Flag Counter

Flag Counter

Saturday, August 29, 2015

لماذا فشلت لنظرية النقدية الحديثة(Monetarism theory) في حل معضلة الركود الإقتصادي الأمريكي؟

في عام 1969 تم إخراج جائزة نوبل في العلوم الإقتصادية لحيز الوجود حيث جاء ذالك تتويجا لجهود بدات عام 1940 لفصل المجال الإقتصادي عن إرتباطاته القديمة بمجالات مثل العلوم الفلسفية والقانونية وجعله مرتبطا بمجالات مثل الرياضيات التطبيقية والفيزياء. الإقتصاديون إحتلوا مكانة رفيعة في المجتمعات فقد أصبحوا مسؤولين عن جزء كبير من النشاط الإنساني المتعلق بخلق الثروة, التوفير والإستثمار ومستعينيين لإنجاز ذالك بأجهزة كمبيوتر, معادلات رياضية ونماذج إقتصادية.
لقد وعد علماء الإقتصاد الذين يشبههم البعض بالقياصرة بمستقبل إقتصادي أفضل معتمدين على العلوم الحديثة لتوجيه الإقتصاد بعيدا عن الأزمات والمطبات التي يتعرض لها بشكل دوري ومستمر. الأزمة الإقتصادية 2007-2008 تسببت بتعرية الفياصرة من أرديتهم حيث عجزوا عن توقع الأزمة على الرغم من علاماتها التي كانت أكثر من واضحة ولم يتم إنقاذ الإقتصاد من الإنهيار الشامل غلا بفض تدخل حكومي واسع وبطرق مختلفة.
لتوضيح سبب ذالك علينا أن نعود إلى سنة 1947 حيث قام بول ساميولسن بتأليف كتاب (قواعد الإقتصاد التحليلي) والذي يعد خطا فاصلا بين تصنيف الإقتصاد كعلم من العلوم الإجتماعية قبل تأليف الكتاب وتصنيفه كعلم من العلوم الطبيعية بعده. إنهيار مؤسسة إدارة التمويل الطويل الأجل سنة 1998 يماثل ماحصل سنة 1907 من إنهيار مؤسسة الضمان نيكربوكر وموجة الذعر التي تبعت ذالك. كما أن ماحصل بتاريخ أوكتوبر 19 1987 عندما إنهار مؤشر داو جونز بمقدار 22.61% في يوم واحد بما يماثل له ماحصل في 28-29 أكتوبر 1929.
على الرغم من تكرار الأزمات المالية والإنهيارات الإقتصادية رغم تشابه ملامحها والعوامل التي تسببت بها ورغم إمتلاك المختصين في العلوم الإقتصادية كل الأدوات التي من المفترض إستخدامها بحكمة, إلا أنهم فشلوا فهناك أكثر من 40 مليون أمريكي يعيشون على بطاقات الطعام. لايوجد هناك مايثبت الفوائد الإيجابية في مجال العلوم الإقتصادية في مرحلة مابعد سنة 1947 والعكس صحيح فقد زادت الأمر سوءا.
يعد ميلتون فريدمان(Milton Friedman) الحائز على جائزة نوبل في مجال الإقتصاد سنة 1976 الأب الروحي للنظرية النقدية الحديثة(Monetarism theory). تتمحور تلك النظرية على مبدأ أساسي قائم على العلاقة بين الناتج المحلي الإجمالي والسيولة النقدية حيث أن توفر السيولة يعد من اهم العوامل التي تؤثر على الناتج المحلي الإجمالي بالزيادة أو بالنقصان. تلك التغيرات في الناتج المحلي الإجمالي عند تقييمها بالدولار الأمريكي يمكن تقسيمها إلى جزئين: الأول هو حقيقي والذي ينتج عنه نمو حقيقي, والثاني هو تضخمي وينتج نمو وهمي. النمو الحقيقي زائد النمو الوهي يساوي الزيادة الإسمية. الهدف من تطبيق نظرية فريدمان هو ان زيادة السيولة النقدية بهدف زيادة الإنتاج يمكن أن تكون فعالة إلى حد معين فإذا تخطت ذالك فتصبح تلك الزيادة تضخمية وليست حقيقية. ومن الممكن تطبيق نظرية فريدمان على سياسة التيسير الكمي والتي قد تنتج نموا حقيقيا لفترة قصيرة ولكن المشكلة أن ذالك النمو سوف يكون بدون فائدة لأنه سوف يتحول لتضخم في وقت لاحق.
فريدمان قام بوضع النظرية الكمية النقدية والتي من الممكن توضيحها كالتالي:
م(M) = سيولة نقدية, س(V) = سرعة دوران السيولة النقدية, ب(P) = مستوى الأسعار, و(Y) = الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
المعادلة تكون على الشكل التالي:
م*س = ب*و(M*V = P*Y)
بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي يتحكم بالعامل (M) وذالك بشراء سندات وزارة الخزينة الأمريكية بالدولارات المطبوعة لزيادة السيولة ويقوم ببيع السندات لتقليصها. العامل(V) هو عبارة عن سرعة دوران رأس المال في الأسواق أو بصورة أكثر وضوحا سرعة إنفاقه.
السؤال المهيمن لعقود طويلة كان عن قدرة الإقتصاد على النمو الحقيقي قبل بروز مشكلة التضخم؟
النمو السكاني في الولايات المتحدة يقدر بنسبة 1.5% سنويا بينما الزيادة في الإنتاجية السنوية تقدر بنسبة 2%-2.5%. إذا قمنا بجمع نسبة النمو السكاني إلى نسبة الإنتاجية فإن ذالك يعني أن الإقتصاد الأمريكي من الممكن أن ينمو بين 3.5% - 4% كنمو حقيقي. هاذا يعبر عن المكون (Y) من المعادلة.
تلك المعادلة تحقق نموا من دون تضخم تقريبا بشرط ثبات عامل(V) وهو سرعة تداول النقود حيث أن ذالك ظاهرة سلوكية وعامل قوي في النمو الإقتصادي.
في الفترة بين يناير 2008 - يناير 2011 فإن القاعدة المالية(الأموال المطبوعة) بموجب التسير الكمي قد زادت بنسبة 242% ولكنها تشكل 20% من مجمل السيولة النقدية حيث تكون البنوك مسؤولة عن 80% من تلك السيولة عبر إصدار القروض والإعتمادات المالية والإستثمار في قطاعات تجارية مختلفة. البنوك في تلك الفترة كانت مترددة في الإقراض والمستهلكون مترددون في إنفاق السيولة المالية التي بحوزتهم خوفا من الإقتصاد المضطرب. كما أن المستهلكين كانوا مترددين في طلب أي سيولة إضافية من البنوك لشكهم في قدرتهم على سدادها.
في تلك الحالة ماهي الوسائل التي يلجأ إليها البنك الفيدرالي لزيادة سرعة تداول النقود وتشجيع المواطنين على الإنفاق؟
يستطيع الفيدرالي التأثير على سلوك الإنفاق لدى المستهلكين عبر التلاعب بما يسمى الإحساس بنشوة أو تأثير الثروة. الطريقة المفضلة لذالك هي محاولة التأثير على أسعار الأصول بالإرتفاع حيث يفضل البنك من جهته أسعار الأسهم والمنازل. الطريقة الأخرى هي محاولة التأثير على المستهلكين لإنفاق الأموال المدخرة تحت تأثير الخوف من التضخم.
الطريقة الأولى فشلت بسبب التذبذب الكبير في أسعار المنازل كما أن المستثمرين والأفراد العاديين إبتعدوا عن أسواق الأسهم بسبب فقدان الثقة على إثر أزمة 2007-2008. ليتمكن بنك الإحتياطي الفيدرالي من تفعيل الطريقة الثانية فعليه أن يتلاعب بثلاثة عوامل وهي: أسعار الفائدة الإسمية, أسعار الفائدة الحقيقية, توقعات التضخم. الهدف هو إبقاء أسعار الفائدة الإسمية منخفضة وتوقعات التضخم مرتفعة بهدف إيجاد أسعار فائدة حقيقية سلبية(سعر الفائدة الإسمي - التضخم= سعر فائدة حقيقي سلبي).
إن تحقيق تلك الغاية يزيد من جاذبية الإقتراض وبالتالي توقعات الإنفاق والإستثمار فيزداد الناتج المحلي الإجمالي. إذا أردت التعبير عن ذالك بجملة مختصرة تكون أكثر بساطة فمن الممكن أن ألخص ماسبق(بإثارة الذعر لدى أصحاب المدخرات والمستثمرين من تناقص قيمة مدخراتهم ورؤوس أموالهم بسبب التضخم إذا لم يقوموا بإنفاقها والعائد المرتفع في حال قاموا بذالك).
النظرية النقدية الحديثة ليس كافية كاداة مالية لمعالجة الأزمات الإقتصادية ليس لأان العناصر المؤلفة منها المعادلة التي تعبر عن تلك النظرية خاطئة بل لأن السيطرة عليها يعتبر مهمة مستحيلة. العلاقة بين المقترضين والبنوك أيضا متقلبة بسبب عامل الثقة بينهم وبين أنفسهم وكذالك عامل الثقة بالحالة الإقتصادية بشكل عام.
الأمر الذي يشكل خطرا أن بنك الإحتياطي الفيدرالي مازال غير مقتنع بصعوبة السيطرة على عناصر المعادلة وخصوصا العامل(V) حيث مازال وعبر سياسات مختلفة كان لبعضها نتائج كارثية, مازال مصرا على ذالك. إستمرار تلك الممارسات سوف يؤدي إلى إضعاف ثقة المواطنين بالنظام المالي والإقتصادي للولايات المتحدة وذالك ينطبق على أي يبلد في العالم. عامل الثقة هو حائط الصد الأخير الذي يحمي أي نظام مالي وإقتصادي من الإنهيار فإن إنهار ذالك العامل فذالك يعني أن الإقتصاد سوف ينهار. والسؤال هو هل الولايات المتحدة قريبة من أن يفقد مواطنوها ثقتهم بعملتهم وبقدرة المسؤولين الحكوميين على حمايتهم وحماية مدخراتهم واعمالهم؟

النهاية

No comments:

Post a Comment