Flag Counter

Flag Counter
Showing posts with label جمعية الإتحاد والترقي. Show all posts
Showing posts with label جمعية الإتحاد والترقي. Show all posts

Wednesday, March 26, 2025

الإسلام والإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس(٢)

الشرق الأوسط كان يعتبر منطقة غاية في الأهمية بالنسبة الى بريطانيا خصوصا مصر التي كانت تعتبر طريق الوصول الى المستعمرة البريطانية في الهند. مصر ازدادت في الأهمية بعد تنفيذ مشروع قناة السويس. منطقة الشرق الأوسط كانت ذات اهمية حيوية بالنسبة الى بريطانيا استراتيجيا وتجاريا. السبب الأول أنها كانت منطقة عازلة في وجه الأطماع التوسعية للدول الأخرى خصوصا روسيا القيصرية. بريطانيا تحالفت مع فرنسا والدولة العثمانية في حرب القرم(١٨٥٤م-١٨٥٦م) ضد روسيا القيصرية. السبب الثاني كان تأسيس شركة النفط الأنجلو-فارسية سنة ١٩٠٨ واكتشاف النفط في العراق. بريطانيا كانت تشعر بالقلق من تصاعد قوة ألمانيا القيصرية العسكرية وتحويل البحرية الألمانية من إستخدام الفحم الى النفط مما يعطيها أفضلية عسكريا وتجاريا على السفن البريطانية ويهدد هيمنة الإمبراطورية البريطانية البحرية. إن ذلك هو السبب في محاولة الحصول على امتيازات التنقيب عن النفط في العراق ولكن السلطان عبد الحميد الثاني رفض وفضل منحها الى شركة ألمانية. هناك معلومة مهمة للغاية أن السلطان عبد الحميد الثاني كان يعلم بوجود النفط في العراق وكانت تصله التقارير أن البعثات الأثرية والتبشيرية البريطانية ليست إلا غطاء مخابراتي للتنقيب عن النفط.

إن خلع السلطان عبد الحميد الثاني كان بسبب خط سكة حديد برلين-بغداد-الكويت حيث أن وصول البحرية الألمانية الى مياه الخليج العربي كان يعني تهديدها المستعمرة البريطانية في الهند. بريطانيا قامت بتوقيع معاهدة حماية مع الكويت التي كانت تتبع ولاية البصرة العثمانية وفصلتها عنها.  كما قامت بتدبير خلع عبد الحميد الثاني من الحكم من خلال انقلاب ضباط أعضاء في جمعية الإتحاد والترقي وتنصيب أخيه محمد الخامس رشاد سلطان دمية في مكانه. إذا القضية ليست لها علاقة بأن عبد الحميد الثاني رفض بيع فلسطين الى اليهود وأنه أرسل رسالة الى الشيخ محمود أبو الشامات حول ذلك. القضية هي نفط ومصالح اقتصادية و استعمارية جيوسياسية.

هنا وعند هذه المرحلة هناك نقطة نظام غاية في الأهمية وحقيقة تاريخية يقوم أيتام الخلافة العثمانية بتزويرها مرارا وتكرارا. الثورة العربية الكبرى(١٩١٦م-١٩١٨م) التي قام بها الشريف حسين بن علي كانت ضد تركيا الدولة وليس الخلافة العثمانية لأن جمعية الإتحاد والترقي أسقطت السلطان عبد الحميد الثاني سنة ١٩٠٩م وأصبحت هي الحاكم الفعلي حتى أعلن مصطفى كمال أتاتورك الغائها رسميا سنة ١٩٢٤م ولكن ذلك كان تحصيل حاصل ومسألة وقت. الاتهام بأن الشريف حسين بن علي تحالف مع بريطانيا وهي دولة كافرة والرد عليه بأن دولة الخلافة العثمانية الإسلامية والسلطان عبد الحميد الثاني تحالفوا بريطانيا ذاتها وفرنسا خلال حرب القرم(١٨٥٤م-١٨٥٦م) و ألمانيا القيصرية خلال الحرب العالمية الأولى(١٩١٤م-١٩١٨م).

