Flag Counter

Flag Counter

Thursday, February 11, 2016

في جنة الرأسمالية, لا مكان للملائكة

إن قضية التفاوت في مستوى الدخل القومي بين الدول بعضها البعض وحتى داخل الدول نفسها بين مختلف طبقات المجتمع أصبحت تعد أحد أكثر المشاكل التي يثار النقاش حولها على هامش إنتشار مفاهيم العولمة وتورط المزيد من الدول في إتفاقيات العولمة مثل التجارة الحرة ونافتا وغيرها من الإتفاقيات المماثلة وإن إختلفت التسميات. أحد أهم الأثار السلبية للعولمة وإتفاقيات التجارة الحرة هي أنها السبب المباشر في إزدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء في العالم, إزدياد التلوث والإحتباس الحراري, إزدياد مستوى الديون والعجز في الميزانية.
ولكن هل أصبح من الناحية الأخلاقية مقبولا تجاهل تزايد نسبة الإنتحار بين مزارعي القطن الفقراء في الهند وعمال مصانع الشركات الأجنبية في الصين في مقابل أن نستمتع بأخر صيحات الموضة وأجهزة الأيفون وأبل أيباد؟ الأنانية تجتاح العالم وتتجاهل إرتفاع حوادث الإغتصاب في البلدات المكسيكية التي تنتشر فيها مصانع الملابس التي تعمل لحساب الشركات الأجنبية وبالكاد تدفع رواتب الكفاف للعمال. قضية إستغلال العمال الفقراء في بنغلاديش بالكاد يرد خبر من سطر أو سطرين في الصحف والوسائل الإعلامية الأجنبية او حتى العربية التي مازالت مشغولة بقضية شخصين إختلفا على الحكم منذ أكثر من 1300 سنة. أين المنظمات الحقوقية ومنظمات حقوق الإنسان؟ هل من العدل أن يستنفر العالم من أجل حمار تعرض لمعاملة سيئة أو إهمال ويهتم بقطط الشوارع والكلاب الضالة أكثر من إهتمامه بفقراء العالم؟
إن إستفحال نفوذ شركات إنتاج الأغذية المعدلة وراثيا يعتبر أحد ثمرات العولمة والتي لها علاقة بحقوق الملكية وبرائة الإختراع التي تعتبر بقرة حلوب لتلك الشركات التي تبتز المزارعين الفقراء حتى أنها تمنعهم من الإحتفاظ بأي كمية من بذور محصولهم لزراعتها في الموسم القادم وتفرض عليهم شراء كميات جديدة من البذور لزراعتها في كل موسم بشكل منفصل.
هناك عدد كبير من الشركات التي تبيع الأغذية والحبوب والمواد الزراعية المعدلة وراثيا ولكن أشهرها شركة مونسانتو(Monsanto) والتي إكتسبت شهرتها من عدد القضايا المرفوعة ضدها في عدد كبير من المدن والبلدات الأمريكية بسبب التلوث الذي تسببه مصانعها للبيئة وتملصها من التعويضات التي يتوجب على الشركة دفعها للعمل الذي يثبت تضررهم من العمل في منشئات الشركة.
شركات الأغذية المعدلة وراثيا قادرة على لي إستغلال القانون حيث ان عددا من أعضاء مجالس الإدارة كانوا قادرين على تولي مناصب مهمة كقضاة محاكم وحتى في المحكمة العليا في الولايات المختلفة والمحكمة العليا الفيدرالية الأمريكية. لنفترض أن أحدا يقوم على زراعة أرضه بالقمح العضوي بينما جاره يستخدم بذورا معدلة وراثيا من شركة مونسانتو(Monsanto). وكما هو معلوم فإن الرياح تحمل البذور لمسافات طويلة فما بالكم بالأراضي المتجاورة ولكن شركة مونسانتو لن تقتنع بتلك الأسباب وسوف ترسل وكلائها لتقصي الأمر ومحاولة جمع الأدلة حتى بدون أخذ موافقة مالك الأرض ومحاولة مقاضاة المزارعين أمام المحاكم بتهمة التعدي على حقوق برائة الإختراع الخاصة بالشركة وتلك محاولة مكشوفة لإفلاس المزارعين بسبب عدم قدرتهم على تحمل تكاليف عمليات مقاضاة قانونية قد تصل إلى أكثر من نصف مليون دولار بينما تمتلك تلك الشركة وغيرها طواقم من عشرات وربما مئات المحامين المتفرغين لتلك المهمة. الحل أمام الضحايا سوف يكون إما القبول بدفع تعويض للشركة أو التخلي عن الزراعة العضوية وزراعة محاصيل معدلة وراثيا تنتج بذورها تلك الشركة وغيرها.
إرتفاع تكلفة المحاصيل والبذور المعدلة وراثيا والأسمدة التي تنتجها تلك الشركات وإنخفاض العائد الناتج من زراعة القطن المعدل وراثيا في دول مثل الهند قد أدى إلى إفلاس عدد كبير من المزارعين بل وإنتحار 250 ألف مزارع قطن تقريبا في العقد الأخير مع تزايد ملحوظ لحالات الإنتحار فيما يعرف بحزام إنتاج القطن.
الغاية تبرر الوسيلة لشركات إنتاج الأغذية المعدلة وراثيا حيث تعرضت شركة مطاعم عالمية مقرها الرئيسي في الولايات المتحدة تدعى تشيبولتي(Chipotle) لمشكلة تلوث المنتجات التي تستخدمها في أطباقها للتلوث ببكتيريا إيكو لاي(E.Coli). تلك الشركة مشهورة بإستخدامها منتجات غير معدلة وراثيا في أطباقها مما أكسبها الكثير من الأعداء حيث يشتبه المحققون بان الحادث بفعل فاعل وليس وليد الصدفة. الشركة أغلقت كافة مطاعمها البالغة أكثر من 2000 مطعم.
يقال أن الذهب هو المعدن الأكثر قيمة والأكثر لمعانا وقد يكون ذالك غير صحيح من الناحية العملية ولكن هل سأل أحدكم عن ثمن المعاناة التي يدفعها العاملون في مناجم الذهب وفي إستخراجه في الكثير من الدول الأفريقية وبعض دول أمريكا اللاتينية؟ هل سأل أحدكم عن الثمن الحقيقي لحشوة أسنانه الذهبية او المجوهرات التي تزين اعناق نساء المشاهير أو عن الأسنان الذهبية التي يتفاخر بها البعض؟ ماذا عن عمالة الأطفال في إستخراج المعدن الأصفر في الدول الأفريقية؟ ماذا عن معاناتهم وطفولتهم التي تنتهك في أقسى ظروف العمل والتي هي عبودية حقيقية بمساهمة وموافقة شركات مثل أبل؟
مدينة أنتيروب البلجيكية تعد عاصمة الألماس في العالم كما أن بلجيكا تعد مركزا رئيسيا لتجارة الذهب. عاصمة الألماس مايطلقه عليها تجار الذهب والمعادن الثمينة ولكن إسمها الحقيقي هي مدينة المعاناة لأنه خلف صالات التداول الفخمة وصالات العرض الفارهة التي تقف أمامها سيارات قد يصل ثمن بعضها إلى مليون دولار, هناك المعاناة والألم والإستغلال.
معامل شركة نايكي في مدينة تانجيرانج الأندونيسية تدفع لعمالها 1.25 دولارا يوميا حيث يعيش العمل في ظروف بائسة في قرى لا تتوفر فيها أدنى الشروط الإنسانية والصحية ويعملون 12 ساعة يوميا ستة أيام في الأسبوع وقد يعملون 7 أيام وبدون أي يوم إجازة ولفترة طويلة غير محددة. إن تلك الظروف البائسة لا تقتصر على عمال شركة نايكي بل شركة أديداس,ريباك,بولو ورالف لورين وغيرها الكثير في أندونيسيا وعدد من الدول التي تتواجد فيها مصانع تلك الشركات.
المؤسسات المالية الدولية التي تم إنشائها بموجب إتفاقية بريتون 1944 وخصوصا البنك الدولي وصندق النقد الدولي تساهم بإفقار الدول وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء وخصوصا عبر تقديمها قروضا بفوائد عالية وبشروط مجحفة تتضمن أنشاء مشاريع بنية تحتية قد يكون بعضها غير ضروري أو مبني على تقديرات خاطئة والهدف هو حصد العمولات والسمسرة وعدم إنتفاع السكان المحليين بتلك المشاريع حيث تضيع أموال القروض في الهواء ويبقى على الدول دفع القروض بفوائدها فتضطر لخصخصة مؤسساتها الحيوية والإقتصادية مثل مؤسسات الكهرباء والمياه وخطوط السكك الحديدية وبيعها لمؤسسات أجنبية تفرض أسعارا باهظة على السكان المحليين مقابل خدماتها وإلا قطعتها عنهم فيزداد الفقراء فقرا. تخيلوا أن إحدى شركات النفط قد إتهمت سكان الأدغال في الأكوادور بأنهم تدربوا على أيدي متطرفين إسلاميين لمجرد أن هؤلاء قد إحتجوا على أعمال حفر كانت تلك الشركات تقوم بها في منطقتهم بحماية ميليشيات وعصابات مسلحة وتبين فيما بعد أنها تتم بدون تصريح حكومي.
حتى الدول الغربية تضررت من سياسات العولمة وإتفاقيات التجارة الحرة خصوصا الولايات المتحدة التي زادت نسبة البطالة فيها بسبب رحيل عدد كبير من الشركات للصين وأندونيسيا وفيتنام والمكسيك حيث تقيم مصانعها في تلك الدول التي تدعم الإستثمارات الأجنبية وتتوفر على عمالة ماهرة ورخيصة.
قد يتسائل البعض عن التأثير الذي سوف تحدثه عودة الشركات الأمريكية وإقامة مصانعها في الولايات المتحدة بدلا من الصين أو فيتنام. الإجابة هنا بأن ذالك متعلق بقبول العامل في مصنع الأثاث في الولايات المتحدة أو في أي دولة أوروبية بأجر شهري قد لايتجاوز 150 دولارا أو 1.25 دولار في اليوم كما في بلدان مثل أندونيسيا. إلقاء اللوم على الصين أو على العمالة الرخيصة في بلدان مثل أندونيسيا ليس إلا شماعة يلقي عليها البعض أخطائهم بينما ينشغلون بجمع الأرباح وبحساباتهم المالية التي تتضخم يوما بعد يوم. إن مقارنة الأرباح التي تحصل عليها شركات مثل أبل, أديداس, نايكي وغيرها من الشركات التي تقع مصانعها خارج بلدها الأم بالأجور التي تدفعها لإكتشفنا قدرتها على دفع أجور عادلة بدون رفع أسعار منتجاتها والإستمرار في حصد أرباح معقولة ولكنه الجشع.
القضية لايمكن إختصارها بأحذية نايكي أو ظروف العمل القهرية الصعبة لمجموعة من العمال البائسين في مصانع شركة أبل في الصين أو مصانع الأثاث في فيتنام أو مصانع الألبسة في أندونيسيا أو المكسيك. القضية أكبر من ذالك بكثير حيث يتم إفقار أمم كاملة بفضل سياسات الرأسمالية والعولمة ويتم القضاء على الصناعات المحلية التي لاتكون قادرة على المنافسة لعدم إمتلاكها رأس المال المطلوب.
الإعتماد على العمالة الرخيصة وإستغلال ظروف العمال الفقراء في الدول النامية ليست إلا مبررات حيث أن عودة المصانع المهاجرة للخارج إلى بلدانها الأصلية لن تكون سببا في زيادة نسبة التضخم بل العكس هو الصحيح حيث تنخفض نسبة البطالة وترتفع القوة الشرائية للسكان المحليين وكذالك الناتج المحلي الإجمالي بسبب إرتفاع الإنتاجية ممايؤدي إلى أداء إقتصادي مرتفع وإنخفاض مستوى الفقر.
القضية هي أخلاقية بالدرجة الأولى فإلى متى سوف يستمر أحدهم بدفع الثمن؟
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية


Monday, February 8, 2016

هل يمكن الفصل بين إنجيل القديس يوحنا والأناجيل الإزائية؟

من وجهة نظر الكثير من المؤمنين ومرتادي الكنائس فإنه من الصعب التمييز حين قرائة مقطع من العهد الجديد مصدره أحد الأناجيل, تحديد مصدره بالتحديد من أي الأناجيل الأربعة وخصوصا أن الكثير من الكنائس تقوم بالمراوحة بين الأناجيل المختلفة ومزج النصوص والكلمات بعضها مع بعض. وكما نعلم فإنه هناك في العهد الجديد من الكتاب المقدس أربعة أناجيل هي على الترتيب الإنجيل بحسب القديس متى, الإنجيل بحسب القديس مرقس, الإنجيل بحسب القديس لوقا والإنجيل بحسب القديس يوحنا. الأناجيل الثلاثة الأولى يطلق عليها (الإزائية) منفصلة في البنية وطريقة الصياغة عن الإنجيل حسب القديس يوحنا حيث أن بعض الأراء ترى أن القديس متى إستخدم الإنجيل بحسب القديس مرقس في 90% من إنجيله كما أن القديس لوقا إستخدم نفس الإنجيل - مرقس, بنسبة 50% كما أن كلا من القديس متى والقديس لوقا قام بإضافة مواد من مصدر لايوجد في أيدي الباحثين يعرف بكويلي أو الإنجيل (َQ). وحده الإنجيل بحسب القديس يوحنا يعد منفردا بدون أي دليل على إستعانته بمواد من أي من الأناجيل الإزائية.
سوف نأخذ مثالا بسيطا في قصة ميلاد يسوع المسيح التي يقرأها قساوسة الكنائس خصوصا في المناسبات التي تترافق مع أعياد الميلاد ورأس السنة. القصة سوف تبدأ من الإنجيل بحسب القديس لوقا وتنتهي بقصة المجوس الذين قدموا من المشرق. إن ذالك يعد ترتيبا مريحا لتجنب ذكر عدد من التفاصيل التي وردت في الإنجيل بحسب القديس متى وخصوصا التي تعد دموية مثل قصة ذبح هيروديس لأطفال بيت لحم.
إن ذالك الخلط في التفاصيل يؤدي إلى ضياع بنية القصة حسبما قام بكتابتها القديس متى ويصبح من الصعب تمييزها. فبحسب القديس متى لا يوجد رحلة إلى بيت لحم ليوسف ومريم العذراء ولا منزل الإقامة وغير ذالك من التفاصيل اللازمة لإكمال القصة وبدلا من ذالك يفترض أن يسوع المسيح ولد في بيت لحم في منزل مستقل يمكن تمييزه لدرجة كافية للنجم أن يتوقف عن المسير فوقه ويضيئ ذالك المكان بعلامة مميزة للرحالة المجوس. رواية القديس متى للقصة بتلك الطريقة وخصوصا إدخال قصة مذبحة الأطفال في التفاصيل وضعته في إشكالية لم تواجه القديس لوقا خصوصا أنه يعلم أن يسوع المسيح جليلي وأصله من بلدة الناصرة(Nazarriah). في سبيل إعطاء قصة الميلاد البعد المناسب لجعلها متماسكة فقد قام بإضافة هروب العائلة المقدسة إلى مصر ثم العودة إلى منزل الأسرة في بيت لحم ثم الرحيل إلى الجليل وبالتالي العودة للناصرة.
رواية القديس لوقا تذكر كون يوسف ومريم العذراء من سكان الناصرة ولكن ذالك يضعه في إشكالية كون المسيا المنتظر من نسل داوود ولذالك يقوم لوقا ببناء روايته حول الإحصاء السكاني الذي أمر به القيصر أوغسطس ورحيل يوسف ومريم العذراء إلى بيت لحم مدينة داوود وولادة يسوع المسيح هناك.
إن قصة ميلاد يسوع المسيح بحسب رواية القديس لوقا تدخل فيها الكثير من العناصر الميثولوجية على حساب الحقيقة وذالك لثلاثة أسباب أوضحها كما يلي:
السبب الأول هو أنه بين ديفيد ويوسف 50 جيلا على الأقل ومع الأخذ في الإعتبار أن داوود كانت له العديد من الزوجات والأولاد الذين تناسلوا فإن عددهم بإفتراض بقائهم جميعهم أحياء وهو مالم يحصل سوف يبلغ مئات الملايين. إن ذالك لا ينفي العدد الكبير من المتحدرين من نسل الملك داوود الذين إنحدروا على بيت لحم لتسجيل أسمائهم في الإحصاء السكاني الذي أمر به القيصر الروماني مما يقدمم مبررا أن مريم العذراء لم تجد مكانا في النزل وإضطرت أن تلد يسوع المسيح في حظيرة او في مغارة وهو ما أثبته أحد أباء الكنيسة الأوائل أوريجانوس زاعما أنه نقل ذالك من بعض التقاليد القديمة.
السبب الثاني هو أن القديس لوقا ذكر توقيت الإحصاء في الزمن الذي كان فيه كيرينيوس حاكما على سوريا بينما تثبت الإحصائيات التاريخية أن كيرينيوس لم يصبح حاكما على سوريا حتى 6-7 قبل الميلاد أي عندما كان عمر يسوع المسيح بلغ عشرة أو أحد عشرة سنة.
السبب الثالث هو سفر مريم العذراء وهي حامل في شهرها الأخير كل تلك المسافة التي تبلغ 94 ميلا تقريبا من الناصرية إلى بيت لحم راكبة على حمار. كل تلك التفاصيل لو قمنا بعرضها على باحث متخصص فسوف يكون جوابه بردها وأنها غير صالحة تاريخيا كما ان العديد من تفاصيلها تتعارض مع القصة التي نجدها في الإنجيل بحسب القديس متى.
من الممكن أيضا الإستعانة بمثال أخر يساعد على فهم الكيفيية التي يتم فيها الدمج بين تفاصيل القصة الواحدة من الأناجيل الأربعة وأحد أفضل الأمثلة على ذالك هو الكلمات الأخيرة التي قالها يسوع المسيح على الصليب.
تقوم العديد من الكنائس بإستقبال يوم الجمعة العظيمة بطقوس وصلوات وتأملات مستمدة مما يعرف بالكلمات السبعة الأخيرة وهي من المفترض أنها الكلمات السبع الأخيرة التي تفوه بها يسوع المسيح على الصليب. على أرض الواقع وبالرجوع إلى الأناجيل الأربعة فإنه مايدعى الكلمات السبعة الأخيرة ليست إلا مزيجا مما قاله يسوع المسيح في لحظاته الأخيرة على الصليب من واقع الأناجيل الأربعة.
ولكن هناك إستثناء بسيط في إنجيل القديس مرقس 14:50(فتركوه كلهم وهربوا) وهناك يتسائل الناقدون عمن سجل كلمات يسوع الأخيرة إن كان كل تلاميذه لك يكونوا موجودين بجانبه خلال تلك اللحظات؟ كما أن قصة هروب التلاميذ قد تكون مضافة بأيدي بشرية حسب أراء بعض النقاد وذالك تطبيقا لنبوئة زكريا 13:7(اضْرِبِ الرّاعيَ فَتَتَشَتَّتُ الخِرافُ).
كما أن أول روايات حادثة الصلب والتي جائت في الإنجيل بحسب القديس مرقس(14:17 - 15:49) هو نفسه لم يكن شاهدا عليها إنما محاولة منه لرواية الأحداث المكملة بحسب وجهة نظره للنبوئات التوراتية كما في المزمور 22 وإشعياء 53.
وعندما قام القديس يوحنا بكتابة إنجيله فإنه لم يكن يعتقد بملائمة أي من الروايات لكلمات يسوع المسيح الأخيرة على الصليب والتي وردت في الأناجيل الإزائية الثلاثة لشخصية يسوع المسيح التي رواها في إنجيله فقام بتأليف ثلاثة مقاطع وهي التي وردت في يوحنا 19:27, 19:28 والتي ذكر يوحنا أنها لتتم النبوئات وعلى وجه الخصوص مزمور 69:21 ويوحنا 19:30(قَدْ تَمَّ) أو (تم كل شيء) كما جاء في بعض طبعات الكتاب المقدس خصوصا الترجمة اليسوعية.
وفي الختام سوف أقوم بإيراد بعض النقاط والتي تلخص الأسباب التي جعلت الإنجيل بحس القديس يوحنا متميزا عن باقي الأناجيل الإزائية.
- لايوجد أي ذكر للميلاد المعجزي ليسوع المسيح على الرغم من أن تلك الحادثة من المفترض أن القديس يوحنا قد سمع بها حيث انها متداولة ومكتوبة في فترة لا تقل عن 15 سنة قبل كتابته لإنجيله. تلك ليس الإشكالية الوحيدة بل أن يسوع المسيح يتم ذكر إسمه مرتين مقرونا بكونه إبن يوسف كما في يوحنا 1:45 و يوحنا 2:46.
- في الإنجيل بحسب القديسس يوحنا فإن يوحنا المعمدان لا يقوم بتعميد يسوع المسيح كما في روايات الأناجيل الإزائية.
- في الإنجيل الرابع فإنه لايوجد أي ذكر لإختبار يسوع المسيح في الصحراء ولا عن تحوله حين تكلم مع موسى واليشع.
- في الإنجيل الرابع تطغى الحوارات التي يجريها يسوع المسيح خصوصا مع اليهود على الصيغ التي تم إستخدامها في الأناجيل الإزائية كالأمثال والحكايات الرمزية كما أنه العظة على الجبل غير موجودة في الإنجيل بحسب القديس يوحنا.
- في الإنجيل الرابع فإن تطهير المعبد ليست مقترنة بالأسبوع الأخير من حياة يسوع المسيح بل جاء ذكرها في بداية كرازته في الفصل الثاني.
- مكان الأحداث في الإنجيل الرابع أغلبه في القدس ومحيطها حيث يخرج يسوع للجليل للهروب من إضطهاد السلطات اليهودية له بعكس الأناجيل الإزائية حيث يزور القدس مرة واحدة من أجل أن يأكل عشاء الفصح مع تلاميذه.
- ليس هناك وصف للعشاء الأخير في الإنجيل الرابع بإستثناء طقوس غسيل يسوع المسيح لأقدام التلاميذ وذالك مقارنة بالأناجيل الإزائية التي تحوي وصفا مفصلا للعشاء الأخير وكيفية التحضير له. التفاصيل في الإنجيل الرابع قصيرة ومختصرة.
- في الإنجيل الرابع لايوجد وصف للمعاناة في بستان جُثْسَيمانِي ولا صلاة ليسوع المسيح يسأل فيها أن يتم إنقاذه من مصيره بل يظهر منتقدا للتقاليد البالية متيقنا من مصيره أنه ولد ليصلب كما في يوحنا 12:27.
- الصورة التي يعكسها الإنجيل الرابع للمسيح لم تكن متعلقة بمعاناة يسوع المسيح حين صلبه, المسيح الذي يعاني, بل تعكس مجد يسوع المسيح وتعظيمه على الصليب.
- هناك شخصيات مذكورة في الإنجيل الرابع حصرا كشخصية ناثائيل والتلميذ الذي يحبه يسوع. لايمكن إعطاء تحليل منطقي وواقعي للإنجيل الرابع بدون المرور على تلك الشخصيات ودراستها.
- يتميز الإنجيل الرابع بإعطاء بعد واقعي وعميق لشخصيات مذكورة في الأناجيل الإزائية مجردة من أي ملامح شخصية تدل عليها أو تساعد في دراستها وتحليلها كمريم العذراء والدة يسوع المسيح, أندراوس, فيليبس, ثوماس.
تلك هي النقاط التي أثرتها في هاذا الموضوع والمتعلقة بالفروقات بين إنجيل يوحنا والأناجيل الإزائية الثلاثة(متى, مرقس, لوقا) ذكرتها بشكل مختصر حيث هناك مشاريع أخرى أقوم حاليا بكتابة رؤوس أقلام لتلك المشاريع ومتعلقة بتلك النقاط المختصرة لشرحها بالمزيد من التفصيل والتحليل.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Saturday, February 6, 2016

كيف تحول النفط من سلعة إلى أحد أهم الأسلحة المستخدمة في الحروب(1)؟

لمن يقرأ تاريخ الحرب العالمية الثانية فسوف يتعرف على مجموعة أسباب أدت لهزيمة ألمانيا في تلك الحرب. من الممكن تلخيص تلك الأسباب بمايلي: قيام الجيوش الألمانية بغزو الإتحاد السوفياتي, إعلان ألمانيا الحرب على الولايات المتحدة, التحالف الإيطالي-الألماني. هناك بالطبع مجموعة أسباب أخرى من وجهة نظر الكثيرين ولكن برأي الشخصي فإن هناك سببين رئيسيين أولهما يشترك فيه الكثيرون وهو غزو الجيوش الألمانية للإتحاد السوفياتي, أما السبب الثاني فهو النفط.
نحتاج إلى بعض التمعن في قرائة السببين الرئيسيين لهزيمة ألمانيا في الحرب إن أردنا أن نتعرف على التاريخ بعمق وليس بالسطحية التي تتناول وقائعه بها الكتب والمناهج الدراسية والجامعية. أول سبب رئيسي لهزيمة ألمانيا في الحرب هو دخول القوات الألمانية للإتحاد السوفياتي مما فاجئ الكثيرين وخصوصا أنه كانت بين ألمانيا وروسيا معاهدة عدم إعتداء(مولوتوف-ريبنتروب) تم توقيعها في موسكو سنة 1939 ولكن خسارة القوات الألمانية للحرب على الجبهة الشرقية لم يكن لها علاقة بعدد القوات الألمانية المخصصة لعملية بارباروسا(Barbarossa) وهي كلمة تعني ذو اللحية الحمراء, ولا بعتادها ولا بتدريبها فهي كانت من كل تلك النواحي أفضل بكثير من خصمها ولكن الذي هزم القوات الألمانية على الجبهة الروسية هو الوقت. النقطة التي قد لايستوعبها الكثيرون أن ستالين كان يتحين الفرصة لغزو ألمانيا كما كان هتلر يتحين الفرصة لغزو روسيا. كلاهما كان يعرف ذالك ويتصرف بناء عليه على الرغم من توقيعهما لتلك المعاهدة. ستالين قام بحشد قوات هجومية ضخمة بالقرب من الحدود الألمانية من ناحية دول البلقان(يوغسلافيا السابقة) مما أدى إلى تأخير توقيت عملية بارباروسا لمدة شهر كامل بسبب إشغال عدة فرق من الجيش الألماني في تأمين الحدود الألمانية من تلك الناحية وحل فصل الشتاء الروسي القارس على الجيش الألماني وهو على أبواب موسكو ويقاتل في ستالينجراد بلا مبالغة ليس من شارع إلى شارع, وليس من منزل إلى منزل بل من غرفة إلى غرفة.
معركة الأردين أو كما تعرف بإسم معركة الثغرة هي أحد أهم المعارك في الحرب العالمية الثانية وأخر محاولة هجومية رئيسية تقوم بها القوات الألمانية في الحرب والتي لو إنتصرت فيها لكان مقدرا لها أن تغير مسارها. القوات الألمانية خسرت تلك المعركة بسبب نقص الوقود الأمر الذي تسبب بتعطيل الدبابات الألمانية التي تعتمد خطة الهجوم عليها وذالك بعد فترة زمنية حقق الهجوم فيها نجاحا كبيرا.
نقص الوقود كان السبب الرئيسي الثاني لهزيمة ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية خصوصا على الجبهة الشرقية ثم تراجع القوات الألمانية ودخول قوات الحلفاء العاصمة الألمانية. فشل القوات الألمانية الإحتفاظ بحقول النفط في رومانيا وباكو حيث كان الإستيلاء عليها السبب الرئيسي لهجوم القوات الألمانية على منطقة القوقاز. الحكومة الألمانية وفي محاولة لتعويض النقص في الإمدادات النفطية قامت بزيادة إنتاجها من النفط الصناعي المستخلص من الفحم المتوفر بكثرة خصوصا في شرق ألمانيا حيث تحملت شركة أي جي فوربان(I.G. Forban) عبئ تلك المهمة بالتعاون مع شركات نفطية أمريكية. العملية التي كانت يتم إنتاج النفط الصناعي بواسطتها كانت تدعى (Bergius Hydrogenation) ولكنها على الرغم من الجهود المبذولة فإنها لم تكن تكفي إلا لإنتاج مانسبته 25% من إحتياجات ألمانيا من النفط ومشتقاته التي تحتاجها القوات الألمانية بشدة خصوصا أن حوالي 75% من إحتياجات المانيا من النفط يتم إستيرادها خصوصا من حقول النفط الرومانية المملوكة من شركات خاصة أمريكية وبريطانية وتلك كانت ثغرة بالنسبة للسياسة البريطانية التي تركز على حرمان أعدائها المحتملين من إمدادات النفط ولكن بالنسبة لحقول النفط الرومانية فقد كانت مملوكة لشركات نفط خاصة ولم تكن واقعة تحت السيطرة المباشرة للحكومة البريطانية كما في العراق. شركة النفط الأنجلو-إيرانية كانت إحدى تلك الشركات الخاصة قبل أن تقوم الحكومة البريطانية بالسيطرة على مانسبته 51% من الحصص فيها خصوصا مع الإتجاه لتحويل الأسطول البحري البريطاني لإستهلاك النفط كوقود بدلا من الفحم الحجري مما دفع القيادة الألمانية للتفكير بجدية بالسيطرة العسكرية المباشرة على رومانيا لتأمين حقول النفط التي تحتويها والتي كانت ضرورية للمجهود الحربي الألماني.
حتى أن هزيمة القوات الألمانية في الحرب العالمية الأولى وفشل الهجوم الرئيسي لها في أوروبا سنة 1918 يعزوه البعض لقيام الأحزاب الشيوعية في ألمانيا بالإضرابات والمظاهرات والإعتصامات على نطاق واسع بل وتخريب وقطع خطوط المواصلات والإمدادات للجيوش الألمانية على الجبهة وبث معلومات زائفة ومضللة بهدف تحطيم معنويات الجبهة الداخلية والضغط على الحكومة الألمانية. ولكن هناك سبب أخر وهو حقول النفط في رومانيا والتي سيطر عليها الجيش الألماني سنة 1916 بعد فوات الأوان ونجاح القوات البريطانية والرومانية المتحالفة معها في تخريبها وتدمير المصافي والمخزون النفطي الإستراتيجي وعدم نجاح القوات الألمانية في إستعادة الإنتاج إلى مستواه السابق بما يضمن نجاح حملتها التي توقفت عند منطقة السوم(Somme).
الجنرال الفرنسي فوش(Foch) قام بإرسال رسالة عاجلة للرئيس الفرنسي كليمنتو(Clemenceau) في شهر ديسمبر 1917 يرجوه فيه مخاطبة الرئيس الأمريكي ودروو ويلسون(Woodrow Wilson) بخصوص خطورة نقص الإمدادات النفطية على جهود قوات الحلفاء في التصدي لهجوم الربيع الألماني الذي كانت التوقعات بأن يبدأ سنة 1918. كما أن وزير خارجية بريطانيا اللورد كروزون قد صرح بعد إنتهاء الحرب سنة 1918 وتوقيع ألمانيا هدنة كومبين أن الحلقاء إنتصروا بفضل سيطرتهم على منابع إنتاج النفط.
إن دخول النفط كسلاح من الأسلحة المستخدمة في الحروب قد أحدث تحولا جذريا في الطريقة التي تخوض بها الجيوش معاركها. هجوم الربيع الألماني سنة 1918 إعتمد بشكل رئيسي على الوحدات السريعة المتنقلة خصوصا في نقل الجنود والإمدادات والتي تعمل على الوقود وليس الأعلاف كما هو الحال مع الخيول وغيرها من الحيوانات التي كانت إستخدامها شائعا في الجيوش الألمانية خلال السنين الأولى من الحرب. البحرية الألمانية كانت تعتمد على الفحم بشكل رئيسي في تسيير بواخرها بسبب عدم توفر إمدادات كافية من الوقود بينما البحرية البريطانية تحولت إلى إستخدام الوقود منذ سنة 1914 بفضل اللورد وينستون تشرشل. في الفترة التي تلت إنتهاء الحرب مباشرة فقد تم إحصاء 56000 ألف شاحنة, 36000 سيارة بحوزة القوات البريطانية, 70000 شاحنة, 12 ألف طائرة بحوزة القوات الفرنسية. كما أن الولايات المتحدة 50000 مركبة لأوروبا وقامت ببناء 15000 طائرة لإستخدامها في الحرب.
مشاركة الطائرات بكثافة في معركة السوم سنة 1918 وكذالك الدبابات التي تم إستخدامها لأول مرة في الحرب لم يكن ممكنا بدون الثورة التي أحدثها دخول النفط بكل ماتحمله الكلمة من معنى كأحد الأسلحة المستخدمة في الحروب حيث أصبح من الواضح أن سلاح النفط أكثر فاعلية في الحروب من المدافع والقنابل. فحرمان العدو من النفط له أكبر التأثير في هزيمته أكثر من التفوق العددي أو التفوق في تعداد الأسلحة أو صنوفها.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
نهاية الجزء الأول

Friday, February 5, 2016

رسالة إلى الشعب العربي العظيم - أنتم مريضون نفسيا

يا أيها الشعب العربي العظيم
تريدون الحرية والديمقراطية ومن أجل ذالك تهاجرون إلى بلاد الغرب لتعترضوا على أنظمة الحكم العلمانية وتطالبون في مظاهراتكم بتطبيق حكم الشريعة الإسلامية. اللهم لا إعتراض ولكن لماذا لاتبقون في بلادكم التي تطبق الشريعة؟ تصوتون للدولة الدينية وتهاجرون للدولة العلمانية. كمية من التناقض وإنفصام الشخصية لست أجده في أي حضارة أخرى. مريضون نفسيا.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Thursday, February 4, 2016

رسالة إلى الشعب العربي العظيم - تعيشون على ذكريات الماضي

يا أيها الشعب العربي العظيم
إشتهرتم في العالم ليس بالعلم والجهد والعمل بل بالذبح والسواطير والسكاكين والتقطيع لم تسلم منكم حتى الحيوانات ودول مثل بوركينا فاسو ومالي تلك البلدان الأفريقية الفقيرة لم تسلم منكم ومن إرهابكم وفكركم المتخلف. تتنوع وسائل الإجرام عندكم. جز اعناق بالسكين, قطع رؤوس بالسيف. إلقاء من أسطح المباني, خنق الضحية حتى الموت, إعدام بالأسلحة النارية, حرق الضحايا أو إغراقهم. سوف تبقون لألف سنة قادمة تتحدثون عن العالم المصري أحمد زويل كأنكم كل أسبوع تخرجون عالما يفوز بجائزة نوبل وعندما تتفاخرون أمام الأخرين فإنكم تذكرون ماضيكم الإجرامي في غزو الشعوب الأخرى وقتل رجالهم وسبي نسائهم. تعيشون على ذكريات الماضي.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

رسالة إلى الشعب العربي العظيم - خربتوها وقعدتوا على تلها

يا أيها الشعب العربي العظيم
دولة التشيك والمجر وبولندا ودول أوروبية أخرى بدأت برفع شكاوي للمحكمة الأوروبية بخصوص حصص إستقبال اللاجئين الإجبارية. دول أوروبية تفكر في الإنسحاب من الإتحاد الأوروبي. ألمانيا بدأت في إغلاق حدودها ودول أخرى تبني جدرانا فاصلة على الحدود. فائض الميزانية الألماني هذه السنة سوف يذهب بأكمله للصرف عليكم وعلى تنبلتكم وكسلكم. إفهموا أوروبا ليست جمعية خيرية. بعد ماكانوا متفقين كل تلك السنين صاروا بيناكدوا بعضهم. الحاجة ميركل قد تخسر منصبها في الإنتخابات القادمة لأنكم فأل نحس عليها وعلى حزبها وبلدها. خربتوها وقعدتوا على تلها.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية

Monday, February 1, 2016

من البداية إلى النهاية, السكر سوف يبقى دائما هو سيد الموقف

إن الخبرة الحقيقية لمستشار شركات صناعة الأغذية والمشروبات الغازية هاورد موسكويتز(Howard Moskowitz) فيما يتعلق بلحظة النشوة عند تناول الطعام بدأت من خلال عمله في الجيش الأمريكي سنة 1969 بعد تخرجه من جامعة هارفارد حيث كانت مهمته إجراء أبحاث متعلقة بتحفيز الجنود على تناول المزيد من الطعام حيث تركزت أبحاثه حول مايعرف بالوجبات الجاهزة للأكل(MRI). إن مايعرف بإسم (MRI) تعاني من مشكلة تاريخ إنتهاء الصلاحية الذي من المفترض أن يمتد لفترة ثلاثة سنين في ظروف جوية متنوعة أهمها الجو الشديد الحرارة مقارنة بصلاحية المواد الغذائية التقليدية الذي يقتصر بعض أصنافها على ثلاثة(3) أشهر. كما أن هناك مشكلة أخرى متعلقة بزيادة رغبة الجنود لتناول الطعام خصوصا في ظروف المعركة وعلاقة ذالك بالمنافسة مع الوجبات التقليدية التي يتناولونها في المنزل وفي أثناء فترة الإجازات. في كل سنة كان هناك ثمانية أصناف تقريبا ترسل للتجارب العملية ويكون الحرص على أن تكون تلك الوجبات الجاهزة مشابهة لما يقدم في المطاعم المختلفة.
إن الإبحاث التي كان (Howard Moskowitz) يقوم بها كانت تعتمد على مايسمى محدد الشبع الحسي (sensory specific satiety) حيث إكتشف بعد الحديث مع عدد كبير من الجنود أنهم كانوا يرغبون في تناول وجبات طعام معينة ولكن لفترة قصيرة ثم لا يتقبلونها بعد ذالك ويصابون بالملل من النكهة والطعم فكان الحل في تنويع النكهات حيث تحتوي كل وجبة على عدد من النكهات بنسبة معينة حتى لاتتسبب في إغراق الدماغ بنكهة واحدة وبالتالي إرسال رسائل عصبية بالشبع والإمتلاء. إن ذالك المفهوم الذي قام Howard بتطبيقه عمليا أثناء فترة عمله في الجيش الأمريكي قد أصبح سائدا فيما يتعلق بإنتاج الوجبات الجاهزة للأكل(MRI) وقد إستمر Howard في أبحاثه بعد أن ترك عمله كباحث في الجيش الأمريكي وقام بوضع نتائج أبحاثه في خدمة شركات إنتاج الأغذية والمشروبات الغازية خصوصا كوكاكولا وكرافت حيث تركزت أبحاثه على السكر وكيفية إستخدامه في زيادة رغبة المستهلكين لتناول منتوجات معينة(Sugar Craving).
المشكلة المتعلقة بدراسة تأثير السكر على جسم الإنسان وكيف ينتقل داخل الجسم منذ لحظة ملامسته براعم التذوق في اللسان حتى الدماغ أنها تتطلب معدات في غاية التطور مثل مايعرف بالتصوير بالرنين المغناطيسي(MRI) وهو مالم يخرج إلى حيز الوجود إلا سنة 1977 ولكن ذالك لم يمنع Moskowitz من إجراء إختبارات تذوق متعلقة بالكيفية التي يعمل بها السكر على جعل المستهلك يرغب في تناول أطعمة معينة. إن الإختبارات التي اجراها Moskowitz أثبتت له بما لايدع مجالا للشك أن زيادة الرغبة في تناول أطعمة معينة تعتمد على نسبة السكر التي تدخل في صناعتها وتزيد تلك الرغبة بزيادة نسبة السكر ولكن عند وصولها لنقطة معينة والتي تدعى لحظة النشوة (Bliss Point) فيصبح إضافة أي كميات من السكر لن يكون مجرد هدر بل سوف يتسبب بإفساد الطعم. لم يكن Moskowitz أول شخص يكتشف تلك النظرية بل هو أول من حولها لقيمة إقتصادية وجعلها في خدمة شركات صناعة الأغذية والمشروبات الغازية. وإذا قمنا بمحاولة تبسيط النظرية فيمكن تصويرها برسم بياني على شكل حرف(U) حيث تشكل النقطة التي تقع في منتصف المنحنى لحظة النشوة.
إن نقطة التحول في حياة Moskowitz كانت سنة 1985 حين قامت شركة فيليب موريس المنتج الأشهر للسجائر في العالم بشراء شركة الأغذية العامة(General Foods) في صفقة بلغت قيمتها 5.75 مليار دولار حيث كانت شركة الأغذية العامة تعاني من البيروقراطية والتمسك بكل ماهو قديم كما أن أرباحها كانت في تراجع.
شركة فيليب موريس لم تكن لتنتظر المزيد من الخسائر بينما تقف موقف المتفرج حيث كانت بحاجة لتعويض إستثماراتها في الشركة الجديدة, حيث قامت بالضغط على مدراء شركة الأغذية العامة لعلاج المشكلة الناتجة عن إنخفاض مستوى المبيعات. Moskowitz كان يعمل على عدد من المشروعات لصالح شركة الأغذية العامة وأحدها متعلق بقهوة منزل ماكسويل(Maxwell House) والتي كانت تعد 2.5 مليار بما يعادل 25% من مبيعات الشركة سنويا. Moskowitz لم يقم بتضييع الوقت بإجراء إختبارات تذوق جديدة بل قام بمعالجة البيانات من الإختبارات السابقة وتحليلها وإكتشف أن تصنيف المستهلكين للقهوة ينقسم إلى ثلاثة أصناف من ناحية درجة تحميص البن: قليل, متوسط, وقوي أو بعبارة أخرى إذا أردنا تصنيفها من ناحية الألوان: فاتح, أشقر, غامق وهناك كلمة عامية تصف درجة التحميص الأخيرة (محروق) كدلالة على شدة درجة التحميص وتمتاز بطعمها القوي.
إن العمل الذي قام به Moskowitz والمتعلق بقهوة (Maxwell House) أحدث تحولا كبيرا في طريقة عمل شركات صناعة الأغذية والمشروبات الغازية والتي كانت تنظر للمستهلك بشكل عام على أنه مصنف كفئة واحدة حيث كانت تحاول التوصل لتلك المعادلة الوحيدة لأحد المنتجات والتي من الممكن مثلا الترويج لها بين جميع فئات المستهلكين. شركات مثل فلاسيك(Vlasic) والتي تقوم بتصنيع المخللات وشركة كامبيل(Campbell) والتي تقوم بتصنيع أنواع مختلفة من الحساء كلها قد إستعانت بخدمات Moskowitz وإستفادت من نظريته المتعلقة بتقسيم المستهلكين إلى فئات مختلفة بإختلاف أذواقها.
شركة بريجو(Prego) والتي تقوم بتصنيع أنواع مختلفة من الصلصة التي تستخدم مع المعكرونة كانت أحد زبائن Moskowitz الذي ساهم ببراعة بتقسيم نوعية المستهلكين لمنتجات الشركة إلى ثلاثة أقسام: الأول يحب الصلصة عادية بدون أي إضافات, الثاني يحب الصلصة متبلة والنوع الثالث يحبها مكتنزة(Chunky Sauce) والتي كان للشركة السبق على كافة الشركات بطرح ذالك النوع من الصلصة في الأسواق حيث أن الإستطلاعات وإستبيانات الرأي التي كان يجريها Moskowitz مباشرة مع المستهلكين بشكل غاية في الدقة والإحترافية كشفت له أكثر 33% من عينة الأراء تتسائل عن عدم إنتاج أي شركة لتلك النوعية من الصلصة. في فترة عشرة سنوات على بدء إنتاج ذالك النوع من الصلصة فقد حققت شركة بريجو(Prego) مبيعات بلغت 600 مليون دولار من خط إنتاج الصلثة المكتنزة(Chunky Sauce) بدون حساب المبيعات عن منتجات الشركة الأخرى.
شركة (Ragu) والتي تعد أيضا من شركات إنتاج الصلصة المشهورة في الولايات المتحدة قد قامت بالإستعانة بخبرات Moskowitz الذي أثمرت جهوده عن 36 منتجا مقسمة على 6 أصناف تدخل الجبنة كمكون رئيسي لأحدها.
شركات صناعة الأغذية تعرف كيف تخلق حالة من الإدمان للمستهلكين على منتجاتها. إن ثاني أعلى نسبة مكونات في منتجات الصلصة من شركة بريجو(Prego) بعد الطماطم هي السكر وذالك في أي نوع من أنواع الصلصة التي تنتجها الشركة حيث يحتوي نصف كأس(118 ملم) على ملعقتين من السكر أي 1\3 كمية الإستهلاك اليومية التي يوصى بها للأشخاص البالغين. كما أن بعض أنواع صلصة اللحم التي تنتجها الشركة تحتوي على نسبة 50% من كمية الملح والسكر في نصف كأس(118 ملم) والتي يوصى بإستهلاكها يوميا للأشخاص البالغين.
إن سوق الوجبات الخفيفة والذي يبلغ حاليا أكثر من 90 مليار دولار داخل الولايات المتحدة أثبت أنه العمل فيه هو أكثر صعوبة. منذ بداية سنة 2001 وبتمويل من شركة McCormick فقد قام Howard Moskowitz بالإشتراك مع خبير في تطوير المنتجات الغذائية من مدينة نيوجيرسي يدعى Jacquelyn Beckley بإجراء أبحاث متعلقة بالألية التي تجعل المستهلكين يميليون لأنواع معينة من الأغذية حيث قاموا بجمع أراء المستهلكين المتعلقة بثلاثين منتجا منها المثلجات(Ice Cream) والهمبرجر. إن نتائج تلك الأبحاث قد أصبحت مرجعية للعديد من شركات صناعة الأغذية التي تتعامل مع Moskowitz حيث أثمرت أبحاثة عن نتائج متعلقة بأن الجوع هو عامل ثانوي يدفع رغبة المستهلكين الشديدة في تناول أنواع معينة من الطعام بينما هناك مجموعة عوامل أخرى بعضها عاطفي والبعض الأخر متعلق بالنكهة, اللون, الرائحة أو مظهر المنتج ولكن يبقى السكر هو سيد الموقف والذي يمكن بواسطته تحقيق كل ماسبق ذكره.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية