مصر إتخذت واحدا من أهم القرارات الذي لا تتحدث عنه وسائل الإعلام وهو أن الفتوى الدينية حق حصري للمؤسسة الدينية الرسمية من خلال دار الإفتاء التي تتبع مؤسسة جامع الأزهر الدينية الرسمية. السلطات المصرية قامت بتنفيذ القرار فورا واعتقلت مواطن مصري ظهر في فيديو على يوتيوب وهو يكفر أبو طلب بن عبد المطلب عم الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم. الحقيقة أن السيطرة على الخطاب الديني أحد أهم أولويات أي دولة في العالم ودول الشرق الأوسط عليها أن تتعلم دروس التاريخ جيدا ولكنها للأسف لا تفعل.
العالم كأن يمر بقرون مظلمة بسبب سيطرة الكنيسة ورجال الدين على مجريات الحياة العامة وحتى الخاصة. الكنيسة كانت تحرم إمتلاك نسخة من الكتاب المقدس على عامة الشعب من غير رجال الكهنوت وعقوبة المخالفة قد تصل الى الإعدام حرقا. الكنيسة كانت ضد العلوم وأعدمت وحرقت العلماء ومحاكم التفتيش كانت لا ترحم. الكنيسة كانت تعاقب بالحرق بتهمة السحر والشعوذة أي إمرأة تمتلك قطة سوداء. الكنيسة كانت تَحرِم(Ex-communicated) كل من يخالف أراء الكنيسة او يعارض البابا وذلك يعادل التكفير عن السلفية والوهابية.
الإصلاح الكنسي وإنشقاق مارتن لوثر كان مجرد مزحة سمجة. الاقتتال المسيحي-المسيحي كلف أوروبا ملايين الضحايا. جان كالفن أحد أهم أتباع القس الألماني مارتن لوثر لاحق وإضطهد العلماء وأعدم بعضهم حرقا. أسباب حرب الثلاثين عام وحرب المائة عام كانت متجذرة في الخلافات الكنسية بين الكاثوليك والبروتستانت. مذبحة مذبحة سان بارتيليمي في فرنسا سنة ١٥٧٢ كانت حادثة دموية مؤسفة و وصمة عار. الخلاف بين فرنسا وإنجلترا يعود الى الانشقاق الكنسي سنة ١٥١٧م.
إن قرار حصر الفتوى في مصر خطوة مهمة للغاية رغم أنها متأخرة ولكن أفضل من أن لا تأتي ومحاولة لجم فوضى الفتاوى وتجارة الدين. ولكن حتى نكون واضحين فإن جميع الدول العربية كانت مشاركة في دعم الجماعات الإسلامية بأوامر أمريكية خصوصا خلال الحرب الباردة قبل أن تطور دوائر صنع القرار الأمريكية مفهوم الحرب على الإرهاب وجماعات الإرهاب العابرة للحدود والقارات مثل داعش وتستخدمها اداة رئيسية في محاولة تطويع الدول التي تعارض وتخالف المصالح الأمريكية أو حتى تفتيتها من الداخل.
الجميع تابع أخبار الحادثة الإرهابية والجريمة الجبانة ضد أحد الكنائس في بلدة حمود في محافظة الكرك الأردنية والأحداث اللاحقة التي هدفها جر الأردن الى ما لا يحمد عقباه. إن أي شخص عاقل سوف يشعر بالحزن بسبب سقوط ضحايا مدنيين خلال الغارات الأردنية على سوريا التي أعقبت جريمة الكنيسة في الكرك. ولكن جريمة الكرك وما أعقبها من أحداث كشفت عن مدى تغلغل الأفكار السلفية والوهابية والتشدد الديني في المجتمع الأردني. هناك من يكفر من يترحم على ضحايا الهجوم المسيحيين ويصفهم بالشهداء لأن ذلك يخالف القرأن الكريم. ولكن تلك الفئة الضالة هم أنفسهم الذي كفروا من يترحم على مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة التي استشهدت سنة ٢٠٢٢ برصاصة قناص إسرائيلي جبان وذلك بوصفها أنها مسيحية ولا يجوز الترحم على الكفار أو وصف قتلاهم بأنهم شهداء.
منطقة الشرق الأوسط تمر بالحالة ذاتها التي مرت بها أوروبا خلال عصور السيطرة الكنسية ولكن الوضع يزداد في السوء بسبب ظهور وسائل التواصل الإجتماعي و مواقع مشاركة الفيديوهات التي لا تخضع الى أي ضوابط حقيقية. وربما على الجميع أن يتعلموا من الصين كيف السيطرة على مثل ذلك الإنفلات والقضاء على التطرف والإرهاب. ولكن بالعودة الى القضية محور النقاش فإن قضية شيرين أبو عاقلة كانت تعتبر مؤشرا خطيرا على الحالة التي وصلت إليها دولة الشرق الأوسط على العموم ودول منطقة بلاد الشام, العراق ومصر على وجه الخصوص. مؤشر خطير كان على الحكومات والأجهزة الأمنية أن تعمل عليه وتتخذ إجراءات حقيقية ولعل الأردن ومصر من الدول السباقة الى ذلك. وكما يقولون أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي. جماعة الإخوان المسلمين منبع الإرهاب والتطرف حظرت نهائيا في الدولتين وعقوبة كل من ينتمي إليها أو يروج لأفكارها هي السجن. الأردن ومصر صادروا جميع مشاريع تنظيم الإخوان المسلمين ومواردهم المالية وأغلقوا مكاتبهم وصادروا أملاكهم وتلك خطوة في غاية الأهمية.
جريمة كنيسة قرية حمود في محافظة الكرك الأردنية فتحت باب النقاش مرة أخرى حول قضايا التطرف الديني والإرهاب في الأردن والمنطقة على العموم. هناك من يشبهون الأفاعي يعيشون بين المواطنين ينتظرون فرصتهم حتى يلدغوا ضحيتهم, يغرسون أنيابهم في جسمها وينشرون سمومهم. المسيحيون في الأردن مكون سكاني أصيل متجذر وليسوا غرباء أو طارئين وليسوا أهل ذمة أو مستأمنين وعلى الحكومة الأردنية أن توقف ذلك المدعو إياد قنيبي وأمثاله عند حدهم خصوصا أنه مدرس جامعي ومعروف ارتباطاته مع السلفية الجهادية ورموزها في الأردن خصوصا أبو محمد المقدسي.
إن مشكلة من يتعامل مع الإرهاب والتنظيمات الإرهابية أنه يعتقد أنه كائن فيزيائي, جسم مادي يمكن التخلص منه مرة واحدة وإلى الأبد ولكن الأحداث تثبت خطأ ذلك. الإرهاب فكرة والقضاء على الفكرة أمر مختلف عن القضاء على الرأس الذي يحملها. وهناك من يعتقد أن القيام بغسيل دماغ عكسي للمصابين بجرثومة التطرف والإرهاب أمر ممكن من خلال نشر الانحلال الخلقي تحت مسمى العودة الى الحياة الطبيعية. ولكن من يعتقد ذلك هو أيضا مخطئ ويساهم في زيادة المشكلة وليس القضاء عليها. المجتمعات التي ينتشر بين أفرادها الإنحلال الأخلاقي هدف أكثر سهولة للتطرف والإرهاب.
إن الحل هو تطبيق سياسة فكي الكماشة ومحاصرة التطرف والإرهاب من خلال طوق سياسي, ديني, إجتماعي واقتصادي لا يمكن الخلاص منه. حرمان التنظيمات الدينية من مصادر التمويل هدف مهم خصوصا صناديق التبرعات المجهولة التي لا يعلم أحد مصادر إنفاقها والجهات المسؤولة عنها. السيطرة الكاملة من الحكومات على المساجد ومنابر الخطاب الديني, تعديل المناهج المدرسية و رواية تاريخ صحيح خاليا من التشوهات بداية من تأسيس الإرهابي حسن البنا تنظيم الإخوان المسلمين ومن قبله دور جمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ المصري محمد عبده في بداية نشر الأفكار السلفية المتطرفة بداية من مصر بالتعاون مع الإحتلال الإنجليزي. لماذا لا يتحدثون عن ذلك في وسائل الإعلام المختلفة؟ هل يخجلون؟ لماذا لا يصفون الأمور بمسمياتها؟ أخبروا الأجيال القادمة الحقيقة حتى تحموها من التطرف والإرهاب.
تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية
أطلقوا سراح بتول علوش وجميع المختطفين والمختطفات
عاشت الجمهورية العربية السورية حرة مستقلة
الوطن أو الموت
النهاية