الديانة المسيحية خصوصا مع الوثنيين حيث كان أتباع الديانة المسيحية يسارعون إلى طمس معالم كل ماهو وثني خصوصا الكتب والمخطوطات التي كانت تحرق والمكتبات يتم هدمها. حتى ان الكنيسة خلال فترة مظلمة من تاريخ أوروبا كانت تعاقب بالقتل حرقا كل من يمتلك نسخة من الكتاب المقدس من غير رجال الكهنوت ومن تسمح له الكنيسة بذالك, فلم يكن مسموحا إمتلاك الكتاب المقدس من قبل عامة الشعب.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Wednesday, March 14, 2018

الإسلام بين الموروث الديني والحقيقة التاريخية

هناك حقيقة غائبة عن عقول الكثير من المنافحين والمدافعين عن الإسلام وهو تمسكهم بالموروث الديني على حساب القرائة التاريخية لمكونات ذالك الموروث, الدفاع عن الدين الإسلامي في وجه الهجمة الشرسة التي يتعرض لها لا يمكن أن تستند بشكل حصري على الإيمان والعاطفة الدينية. المشكلة التي نعاني منها في الوطن العربي بشكل عام هي أننا نناقض انفسنا أو لنقل انه هناك فجوة معرفية قد أدى إتساعها إلى تنامي فجوة إجتماعية. إن البعض يكرر البعض مقولة "أمة لا تقرأ" في إطار إنتقاده لظواهر الجهل في الوطن العربي وقد تكون تلك المقولة مقبولة بدرجة أكبر لو طبقناها على الفئات الغير متعلمة ولكن ماهي الإجابة عن سقوط النخب المثقفة والمتعلمة في فخ الدفاع عن الموروث الديني مع الإصرار على إنكار علاقة التاريخ والأدلة المنطقية والعقلية. رجال الدين في الوطن العربي أو المطاوعة وهي اللفظة الأكثر شيوعا ينكرون كتابات تشارليز داروين ونظرية التطور إعتمادا على أراء الكنيسة التي إعتبرت نظرية التطور هرطقة وعلى الرغم من أن رجال الكنيسة سابقا ورجال المطاوعة حاليا لم يكلفوا أنفسهم عناء قرائة كتاب أصل الأنواع أو كتابات داروين الأخرى. إن مخلفات الإستعمار الفكرية وصنائعة الذين يعدون رأس الحربة في نشر الجهل والتخلف يساهمون في نشر أفكار مضللة وفي تغليب الموروث الديني أو تطويعه وتقديم قرائة غير محايدة لنصوص قرئانية وتراثية إسلامية أصبغت حكما إلهيا على ذالك الموروث والذي هو بإستثناء القرأن الكريم نتاج جهود بشرية بحتة.
إن كل ما سبق ذكره سوف يقودنا للنقاش حول سؤال مهم ومحوري: هل الإسلام هو الحل؟ والذي يشغل تفكير رجل الشارع العربي حتى أولئك النخب الثقافية التي أصبح تفكيرها مرهقا بالموروث الديني. إن الإجابة على ذالك السؤال بنعم أو بلا هي التي سوف تحدد وبلا مبالغة مستقبل الوطن العربي الثقافي والإجتماعي والسياسي لعقودد مقبلة, الصراع بين التيارات الدينية والعلمانية بكافة إتجاهاتها الفكرية في الوطن العربي والعالم هو الذي سوف يحدد نهاية التاريخ وليس إنتصار الليبرالية الغربية كما توقع فرانسيس يوكوهاما في كتابه "نهاية التاريخ." وأود ان أنوه إلى أن الجهل المقدس الذي ذكرته في الفقرة السابقة يمكن تعميمه على الكثيرين من اتباع التيارات التنويرية أو بتعبير أخر الإلحادية التي تعد الجميع بجنة أرضية مماثلة للجنة السماوية التي يعد بها زعماء التيارات الدينية اتباعهم ورغم فشلهم, فمازالوا يحاولون الترويج لمذاهبهم والذي  يختصرها بعضهم بإنكار وجود الذات الإلهية.  إننا أمام حتمية الجدل اللانهائي بين أتباع التيارات الفكرية المختلفة التي تستند على الموروث الديني في نقاشها وبين تلك التي تتبنى العلمانية والإلحاد. إن كلا من الطرفين فشلا في تقديم الحجج المقنعة والمنطقية لإثبات إمكانية التطبيق العملي لنظرياتهما خصوصا في المجال الإقتصادي والإجتماعي أو تقديم تفسيرات مقنعة بما أدى إلى خلق حالة من الفراغ أو مايعرف بمصطلح(Power Vacuum) والتي أدت بالتالي إلى ظهور مذاهب دينية وفكرية أكثر تطرفا وذالك يشمل جميع أطراف الصراع سواء التي تستند على موروث ديني أو الإلحادية التي تنكر ذالك الموروث.
وفي ختام الموضوع, فإن الإجابة على سؤال (هل الإسلام هو الحل؟) سوف يقود السائل إلى هاوية سحيقة لانهائية من الموروث الديني والتي لا يمكن ردمها إلا بإدماج العنصر التاريخي والإجتماعي في محاولة الإجابة ودراسة الوقائع التاريخية بتعمق وتفكير وذالك لمحاولة البحث عن أدق الإجابات الممكنة. أسئلة مثل هل إنتشر الإسلام بالسيف؟, هل الإسلام يحرض على العنف؟, ماهو موقف الإسلام من قضايا المرأة والزواج المبكر؟, هل الإسلام دين قابل للتكيف والتطور مع إختلاف الزمان والمكان؟ ماهي أخلاق المسلمين في الحرب؟ وغير ذالك الكثير من الأسئلة التي سوف تكون الإجاب عنها غير مقنعة ومشوشة بمعزل عن دراسة جميع المعطيات التاريخية والإجتماعية التي سادت في الرقعة الجغرافية محور السؤال.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Saturday, March 10, 2018

الرأسمالية والعولمة, سقوط الأقنعة

لم يكن هناك يوم في حياتي أسعد من اليوم الذي أقرأ أو أشاهد خبرا عن إغلاق مؤسسة من التي يطلق عليها الشركات العابرة للقارات أو العابرة للحدود(Trans National). اليوم هو أحد تلك الأيام حيث الأخبار والتقارير الصحفية تشير إلى أن شركة متاجر الألعاب تويز أر أص(Toys 'R' Us) سوف تتم تصفيتها الأسبوع المقبل وتغلق جميع متاجرها في الولايات المتحدة أبوابها وبالتالي بداية تصفية الشركة على مستوى العالم. وحتى نعي ونفهم حجم تشابك العلاقات والأعمال التجارية في عصر العولمة وإتفاقيات التجارة الحرة فيكفي أن نعلم أن شركة تويز أر أص(Toys 'R' Us) هي أخر شركات ترويح الألعاب العملاقة(Mega Store) أو لنكن أكثر وضوحا الإحتكارية وإحتمال تصفيتها الأسبوع المقبل قد أثر على أسهم عدد من شركات تصنيع الألعاب خصوصا شركتي Hasbro التي هبطت أسهمها 3.5% وشركة Mattel التي هبطت أسهمها 7%. وحتى شركات الألعاب الصغيرة كشركة Jakks Pacific الكندية هبطت قيمة أسهمها 5%. خسائر بعض شركات الألعاب كانت مضاعفة كشركة الألعاب العملاقة ليجو(Lego) والتي جائت تلك الأخبار في توقيت غير مناسب خصوصا مع معاناة الشركة في وقت مبكر من هاذا الأسبوع لأول هبوط في مبيعاتها خلال ثلاثة عشرة عاما.
هناك نقطة لا بد من المرور بها ولو سريعا وهي أن إغلاق شركة متاجر الألعاب تويز أر أص(Toys 'R' Us) ليس نهاية الرأسمالية أو إتفاقيات التجارة الحرة ولن ندفن العولمة مع أفول نجم الشركة كأضخم شركة متاجر للألعاب على مستوى العالم. فعالم الإقتصاد الأمريكي من أصول نمساوي جوزيف شومبيتر(Joseph Alois Schumpeter) قد تحدث عن الدورات الإقتصادية وأن الرأسمالية لا تموت بل تبعث من رماد الأزمات الإقتصادية  بهيئة جديدة وتبدأ فصول دورة إقتصادية جديدة, شركات اغلقت تحل مكانها شركات أخرى تفتتح أبوابها. ولكن أفول نجم أي شركة عابرة للحدود أو متعددة القوميات(Multinational) يعني أن فصلا من فصول المعاناة البشرية قد أغلق أبوابه ولو مؤقتا مع الأمل بأن الفصل الجديد القادم سوف يكون أكثر إشراقا. فما تركته لنا تلك الشركات من بقايا الحياة أو لأكون أكثر دقة من بقايا الإنسانية هو الأمل والحلم بغد أفضل.
شركة متاجر الألعاب تويز أر أص(Toys 'R' Us) هي شركة إحتكارية بكل ما تحمله الكلمة من معنى وهي تقوم على نفس الممارسات التي تتبعها شركات كوول مارت(Wal-Mart) حيث تضغط على المصنعين للإمتناع عن توريد بضائع معينة لشركات أخرى حتى تمنع المنافسة. هيئة التجارة الفيدرالية الأمريكية(FTC) أدانت في سيبتمبر 1997 شركة ويز أر أص(Toys 'R' Us) بإستخدام أساليب غير قانونية للضغط على المصنعين للإمتناع عن بيع ألعاب تلقى شعبية في أوساط المستهلكين لشركات أخرى. إن هيئة التجارة الفيدرالية الأمريكية قد تم تأسيسها منذ اكثر من مائة عام بهدف حماية المستهلك الأمريكي ومنع الممارسات الإحتكارية والتجارية التي تصنف بأنها غير قانونية. في الوطن العربي هناك هيئة حماية المستهلك والتي من المفترض أنها تقوم بنفس المهمة ولكن بشكل معكوس فمهمتها حماية الشركات والتجار والتغطية على ممارساتهم الغير قانونية. كما أنها لا تتحرك في قضية ما وتقوم بعملها إلا إذا تم إثارة القضة إعلاميا وتحولت إلى قضية رأي عام.
إن الشركات العابرة للحدود وحتى تتهرب من المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقوم بتوقيع عقود مع وكلاء تصنيع وشركات فرعية في بلدان تقدم تسهيلات تجارية وضريبية ضمن إتفاقيات التجارة الحرة كالجات والنافتا حيث تقام المصانع في المناطق الحرة او المخصصة للتصدير(EPZ) وأغلب العمل يعمل بأجور لا تزيد عن دولارين في اليوم الواحد وبدون أي تأمين طبي أو تأمين ضد العطالة أو حق تشكيل نقابة أو تقاضي زيادة عن وقت العمل الإضافي. بتاريخ 10\مايو\1993, وقعت حادثة حريق في مصنع  Kader Toy Factory في تايلاند وصفت بأنها أسوأ حادثة صناعية في تاريخ البشرية حيث قضى 188 شخص نحبهم وأصيب بجروح أكثر من 500 شخص, الوفيات والجرحى هم من موظفي المصنع أغلبهم من الفتيات القاصرات القادمات من أرياف تايلند الفقيرة بحثا عن عمل في المدن. أما السبب الذي يقف وراء عدد الضحايا الكبير هو عدم تمكن أي من موظفي المصنع من الخروج في بداية الحريق لأن إدارة المصنع كانت تغلق الأبواب في أغلب أوقات الدوام لإبقاء من يوصفون بأنهم نقابيون يحرضون العمال على المطالبة بحقوقهم. كما أن المصنع كان يفتقر لأبسط شروط السلامة العامة خصوصا مخارج الطوارئ وأنظمة إطفاء الحريق وممتلئ بالمواد السريعة الإشتعال المستخدمة في ألعاب الأطفال.
إن كارثة مصنع Kader Toy Factory ليست أول كارثة ولا أخر كارثة صناعية تحدث بهاذا الحجم الكارثي ولكنها حتى هذه اللحظة فمازالت الأضخم والأسوأ خصوصا من ناحية عدد الضحايا وأعمارهم التي لم تزد عن تسعة عشرة عاما وبلغت أربعة عشرة عاما لبعض العاملات. فبتاريخ 25\مارس\1911, وفي مدينة نيويورك, أدت حادثة حريق مصنع Triangle Shirtwaist Factory, والتي وصفت بأنها الأسوأ حنى تاريخه, إلى وفاة 146 موظف منهم 123 عاملة و23 عامل نتيجة الحريق أو إستنشاق غازات سامة أو القفز من نوافذ المصنع ملتحفين أغطية سميكة حتى يتم التعرف على جثامينهم من قبل ذويهم لدفنهم بمراسم لائقة. إن كلتا الحادثتين, في Kader Toy Factory و Triangle Shirtwaist Factory ورغم الفارق الزمني بينهما, فإنهما تحملان بصمة مشتركة تدل على عدم حدوث أي تغيرات لها علاقة بحقوق العمال في بيئة عمل أمنة وخالية من المخاطر حيث المصانع بدون أي أنظمة حماية من الحرائق أو إجرائات للسلامة العامة وبدون مخارج للطوارئ, وبل في الحالتين تبين أن مخارج الطوائ كانت وهمية. إن حادثة مصنع Kader Toy أثارت إهتماما مؤقتا من قبل منظمات حقوق العمال وحقوق الإنسان ومن صحفيين ومحطات تلفزيونية وإخبارية تسعى لمجرد تسجيل سبق صحفي بدون أي تعاطف إنساني أو أخلاقي أو مطالبة مستمرة بتغيير جذري في طريقة وألية عمل تلك المصانع أو الضغط على الشركة الأم أو وكلائها الفرعيين.
والسؤال هو إلى متى السكوت عن تلك الشركات العابرة للحدود وممارساتها الغير إنسانية بداية بالأجور التي تقل عن حد الكفاف مرورا بحرمان العاملين من حقوقهم وليس إنتهاء بإستخدام عمالة الأطفال والسجناء والإستغلال الجنسي للعاملات. هل من الممكن أن نتخيل أن درجة الوقاحة بتلك الشركات دفعتهم لإستغلال عمال داخل بلدان الشركات الأم في ظروف وصفت بأنها عبودية معاصرة! ففي مايو\1996, تم الكشف عن فضيحة لها علاقة بخط منتجات ملابس مملوك من قبل الكاتبة والمغنية الأمريكية Kathie Lee Gifford والذي يلقى رواجا ويباع حصريا من خلال متاجر عملاق البيع بالتجزئة وول مارت. الفضيحة والتي تحولت لقضية رأي عام بعد أن كشف ناشطون أن ملابس Kathie Lee Gifford يتم حياكتها في مصانع غير قانونية تفتقر إلى أبسط شروط السلامة العامة وفي ظروف أشبه بالعبودية المعاصرة فيما يعرف بمصانع(Sweatshops) وذالك في بلدين هما الهندوراس ويا للمفاجأة في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه كانت هناك فضيحة كشف عنها قسم العمل(The department Of Labour) في ولاية كاليفورنيا حيث تبين أن أحد المتعهدين الذي يعملون لصالح خط ملابس Guess jeans والذي تعمل لصالحه العارضة الألمانية الشهيرة كلوديا شيفر قد خالف القانون وبمعرفة الشركة حين قام بدفع أقل من الحد الأدنى من الأجور لعماله. وبتاريخ أغسطس\1995, وداخل الأراضي الأمريكية في مدينة ألمونتي(El Monte) في مدينة كاليفورنيا, وبعد أن قام قسم العمل في الحكومة الأمريكية(Department Of Labour) إثر ورود بلاغ عن إستغلال عمال بشكل غير قانوني بغارة على مجمع سكني في المدينة ليتبين إحتجاز 72 عامل ملابس من الجنسية التايلندية وذالك بالتعارض مع إرادتهم(قسريا) وفي ظروف عمل تمثل العبودية المعاصرة, بعضهم محتجر في المجمع منذ سبعة سنين. المصنع مملوك لأحد المتعاقدين الذي كان يقوم بصنع الملابس لصالح مجموعة من متاجر التجزئة الشهيرة كتارغيت(Target) ,سيرز(Sears) والتي اعلنت إفلاسها مؤخرا و Nordstrom.
إن قضية حقوق العمال وحقوق الإنسان بالمجمل وذالك بالنسبة للقيادات السياسية الغربية والأوروبية هي قضية إنتقائية تخضع لدوافع وإعتبارات سياسية وليس أخلاقية أو إنسانية. فلو كان حريق مصنع Kader Toy Factory وقع في بلد كالولايات المتحدة أو ألمانيا أو أيطاليا لملئت الأخبار الجرائد والصحف لشهور طويلة ولتناولته وسائل الإعلام بالتحليل والتدقيق والتمحيص ولتم فتح تحقيقات موسعة مع جميع المسؤولين عن تلك الكارثة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ولسقط نواب وسيناتورات في الإنتخابات ولأقيل مسؤولين ولسجن بعضهم بتهم مختلفة. سوف نقول ذالك إن كنا صريحين وواضحين مع بعضنا البعض والكلام موجه لمن هم مفتونين بدعاية جليسة الأطفال الغربية التي تهتم بطفل الأسرة العربية في غيابهم, الدول الغربية القلقة على الأوضاع في وطننا العربي وعلى حقوق الإنسان وعلى قمع الحريات وإلى أخر تلك الأجندات والبروباغندا التي ترافقها والتي تذكرني بفيلم صحارى(Sahara) الأمريكي حين أجاب القائد العسكري في جيش دولة مالي على مدير شركة دفن النفايات السامة الذي طالب بإيقاف العمل مؤقتا إثر تسرب أخبار للإعلام عن شركته: It is Africa, No body care about it Africa
روابط:

A Sweetheart Becomes Suspect;Looking Behind Those Kathie Lee Labels


Kathryn Lee Gifford

sweatshop

مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Friday, March 9, 2018

الدراما العربية +18: زنا محارم, دعارة, عري وإنحلال خلقي 100%

تدور الدراما العربية حول الحمى تحاول أن لا تقع فيه, هذه حالة الدراما العربية التي تحاول عبر إستخدام التورية والإستعارات في محاولة للإقتراب قدر الإمكان من القصة الواقعية بدون الوقوع في مصيدة أجهزة الرقابة الحكومية أو حتى الرقابة المجتمعية الغارقة التي مازالت غارقة في التركة الإستعمارية القائمة على الجهل والتخلف الفكري. والحقيقة أنني مستغرب عن عدم إنقراض ما يسمى أجهزة الرقابة على المصنفات الفنية وحتى الكتب والمؤلفات حيث إنقرضت في أغلب أنحاء العالم وإن كان ذالك في الظاهر. ففي معارض الكتاب التي تقام في أي بلد عربي, هناك قائمة طويلة بعشرات إن لم تكن مئات الكتب المحظورة والتي سوف يتم مصادرتها فورا إن وجدت وربما إغلاق جناح الجهة الناشرة وطردها من المعرض وتداول إسمها في قائمة سوداء لمنع مشاركتها في معارض مستقبلية. المثير للشفقة أن أغلب الكتب الممنوعة من الممكن شراء نسخ إلكترونية منها أو حتى تنزيلها من مواقع منتشرة في الشبكة العنكبوتية.
أجهزة الرقابة الحكومية مشغولة بكتاب أو بمقال في صحيفة أو موقع إلكتروني تلاحق كاتبه أو قد تقتحم مبنى صحيفة للبحث في خوادمها عن صاحب تعليق لم يعجب أحد المسؤولين فإعتبره قذفا وتهجما. في دولة عريقة كمصر, الأزهر يمارس الرقابة على المؤلفين والمثقفين ويصدر توصيات أو هي قرارات ملزمة تحمل صيغة التوصية بمنع كتاب من الصدور أو محاكمة كاتب بتهمة الردة عن الدين الإسلامي أو التعدي على الذات الإلهية. حتى فيلم الرسالة للمخرج السوري العالمي والمبدع مصطفى العقاد تم منع عرضه في مصر ومازال ممنوعا من العرض بحسب علمي حتى يومنا هاذا. المثير للإستغراب عند البعض ممن لم يفهم دور المؤسسة الدينية أو حتى أجهزة الرقابة الحكومية أننا لم نسمع إلا أصواتا هنا أو هناك عند عرض مسلسل عمر إبن الخطاب على الرغم من أن فيه تجسيد للصحابة بل وبصورة سيئة جدا وضعيفة من الناحية الدرامية فأين تبخرت الفتاوي الدينية التي تحرم تجسيد الصحابة.
إن تلك الإزدواجية في المعايير ليست محصورة بالمؤسسة الدينية فحتى أجهزة الرقابة الحكومية مصابة بالحول والرمد وكل الأمراض المتعلقة بالمعايير التي يحكم بناء عليها على الأعمال الدرامية وكل ما يتعلق بالفن بشكل عام. حاسة التذوق الفني عندهم تساوي صفرا والأعمال الفنية يحكم عليها بالسماح أو عدمه بناء على معايير سياسية. الدراما التلفزيونية العربية مليئة بقصص عن زنا المحارم وعقوق الوالدين والغدر والخيانة بين الإخوة والأهل بطريقة مخجلة تجعل التسائلات عن دور أجهزة الرقابة الحكومية أمرا ملحا. شهر رمضان والذي هو من المفترض أنه شهر عبادة ومع ذالك لم تخجل المحطات الفضائية العربية والمنتجين بطرح كل أنواع الأعمال الفنية التي تمتلئ بكل القيم المنحطة والساقطة والأزياء الخادشة للحياء وكأنهم إستكثروا على المشاهدين شهرا واحدا يصومون فيه عن الطعام والشراب وسفالة المنتجين وإنحطاط المحطات الفضائية والتلفزيونية الفكري. أجهزة الرقابة الحكومية لا حديث لها إلا عن فستان هيفاء وهبي وفيلمها حلاوة روح وغناء إليسا بالشرشف وفيلم حين ميسرة بينما تتغاضى عن أفلام واعمال أخرى أكثر سفالة لأن القضية هي خيار وفقوس.
في جميع الدول التي تحترم نفسها وتحترم مواطنيها ولديها نوازع أخلاقية وإن كان بالحد الأدني, لا يتم بث تلك النوعية من الأفلام والمسلسلات إلا في أوقات متأخرة أو يتم وضع تحذير مسبق متعلق بمحتوى الفيلم أو المسلسل كأنه يتضمن ألفاظا خادشة للحياء أو أنه غير مناسب لمن دون سن معين, +18 أو +16. في الوطن العربي, أجهزة الرقابة الحكومية والمنتجين والممثلين ونقابات الفنانين لا تحترم المشاهد والمتابع ولا يهمها إلا الأرباح وعائدات الإعلانات. فكلما إزدادت السفالة والمشاهد المنحطة, كلما زادت نسبة المتابعة وزادت عائدات الإعلانات. وبعد أن إنتقلت تلك العدوى من السينما المصرية إلى باقي الوطن العربي حيث أصبحت تلك المشاعدة عادية وروتينية, ثلاثة أرباع المسلسل أو الفيلم يتم تصويره في غرفة النوم على وقع مشاهد التعري والزنا مع التركيز على زنا المحارم.
إن الحديث على الأثار السلبية لتلك النوعية من الفن الهابط تحتاج إلى مجلدات للحديث عنها ولكن أضرارها على المجتمع لا تخفى على أحد خصوصا نشوء جيل جديد متمدن ومتعصرن بحسب وجهة النظر الغربية ليس لديه مشكلة في أن يخون زوجته مع أمها(حماته) أو أن يلعب الشاب والفتاة تحت السرير فالمهم هو أن يحافظ عليها. إن شر البلية ما يضحك فأجهزة الرقابة ونقابات الفنانين مشغولة بفنانة إستعراضية كهيفاء وهبي أصبحت ممنوعة من دخول دول عربية أو الغناء فيها أكثر من المعارضين السياسيين وتثور أعاصير مدمرة عند الإعلان عن حفلة للمطربة إليسا ويتم التذكير بغنائها بالشرشف وفي على السرير. بل ووصل الأمر للقتل حيث يشاع على نطاق واسع أن جريمة قتل الفنانة السورية شيندا خليل في الدانيمرك على يد شقيقها لها علاقة بمشاهدها في مسلسل الندم وليس أنه إرتكب جريمته وهو في حالة غياب ذهني بسبب تعاطيه المسكرات. الذريعة التي يتم بموجبها منع حفلات هذه المطربة أو تلك المغنية او إتهام هذه الراقصة بأنها ترتدي بدلة خليعة هو الحفاظ على الأخلاق العامة من الإنحلال بينما تبث الفضائيات وأحيانا المحطات المحلية مسلسلات وأفلام منتجة محليا +18 ولا تقوم بالحد الأدنى أخلاقيا وهو وضع شارة تحذيرية تتعلق بمحتوى المشاهدة.
أين أجهزة الرقابة على المصنفات الفنية الحكومية ونقابات الفنانين والمنتجين التي جعلت همها الأول والأخير ملاحقة فنانات الشرشف وغرف النوم بينما يتركون مشاهد الشرشف وغرف النوم وزنا المحارم تتسلل إلى البيوت والمنازل من خلال الشاشة الفضية التي تحولت من رفاهية إلى, وللأسف, سلعة ضرورية في كل منزل. إن مهمة تلك المحطات الفضائية والتلفزيونية هي الإرتقاء بمستوى المشاهد بمحتواها الراقي ولكن الذي يحصل للأسف هو العكس حيث أصبحت تلك المحطات تهبط بمحتواها لمستويات لم يمكن تخيلها قبل ذالك فتبث كل محتوى جنسي ورخيصة للحفاظ على نسبة المشاهدة والأهم على عائدات الدعاية والإعلان.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية










Thursday, March 8, 2018

مفاهيم إقتصادية: النقود والعملات

النقود(Money) هي وسيلة لتسوية حسابات الدين وتختلف عن العملة(Currency) في أن النقود هي الحيازات المالية في البنوك ولا تكون بأيدي الأفراد والمؤسسات. فعلى سبيل المثال, فإنه عند تسوية الحسابات بين الشركات المصدرة او المستوردة فإن ذالك يتم بواسطة العملة وليس النقود: الدولار الأمريكي, الين الياباني, اليورو عملة الإتحاد الأوروبي والدرهم المغربي كلها عبارة عن عملات. السبائك الذهبية عبارة عن نقود فهي من الممكن إتخاذها كعملة حال التعامل بها ولا تحتاج إلى مرسوم حكومي لمنحها الثقة بذالك.
تمتلك النقود ثلاثة خصائص لا بد من أن تتوفر في أي سلعة أو مادة يتم إستخدامها بتلك الصفة:
  • وسيط للتبادل
  • وحدة لتسوية الحسابات
  • مخزن للقيمة
وسيط للتبادل
بدون وجود النقود كوسيط للتبادل فإنه لا بد من اللجوء لمقايضة السلع والخدمات بشكل مباشر وذالك أمر معقد وشبه مستحيل فهو يتطلب توافق رغبات طرفي التبادل ويعقد من المعاملات التجارية. على سبيل المثال فهناك شخص يريد شراء كتب وشخص اخر يريد شراء عطر فرنسي من ماركة معينة وللتغلب على الصعوبة التي قد تنشأ من عملية المقايضة فهنا تكون النقود ذات نفع.
وحدة لتسوية الحسابات
هناك مثل شائع في علم الإقتصاد هو “There is no such thing as a free lunch,” كما أنه يتم تدريس مبدأ إقتصادي معروف بإن على مستهلك السلعة أو يواجه معضلة المفاضلة(Tradeoff). مثال بسيط قد يواجهه أي مستهلك لسلعة أو خدمة معينة وهو تحديد قيمتها مقارنة بسلعة أو مجموعة سلع أو خدمات أخرى; كالمفاضلة بين قضاء يوم إستجمام في فندق معروف أو الذهاب لصالة السينما. إن جميع السلع والخدمات تكون مرفقة بسعر محدَّد مما يسهل عقد أوجه المقارنة وإتخاذ القرار المناسب.
مخزن للقيمة
تتوفر النقود على شرط أنها مخزن للقيمة لأنه يمكن الإحتفاظ بها وإستخدامها في وقت لاحق لشراء السلع والخدمات. إن إعتبار النقود كمخزن للقيمة يكون في إطار ذالك المفهوم بشكل حصري مع الأخذ في الإعتبار أنه كلما زات ثبات قيمة النقود فإنها من الممكن أن تزيد اهميتها بتوفر ذالك الشرط. الذهب والفضة يتوفران على أفضل الشروط لإعتبارهما نقودا فهما أفضل مخزن ثابت للقيمة على مر التاريخ, الذهب من أيام الفراعنة هو نفس الذهب الذي يجري التعامل به في الأسواق حاليا وكذالك الفضة. كما انه علينا أن لا ننسى أن فترات الإزدهار الإقتصادي كانت في ظل المعيار الذهبي كما أن الفضة كانت تشكل مكونا مهما لكثير من العملات النقدية على مستوى العالم. ولكن هناك من يشكِّك حاليا في العملات الورقية(Fiat Currency) التي يتم إعتبارها نقودا(Money) بناء على مرسوم حكومي مبني على الثقة بالحكومة وخبرتها في الإقتصاد لأن المئات منها على مر التاريخ قد تلاشت قيمتها تماما وتم سحبها من التداول خصوصا في الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى.
إن النقود(Money) يمكن إعتبارها في أغلب بلدان العالم مكونة من:
  • العملة(Currency)
  • الودائع(Deposit)
العملة(Currency)
الأوراق النقدية والعملات المعدنية التي يحتفظ بها الأفراد والشركات تدعى عملة(Currency) وهي تعتبر نقودا(Money) لأن الجهات الحكومية المختصة قد أصدرت مرسوما بذالك بالإعتماد على ثقة المواطنين; إن الثقة بأي عملة تعتبر نقودا ويقبل بها في عمليات البيع والشراء تعتمد بشكل كلي على ثقة المواطنين والمتعاملين بتلك العملة على المستوى المحلي والدولي. إن العملة يمكن إستخدامها في تسوية حسابات دين بمبالغ ضئيلة وشراء سلع منخفضة السعر.
الودائع(Deposit)
إن إيداعات الأفراد والشركات في البنوك والمؤسسات المالية من الممكن تصنيفها كنقود لأنها هناك قابلية لإستخدامها في الدفع مقابل السلع والخدمات التي يتم شرائها.
كيف يتم قياس كمية النقود وتحديد المعايير المناسبة بذالك؟
هناك نوعين من المقاييس الرسمية لتقدير قيمة الكتلة النقدية في النظام الإقتصادي خصوصا في الدول الغربية كالولايات المتحدة وكندا. إن تلك المعايير تنقسم إلى:
  • إم 1(M1)
تتألف مما يلي:
  1. الودائع الغير الشخصية القابلة للتداول(Non-personal chequable deposits)
  2. الودائع الشخصية القابلة للتداول(personal chequable deposits)
  3. العملات(Currencies) التي بحوزة الأفراد والشركات

  • إم 2(M2)
تتألف مما يلي:
  1. الودائع الغير شخصية والغير قابلة للتداول(Non-personal Non-chequable deposits)
  2. الودائع الشخصية الغير قابلة للتداول(personal Non-chequable deposits)
  3. الودائع محددة الأجل(Fixed term deposits)
  4. إم 1(M1)
هناك ملاحظة مهمة هي أن إم 1(M1) لا تتضمن حيازات البنوك من الأوراق النقدية والعملات المعدنية(Notes & Coins) ولا تتضمن حيازات البنوك المركزية من الإيداعات القابلة للتداول والمملوكة من قبل الحكومة المركزية.
إن القسم الأول وهو إم 1(M1) يعتبر نقودا لأنه عبارة عن عملات بالإضافة إلى ودائع قابلة للتداول حيث من الممكن إستخدامها كوسيلة للدفع أو لتسوية حسابات الدين بكتابة شيك من شخص لأخر أو بإستخدام بطاقة الإئتمان(Debit Card). أما بالنسبة للقسم الثاني وهو إم 2(M2) فهو يتضمن على سبيل المثال حسابات الإدخار(Saving accounts) والتي يمكن بواسطتها تسوية حسابات دين أو دفع ثمن شراء بضائع او خدمات ولكن ذالك لا يشمل مايعرف بالأصول السائلة(Liquid Assets) والتي من الممكن تحويلها إلى وسيلة لتسوية حسابات الدين أو كوسيلة للدفع(Means of payments) بدون خسارة في قيمتها(على الأقل من الناحية النظرية) وبالتالي فمن الممكن إعتبارها نقودا.
النقود(Money) تتألف من الودائع(Deposit) والعملات(Currency) حيث يتم التعامل مع الودائع كنقود كما أوضحت سابقا ولكن الشيكات المكتوبة هي وعد بالدفع(Promise to pay) وليست وسيلة مباشرة لتسوية حسابات الدين أو دفع ثمن بضائع وخدمات وبالتالي لا يمكن إعتبارها كنقود. كما أن بطاقات الفيزا والماستر كارد  وهي تعتبر نوعا من انواع الكريدت كارد(Credit Card) ولكنها تختلف عما يعرف بإسم (Debt Card) في أن بطاقة الفيزا تسمح لك بالشراء على الحساب في لحظتها ووقتها, يعني الشراء بالدين(قرض), وهي تعني إلتزام الشخص بدفع المبلغ كاملا أو الحد الأدنى(Minimum Payments) عندما يستلم إشعارا من البنك أو المؤسسة المسؤولة عن بطاقة الفيزا الخاصة به وبالتالي هي أشبه ما يكون بالهوية أو بطاقة القيادة التي تقبلها بعض الدول كمعادل للهوية الشخصية, فهي ليست نقودا وليست وسيلة للدفع(Means of Payments).
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Tuesday, March 6, 2018

التسونامي الإقتصادي القادم, هل سوف تنهار منظومة العولمة والتبادل التجاري؟

إن إنهيار الإقتصاد الأمريكي يعني نهاية الدولار الأمريكي ونهاية العولمة وإتفاقيات التجارة الحرة أو هكذا يظن من يجانبون الصواب في تحليلاتهم, الإقتصاد الأمريكي قد يصاب بضعف ولكنه لن يصل لمرحلة الإنهيار الكامل. إن ذالك معناه إنهيار الإقتصاد العالمي وذالك أمر تتفق جميع دول العالم على عدم السماح بحدوثه بسبب تشابك الإقتصاد والأسواق المالية الدولية بطريقة تجعل تأثير إعلان إفلاس دولة بحجم إقتصاد كاليونان كحجر الدومينو يهدد الإقتصاد العالمي فكيف سوف يكون تأثير إعلان إفلاس الولايات المتحدة وسقوط الدولار الأمريكي من مركزه كعملة إحتياطية عالمية. ولكن ماهي الإجرائات التي تتخذها الولايات المتحدة للحد من عجز الموازنة وتقليص حجم الدين القومي الأمريكي؟
إن الجواب عن ماهية الإجرائات من الممكن تلخيصها بمجموعة أمور منها زيادة الضرائب خصوصا على الأغنياء وأصحاب الثروات وزيادة حجم القاعدة الصناعية الداخلية وهي قرارات تعتمد على نتائج الإنتخابات الرئاسية والتشريعية الأمريكية حيث أن لكل حزب سياسته. الرئيس الأمريكي الحالي, دونالد ترامب, قام بفرض ضريبة بمقدار 20% على واردات المكسيك للولايات المتحدة وهدد الشركات الأمريكية التي قامت بنقل أعمالها لخارج الولايات المتحدة بفرض ضرائب على بضائعها التي تقوم بتوريدها للسوق الأمريكي إن لم تقم بتقليص عملياتها الخارجية. كما أنه طالب بإعادة التفاوض على إتفاقيات التجارة الحرة التي قامت الولايات المتحدة بتوقيعها كإتفاقية نافتا(NAFTA) وإتفاقيات التجارة الحرة مع الصين بذريعة شروطها الغير عادلة والتي تضر بالإقتصاد الأمريكي. بينما يمكن إيجاز أهم ملامح سياسة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لخفض عجز الموازنة وتقليص حجم الدين القومي الأمريكي بزيادة العبئ الضريبي على الأغنياء وأصحاب الدخول الأعلى والذي يعد حجر الأساس في تلك الخطة.
إن حسابات بسيطة لا تتطلب مهارات رياضية معقدة من الممكن أن تجيب على بعض التسائلات فيما يتعلق بفاعلية الإجرائات المتخذة مؤخرا لمحاولة ردم العجر التجاري للولايات المتحدة والذي يعد سبب رئيسي لعجز الموازنة. فعلى سبيل المثال قد يقبل عامل في مصنع أثاث في الصين بأجر شهري بما يعادل 400 دولار أمريكي في الشهر حيث يكفيه ذالك المبلغ للإنفاق على إحتياجاته الأساسية وأسرته وكذالك لإدخار جزء منه, فذالك هو الحلم الصيني بالنسبة إليه. وقد يقبل عامل في مصنع ملابس أو سيارات في المكسيك بمبلغ 500 دولار كأجر شهري فذالك أيضا يعد الحلم المكسيكي بالنسبة إليه. ولكن إذا نظرنا للجانب الأمريكي فإن مستوى الأجور في دول كالمكسيك والصين يعد غير مقبول وكذالك ظروف العمل وغياب الضمانات الصحية والتأمينية في كثير من الدول حيث تعد قوانين العمل أكثر تراخيا. إن الإجرائات المتخذة بفرض ضريبة 20% على الواردات المكسيكية للولايات المتحدة سوف يكون لها تأثير سلبي من ناحية زيادة مستوى الفقر والبطالة في المكسيك وبالتالي زيادة الهجرة الغير شرعية للولايات المتحدة. أما الصين فهي تعد سوقا داخلية واسعة من الممكن أن يكون تأثرها بالإجرائات الأمريكية مؤقتا كما أن الشركات الأمريكية لها تأثير ونفوذ لا يستهان بهما خصوصا عبر لوبيات الضغط والمجالس التشريعية كالكونجرس ومجلس الشيوخ وهي بالتأكيد لن تبقى صامتى تجاه أي إجرائات تهدد بتقليص أرباحها.
إن زيادة الأعباء الضريبية على الأغنياء وأصحاب الثروات والمداخيل المرتفعة لايعد حلا لمجموعة أسباب منها وجود جنات ضريبية(Tax Heavens) في عدة أماكن حول العالم وثغرات في القانون الضريبي تجعل التهرب من الضرائب أمرا ممكنا. الولايات المتحدة أقرت مؤخرا تعديلا قانونيا يلزم البنوك والمؤسسات المالية في العالم بالتصريح لدائرة الدخل الداخلي الأمريكية(IRS) وهي الهيئة المسؤولة عن جمع الضرائب بإيداعات المواطنين الأمريكيين التي تزيد عن مبلغ معين مع التهديد بإتحاذ إجرائات ضد المؤسسات المخالفة من ضمنها مصادرة أرصدتها في البنوك الأمريكية ومنعها من مزاولة النشاط الإقتصادي على الأراضي الأمريكية. وحتى تكون المسائل أكثر وضوحا فعلينا أن ننظر لساعة الدين القومي الأمريكي التي تسجل حتى لحظة كتابة الموضوع إجمالي الدين القومي والخاص برقم يبلغ ستة وسبعين تريليون دولار وذالك رقم كارثي بكل المقاييس ولكنه ليس نهاية المشكلة. فإذا أضفنا الديون الأخرى والتي هي عبارة عن مستحقات الضمان الصحي(Medicare) و(Medicaid)  والتأمين الإجتماعي(Social Insurance) وصناديق التقاعد, فإن الرقم سوف يصل إلى 211 تريليون دولار.
حين أوشكت الولايات المتحدة على الإفلاس سنة 2011 وتم الإتفاق على رفع سقف الدين بمبلغ 400 مليار دولار, فقد صدرت إعلانات متضاربة من قبل جون بوهينر(John Boehner), الناطق بإسم مجلس النواب الأمريكي بإجراء خفض في ميزانية سنة 2012 يبلغ 7 مليارات دولار أمريكي بينما أقر مكتب الميزانية في الكونجرس الأمريكي تخفيضات في ميزانية سنة 2012 بلغت مليار دولار. وفي الحقيقة فإن مبلغ 37 مليار دولار يمثل قيمة ما تستدينه الحكومة الأمريكية خلال 37 ساعة بينما يمثل مبلغ مليار دولار ما تستدينه الحكومة الأمريكية خلال خمسة ساعات وعشرين دقيقة. المستثمر الأمريكي وارن بافيت والذي يبلغ صافي ثروته 44 مليار دولار تقريبا ودخله يبلغ 3 مليارات دولار سنويا قبل إحتساب الضرائب وهو مبلغ تستدينه الحكومة الأمريكية خلال 17 ساعة, بينما لو قام بالتبرع بكامل ثروته فإن ذالك المبلغ تنفقه الحكومة الأمريكية خلال أربعة أيام ونصف. ولو قام الأثرياء الأمريكيون على قائمة فوربس لأغنى 400 شخص بالتبرع بكامل ثرواتهم للحكومة الأمريكية, فسوف يكون ذالك المبلغ يساوي 1.5 تريليون دولار وهو أقل من عجز الميزانية خلال فترة سنة واحدة من حكم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والذي بلغ 1.56 تريليون دولار. إن خطة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لزيادة نسبة الضرائب على الأثرياء وأصحاب المداخيل المرتفعة تستهدف لجمع 3.2 مليار دولار سنويا وهو مبلغ قد يجعل تسديد ذالك العجز في موازنة الولايات المتحدة خلال 500 سنة أمرا ممكنا.
وفي ختام الموضوع وبعد كل تلك الأرقام والإحصائيات, يبقى السؤال عن إمكانية إستمرار مشكلة الدين السيادي والخاص الأمريكي إلى زمن غير معلوم من دون أن تنفجر تلك الفقاعة وتؤدي إلى إنهيار منظومة العولمة والتبادل التجاري على المستوى العالمي والأهم إنهيار الدولار الأمريكي وفقدانه مركزه كعملة إحتياطية عالمية.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية


Monday, March 5, 2018

جذور الصراع والحروب, العولمة وإتفاقيات التجارة الحرة

ليس من هناك من أدنى شك بفشل منظومة العولمة من الناحية الأخلاقية والإقتصادية في حماية الفئات الأضعف من تبعاتها الكارثية خصوصا ممارسات الشركات العابرة للحدود(Trans National) التي تغولت حتى على حكومات الدول حيث تحول السيادة الوطنية إلى مفهوم تم إفراغه من أي معنى حقيقي. إن مبادئ العولمة وقوانين التجارة الحرة كالجات والنافتا لم يتم تصميمها إلا لتقوم على حماية مصالح كبار الشركات ورجال الأعمال والمستثمرين الذين يمثلون دولهم المستعدة للتدخل عسكريا إذا لزم الأمر وتعرضت مصالح تلك الشركات للخطر. ولكن خضوع الدولة القومية لمصالح رجال المال والأعمال ليس بالأمر الطارئ على من قرأ تاريخ الإنقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية وأسيا خصوصا في غواتيمالا سنة ١٩٥٤ وأندونيسيا ١٩٦٥ وتشيلي ١٩٧٣ والأرجنتين ١٩٧٦ حيث تمت تلك الإنقلابات تحت ستار مكافحة الشيوعية والحرب الباردة بينما على أرض الواقع, تضارب المصالح التجارية والإقتصادية بين الشركات العابرة للحدود والحكومات القومية لتلك الدول هو السبب الرئيسي. إن الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية تظهر شركة أي جي فاربن(I. G. Farben) الألمانية المتخصصة بالصناعات الكيميائية كإحدى أكبر الشركات العابرة للحدود والتي كانت لها إستثمارات وتحالفات وتكتلات داخل وخارج بلدها الأم حتى وإن لم تطلق عليها تلك التسمية بالمعنى الحرفي للكلمة. الولايات المتحدة كانت مهتمة بالحفاظ على تلك الشركة من الدمار وبأقل قدر ممكن من الخسائر حيث نجحت في ذالك وبالحفاظ على بنيتها التحتية سليمة بما تحتويه من كوادر علمية وأسرار صناعية وعسكرية لا تقدر بثمن.
إن الإنحدار الأخلاقي لأي منظومة قائمة سواء كانت إقتصادية أم سياسية سوف تؤدي بالنهاية إلى إنهيار تلك المنظومة حتى لو كانت تعيش عصورا من الإزدهار الإقتصادي وذالك بسبب إتساع اللامساواة وإزدياد الفروق الطبقية وتأكل الطبقة الوسطى وزيادة عدد سكان العالم ممن يعيشون تحت خط الفقر. ولايمكن إستمرار أي نظام إقتصادي قائم على إستغلال مجهودات الطبقة العاملة وعدم دفع أجور عادلة وذالك لفترة زمنية لا نهائية, الإقتصادات القائمة على العمالة منخفضة الأجور سوف تنهار تحت وطأة التبعات الإجتماعية لتلك الممارسة الغير مقبولة خصوصا أننا قي عصر الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي حيث لم تعد وسائل الإعلام التقليدية هي المتحكم الوحيد في نوعية الأخبار التي نشاهدها أو نسمع عنها: فيسبوك, تويتر وإنستجرام هي مثال على مواقع التواصل الإجتماعي والتي تعتبر منصات مفتوحة يمكن لأي شخص التسجيل فيها ولا تخضع لسيطرة وسائل الإعلام التقليدية ولا حتى أي معايير أخلاقية تتحكم بنوعية الأخبار التي تنشر فيها. ولذالك فإن وسائل التواصل الإجتماعي أصبحت ميدانا خصبا لنشر الإشاعات والأخبار الكاذبة والملفقة خصوصا الإقتصادية والسياسية.
إن الفردية(Individualism) التي ينادي بها أنصار الرأسمالية وعدم تدخل الدولة في الأسواق(Free Market) ومبدأ دعه يعمل دعه يمر(laissez faire laissez passer) تستمد قوتها من كتابات أدم سميث خصوصا كتاب"بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم" ولكنهم يخلطون بينها وبين عصر الشركات العابرة للحدود(الشركات اللاقومية) وهو العصر الذي نعيشه حاليا. أدم سميث كان مؤيدا للحد الأدنى من تدخل الدولة في الأسواق وكان معارضا للإحتكارات(Monopoly) حيث كانت وجهة نظره عن السوق الحرة هي ألاف الأشخاص يتفاعلون داخل السوق وذالك بالبيع والشراء وأن السعر يحدده قانون العرض والطلب. وكمثال على الإحتكار فإنه في سنة 2011, كان عدد الشركات الإعلامية المؤثرة هو 50 شركة ولكن ذالك العدد تقلص من خلال الإندماجات والإستحواذات وعمليات الشراء المباشر إلى ستة شركات. في عصرنا الحالي هناك ستة شركات تسيطر على وسائل الإعلام المختلفة حيث يبرز إسم رجل الأعمال الأمريكي من أصل أسترالي روبرت مردوخ كمالك لشركة(News Corporation) والتي تتبع لها مجموعة من الصحف والقنوات التلفزيونية منها قناة فوكس نيوز(Fox News) التي تتميز بنزعتها المحافظة. الإعلام هو أحد المجالات التي تمارس فيها مجموعة قليلة من الشركات سيطرة على ما نسبته 90% من سوق الإعلام على المستوى العالمي.
الرأسمالية سقطت منذ زمن طويل ولم يتبقى منها إلا القشرة الخارجية, إتفاقيات التجارة الحرة كالجات تعمل بطريقة إنتقائية ومصممة لنهب خيرات العالم الثالث من الموارد وشرائها بأبخس الأثمان وإعادة بيعها على شكل سلع بأثمان مرتفعة وتحقيق أرباح خيالية. أغلب العمال في دول العالم الثالث ممن يعملون لصالح الشركات العابرة للحدود يتلقون أجورا تكاد تكون دولارين في اليوم الواحد أو حتى أقل من ذالك. إن قيام تلك الشركات وفي سعيها للبحث عن الربحية بنقل مصانعها لدول مثل الصين, فيتنام, الهند, كمبوديا وبنغلاديش قد أدى إلى نتائج عكسية في بلدانها الام حيث إزدادت نسبة البطالة بما فاقم المشكلات الإجتماعية التي يعاني منها مواطنوها وفي الوقت نفسه لم تؤدي إلى تحسين ظروف الحياة في بلدان كالفلبين التي تعمل الشركات فيها من خلال مناطق التصدير(Export Processing Zones-EPZ) أو مايعرف بالمناطق الحرة حيث لا تدفع ضرائب لفترة زمنية طويلة وقد تبلغ ١٠ سنين في بلدان كسيريلانكا و٥ سنين في دول كالفلبين ولا تساهم تلك الشركات في أي مجهودات لتحسين ظروف الحياة في المناطق التي تتواجد فيها حيث لا رعاية طبية ولا خدمات أساسية تحترم الحد الأدنى من كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. إن تلك الظروف الغير إنسانية تشكل بيئة خصبة لكل أنواع التمرد والعصيان حيث لا يعلم أحد أين سوف تكون الشرارة التي سوف تشعل حريقا لا يمكن السيطرة عليه إلا بعد أن يأكل الأخضر واليابس, فقد يكون السيناريو تمردا عماليا في بلد ما أو حربا تجارية قد تبدأ بفرض تعرفة جمركية على البضائع المستوردة أو حتى تخفيض في قيمة العملة لإكتساب مزايا تنافسية على حساب البلدان الأخرى.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية