Flag Counter

Flag Counter

Monday, March 5, 2018

جذور الصراع والحروب, العولمة وإتفاقيات التجارة الحرة

ليس من هناك من أدنى شك بفشل منظومة العولمة من الناحية الأخلاقية والإقتصادية في حماية الفئات الأضعف من تبعاتها الكارثية خصوصا ممارسات الشركات العابرة للحدود(Trans National) التي تغولت حتى على حكومات الدول حيث تحول السيادة الوطنية إلى مفهوم تم إفراغه من أي معنى حقيقي. إن مبادئ العولمة وقوانين التجارة الحرة كالجات والنافتا لم يتم تصميمها إلا لتقوم على حماية مصالح كبار الشركات ورجال الأعمال والمستثمرين الذين يمثلون دولهم المستعدة للتدخل عسكريا إذا لزم الأمر وتعرضت مصالح تلك الشركات للخطر. ولكن خضوع الدولة القومية لمصالح رجال المال والأعمال ليس بالأمر الطارئ على من قرأ تاريخ الإنقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية وأسيا خصوصا في غواتيمالا سنة ١٩٥٤ وأندونيسيا ١٩٦٥ وتشيلي ١٩٧٣ والأرجنتين ١٩٧٦ حيث تمت تلك الإنقلابات تحت ستار مكافحة الشيوعية والحرب الباردة بينما على أرض الواقع, تضارب المصالح التجارية والإقتصادية بين الشركات العابرة للحدود والحكومات القومية لتلك الدول هو السبب الرئيسي. إن الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية تظهر شركة أي جي فاربن(I. G. Farben) الألمانية المتخصصة بالصناعات الكيميائية كإحدى أكبر الشركات العابرة للحدود والتي كانت لها إستثمارات وتحالفات وتكتلات داخل وخارج بلدها الأم حتى وإن لم تطلق عليها تلك التسمية بالمعنى الحرفي للكلمة. الولايات المتحدة كانت مهتمة بالحفاظ على تلك الشركة من الدمار وبأقل قدر ممكن من الخسائر حيث نجحت في ذالك وبالحفاظ على بنيتها التحتية سليمة بما تحتويه من كوادر علمية وأسرار صناعية وعسكرية لا تقدر بثمن.
إن الإنحدار الأخلاقي لأي منظومة قائمة سواء كانت إقتصادية أم سياسية سوف تؤدي بالنهاية إلى إنهيار تلك المنظومة حتى لو كانت تعيش عصورا من الإزدهار الإقتصادي وذالك بسبب إتساع اللامساواة وإزدياد الفروق الطبقية وتأكل الطبقة الوسطى وزيادة عدد سكان العالم ممن يعيشون تحت خط الفقر. ولايمكن إستمرار أي نظام إقتصادي قائم على إستغلال مجهودات الطبقة العاملة وعدم دفع أجور عادلة وذالك لفترة زمنية لا نهائية, الإقتصادات القائمة على العمالة منخفضة الأجور سوف تنهار تحت وطأة التبعات الإجتماعية لتلك الممارسة الغير مقبولة خصوصا أننا قي عصر الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي حيث لم تعد وسائل الإعلام التقليدية هي المتحكم الوحيد في نوعية الأخبار التي نشاهدها أو نسمع عنها: فيسبوك, تويتر وإنستجرام هي مثال على مواقع التواصل الإجتماعي والتي تعتبر منصات مفتوحة يمكن لأي شخص التسجيل فيها ولا تخضع لسيطرة وسائل الإعلام التقليدية ولا حتى أي معايير أخلاقية تتحكم بنوعية الأخبار التي تنشر فيها. ولذالك فإن وسائل التواصل الإجتماعي أصبحت ميدانا خصبا لنشر الإشاعات والأخبار الكاذبة والملفقة خصوصا الإقتصادية والسياسية.
إن الفردية(Individualism) التي ينادي بها أنصار الرأسمالية وعدم تدخل الدولة في الأسواق(Free Market) ومبدأ دعه يعمل دعه يمر(laissez faire laissez passer) تستمد قوتها من كتابات أدم سميث خصوصا كتاب"بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم" ولكنهم يخلطون بينها وبين عصر الشركات العابرة للحدود(الشركات اللاقومية) وهو العصر الذي نعيشه حاليا. أدم سميث كان مؤيدا للحد الأدنى من تدخل الدولة في الأسواق وكان معارضا للإحتكارات(Monopoly) حيث كانت وجهة نظره عن السوق الحرة هي ألاف الأشخاص يتفاعلون داخل السوق وذالك بالبيع والشراء وأن السعر يحدده قانون العرض والطلب. وكمثال على الإحتكار فإنه في سنة 2011, كان عدد الشركات الإعلامية المؤثرة هو 50 شركة ولكن ذالك العدد تقلص من خلال الإندماجات والإستحواذات وعمليات الشراء المباشر إلى ستة شركات. في عصرنا الحالي هناك ستة شركات تسيطر على وسائل الإعلام المختلفة حيث يبرز إسم رجل الأعمال الأمريكي من أصل أسترالي روبرت مردوخ كمالك لشركة(News Corporation) والتي تتبع لها مجموعة من الصحف والقنوات التلفزيونية منها قناة فوكس نيوز(Fox News) التي تتميز بنزعتها المحافظة. الإعلام هو أحد المجالات التي تمارس فيها مجموعة قليلة من الشركات سيطرة على ما نسبته 90% من سوق الإعلام على المستوى العالمي.
الرأسمالية سقطت منذ زمن طويل ولم يتبقى منها إلا القشرة الخارجية, إتفاقيات التجارة الحرة كالجات تعمل بطريقة إنتقائية ومصممة لنهب خيرات العالم الثالث من الموارد وشرائها بأبخس الأثمان وإعادة بيعها على شكل سلع بأثمان مرتفعة وتحقيق أرباح خيالية. أغلب العمال في دول العالم الثالث ممن يعملون لصالح الشركات العابرة للحدود يتلقون أجورا تكاد تكون دولارين في اليوم الواحد أو حتى أقل من ذالك. إن قيام تلك الشركات وفي سعيها للبحث عن الربحية بنقل مصانعها لدول مثل الصين, فيتنام, الهند, كمبوديا وبنغلاديش قد أدى إلى نتائج عكسية في بلدانها الام حيث إزدادت نسبة البطالة بما فاقم المشكلات الإجتماعية التي يعاني منها مواطنوها وفي الوقت نفسه لم تؤدي إلى تحسين ظروف الحياة في بلدان كالفلبين التي تعمل الشركات فيها من خلال مناطق التصدير(Export Processing Zones-EPZ) أو مايعرف بالمناطق الحرة حيث لا تدفع ضرائب لفترة زمنية طويلة وقد تبلغ ١٠ سنين في بلدان كسيريلانكا و٥ سنين في دول كالفلبين ولا تساهم تلك الشركات في أي مجهودات لتحسين ظروف الحياة في المناطق التي تتواجد فيها حيث لا رعاية طبية ولا خدمات أساسية تحترم الحد الأدنى من كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. إن تلك الظروف الغير إنسانية تشكل بيئة خصبة لكل أنواع التمرد والعصيان حيث لا يعلم أحد أين سوف تكون الشرارة التي سوف تشعل حريقا لا يمكن السيطرة عليه إلا بعد أن يأكل الأخضر واليابس, فقد يكون السيناريو تمردا عماليا في بلد ما أو حربا تجارية قد تبدأ بفرض تعرفة جمركية على البضائع المستوردة أو حتى تخفيض في قيمة العملة لإكتساب مزايا تنافسية على حساب البلدان الأخرى.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

No comments:

Post a Comment