الشريف حسين أعلن عن الثورة العربية الكبرى سنة ١٩١٦م وتذكر بعض المصادر منها مذكرات الجاسوسة البريطانية غيرترود بيل(أم المؤمنين خاتون) أن قوات العرب رغم المعونات المالية الإنجليزية التي بلغت ١١ مليون جنيه إسترليني في ذلك الوقت ومساعدة ضابط المخابرات توماس إدوارد لورنس أو لورنس العرب, فشلت في تحقيق إنتصارات رئيسية. ولكن الحقيقة أن أعمال القوات العربية خصوصا قطع خط السكة الحديد و احتلال العقبة جعل من مهمة القوات البريطانية في المنطقة أكثر سهولة. بريطانيا وعدت الشريف حسين بأن سوف تعترف بدولة موحدة للعرب مقابل إعلان الثورة ضد تركيا الإتحاد والترقي. ولكن قبل شهر من إعلان الثورة العربية الكبرى, وقعت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سايكس بيكو السرية التي فضح الشيوعيين بنودها في ثورة ١٩١٧ عندما اسقطوا القيصر نيقولاي الثاني وقاموا بالاستيلاء على خزنته السرية حيث كان يحتفظ بمراسلاته الخاصة والوثائق الأكثر أهمية.

توماس إدوارد لورنس الذي قام العرب برفعه الى منزلة الآلهة في الأساطير اليونانية القديمة كان جاسوسا بريطانيا لم يكن يحمل ذرة تعاطف واحدة للعرب وليس كما صوره فيلم ( لورنس العرب - ١٩٦٢م) بطولة بيتر أوتول, أنتوني كوين و عمر الشريف. لورنس العرب قام بتأليف كتاب "أعمدة الحكمة السبعة" عن تجربته في منطقة الشرق الأوسط وكيف أرسلته بريطانيا في البداية في مهمة جاسوسية وجمع معلومات قبل ان يكلفه المكتب العربي في المخابرات البريطانية بالعمل مع قوات الثورة العربية الكبرى والإشراف على عملياتها العسكرية. توماس إدوارد لورنس أرسل مذكرة بعد إنتهاء الحرب الى مجلس الوزراء البريطاني أنقلها مترجمة حرفيا:" عندما تنتهي الحرب, هناك مهمة عاجلة علينا إضافتها وهي تقسيم الإسلام. علينا أن نكون متصالحين في أن نبحث عن حلفاء وليس تابعين. نحن نأمل في أن نؤسس عدد من الدول التابعة يصرون بأنفسهم على طلب حمايتنا من أجل التصدي لأطماع القوى الأجنبية في الأنهار الثلاثة(العراق). إن العائق الأكبر بالنسبة للعرب من وجهة نظر عسكرية هو ذاته في أوقات السلم وهو الإنقسام الداخلي بينهم. الشريف حسين تم إختيار بسبب تأثيره في زيادة الخلافات والانقسامات بين المسلمين."

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

...يتبع…


Wednesday, December 27, 2017

فخر الدين باشا والأربعين حرامي

إن هاذا موضوع قصير جدا بالجدال الذي إنفجر مؤخرا في الشبكة العنكبوتية حول أخر قائد للقوات العثمانية في المدينة المنورة فخر الدين باشا والملقب بنمر الصحراء.
لجان الإخوان الإلكترونية وأنصار الخليفة أوردوغان يشنون حملة منظمة على الشبكة العنكبوتية في المواقع والمنتديات بهدف تلميع صورة فخر الدين باشا وعلى الهامش الدعاية للخليفة أوردوغان الذي ركب على موجة العاطفة الدينية على هامش قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعلان القدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني الغاصب.
المضحك الملكي أن المتسعود المتصهين الجنرال أنور عشقي قد إنضم للحملة مؤيدا لأوردوغان محذرا من شق الصف السني. أنور عشقي يدعو علنا لما يسميه دولة كردستان الكبرى تناغما مع دولة إسرائيل الكبرى وكذالك يدعو للتطبيع مع العدو الصهيوني. وهو نفسه من ظهر في فيديو معترفا بتخزين عصابات وقطاع طرق في درعا للأسلحة في الجامع العمري وأنه إعترض على ذالك.
هناك نقطتان مهمتان أرغب في توضيحهما: الأولى متعلقة بسرقات فخر الدين باشا في المدينة المنورة والثاني متعلق بموضوع السفر برلك.
الجنرال نمر الصحراء وهي رتبة تماثل رتبة الجنرال أنور عشقي حيث كان فخر الدين باشا يشغل منصب نائب قائد الجيش الرابع التي كان بقيادة المجرم السفاح جمال باشا قام بإصدار الأوامر قبيل إصداره الأوامر بالإنحساب من المدينة المنورة بإرسال جنوده لنهب وسرقة كافة مقتنيات الحجرة النبوية وكل ما يتعلق بالأثار النبوية. إن من ضمن ماسرقته عصابات ذالك اللص هو مقتنيات الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام من الحجرة النبوية والتي تعد بثمانين قطعة بحسب وثائق الأرشيف العثماني. وقد كان اهمها وأغلاها قيمة مايعرف بالكوكب الدري وهي جوهرة ضخمة من الألماس يقال أنها كانت من ضمن جواهر تاج حكم أكاسرة فارس وكانت بحوزة السلطان العثماني احمد خان بن محمد وترتيبه في قائمة السلاطين العثماني هي الرابع عشر. وفي طريقهم لمصادرة مقتنيات الحجرة النبوية, فقد قامت عصابات فخر الدين باشا بقتل ثلاثة أبناء للشيخ حسين الفرا وهو رجل دين سوري ترجع أصوله لمدينة حماة السورية وكان مسؤولا وأولاده عن حفظ الحجرة النبوية ومقتنياتها وكانت مفاتيح الحجرة النبوية أمانة في أعناقهم رفضوا فتحها للعصابات العثمانية فقتلوهم.
النقطة الثانية هي أن فخر الدين باشا لم يكن هو المسؤول المباشر عن السفر برلك وأن سكان المدينة النبوية لم يكونوا هم المتضررين الوحيدين من تلك المأساة التي سيق فيها خيرة الشباب العربي على التجنيد الإجباري في الجيوش العثمانية ليكونوا وقودا لحروبها خصوصا في البلقان كما تم إجبار الكثير من الحرفين على الرحيل إلى تركيا وانحاء أخرى من الدولة العثمانية. السفر برلك عبارة عن إسم لمأساة عامة أصابت جميع الدول العربية التي كانت تحت الحكم العثماني حيث سيق شبابها للخدة العسكرية عبر التجنيد الإجبارية وفي ظروف غاية من الصعوبة حيث إستشهد الكثير منهم نتيجة الأمراض وسوء التغذية حتى قبل أن يصلوا لساحات القتال. كما أن القوات العثمانية قامت بمصادرة الأقوات وحصاد المحاصيل خصوصا الحبوب وكذالك الماشية والحيوانات الداجنة من سكان القرى التي كانت تمر بها الدوريات العثمانية التي كانت تصطحب في طريقها المطلوبين للخدمة العسكرية سيرا على الأقدام أو عن طريق القطار في حال كان خط السكة الحديدية صالحا للعمل ولم يتعرض للتخريب. وخلال فترة السفر برلك, عمت المجاعة في بلاد الشام والحجاز وتوفي الكثير من الأهالي من الجوع حيث أن الدوريات العثمانية كانت تصادر الأغلال والمحاصيل ولا تترك للأهالي حبة قمح واحدة.
أوردوغان لا يزال يعاني الصدمة من إنهيار أحلامه في إستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية خصوصا بعد فشل تفرعات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في السيطرة على تونس, مصر, ليبيا وأخير سوريا التي إبتليت قواته والعصابات المؤيدة لها بفضل ذريع رغم كل الدعم المقدم لهم باوامر مباشرة من أوردوغان والسماح لهم بالتنقل عبر الحدود بكل حرية. أجداد ذالك اللص قاموا بسرقة كنوز الحجرة النبوية وكنوز أخرى من المدينة المنورة وحفيده اوردوغان اكل مسلسل السرقات بقيام عصاباته من كتائب لواء التوحيد بقيادة الهالك عبد القادر محمود والذي كان يلقب بحجي مارع على الرغم من أنه لص كان يعمل لحساب أوردوغان واولاده حيث أن حجي مارع إستلم القيادة إثر مقتل القائد السابق للواء التوحيد يوسف الجادر الملقب بأبو الفرات خلال معارك مدرسة المشاة في حلب.
العثمانيون ليسوا عبارة إلا عن مجموعة قبائل في أصولهم تحركهم مصالحهم الذاتية في البحث عن الماء والمراعي لمواشيهم. ولذالك في إستمرار لسياستهم تلك فقد قاموا وعلى مدى 400 سنة من إحتلالهم للوطن العربي بنهب خيرات وثروات الوطن العربي وتعاملوا مع بلدانه كأنها بلدان محتلة ومع العرب بعنصرية وكأنهم كفار قريش ولم يحققوا أي إنجازات إقتصادية أو إجتماعية او سياسية لصالح البلدان التي إحتلوها بإستثناء تعميم عقوبة الخازوق الدموية لكل من يعارضهم ويعارض سياستهم. ولو انهم عملوا لفترة 400 سنة على عمران الوطن العربي وتحصينه ضد محاولات الغزو الأجنبي لما سقطت الدولة العثمانية بتلك السهولة حيث أن من عادة المدافعين عن التاريخ العثماني بإلصاق تهمة إنهيار الدولة العثمانية بجمعية الإتحاد والترقي على الرغم من أن العثمانيين إحتلوا الوطن العربي 400 سنة بينما لا يزيد عمر تلك الجمعية عن 50 سنة على أبعد تقدير. فما يبنى خلال 400 سنة لن تهدمه معاول العالم لو كان أساس بنائه سليما. الإحتلال العثماني للوطن قام بما يلي لبلداننا العربية التي إحتلوها: خيراتنا نهبوها, شبابنا ساقوهم لحروب السفر برلك, حرفيونا نقلوهم للعاصمة التركية وماتركوا لنا غير المجاعة والأمراض والأمية والجهل المقدس ثم يأتي أحمق أخرق أو رجل دين دجال قد يكون من المنتمين لحزب التحرير المحظور أو حزب الإخوان المسلمين الملعون أو غلام كجهاد الترباني ليتسائلوا عن أسباب الإفتراء على العثمانيين وتزوير تاريخهم المجيد الناصع البياض؟ إسألوا المعلقين على الخازوق يجيبوكم
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

Saturday, December 2, 2017

الإعلام الكاذب وتزوير التاريخ, الإحتلال العثماني للوطن العربي

إن محاولات القوى الإستعمارية والإمبريالية إختراق الوعي العربي لم تتوقف منذ تفتح ذالك الوعي على يد الجمعيات والحركات العربية التي تم إنشائها في الوطن العربي كجمعية العربية الفتاة والتي كانت مبادئها تنطلق من المطالبة بالحقوق الإجتماعية والقومية للعرب في إطار الدولة العثمانية ثم تطورت تلك المطالب في مرحلة لاحقة للإنفصال الكامل عن جسد الخلافة العثمانية وتأسيس دولة عربية موحدة. ولكن ردة الفعل العثمانية كانت عنيفة جدا فتم القبض على عدد كبير من قادة الحركات السرية العربية والأحرار العرب وكان منهم عدد من قادة جمعية العربية الفتاة وتم إعدامهم على دفعتين سنة 1915 وسنة 1916 في ساحتي المرجة في دمشق والبرج في بيروت وذالك بعد الحكم عليهم من قبل الديوان العرفي الذي شكله جمال باشا السفاح في عاليه - لبنان. المشكلة أن هناك من ينظر لتلك المسألة بسطحية يختصرها بأن إسقاط الخلافة العثمانية كان بمؤامرة من قبل جمعية الإتحاد والترقي والتي يعد أغلب أعضائها من أصول يهودية وأن الخلفاء العثمانيين بريئون من أعمال تلك الجمعية المارقة خصوصا السلطان عبد الحميد الثاني الذي تم إسقاطه من قبل جمعية الإتحاد والترقي لرفضه السماح لليهود بالإستيطان في فلسطين مقابل مبالغ مالية وصلت مبدئيا إلى خمسة ملايين ليرة ذهبية بل ويقال أنه عرض عليه سداد جميع ديون السلطنة العثمانية إن قبل بمطالب إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
سوف أتجاهل كافة المزاعم التاريخية المتعلقة بتساهل السلطان عبد الحميد مع هرتزل ومحاولة إكتشاف مصداقية وعوده خصوصا المالية حيث كانت الخلافة العثمانية تعاني أزمة مالية طاحنة وأزمة سياسية خصوصا مع حروب إنفصالية في عدد من البلدان منها البلقان واليونان وتمرد الأرمن حيث كانت وعود هرتزل للسلطان عبد الحميد الثاني تشمل شقين: الأول مالي تحدثت عنه في سطور سابقة, والثاني سياسي له علاقة بتمرد الارمن وموقف الدول الأوروبية من السلطنة العثمانية. سوف أترك كل ذالك وأسأل أسئلة ذات بعد تاريخي في محاولة لإسقاط ورقة التوت التي تحاول أحزاب الإسلام السياسي أن تستر بها عوراتها فيما يتعلق بتلك المسألة الشائكة وهي إلقاء كل اللوم على جمعية الإتحاد والترقي وفق نظرية المؤامرة التي تحللها أحزاب الإسلام السياسي خصوصا الإخوان المسلمين لنفسها وتحرمها على الأخرين بل تسخر منهم إذا قاموا على ترديد تلك العبارة. الوطن العربي وجميع البلدان التي كانت تحت سيطرة الإحتلال العثماني عانت من التخلف الإقتصادي والثقافي وقمع الحركات الوطنية حيث كانت الأولوية للعثمانيين هي نهب خيرات وخبرات تلك البلدان ونقلها للأستانة وإعمار الأراضي العثمانية حيث لم يقم العثمانيون بأي إنجاز إقتصادي أو سياسي أو إجتماعي في البلدان التي عانت من سيطرتهم خصوصا الوطن العربي الذي عاني من الإحتلال العثماني 400 سنة.
إن الدولة العثمانية غارقة منذ بداياتها في المؤامرات والدسائس والفساد الأخلاقي والمالي منذ ما قبل خروج فكرة تأسيس جمعية الإتحاد والترقي إلى حيز النور. فقد كانت مالية الخلافة العثمانية غارقة في الديون بسبب الفوائد الربوية التي يحرمها الإسلام كما كان من المشهور وجود أجنحة خاصة للحريم أو المحظيات في قصور السلاطين العثمانيين حيث تساق إليهم السبايا أو يتم شرائهم من أسواق النخاسة في أنحاء مختلفة في أوروبا التي كانت معرضة لغزوات العثمانيين وحلفائهم من القبائل التترية المسلمة. ومن المشهور عن سلاطين العثمانيين قتلهم لأولادهم وأشقائهم وأولاد أشقائهم في سبيل الحكم وذالك وفق قانون "ناما" الذي وضع بموافقة رجال الدين خصوصا مفتي عام السلطنة. ولعل أكثر من نال شهرة من تلك الناحية هو السلطان سليمان القانوني الذي قتل إبنيه شاهزاده مصطفى و بايزيد بسبب دسائس الحكم ومكائد حريم البلاط العثماني حيث قام بذالك بعد أخذ الفتاوي من رجال الدين خصوصا أبو السعود أفندي. لكن سلمان القانوني ليس الوحيد الذي قتل أولاده وإخوانه وأقربائه في سبيل السلطة والحكم فالسلطان مراد الثالث قتل خمسة من إخوته ومحمد الثالث تسعة عشرة من إخوته.
فعلينا عند النظر لتلك النوعية من المسائل التاريخية وهي على درجة من الأهمية وعند إصدار الحكم عليها أن لا ننساق إلى العاطفة سواء كانت دينية أم سياسية. فعلى سبيل المثال, فقد ذكرت في بداية الموضوع قضية إعدام عدد من أحرار العرب وأعضاء جمعية العربية الفتاة على يد جمال باشا السفاح. إن عمليات الإعدام تلك عليها علامة إستفهام كبيرة قد يكون لها علاقة بالصراع بين فرنسا وبريطانيا على تقاسم تركة رجل أوروبا المريض في الوطن العربي حيث أن عدد من أعضاء جمعية العربية الفتاة كانوا يعملون على إقامة الإتصالات مع بريطانيا من أجل الثورة على الدولة العثمانية وتحرر البلدان العربية من الإحتلال العثماني مما يعني نفوذا بريطانيا متزايدا في المنطقة على حساب فرنسا وهو ما لم يعجب الأخيرة التي قامت بالوشاية على أعضاء الجمعية للسلطات العثمانية فتم القبض عليهم جماعيا وفي فترة زمنية قصيرة مما يؤكد أن في حوزة السلطات العثمانية قوائم كاملة بأسماء تلك الجمعية التي كان الإنضمام إليها أمرا في غاية الصعوبة. أنا شخصيا لا أستبعد ذالك الإحتمال فقد كان هناك صراع بريطاني مستميت خصوصا على منطقة الموصل الغنية بالنفط والتي كان من المفترض أنها ضمن الحصة الفرنسية في تقسيم أراضي رجل أوروبا المريض بعد هزيمته عسكريا من خلال أحداث الحرب العالمية الأولى.
ولعل أحد أكثر القضايا أهمية في تاريخ السلطنة العثمانية هو قضية التنازل عن فلسطين والوثيقة التي هي عبارة عن رسالة قام السلطان عبد الحميد الثاني بإرسالها إلى الشيخ محمود أبو الشامات والمتعلقة برفضه التنازل عن فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود فيها مقابل 150 مليون ليرة أنجليزية ذهبا ويقال, وذالك ليس مذكورا في الرسالة, أنه كانت هناك عروض بدفع مبلغ مالي للسلطان عبد الحميد الثاني مقداره خمسة ملايين ليرة ذهبية وعرض أخر بسداد ديون الدولة العثمانية وإقراضها في مرحلة لاحقة أي أموال أخرى تطلبها. أنا أعلم أن التناقض بين المراجع التاريخية فيما يتعلق بالمبالغ التي يقال أنها عرضت على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني يثير شكوكا ليس حول مصداقية الرسالة إنما مصداقية المحتوى وقد يكون مبلغ 150 مليون ليرة أنجليزية ذهبية مبالغ فيه من قبل السلطان العثماني ولتضخيم مسألة رفضه للطلبات المتكررة التي تقدم بها ثيودور هرتزل. ولكنه من غير المعلوم للكثيرين أن قضية رفض السلطان عبد الحميد الثاني توطين اليهود في فلسطين لها خلفية إقتصادية وسياسية متعلقة بالصراع الألماني - البريطاني خصوصا حول خط سكة حديد برلين - بغداد والذي تقرر في مرحلة لاحقة أن يمتد للكويت مما أصاب بريطانيا بالذعر لأن ذالك يعني منح ألمانيا منفذا بحريا على الخليج العربي مما يعني تهديد المركز البريطاني في الهند والتي كانت تعتبر درة التاج الإمبراطوري الإنجليزي. الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس سارعت لإتخاذ خطوات دفاعية فأوعزت لشيخ الكويت مبارك الكبير بالتقدم بطلب توقيع معاهدة حماية مع بريطانيا ليصار فصل الكويت عن محافظة البصرة العراقية والتي كانت جزء منها خلال الإحتلال العثماني للعراق فتقطع الطريق على الإمبراطورية الألمانية للحصول على منفذ مباشر على الخليج العربي. الخطوة التالية كانت من خلال تقديم الوعود الكاذبة للشريف الحسين إبن علي إن قبل بالثورة على الدولة العثمانية أن تسمح بإستقلال البلدان العربية التي تحتلها تركيا تحت حكمه وهي الوعود الزائفة التي تم الكشف عنها حين تم العثور على نسخة من وثائق إتفاقية سايكس-بيكو في خزائن وزارة الخارجية الروسية إثر الثورة البلشفية والإطاحة بالإمبراطور نيقولاي الثاني وتسريب تلك الوثائق ومابقي من أحداث تلك في مؤتمر سان ريمو ومعاهدة سيفر وإتفاقية لوزان معروف ولا داعي لشرح تفاصيله في هاذا الموضوع.
ولكن لم يكن خط سكة حديد برلين-بغداد-الكويت الأمر الوحيد الذي أصاب الإمبراطورية البريطانية بالخوف على مصالحها بل ماتسرب عن بنود الإتفاقية من أن السلطان عبد الحميد الثاني قد منح الشركات الألمانية حق التنقيب على الثروات الطبيعية في مسافة 30 كم على كل من جانبي الخط حيث يقع في ذالك النطاق مكامن النفط الطبيعية خصوصا في منطقة الموصل والتي علينا أن لا ننسى أنه كان هناك صراع بين بريطانيا وفرنسا حول تلك المنطقة الغنية بالثروات الطبيعية خصوصا النفط. إذا فقضية فلسطين على أرض الواقع كانت لها مكانة جانبية في الصراع الذي كان له خلفيات إقتصادية ومصالح إستراتيجية بالدرجة الأولى حيث كانت أطرافه الدولة العثمانية, بريطانيا, ألمانيا وفرنسا. كما أنه من المعلوم أن عدة مقترحات تم تقديمها لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين منها ساحل العاج أو الأرجنتين كأماكن مقترحة لذالك الوطن الضائع بما يثبت أن التفكير في فلسطين كان في مرحلة لاحقة وأن بريطانيا قامت بتسهيل ذالك بالتعاون مع فرنسا ضمن صفقة كبرى تقتضي بتقسيم تركة الرجل العثماني المريض حيث كانت فلسطين أحد بنود تلك الصفقة. ومما يؤكد ذالك أن بريطانيا كانت حريصة كل الحرص في إتفاقية فرساي التي أسست لإستسلام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى قد تضمنت بنودا لها علاقة بتمكين بريطانيا من كافة الأسهم في مشروع خط سكة حديد برلين-بغداد-الكويت كجزء من تعويضات الحرب التي كان يتوجب على ألمانيا دفعها للإمبراطورية البريطانية.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية